١٤٦ - قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. قال ابن عباس: (يريد: الذين يتجبرون على عبادي، ويحاربون أوليائي. ويستحلون محارمي حتى لا يؤمنوا بما جئت به) (١)، فالآيات على قول ابن عباس: هي القرآن، و الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ هم: المشركون.
قال (٢) ابن الأنباري: (والمعنى على هذا سَأَصْرِفُ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عن قبول آياتي والتصديق بها لعنادهم الحق؛ عوقبوا بأن حرموا الهداية وسُتِرَ عنهم الحق. وهذا كقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، وقوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة: ١٢٧]). وذكر قولًا آخر، قال: (المعنى: سَأَصْرِفُ عن إبطال آيَاتِيَ وعن الاعتراض عليها هؤلاء الكفرة، كما تقول: وهو يمنعنى من زيد، أي: من ضربه، وأذاه، وكما قال عبد المطلب لما قصدت الحبشة البيت: (إن لهذا البيت (٣) ربا سيمنع منه) (٤). أي: سيمنع من تخريبه وقتل أهله) (٥).
وقال ابن جريج: (الآيات خلق السموات والأرض، يعني: أصرفهم
(٢) في: (ب): (كما قال).
(٣) هذه كلمة سارت مسير الأمثال، وذلك أن أبرهة الحبشي لما سار لهدم الكعبة وأشرف على مكة وجد إبلا لعبد المطلب وأخذها فذهب عبد المطلب إليه وكلمه في الإبل فعجب أبرهة منه وقال: (أتكلمني في الإبل ولا تكلمني في بيت فيه عزك وشرفك؟ فقال عبد المطلب: (أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه) وفي رواية (يحميه). انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام ١/ ٥١، و"الروض الأنف" ١/ ٦٩، و"السيرة النبوية" لأبي شهبة ص ١٦٧ - ١٦٩.
(٤) في: (ب): (عنه).
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٤١.
عن الاعتبار بما فيها) (١). وهو قول ابن زيد (٢) ومقاتل (٣).
قال أبو إسحاق: (أي: أجعل جزاءهم الإضلال عن هداية آيَاتِيَ).
قال: ومعنى: يَتَكَبَّرُونَ أنهم يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وهذه الصفة -أعنى: المتكبر- لا تكون إلا لله عز وجل (٤) خاصة؛ لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد مثله، فبذلك يستحق أن يقال له: المتكبر، وليس لأحد أن يتكبر لأن الناس في الحقوق سواء وليس لأحد ما ليس لغيره، وهو المكبر جل وعز، فأعلم أن هؤلاء يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (٥).
وقال غيره من أهل المعاني (٦): (التكبر: إظهار كبر النفس على غيرها)، وصفة متكبر صفة ذم في جميع العباد، وصفة مدح (٧) في القديم جل وعز؛ لأنه يستحق إظهار الكبر على من سواه لأن ذلك حق، وهذا المعنى في صفة غيره باطل.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ص ١٩٧/ ب، عن ابن زيد وابن جريج.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢/ ٦٣، والأكثر على أن الآية عامة أي: سأمنع وأصد عن النظر في الآيات الكونية والشرعية والتفكر والاستدلال بها، انظر: الطبري ٩/ ٦٠، و"معاني النحاس" ٣/ ٧٨، والسمرقندي ١/ ٥٦٩، والبغوي ٣/ ٢٨٢، وابن عطية ٦/ ٧٨، وابن الجوزي ٣/ ٢٦٠.
(٤) في (أ): (جل وعز).
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٦.
(٦) انظر: "معاني النحاس" ٣/ ٧٩، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٦٩، والماوردي ٢/ ٢٦٢.
(٧) انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص ٣٥، و"اشقاق أسماء الله" للزجاجي ص ١٥٥، ٢٤١، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص ٩٣.
وقال أحمد بن يحيى: يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ من الكِبَر لا من الكِبْر (١)، أي: يتفضلون ويرون أنهم أفضل من غيرهم) (٢)، وهذا الذي قاله أحمد قريبٌ من الأول بل هو بعينه معنى.
وقوله تعالى: سَأَصْرِفُ حجة على القدرية (٣)، و (٤) دليل ذلك أن له أن يصرف عن الإيمان من شاء.
وقوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ قال ابن عباس: (يريد سبيل الهدى والبيان الذي جاء من الله، لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا قال: يريد: لا يتخذوه دينا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يريد: طاعة الشيطان وضلالته، يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يريد: دينا) (٥).
وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا قال الزجاج: ذَلِكَ يصلح أن يكون نصبا على معنى: فعل الله بهم ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا (٦).
انظر: "العين" ٥/ ٣٦١، و"الجمهرة" ١/ ٣٢٧، و"الصحاح" ٢/ ٨٠١، و"المجمل" ٣/ ٧٧٦، و"مقاييس اللغة" ٥/ ١٥٣، و"المفردات" ص ٦٩٦، و"اللسان" ٥/ ١٢٥ (كبير).
(٢) "تهذيب اللغة" ١٠/ ٢١٠ - ٢١١ (كبر).
(٣) انظر: "تفسير الرازي" ١٥/ ٣ - ٤.
(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢ بدون نسبة، وانظر: "تفسير الطبري" ١٣/ ١١٤ - ١١٥، و"معاني الزجاج" ٣/ ٣٧٦، والنحاس ٣/ ٧٩، والسمرقندي ١/ ٥٧٠، والماوردي ٢/ ٥٧.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٦، وفيه: (ذلك يصلح أن يكون رفعا أي أمرهم ذلك، ويجوز أن يكون نصبا..) اهـ. وقال أبو حيان في "البحر" ٤/ ٣٩٠، والسمين في =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي