ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

قال الله يا موسى إني اصطفيتك قرأه بعض السبعة : إني اصطفيتك اصطفيتك : معناه. اخترتك. والطاء مبدلة من تاء الافتعال ؛ لأن المقرر في فن الصرف : أن تاء الافتعال إذا جاء بعد حرف من حروف الإطباق أبدل طاء كما هو معروف في محله.
والاصطفاء معناه : الاختيار. أي : اخترتك على الناس برسالتي .
قرأ هذا الحرف جمهور القراء غير نافع وابن كثير : برسالتي وبكلامي بصيغة الجمع المؤنث السالم، وقرأه من السبعة نافع وابن كثير : إني اصطفيتك على الناس برسالتي بالإفراد، ومعنى القراءتين واحد ؛ لأن الرسالة أضيفت إلى معرفة فهي تعم، وتكون بمعنى الجمع كما هو معروف.
برسالتي وبكلامي الذي كلمتك به فخذ ما آتيتك . ما آتيتك وهو التوراة. يعني : خذها كما يأتي : وأمر قومك يأخذوا بأحسنها [ الأعراف : آية ١٤٥ ].
وكن من الشاكرين [ الأعراف : آية ١٤٤ ] لله على هذه النعم العظام حيث كلمك، وأهلك عدوك، وكتب لك هذا الكتاب العظيم الذي هو التوراة.
وقوله : من الشاكرين الشاكرون جمع الشاكر، وهو اسم فاعل الشكر. وقد قدمنا مرارا أن الشكر في لغة العرب : الظهور، ومنه :( ناقة شكور ) يظهر عليها السمن، و( الشكير ) : الغصن الذي يظهر في الجذع الذي كان مقطوعا كما هو معروف.
والشكر في القرآن يطلق من الرب لعبده، ومن العبد لربه، كما قال في شكر الرب لعبده : إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى قوله : ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم [ البقرة : آية ١٥٨ ]، وقوله : إن ربنا لغفور شكور [ فاطر : آية ٣٤ ] ومعنى شكر الرب لعبده : هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل. ويطلق الشكر من العبد لربه كقوله : وقليل من عبادي الشكور [ سبأ : آية ١٣ ] أن اشكر لي ولوالديك [ لقمان : آية ١٤ ] وضابط شكر العبد لربه : هو أن يصرف نعمته بما يرضيه.
اعلموا أيها الإخوان أن شكر خالقنا واجب علينا، فهذه العيون التي فتح الله في أوجهكم من أعظم نعمه عليكم، فمن شكرها : أن لا تنظروا بهذه العيون إلا ما يرضي من خلقها وتفضيل عليكم بها، أما النظر في المحرمات فلا ينبغي للعبد أن يستعمل نعمة الله فيما يغضب الله ويسخطه، فهذا أمر فضيع شنيع ! ! من الله عليكم بهذه الأيدي، وفرق أصابعها، وأبعد إبهامها من الأصابع ليمكنكم العقد والحل، وشد رؤوسها لكم بالأظفار، فشكر هذه الأيدي : ألا تبطشوا بها، ولا تتناولوا بها إلا ما يرضي من خلقها وامتن عليكم بها، وهكذا في سائر الأعضاء والجوارح، والجاه والمال، وغير ذلك، فلا تستعينوا على سخط الله بنعم الله، بل اشكروا الله نعمه، واصرفوا نعمه فيما يرضيه، واعلموا أن من أقبح القبائح وأرذل الرذائل أن يكون العبد الضعيف الحقير يمن عليه خالق السموات والأرض ( جل وعلا ) مع عظمته وجلاله بنعمه ثم إنه يصرف نعمه فيما يغضبه ويسخطه ! ! هذا من أقبح الأفعال وأخسها، ومن له عقل يستحي من أن يفعل ذلك.
واعلموا أن مادة ( الشكر ) تتعدى إلى النعمة بنفسها بالإجماع، كقوله : اوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي [ النمل : آية ١٩ ] أما تعدي مادة ( الشكر ) إلى المنعم فاللغة الفصحى أنها تتعدى باللام، وبالغ قوم من علماء العربية فقالوا : لا يجوز تعديها بنفسها، وهذا إفراط شديد ! ! فمثلا لو قلت : نحمد الله ونشكره. هذا لا ينبغي أن يقال ! ! وليس هو الأولى. وزعم بعضهم أنه لا يجوز. فيقول : نحمد الله ونشكر له. ولا يقول : ونشكره. ومن دواعي أن :( ونشكره )، وأن تعدي مادة الشكر إلى المفعول الذي هو المنعم بنفسها لا يجوز ؛ خلاف التحقيق.
والحق الفصل الذي لا شك فيه في هذا المقام : أن اللغة الفصحى أن تتعدى إليه باللام لا بنفسها، وأن تقول : نحمد الله ونشكر له. هذه اللغة الفصحى بلا نزاع. وهي لغة القرآن، يقول : أن اشكر لي ولوالديك [ لقمان : آية ١٤ ] و لم يقل : أن اشكرني. يقول : واشكر لي ولا تكفرون [ البقرة : آية ١٥٢ ] ولم يقل : واشكروني. أما قولهم : إن مثل قوله :( أحمده وأشكره ) أنه لحن لا يجوز. فليس بصواب، بل ( أشكره ) لغة مفضولة، و( أشكر له ) هي اللغة الفصحى، وقد جاء عن العرب أنهم يعدون –مثلا- الشكر إلى المنعم بلا واسطة الحرف، وهو متبوع في كلامهم، ومن أمثلته في كلامهم قول أبي نخيلة :

شكرتك إن الشكر حبل من التقي ومن كل من أوليته نعمة يقضي
ولم يقل : شكرت لك. وإنما قال : شكرتك. ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر :
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما على عذبة النياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة شكرتكما حتى أغيب في قبري
فإنه عربي قح، وقد قال : شكرتكما. ولم يقل : شكرت لكما.
وقول الله في هذه الآية : إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي [ الأعراف : آية ١٤٤ ] صفة الكلام هي التي جاء بها الذين يبحثون عن الكلام، وجاؤوا ببلايا، وجاؤوا بعلم الكلام، وغيروا عقائد الناس، وجاءت البلايا من ذلك الوقت لما دخل علم الكلام في المسلمين، وصاروا يحكمون العقل في صفات الله تعالى، وينفون الصفات بالتأويلات، بزعمهم أن العقل يمنعها، جاء من ذلك شر كبير، ومصدر هذا الشر الكبير، عسى الله أن يعفو عن المأمور فيه ؛ هو أول من ترجم الكتب اليونانية، وكان منها هذه المقاييس المنطقية، وقد قدمنا لكم مرارا أن الطريق الأحوط الذي ينجي المسلم ويخلصه من القيل والقال والبلايا كلها حتى يلقى الله سالما على أساس صحيح في نور القرآن العظيم هو أن يلتزم الأسس الثلاثة التي أكثرنا من تكرارها في هذه الدروس، ونحن كررناها قصدا لشدة الحاجة إليها، وكثرة من غفل عنها من المتعلمين، وقد بينا لكم مرارا أن من أراد منكم أن يلقى الله سالما ويتخلص من هذا المأزق في آيات الصفات، كصفة الكلام، وصفة اليد، والاستواء وجميع الصفات أن يبنيه على ثلاثة أسس :
أولها : هو أساس العقيدة الصحيحة : تنزيه خالق السموات والأرض عن مشابهة خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم. والخلق صنعة، وهو ( جل وعلا ) صانعها، والصنعة لا تشبه صانعها لا في ذاته، ولا في فعله، ولا في صفته. فإذا استقر هذا الأساس الأعظم في القلوب وطهرت من أقذار التشبيه، وغلب عليها تنزيه خالق السموات والأرض عن مشابهة خلقه سهل عليها :
الأساس الثاني : وهو أن نؤمن بصفات الله الثابتة في كتابه وسنة رسوله الصحيحة صلى الله عليه وسلم إيمانا مبنيا على أساسا ذلك التنزيه. ونحن نكرر لكم مرارا أن هذا التعليم ما قلناه من تلقاء أنفسنا، لا والله وكلا، ولكنا نقوله في ضوء المحكم المنزل، كلام رب العالمين، لأنه أوضح هذا إيضاحا شافيا لا يترك في الحق لبسا، وذلك أنه لما قال : ليس كمثله شيء أتبعه بقوله : وهو السميع البصير فجميع الحيوانات تبصر – ولله المثل الأعلى- فكأن الله يقول لك في هذه الآية : يا عبدي لا تتنطع وكن عاقلا، ولا تذهب بصفتي إلى صفة خلقي فتكون مشبها، وتضطر إلى التأويلات والبلايا، بل لاحظ في إثبات الصفات أني لا مثيل لي ولا نظير، وأثبت لي صفاتي على ذلك الشرط المعين ؛ ولذا جاء بقوله : وهو السميع البصير بعد : ليس كمثله شيء [ الشورى : آية ١١ ] أي : أثبت لي سمعي وبصري، ولا تذهب بهما إلى مشابهة أسماع الخلق وأبصارهم، بل أثبتهما على أساس ما ذكرت قبلهما، وهو : ليس كمثله شيء فتثبت له سمعه وبصره على أساس التنزيه والتقديس والتكريم عن مشابهة صفات المخلوقين، فتكون أولا منزها، وثانيا مثبتا على أساس التنزيه، وإن جئت يوم القيامة لا يأتيك لوم ولا توبيخ من أنك نزهت الله، والله لا يقول لك الله : لم كنت تنزهني في دار الدنيا عن مشابهة خلقي ؟ لا أبدا. هذا طريق سلامة محقق. ولا يقول لك : لم كنت تصدقني في صفاتي التي مدحت بها نفسي وأثني علي بها رسولي صلى الله عليه وسلم ؟ وعليك أن تقف عند حدك ( لم يذكر الأساس الثالث وقد ذكره في الوضع السابق عند الكلام على هذا الموضوع، وهو قطع الطمع عن إدراك كيفيات الصفات ).
هذا ذكرناه مرارا مطولا ومختصرا، فعلينا أن ننزه خالقنا عملا بقوله : ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد ٤ [ الإخلاص : آية ٤ ] فلا تضربوا لله الأمثال [ النحل : آية ٧٤ ] وعلينا أن نصدقه بما وصف به نفسه، ولا نقول : هذا نص يوهم غير اللائق ! ! فنثبت : وهو السميع البصير على أساس : ليس كمثله شيء [ الشورى : آية ١١ ] ولا نقول : هذا نص يوهم غير اللائق ؛ لأن الحيوانات تسمع وتبصر فنؤوله ! ! لا نفعل ذلك، ونقف عند حدنا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ١١٠ [ طه : آية ١١٠ ] ونعلم أن الله وصف نفسه بأن كلم موسى، وأكد ذلك التكليم في سورة النساء بالمصدر في قوله : وكلم الله موسى تكليما [ النساء : آية ١٦٤ ] يجب علينا أن نعلم أن الكلام صفة الله الأزلية، وأنه لم يتجرد يوما ما عن أنه يتلكم، وانه في كل يوم يتكلم بما شاء، كيف شاء، على الوجه اللائق بكلامه وجلاله المنزه عن مشابهة كلام المخلوقين من جميع الجهات، ونمره كما جاء مع تنزيه الله وتعظيمه، ولا نأتي بشيء من المحالات والبلايا.
وهنا للمتكلمين ضلالات طويلة، وكلام باطل طويل في الكلام لا يسعه هذا المقام.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير