وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ أَيْ: وَلِقَاءِ الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ مَوْعِدُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ بَطَلَتْ وَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، هَلْ يُجْزَوْنَ فِي الْعُقْبَى إِلَّا مَا كَانُوا أَيْ إِلَّا جَزَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا.
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ أَيْ: بَعْدَ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ مِنْ حُلِيِّهِمْ الَّتِي اسْتَعَارُوهَا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مِنْ حِلِيِّهِمْ بِكَسْرِ الْحَاءِ [وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ] (١) وَاتَّخَذَ السَّامِرِيُّ مِنْهَا عِجْلًا وَأَلْقَى فِي فَمِهِ مِنْ تُرَابِ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَحَوَّلَ عِجْلًا جَسَدًا حَيًّا وَلَحْمًا وَدَمًا لَهُ خُوَارٌ وَهُوَ صَوْتُ الْبَقَرِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَجَمَاعَةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
وَقِيلَ: كَانَ جَسَدًا مُجَسَّدًا مِنْ ذَهَبٍ لَا رُوحَ فِيهِ، كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُ صَوْتٌ.
وَقِيلَ: كَانَ يُسْمَعُ صَوْتُ حَفِيفِ الرِّيحِ يَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ وَيَخْرُجُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مَا خَارَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: كَانَ يَخُورُ كَثِيرًا كُلَّمَا خَارَ سَجَدُوا لَهُ وَإِذَا سَكَتَ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُ الْخُوَارُ وَهُوَ لَا يَتَحَرَّكُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَخُورُ وَيَمْشِي أَلَمْ يَرَوْا يَعْنِي: الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ أَيْ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا وَكَانُوا كَافِرِينَ.
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أَيْ نَدِمُوا عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ، تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ نَادِمٍ عَلَى أَمْرٍ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا يَتُبْ عَلَيْنَا رَبُّنَا، وَيَغْفِرْ لَنَا يَتَجَاوَزْ عَنَّا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: "تَرْحَمْنَا وَتَغْفِرْ لَنَا" بِالتَّاءِ فِيهِمَا "رَبَّنَا" بِنَصْبِ الْبَاءِ. وَكَانَ هَذَا النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْهُمْ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسَى إِلَيْهِمْ.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر