وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين ١٤٢ ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين ١٤٣ قال يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشّاكرين ١٤٤ وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلا لكلّ شيء فخذها بقوّة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين ١٤٥
هذه الآيات نزلت في بيان بدء وحي الشريعة لموسى عليه السلام وقد بدأ الوحي المطلق إليه في جانب الطور الأيمن من سيناء منصرفه من مدين إلى مصر، وإنما المذكور هنا بدء وحي كتاب التوراة بعد أن أنجى الله قومه بني إسرائيل من العبودية وجعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما يشرعه الله لها من العبادات وأحكام المعاملات، والأمة المستعبدة للأجنبي لا تقدر على ذلك، ألم تر أن جميع أحكام المعاملات الدنيوية من شريعتنا المطهرة وأكثر أحكام العبادات لم تشرع إلا بعد الهجرة ؟ وأن الصلاة التي هي عبادة بدنية لما شرعت في مكة كأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي هو ومن آمن به في البيوت سرا اتقاء أذى المشركين الذين كانوا يمنعونهم من الصلاة في المسجد الحرام وقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم مرة فجاء المشركون بسلا جزور- أي كرش بعير برفثه- فوضعوه عليه وهو ساجد فلم يستطع رفع رأسه حتى جاءت ابنته السيدة فاطمة عليها السلام فألقته عن ظهره ؟ وهمَّ أبو جهل مرة أن يجلس عليه وهو ساجد فكفه الله عنه ؟
قال يا موسى إنّي اصطفيتك على النّاس برسالاتي وبكلامي الاصطفاء اختيار صفوة الشيء وصفوه أي خالصه الذي لا شائبة فيه، ومنه الصفّي من الغنيمة وهو ما يصطفيه الإمام أو القائد الأكبر منها ويختاره لنفسه كاختيار النبي صلى الله عليه وسلم السيف المعروف بذي الفقار من غنائم غزوة بدر. وتعدية الاصطفاء هنا بعلى لتضمنه معنى التفضيل، فالمعنى إني اصطفيتك مفضلاً إياك على الناس من أهل زمانك بالرسالة، قرأ ابن بشير ونافع " برسالتي " والباقون برسالاتي، فإفرادها بمعنى الاسم من الإرسال وجمعها باعتبار تعدد ما أرسل به من العقائد والعبادات والأحكام السياسية والحربية والمدنية والشخصية، وقيل بتعدد أسفار التوراة وهو ضعيف لأن التوراة ما أوحاه من الشريعة إلى موسى وهو موضوع رسالته وتسمية الأسفار الخمسة بالتوراة اصطلاحية وقد يطلقونها على جميع كتب أنبياء بني إسرائيل قبل عيسى عليهم السلام –واصطفيتك بكلامي أي بتكليمي لك بعد وحي الإلهام من غير توسط ملك وإن كان من وراء حجاب، وهو ما طلب رفعه لتحصيل الرؤية مع الكلام، ووحي الله تعالى ثلاثة أنواع بينها قوله : وما كان لبشر أن يكلّمه اللّه إلّا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنّه عليّ حكيم [ الشورى : ٥١ ] فهذا النوع الأوسط هو الأعلى وقد أعطي لموسى عليه السلام بعد النوع الأول وقيل بالعكس، وقد بينا ما فيه من وجه الخصوصية في تفسير قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما [ النساء : ١٦٤ ] من سورة البقرة.
فخذ ما آتيتك وكن من الشّاكرين أي فخذ ما أعطيتك من الشريعة " التوراة " وكن من الراسخين في الشكر لنعمتي بها عليك وعلى قومك، وذلك بإقامتها بقوة وعزيمة والعمل بها، وكذا لسائر نعمي، فإن حذف متعلق الشكر يدل على عمومه، كما أن صيغة الصفة منه تدل على التمكن منه والرسوخ فيه.
في اختلاف المسلمين في الرؤية وكلام الرب تعالى وتحقيق الحق فيهما
كان جماعة الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون هذه الآيات وأمثالها ولا يرون فيها إشكالا وهم أعلم العرب بلغة القرآن وبمراد الله تعالى من آياته فيه لتلقيهم إياها من الرسول المنزلة عليه المأمور فيها ببيانها للناس، ثم انتشر الإسلام ودخل فيه من الأعاجم من كانوا على أديان مختلفة وصاروا يتلقون لغته بالتلقين ويقتبسونها بمعاشرة العرب الخلص ثم بالتعليم الفني، ثم صارت السلائل العربية كذلك. ثم حدثت في الجميع الاصطلاحات العلمية والفنية لما وضعوا من العلوم الشرعية كأصول العقائد والفقه والحديث واللغوية كالنحو والصرف والبيان، ولما ترجموا من كتب علوم الأوائل وما زادوا فيها من الرياضيات والعقليات والوجدانيات وسائر سنن الموجودات، فامتزجت هذه الاصطلاحات بلغة القرآن والحديث فصارت آلات لفهمها، وسببا للخطأ في تعيين بعض المراد منها.
ثم حدث ما هو أدعى إلى الخطأ في الفهم وهو عصبية المذاهب والشيع التي فرقت بين المسلمين، على ما جاء في التفرق والتفريق من الوعيد الشديد، فصار كل منتم إلى شيعة وحزب لا ينظر في الكتاب والسنة إلا بالمنظار المعبر عنه بمذهب الحزب، وإن كان من أهل النظر والاستدلال، ومدعي الاجتهاد والاستقلال، والبداهة قاضية بالتضاد بين التقيد بالمذهب، والاستقلال الصحيح المسمى عندهم بالاجتهاد المطلق.
وهنالك سبب آخر وهو حشر الإسرائيليات والروايات الموضوعة والواهية في تفسير القرآن وكتب السنة وتقاصر الأكثرين عن تمحيصها، والتمييز بين حقها وباطلها، حتى أن بعض الإسرائيليات قد اشتبه بالأحاديث المرفوعة كما بينه بعض نقاد الحفاظ ومنهم ابن كثير في تفسيره.
فبهذه الأسباب أبطلوا مزية كتاب الله وخاصيته في رفع الخلاف والتفرق المفسديْن لأمر الملة والأمة اتباعا لسنن من قبلهم وهم لا يشعرون، لأنهم جعلوه هو موضع الخلاف أيضا، قال تعالى : كان النّاس أمّة واحدة فبعث اللّه النّبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلّا الّذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغيا بينهم [ البقرة : ٢١٣ ] الآية. وقال تعالى : وما تفرّق الّذين أوتوا الكتاب إلّا من بعد ما جاءتهم البيّنة [ البينة : ٩٨ : ٤ ] وقال تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [ النساء : ٥٩ ].
فالرد إلى كتاب الله وما بينه من سنة رسوله لإزالة التنازع وحسم الخلاف تفاديا من التفريق والتفرق المنافي لوحدة الدين يتوقف على جعل الكتاب وبيان الرسول له فوق التنازع واختلاف المذاهب والشيع، وإلا كان الدواء عين الداء فإن قيل : إن القرآن ليس موضوع اختلاف بين الشيع والأحزاب المختلفين في المذاهب الإسلامية، فهم مجمعون على أن من رد شيئا منه كان مرتدا عن الإسلام – إن كان قد عد من أهله – وإنما الاختلاف في فهمه، وأما السنة فاختلفوا في رواية بعضها وفي فهم بعض، ومن صح عنده منها شيء يتعلق بأمر الدين وجب الأخذ به في كل مذهب من المذاهب التي يعتمد بإسلام أهلها. والاختلاف في فهم ما كان غير قطعي الدلالة ضروري لا يتناوله مثل قوله تعالى : ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم [ آل عمران : ١٠٥ ].
ونجيب عن هذا – أولا- بأنهم إنما كانوا كذلك في ذلك قبل الفتن وعصبية المذاهب وأما بعدها فقد صرح بعض كبار فقهاء الحنفية بأن الأصل عندهم في كل حكم كلام أصحابهم فإن وجدوا آية تخالفه ( ! ! ) التمسوا لها ناسخا فإن لم يجدوا أوّلوها، وإن وجدوا حديثا مخالفا له ( ! ! ) بحثوا في إسناده فإن وجدوا فيه مطعنا نبذوه وإلا فعلوا في التفصي منه ما يفعلون في التفصي من القرآن ( ! ! ) وقد جرى على ذلك أهل كل مذهب إلا أفرادا من كبار النظار خالفوا المذهب في بعض المسائل الكلامية والأصولية بالدليل، وبعض كبار المحدثين رجحوا بعض الأحاديث الصحيحة الصريحة على المذهب، وإن شئت فراجع بعض الشواهد على ردهم لها في " كتاب أعلام الموقعين " للمحقق ابن القيم.
وثانيا- بأن الله تعالى يكلفهم أن لا يجعلوا ما ليس قطعي الدلالة سببا للتفرق والتعادي وتأليف الأحزاب والشيع التي يلقن أتباع كل منها فهم رجل أو رجال يسمونه مذهبهم ويتعلمون معه الرد على مخالفيهم وتفسيقهم أو تكفيرهم، وبهذا كان الاختلاف ضاراً ومفسداً على المسلمين ومن كان قبلهم من أهل الملل أمور دينهم ودنياهم، وهو المراد بقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنّ الّذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء [ الأنعام : ١٥٩ ] الآية ولولاه لما كان أولئك العلماء الأعلام من المعتزلة والأشعرية يتنابزون بالألقاب، ويتبارون بالسباب، ويتهاجون بالأشعار، كقول الزمخشري المعتزلي بعد تفسيره لآية الأعراف التي نحن بصدد تفسيرها : ثم تعجب من المتَّسِمين بالإسلام، المتَسَمِّين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ؟ ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم- يعني بالبلكفة قولهم أنه تعالى يرى بلا كيف أي إن رؤيته ليست كرؤية أهل الدنيا بعضهم لبعض فيما يلزمها من كون المرئي جسما كثيفا تحيط به أشعة البصر – ثم قال : والقوم ما قال بعض العدلية فيهم :
يعني بالعدلية جماعته المعتزلة فإنهم سموا أهل العدل والتوحيد. فانظر إلى جعله إثبات الرؤية الثابتة في الأحاديث المتفق على صحتها منافيا للاتسام بالإسلام والتسمي بأهل السنة، وهو يعلم أنهم ينفون التشبيه في الرؤية بالتصريح كما ينفيه هو، فلولا تعصب المذهب لما ألزمهم إياه بدلالة اللزوم الضعيفة التي قالوا فيها " لازم المذهب ليس بمذهب " قيل مطلقا وقيل فيما لم يدل الدليل على التزام صاحب المذهب له، وأما ما صرح بنفيه فلا وجه لإسناده إليه البتة، ومن نسبه إليه وذمه به كان ظلوما جهولا. وجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمري موكفه قد شبهوه بخلقه وتخوفـوا شنع الورى فتستروا بالبلكفه
ولو أن الزمخشري وشاعر العدلية لم يقولا ما قالا من الطعن والهجو في أهل السنة بأن اكتفى الزمخشري في تأويل أحاديث الرؤية بما أولها به من كون الرؤية فيها عبارة عن كمال المعرفة الجلية لما جوزيا على ذلك بمثل ذنبهما أو أكثر كما قال أحمد بن المنير الإسكندري في ( الانتصاف ) حاشيته على الكشاف :
وللشيخ تاج الدين السبكي صاحب جمع الجوامع وغيره مثل هذا الشعر المحزن، والبادئ بالشر أظلم، وهؤلاء الذين هجوا عدلية المعتزلة بمثل ما هجا به شاعرهم أهل السنة كافة هم من الأشعرية الذين يقولون مثلهم بالتأويل، ويشنعون على إخوانهم من الحنابلة وغيرهم من السلفيين في بعض مسائل التفويض، كالنصوص في علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، التي اتبعوا فيها إجماع السلف أو جمهورهم الأعظم في إمرارها كما جاءت مع تنزيه الرب تعالى عن مشابهة الخلق والتحيز والحد والحلول، لأن أصل عقيدتهم أنه تعالى مباين لخلقه بذاته وصفاته ليس كمثله شيء [ الشورى : ١١ ] بل أول الإمام أحمد بن حنبل نفسه نصوص المعية كقوله تعالى : وهو معكم أينما كنتم [ الحديد : ٤ ] فخصه بالعلم. وجماعة كفروا برؤية ربهم حقا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عـدلية، قلنا أجـل عدلـوا بربهم فحسبهم سفه وتلقبوا الناجين، كلا إنـهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
فالحق الواقع أن المختلفين في فهم النصوص من المسلمين الصادقين يؤمنون بها ويعظمونها ولكن غلب على قوم ترجيح جانب التنزيه حتى انتهى ببعضهم إلى التعطيل، وجعل صفات الرب تعالى سلبية بضروب من التأويل، وغلب على قوم جانب الأخذ بالظاهر في ذلك حتى وقع بعضهم في التشبيه فعلا، كأن الكتاب والسنة خلو من المجاز والكناية في ذلك مع العلم بأن ما عدا اسم الجلالة من ألفاظ اللغة قد وضع قبل نزول القرآن للتعبير به عن المخلوقات وشؤونها، فالفريقان أرادا تعظيم الرب تعالى وسدّ ذريعة القول في ذاته وصفاته بغير الحق الذي يرضيه، هؤلاء خافوا التعطيل برد شيء من النصوص أو تحكم الأهواء في تأويلها- وأولئك خافوا الوقوع في تشبيه الرب سبحانه بخلقه، وسد ذريعة ما يعد نقصا في حقه.
فالنية كانت حسنة من الجانبين كما قال شيخنا الشيخ حسين الجسر الطرابلسي رحمه الله تعالى في درسه عند قراءة شرحي السنوسية والجوهرة ولكن الذين ضلوا بالتأويل والتعطيل كثيرون حتى خرجت به عدة فرق من الملة بعضهم باطنا وظاهرا وبعضهم باطنا لا ظاهرا كالباطنية الذين تركوا أركان الإسلام، من صلاة وزكاة وحج وصيام، زاعمين أن لها معاني غير ما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأجمع عليه المسلمون، وكغلاة الصوفية الذين ذهبوا في التأويل إلى ما وراء طور العقل والنقل وأساليب اللغة، فادعوا أنهم يرون الله تعالى عيانا في جميع الصور، ويتلقون عنه كالأنبياء، وأن فيهم من هم أفضل من الأنبياء وأعلم بالله تعالى، ومنهم من ادعى رفع التكليف عمن بلغ مقاماتهم في المعرفة، بل منهم من غلا في وحدة الوجود إلى ادعاء الربوبية للبشر والبقر، والحجر والمدر، وما يستحي أو يتنزه قلم المتدين الأديب عن ذكره- وإلى عدم التفرقة بين موحد ومشرك، ومؤمن وكافر، وبر وفاجر وعادل وحائر، وطيب وخبيث، ولا بين نافع وضار، وطهور ورجس. ويستدلون على عقائدهم أو مزاعمهم بالآيات والأحاديث، بضروب من التأويل، وقد قال بعضهم :
ولم يقع من فرقة تأخذ بظواهر نصوص الكتاب والسنة من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل، في مثل هذا الضلال البعيد، فهؤلاء الظاهرية ومن يسمونهم غلاة الحنابلة من أقوى المسلمين إيمانا، وأصحهم إسلاما، وما رموا به من التشبيه والتمثيل الذي نفاه النص والعقل ظلم سببه التعصب المذهبي فإذا كانوا يثبتون للرب تعالى كل ما أثبته لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله فيما صح من حديثه، حتى فيما يفوضون كنهه إليه تعالى للاعتراف بأن عقولهم لا تحيط به، فهل يعقل أن يثبتوا له ما نفاه عن نفسه بقوله : ليس كمثله شيء [ الشورى : ١١ ] وهو مما يعقلونه ولا يعقلون ضده ؟ كلا إن تعصب أصحاب النظريات الكلامية من المعتزلة ومن يقرب منهم من متأولة الأشعرية هم الذين افتاتوا عليهم بما ألزموهم إياه مما نفوه من لوازم ما صح في الكتاب والسنة من علوه تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، وكونه ينزل إلى سماء الدنيا ويحب ويبغض ويضحك الخ مع استصحاب نص التنزيه، فهم لا يرون فرقا بينها وبين كونه يسمع ويبصر ويتكلم، وكذا يعلم ويريد ويشاء ويقدر، فكل ذلك مما يطلق على الخلق والخالق مع انتفاء التشبيه، وإنما ذنبهم عندهم أنهم لا يستعملون نظريات أفكارهم في التحكم بتأويل هذه النصوص، ولم يكلف الله تعالى أحدا من خلقه هذه النظريات الفلسفية الكلامية، وإنما كلفهم الإيمان بجميع ما جاءهم به رسله صلى الله عليه وسلم وأصل الدين الذي بعث الله تعالى به جميع رسله إلى خلقه هو أن يعبدوا الله تعالى وحده ولا يشركوا به شيئا من خلقه، وأن يعبدوه بما شرعه لهم دون غيعقد الخلائق في الإله عقائدا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
فصل
في اختلاف المسلمين في الرؤية وكلام الرب تعالى وتحقيق الحق فيهما
كان جماعة الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون هذه الآيات وأمثالها ولا يرون فيها إشكالا وهم أعلم العرب بلغة القرآن وبمراد الله تعالى من آياته فيه لتلقيهم إياها من الرسول المنزلة عليه المأمور فيها ببيانها للناس، ثم انتشر الإسلام ودخل فيه من الأعاجم من كانوا على أديان مختلفة وصاروا يتلقون لغته بالتلقين ويقتبسونها بمعاشرة العرب الخلص ثم بالتعليم الفني، ثم صارت السلائل العربية كذلك. ثم حدثت في الجميع الاصطلاحات العلمية والفنية لما وضعوا من العلوم الشرعية كأصول العقائد والفقه والحديث واللغوية كالنحو والصرف والبيان، ولما ترجموا من كتب علوم الأوائل وما زادوا فيها من الرياضيات والعقليات والوجدانيات وسائر سنن الموجودات، فامتزجت هذه الاصطلاحات بلغة القرآن والحديث فصارت آلات لفهمها، وسببا للخطأ في تعيين بعض المراد منها.
ثم حدث ما هو أدعى إلى الخطأ في الفهم وهو عصبية المذاهب والشيع التي فرقت بين المسلمين، على ما جاء في التفرق والتفريق من الوعيد الشديد، فصار كل منتم إلى شيعة وحزب لا ينظر في الكتاب والسنة إلا بالمنظار المعبر عنه بمذهب الحزب، وإن كان من أهل النظر والاستدلال، ومدعي الاجتهاد والاستقلال، والبداهة قاضية بالتضاد بين التقيد بالمذهب، والاستقلال الصحيح المسمى عندهم بالاجتهاد المطلق.
وهنالك سبب آخر وهو حشر الإسرائيليات والروايات الموضوعة والواهية في تفسير القرآن وكتب السنة وتقاصر الأكثرين عن تمحيصها، والتمييز بين حقها وباطلها، حتى أن بعض الإسرائيليات قد اشتبه بالأحاديث المرفوعة كما بينه بعض نقاد الحفاظ ومنهم ابن كثير في تفسيره.
فبهذه الأسباب أبطلوا مزية كتاب الله وخاصيته في رفع الخلاف والتفرق المفسديْن لأمر الملة والأمة اتباعا لسنن من قبلهم وهم لا يشعرون، لأنهم جعلوه هو موضع الخلاف أيضا، قال تعالى : كان النّاس أمّة واحدة فبعث اللّه النّبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلّا الّذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغيا بينهم [ البقرة : ٢١٣ ] الآية. وقال تعالى : وما تفرّق الّذين أوتوا الكتاب إلّا من بعد ما جاءتهم البيّنة [ البينة : ٩٨ : ٤ ] وقال تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [ النساء : ٥٩ ].
فالرد إلى كتاب الله وما بينه من سنة رسوله لإزالة التنازع وحسم الخلاف تفاديا من التفريق والتفرق المنافي لوحدة الدين يتوقف على جعل الكتاب وبيان الرسول له فوق التنازع واختلاف المذاهب والشيع، وإلا كان الدواء عين الداء فإن قيل : إن القرآن ليس موضوع اختلاف بين الشيع والأحزاب المختلفين في المذاهب الإسلامية، فهم مجمعون على أن من رد شيئا منه كان مرتدا عن الإسلام – إن كان قد عد من أهله – وإنما الاختلاف في فهمه، وأما السنة فاختلفوا في رواية بعضها وفي فهم بعض، ومن صح عنده منها شيء يتعلق بأمر الدين وجب الأخذ به في كل مذهب من المذاهب التي يعتمد بإسلام أهلها. والاختلاف في فهم ما كان غير قطعي الدلالة ضروري لا يتناوله مثل قوله تعالى : ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم [ آل عمران : ١٠٥ ].
ونجيب عن هذا – أولا- بأنهم إنما كانوا كذلك في ذلك قبل الفتن وعصبية المذاهب وأما بعدها فقد صرح بعض كبار فقهاء الحنفية بأن الأصل عندهم في كل حكم كلام أصحابهم فإن وجدوا آية تخالفه ( ! ! ) التمسوا لها ناسخا فإن لم يجدوا أوّلوها، وإن وجدوا حديثا مخالفا له ( ! ! ) بحثوا في إسناده فإن وجدوا فيه مطعنا نبذوه وإلا فعلوا في التفصي منه ما يفعلون في التفصي من القرآن ( ! ! ) وقد جرى على ذلك أهل كل مذهب إلا أفرادا من كبار النظار خالفوا المذهب في بعض المسائل الكلامية والأصولية بالدليل، وبعض كبار المحدثين رجحوا بعض الأحاديث الصحيحة الصريحة على المذهب، وإن شئت فراجع بعض الشواهد على ردهم لها في " كتاب أعلام الموقعين " للمحقق ابن القيم.
وثانيا- بأن الله تعالى يكلفهم أن لا يجعلوا ما ليس قطعي الدلالة سببا للتفرق والتعادي وتأليف الأحزاب والشيع التي يلقن أتباع كل منها فهم رجل أو رجال يسمونه مذهبهم ويتعلمون معه الرد على مخالفيهم وتفسيقهم أو تكفيرهم، وبهذا كان الاختلاف ضاراً ومفسداً على المسلمين ومن كان قبلهم من أهل الملل أمور دينهم ودنياهم، وهو المراد بقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم إنّ الّذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء [ الأنعام : ١٥٩ ] الآية ولولاه لما كان أولئك العلماء الأعلام من المعتزلة والأشعرية يتنابزون بالألقاب، ويتبارون بالسباب، ويتهاجون بالأشعار، كقول الزمخشري المعتزلي بعد تفسيره لآية الأعراف التي نحن بصدد تفسيرها : ثم تعجب من المتَّسِمين بالإسلام، المتَسَمِّين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ؟ ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم- يعني بالبلكفة قولهم أنه تعالى يرى بلا كيف أي إن رؤيته ليست كرؤية أهل الدنيا بعضهم لبعض فيما يلزمها من كون المرئي جسما كثيفا تحيط به أشعة البصر – ثم قال : والقوم ما قال بعض العدلية فيهم :
| وجماعة سموا هواهم سنة | لجماعة حمر لعمري موكفه |
| قد شبهوه بخلقه وتخوفـوا | شنع الورى فتستروا بالبلكفه |
ولو أن الزمخشري وشاعر العدلية لم يقولا ما قالا من الطعن والهجو في أهل السنة بأن اكتفى الزمخشري في تأويل أحاديث الرؤية بما أولها به من كون الرؤية فيها عبارة عن كمال المعرفة الجلية لما جوزيا على ذلك بمثل ذنبهما أو أكثر كما قال أحمد بن المنير الإسكندري في ( الانتصاف ) حاشيته على الكشاف :
| وجماعة كفروا برؤية ربهم | حقا ووعد الله ما لن يخلفه |
| وتلقبوا عـدلية، قلنا أجـل | عدلـوا بربهم فحسبهم سفه |
| وتلقبوا الناجين، كلا إنـهم | إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه |
فالحق الواقع أن المختلفين في فهم النصوص من المسلمين الصادقين يؤمنون بها ويعظمونها ولكن غلب على قوم ترجيح جانب التنزيه حتى انتهى ببعضهم إلى التعطيل، وجعل صفات الرب تعالى سلبية بضروب من التأويل، وغلب على قوم جانب الأخذ بالظاهر في ذلك حتى وقع بعضهم في التشبيه فعلا، كأن الكتاب والسنة خلو من المجاز والكناية في ذلك مع العلم بأن ما عدا اسم الجلالة من ألفاظ اللغة قد وضع قبل نزول القرآن للتعبير به عن المخلوقات وشؤونها، فالفريقان أرادا تعظيم الرب تعالى وسدّ ذريعة القول في ذاته وصفاته بغير الحق الذي يرضيه، هؤلاء خافوا التعطيل برد شيء من النصوص أو تحكم الأهواء في تأويلها- وأولئك خافوا الوقوع في تشبيه الرب سبحانه بخلقه، وسد ذريعة ما يعد نقصا في حقه.
فالنية كانت حسنة من الجانبين كما قال شيخنا الشيخ حسين الجسر الطرابلسي رحمه الله تعالى في درسه عند قراءة شرحي السنوسية والجوهرة ولكن الذين ضلوا بالتأويل والتعطيل كثيرون حتى خرجت به عدة فرق من الملة بعضهم باطنا وظاهرا وبعضهم باطنا لا ظاهرا كالباطنية الذين تركوا أركان الإسلام، من صلاة وزكاة وحج وصيام، زاعمين أن لها معاني غير ما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأجمع عليه المسلمون، وكغلاة الصوفية الذين ذهبوا في التأويل إلى ما وراء طور العقل والنقل وأساليب اللغة، فادعوا أنهم يرون الله تعالى عيانا في جميع الصور، ويتلقون عنه كالأنبياء، وأن فيهم من هم أفضل من الأنبياء وأعلم بالله تعالى، ومنهم من ادعى رفع التكليف عمن بلغ مقاماتهم في المعرفة، بل منهم من غلا في وحدة الوجود إلى ادعاء الربوبية للبشر والبقر، والحجر والمدر، وما يستحي أو يتنزه قلم المتدين الأديب عن ذكره- وإلى عدم التفرقة بين موحد ومشرك، ومؤمن وكافر، وبر وفاجر وعادل وحائر، وطيب وخبيث، ولا بين نافع وضار، وطهور ورجس. ويستدلون على عقائدهم أو مزاعمهم بالآيات والأحاديث، بضروب من التأويل، وقد قال بعضهم :
| عقد الخلائق في الإله عقائدا | وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه |
تفسير المنار
رشيد رضا