ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

تفسير المفردات : الاصطفاء : اختيار صفوة الشيء أي خالصه الذي لا شائبة فيه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه ما أنعم به على بني إسرائيل من النجاة من العبودية ومن جعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما شرعه الله لها من العبادات والأحكام ـ ذكر هنا بدء وحي الشريعة لموسى عليه السلام ممتنا عليهم بما حصل لهم من الهداية بتكليم موسى وإعطائه التوراة، وفيها تفاصيل شرعهم وبيان ما يقربهم من ربهم من الأحكام، وقد روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر، إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فبينت هذه الآية كيفية نزول هذا الكتاب وهو التوراة.
الإيضاح : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي أي اصطفيتك بتكليمي لك بلا توسط ملك وإن كان من وراء حجاب، وقد طلب موسى رفع الحجاب لتحصل له الرؤيا مع الكلام.
فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين أي فخذ ما أعطيتك من الشريعة وهي التوراة وكن من جماعة الشاكرين لنعمتي عليك وعلى قومك، بإقامتها بقوة وعزيمة والعمل بها، وأداء حقوق نعمي جميعها عليك، تنل المزيد من فضلي : لئن شكرتم لأزيدنكم [ إبراهيم : ٧ ].
وقد تقدم أن قلنا : إن الوحي إلى الرسل أنواع ثلاثة بينها الله بقوله : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورائي حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم [ الشورى : ٥١ ].
والخلاصة : إن إثبات الكلام والتكليم لله تعالى صريح في القرآن الكريم في آيات عدة لا تعارض بينها، وأما الرؤية ففيها آيات متعارضة كقوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [ الأنعام : ١٠٣ ] وقوله : لن تراني وهما أصرح في النفي من دلالة قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة٢٢ إلى ربها ناظرة [ القيامة : ٢٢ ٢٣ ] على الإثبات فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب كقوله : هل ينظرون إلا تأويله [ الأعراف : ٥٣ ] وقوله : ما ينظرون إلا صيحة واحدة [ يس : ٤٩ ] وفي الأحاديث الصحيحة تصريح بإثبات الرؤية بحيث لا تحتمل تأويلا، والمرفوع منها مروي عن أكثر من عشرين صحابيا، ولم يرد في معارضتها شيء أصرح من حديث عائشة عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أماه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج ؟ فقالت : لقد قفّ شعري مما قلت، أيّ أنت من :( ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب )، وفي رواية فقد أعظم الفرية ثم قرأت : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورائي حجاب ، ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت وما تدري نفس ماذا تكسب غدا [ لقمان : ٣٤ ] ومن حدثك أنه كتم شيئا من الدين فقد كذب ثم قرأت : يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك [ المائدة : ٦٧ ] قال مسروق : وكنت متكئا فجلست وقلت : ألم يقل الله : ولقد رآه نزلة أخرى [ النجم : ١٣ ] فقالت :( أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال :( إنما هو جبريل ).
ومن هذا تعلم أن عائشة تنفي دلالة سورة النجم على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه بالحديث المرفوع، وتنفي جواز الرؤية مطلقا أو في هذه الحياة الدنيا بالاستدلال بقوله تعالى : لا تدركه الأبصار ، وقوله : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورائي حجاب وهذا الاستدلال ليس نصا في النفي حتى يرجح على الأحاديث الصريحة في الرؤية وقد قال بها بعض علماء الصحابة.
والمثبتون للرؤية يقولون : إن استنباط عائشة إنما هو لنفي الرؤية في الدنيا فقط كما قال بذلك الجمهور، ولا تقاس شؤون البشر في الآخرة على شؤونهم في الدنيا، لأن لذلك العالم سننا ونواميس تخالف سنن هذا العالم ونواميسه حتى في الأمور المادية كالأكل والشرب، والمأكول والمشروب، فماء الجنة غير آسن فلا يتغير كماء الدنيا بما يخالطه أو يجاوره في مقره أو جوّه، قال ابن عباس : ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء.
وجمهرة المسلمين أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق وأنها أغلى وأكمل للنعيم الروحاني الذي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة، وأنها أحق ما يصدق عليه قوله صلى الله عليه وسلم :( قال الله عز وجل : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) وهي المعبر عنها بقولهم : إنها رؤية بلا كيف. وبعد أن أخبر سبحانه في الآيات السالفة أنه منع موسى رؤيته في الدنيا وبشره بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالته وبكلامه أخبرنا فيما بعد بما أتاه يومئذ بالإجمال فقال : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير