ثم شرع في ذكر مساوئ بني إسرائيل فبدأ بعابدتهم العجل، فقال :
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِيا أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
قلت : عِجلاً : مفعول أول لاتخذ، و جسدًا : بدل منه، وحذف الثاني أي :" إلهًا " لدلالة أوله، و له خوار : نعت له.
يقول الحقّ جلّ جلاله : واتخذ قُوم موسى من بعده أي : من بعد ذهابه للميقات، من حُليَّهم التي كانوا استعاروها من القبط، حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم ؛ لأنها كانت تحت أيديهم، فصنع لهم منها السامري عِجلاً جسدًا بلا روح، فألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل، فصار له خُوارٌ ، فقال لهم : هذا إلهكم وإله موسى ، فعكفوا على عبادته، واتخذوه إلهًا.
قال تعالى : ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً أي : ألم يروا، حين اتخذوه إلهًا، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر، وهذا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر. قال تعالى : اتخذوه إلهًا وكانوا ظالمين في اتخاذه، وضعوا الأشياء في غير محلها، أي : كانت عادتهم الظلم، فلم يكن اتخاذ العجل بدعًا منهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي