سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين١٤٦ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون [ الأعراف : ١٤٦ ١٤٧ ].
تفسير المفردات : التكبر : التكثر من الكبر، وهو غمط الحق بعدم الخضوع له، ويصحبه احتقار الناس، فصاحبه يرى أنه أكبر من أن يخضع لحق أو يساوي نفسه بشخص، والرشد والرشد والرشاد كالسقم والسقم والسقام : الصلاح والاستقامة، وضده الغي والفساد، والآيات الأولى : هي البينات والدلائل، والثانية هي الآيات المنزلة من حيث اشتمالها على الهداية وتزكية النفوس.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه في الآيات السالفة ما لحق فرعون وقومه من الهلاك بسبب استكباره وظلمه وفساده في الأرض ـ ذكر هنا سنته تعالى في ضلال البشر بعد مجيء البينات وتكذيبهم لدعاة الحق الخير من الرسل وأتباعهم، وأبان أن السبب الأول لذلك هو التكبر، فإن من شأن الكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على الحق والهدى، فهم يكونون دائما من المكذبين بالآيات الدالة عليه، ومن الغافلين عنه كما هي حال الملوك والرؤساء والزعماء الضالين كفرعون وملته.
وفي هذا إيماء للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الطاغين المستكبرين من صناديد قومه لن ينظروا في دعوته ولا في آيات القرآن الدالة على وحدانية الله بما أقامته عليها من البراهين الكثيرة من آيات كونية، وآيات في الآفاق والأنفس.
وجملة الموانع الصادة لهم عن إتباعه ترجع إلى التكبر، فإنهم بزعمهم يعتقدون أنهم سادة قريش وكبراؤها وأقوياؤها فلا ينبغي أن يتبعوا من دونهم سنا وقوة وثروة وعصبية.
الإيضاح : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق أي سأمنع قلوب المتكبرين عن طاعتي وعلى الناس بغير حق فهم الأدلة والحجج الدالة على عظمتي وعلى ما في شرائعي من هدى وسعادة لهم كما قال : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [ الصف : ٥ ] كما منعت فرعون وقومه عن فهم آيات موسى التي أوحيتها إليه، وقوله بغير الحق أي بتلبسهم بالباطل وانغماسهم فيه إذ لا قيمة للحق فهم لا يبحثون عنه ولا يطلبونه، وقد تظهر لهم آياته ويجحدونها وهم بها موقنون كما قال تعالى في قوم فرعون : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ النمل : ١٤ ].
ثم بين صفات المستكبرين وأحوالهم فقال :
( ١ ) وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها أي إنهم إذا رأوا الآيات التي تدل على الحق وتثبته لا يستفيدون منها فائدة ما فلا يؤمنون بها، لأن كثرة الآيات وتعدد أنواعها إنما تفيد من تكون نفسه تواقة لمعرفة الحق لكنه يجهل الوصول إليه أو يشك في الطريق الموصلة إليه لتعارض الأدلة لديه لخفاء دلالتها أو لسوء فهمه لها، فإذا خفيت عليه دلالة بعضها فقد تظهر له دلالة غيره فتنكشف الحقيقة واضحة أمامه وتسفر له عن وجهها، وفي هذا إيماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الذين يقترحون عليه الآيات من قومه لا يقصدون استبانة الحق وإيضاحه بل يريدون إحداث الشغب والتعجيز، فإن هم أجيبوا إلى طلبهم لم يؤمنوا بما جئت به.
( ٢ ) وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا أي وهم ينفرون من سبيل الهدى والرشاد وهي السبيل المعبدة الواضحة، فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لا يختارها لنفسه ولا يفضلها على ما هو عليه من سبيل الغي، وهذا منتهى ما يكون من الطبع على القلب والخروج عن جادة العقل والفطرة، ومن الناس من يسلك هذه السبيل عن جهل فإذا رأى لنفسه مخرجا منها ارعوى وتركها واختار لنفسه سبيل الرشاد.
( ٣ ) وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا أي إنهم إذا رأوا سبيل الغي والضلال هرعوا إليها وخبوا فيها وأوضعوا بما تزينه لهم نفوسهم من سلوكها والسير فيها إلى آخر الحلبة، وهذه حال لهم شر من سابقتيها، وهؤلاء الذين اجتمعت لهم هذه الصفات هم الذين طبع الله على قلوبهم وختم على سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فسبيل الحق بغيضة إليهم، وطريقه مكروهة لديهم.
ثم علل ما سلف من صرفهم عن النظر في الآيات وعدم اعتبارهم بها فقال :
ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين أي إننا عاقبناهم على تكذيبهم بالآيات والغفلة عن النظر إلى الأدلة الموصلة إلى الحق فيما أمرنا به ونهينا عنه بالختم على قلوبهم، والغشاوة على أعينهم حتى لا يجد الحق منفذا في الوصول إليها.
والخلاصة : إن الله لم يخلق هؤلاء مطبوعين على الغي والضلال طبعا، ولم يجبرهم إجبارا ويكرههم عليه إكراها، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم، إذ هم آثروا التكذيب بالآيات والصد عن السبل الموصلة إلى الرشاد وغفلوا عن النظر في أدلتها، لشغلهم بأهوائهم وإتباع شهواتهم، وبذا لجوا في الطغيان، وتمادوا في العصيان، واحتقروا ما سوى ذلك مما يهدي عقولهم إلى صواب الحق وسلوك طريقه.
وأمثال هؤلاء : هم الذين عناهم الله بقوله : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [ الأعراف : ١٧٩ ].
ولا شك أن كثيرا من المسلمين الذين تعلموا التعاليم الغربية ورأوا زخرف المدنية الأوروبية وغرهم بهرجها وخلبتهم زينتها تنطبق عليهم هذه الصفات، فهم يحتقرون هداية الدين الروحية وأوامره ونواهيه وسائر تعاليمه وما له من تأثير عظيم في النفوس وتوجيه لها إلى الخير، وصد لها عن الشر، والبعد عن الفواحش والمنكرات.
ذاك أنهم رأوا أنفسهم بعيدين عن الفنون والصناعات وزخرف الحياة الذي وصل فيه الغربيون إلى الغاية القصوى وهم عبيد شهواتهم منصرفون عن هداية الأديان إلى أبعد غاية فحدثتهم أنفسهم أن ينهجوا نهجهم ويسيروا على سنتهم، علّهم يصلون في ذلك إلى بعض ما وصلوا إليه، ولو ساغ لبني إسرائيل ألا يتبعوا موسى عليه السلام لأنه لم يكن عنده من زينة الدنيا ومن الفنون والصناعات ومن رائع المدينة مثل ما كان عند فرعون وقومه ولساغ لهم أن ينحدروا في تلك الهوة ويقعوا في تلك الحفرة.
ولله في خلقه شؤون وهو يصرف الأمور بيده وله الأمر من قبل ومن بعد.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه في الآيات السالفة ما لحق فرعون وقومه من الهلاك بسبب استكباره وظلمه وفساده في الأرض ـ ذكر هنا سنته تعالى في ضلال البشر بعد مجيء البينات وتكذيبهم لدعاة الحق الخير من الرسل وأتباعهم، وأبان أن السبب الأول لذلك هو التكبر، فإن من شأن الكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على الحق والهدى، فهم يكونون دائما من المكذبين بالآيات الدالة عليه، ومن الغافلين عنه كما هي حال الملوك والرؤساء والزعماء الضالين كفرعون وملته.
وفي هذا إيماء للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الطاغين المستكبرين من صناديد قومه لن ينظروا في دعوته ولا في آيات القرآن الدالة على وحدانية الله بما أقامته عليها من البراهين الكثيرة من آيات كونية، وآيات في الآفاق والأنفس.
وجملة الموانع الصادة لهم عن إتباعه ترجع إلى التكبر، فإنهم بزعمهم يعتقدون أنهم سادة قريش وكبراؤها وأقوياؤها فلا ينبغي أن يتبعوا من دونهم سنا وقوة وثروة وعصبية.
تفسير المراغي
المراغي