قَوْلُهُ تَعَالَى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ؛ أي سأجعلُ جزاءَ المتكبرين الذين لا يُؤمنون بالمعجزةِ الإضْلاَلَ عن الْهُدَى، وعن معرفةِ ما أودعَ اللهُ في الكتاب يقرؤونَهُ ولا يفهمون ما أرادَ اللهُ به. وَقِيْلَ: معناهُ: سأَصرِفُهم عن الاعتراضِ على آيَاتِي بالإبطالِ، وَقِيْلَ: معناه: سأَصرِفُ عن نَيلِ ما في آياتِي من العزِّ والكرامةِ، ويعني بالذين يتكبَّرون في الأرضِ بغيرِ الحقِّ هم الذين يَرَونَ أنَّهم أفضلُ الخلقِ، وأنَّ لهم ما ليسَ لغيرِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ؛ معناه: وإن يَرَوا كلَّ آيةٍ تدلُّ على وحدانيَّة اللهِ ونُبوَّة الأنبياءِ لا يصدِّقوا بها.
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ ؛ أي سبيلَ الإِسلامِ.
لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً دِيناً لأنفسهم، يعني هؤلاء المتكبرين. وقرأ حمزةُ ومجاهد والأعمش والكسائيُ بالفتحِ الاستقامة في الدِّين، والرُّشد بضمِّ الراءِ الاصلاحُ. وقرأ أبو عبدِالرحمن: (وَإنْ يَرَواْ سَبيلَ الرَّشَادِ) بالألفِ. وقرأ مالكُ بن دينار: (وَإنْ يُرَواْ) بضمِّ الياء. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ؛ يحتملُ أن يكون ذلكَ موضعَ الرفعِ على معنى أمَرَهم ذلك، ويحتملُ أن يكون نَصباً على معنى فعل اللهُ ذلك بهم بتكذيبهم بآياتنا، قال مقاتلُ: (أرَادَ بقَوْلِهِ بآيَاتِنَا التِّسع) كأنه ذهبَ إلى أنه هذا كلُّه خطابُ موسَى. قال الكلبيُّ: (مَعْنَى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآنِ) وذهبَ إلى أنَّ قولَهُ: سَأَصْرِفُ خطابٌ لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ؛ أي عنها لاَهِينَ سَاهِينَ، لا يتفكَّرون فيها ولا يتَّعظُونَ بها.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني