و اتخذ قوم موسى من بعده أي من بعد ذهاب موسى إلى جبل المناجاة إلاها معبودا على صورة العجل المعروف، صاغه لهم موسى السامري- وكانت صناعته الصياغة- من الحلي الذي استعاروه من القبط قبيل الغرق، وبقي في أيديهم بعده. وطلب منهم أن يعبدوه، وقال لهم : هذا إلهكم وإله موسى فنسى ١ فعكفوا على عبادته. عجلا جسدا أي جثة لا يعقل ولا يميز، أو جسدا، أي أحمر ظاهر الحمرة لكونه مصنوعا من الذهب. والجسد : الدم اليابس، والزعفران أو نحوه من الصيغ، ومنه ثوب مجسد، مصبوغا بالزعفران أو أحمر. له خوار أي صوت يشبه صوت البقر، إذ صاغه على صورة العجل، وجعله مجوفا، ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص، وجعله في مهب الريح، فإذا هبت الريح سمع لهذه الأنابيب صوت يشبه خوار العجل. وقرئ جؤار أي صوت شديد. وفي هذين الوصفين تقريع لهم، وتبكيت بشدة الجهل، إذ ليس من شأن الإله أن يكون كذلك.
ألم يروا أنه لا يكلمهم هو كقوله تعالى : أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ٢، يقرعهم على فرط جهالتهم وضلالتهم، إذ عبدوا عجلا جسدا له خوار، لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولا يملك لهم نفعا ولا ضرا، وذهلوا عن عبادة الخالق رب العالمين.
اتخذوه وكانوا ظالمين أي اتخذوا هذا العجل إلاها معبودا، مع كونه مصنوعا بأيديهم، فظلموا أنفسهم بهذا الجهل، وأوردوها مورد الهلاك.
٢ آية ٨٩ طه.
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف