ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

يقول الله جل وعلا : واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ١٤٨ .
قوم موسى هم بنوا إسرائيل، أي : واتخذ بنو إسرائيل من حليهم أصل هذا الحلي للقبط استعاره منهم الإسرائيليون لعرس أو ليوم زينة عندهم كانوا يتزينون فيه، وأمر موسى أن يسري ببني إسرائيل قبل أن يردوا الحلي للقبط، فسافروا به، وأهلك الله فرعون وقومه، وبقي ذلك الحلي المستعار منهم عند الإسرائيليين، فاتخذ السامري العجل من ذلك الحلي. وهنا قال : من حليهم قال بعض العلماء : لأن الله أورثهم أموالهم بعدهم كما في قوله : كذلك وأورثناها بني إسرائيل ٥٩ [ الشعراء : آية ٥٩ ] ولذا أضافه إليهم بعد هلاك فرعون وقومه. وقال بعض العلماء : الإضافة تقع بأدنى ملابسة، فلما كان تحت أيديهم عارية عندهم أضافه إليهم بهذه الملابسة، وقد بين في ( طه ) أنه من زينة قوم آخرين كما ذكر عن الإسرائيليين أنهم قالوا : ما اخلفنا موعدك بملكنا ولاكنا حملنا أوزارا من زينة القوم [ طه : آية ٨٧ ] وهي حلي القبط. هذا وضابط ذلك أن السامري –قبحه الله- موسى بن ظفر رأى جبريل لما جاء على فرس ليأخذ موسى إلى الميعاد، أو ليمشي أمام فرعون وقومه، والأكثرون يقولون : إن موسى لما أراد الله إتيانه للميعاد أرسل إليه جبريل. قالوا : وكان جبريل راكبا على فرس فلاحظها السامري، كل شيء مسه حافر تلك الفرس ينبت فيه النبات، فعرف السامري أن الله ( جل وعلا ) جعل في أثر تلك الفرس خاصة الحياة، فجاء وقبض قبضة من التراب الذي مسه حافر ذلك الفرس ثم أمسك ذلك التراب عنده، وكان السامري –قبحه الله- صائغا فصاغ ذلك العجل. يقول بعض المؤرخين : إنه بعد غيبة موسى قال لهارون : هذا الحل صار غنيمة، والغنائم لا تحل لكم فاجعلوه في النار ليكون قطعة واحدة ليكون ذلك أيسر لأمره حتى يأتي نبي الله موسى فيرى رأيه فيه، وأنهم لما جعلوه في النار صاغه السامري على صورة عجل، ولما صاغ ذلك الحلي على صورة عجل جعل فيه ذلك التراب الذي كان مدخرا له – الذي مسه حافر فرس جبريل وجعل فيه خاصة الحياة - فصار ذلك العجل جسدا له خوار. وقد أشار الله إلى هذا في سورة ( طه ) في قوله عن موسى والسامري : قال فما خطبك يا سامري ٩٥ قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول يعني من أثر حافر فرس الرسول، يعني جبريل : فنبذتها [ طه : الآيتان ٩٥، ٩٦ ] أي : على العجل. فجعله الله جسدا له خورا، فلما ألقى السامري ذلك التراب على العجل وصار ذلك العجل المصوغ من الحلي جسدا له خوار. الخوار في لغة العرب : هو أصوات البقر خاصة، تقول العرب : خارت البقر تخور وتخاورت البقر. أي : صوت بعضها إلى بعض، وهذا معروف في كلامهم، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي في غزوة حنين في معرض مدحه لسليم :

لا يغرسون فسيل النخل حولهم ولا تخاور في مشتاهم البقر
فالخوار : صوت البقر.
وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي : من حليهم بضم الحاء وتشديد الياء. والحلي أصله :( حلوي ) جمع حلي ( فعل ) مجموع على ( فعول ) وجمعه ( حلوي ) كفلس وفلوس، وظهر وظهور، وحلي وحلوي، اجتمعت فيه الواو والياء، أولاهما ساكنة غير عارضة ولا عارضة السكون، فوجب إبدال الواو ياء، وقلبت ضمة اللام كسرة لمجانسة الياء فقيل : من حليهم.
وقراه حمزة والكسائي : واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم بكسر الحاء إتباعا للام، وأصل الحاء مضمومة.
وقوله : عجلا العجل ولد البقرة، ويجمع على عجاجل على غير قياس.
وقوله : عجلا جسدا [ الأعراف : آية ١٤٨ ] قال بعض العلماء : الجسد هو البدن الذي فيه اللحم والدم، ويدل لهذا قوله : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ٨ [ الأنبياء : آية ٨ ] واختلف العلماء في هذا العجل هل جعل الله فيه لحما ودما وجعله حيا، أو هو عجل باق في صورة الذهب والفضة إلا أن الرياح إذا دخلت في منافذه كان يسمع في داخله صوت يشبه أصوات البقر ؟ قال بكل منهما بعض العلماء.
وظاهر قوله : جسدا أن الله جعله عجلا، والله ( جل وعلا ) قادر على كل شيء لا يتعاصى على قدرته شيء. وقوله الآتي : وانظر إلى إلاهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه [ طه : آية ٥٧ ] على أن التحريق معناه التحريق كما قاله جماعة من العلماء، فيظهر أن العجل صار جسدا لحما ودما ؛ لأن اللحم والدم إذا أحرق بالنار يبس وأمكن دقه ونسفه في البحر ؛ لأن الذهب والفضة لا يمكن دقهما ونسفهما في البحر، وأما على أن المعنى لنحرقنه : نبردنه بالمبارد كما تشهد له القراءة الأخرى : لنحرقنه [ طه : آية ٩٧ ] فعلى هذا المعنى فالأليق أن يكون بقي ذهبا وفضة إلا أنه يصوت صوت البقر إذا دخلت الريح في داخله.
وقوله : عجلا جسدا له خوار مفعول ( اتخذ ) الثاني محذوف لدلالة المقام عليه، أي : اتخذوا عجلا جسدا إلها معبودا من دون الله. فحذف المفعول الثاني لدلالة المقام عليه، وهذا هو التحقيق، والنكتة في حذفه : أنه لا ينبغي أن يتلفظ بأن عجلا مصطنعا إلها فحذف لهذه النكتة كما قاله بعضهم.
عجلا جسدا له خوار قال في سورة طه : إن السامري لما اصطنعه لهم قال لهم : هذا إلاهكم وإلله موسى فنسي [ طه : آية ٨٨ ] فنسي موسى أن هذا إلهه، وذهب يطلبه في موضع آخر. وقال هنا : ألم يروا أنه لا يكلمكم ولا يهديهم سبيلا قرر علماء التفسير أن كل فعل مضارع مجزوم ب( لم ) إذا جاءت همزة الاستفهام قبل لن ففيه في جميع القرآن وجهان معروفان لعلماء التفسير :
أحدهما : أن المضارع تنقلب مضارعته ماضوية، وينقلب نفيه إثباتا، فيصير قوله هنا : ألم يروا يتقلب المضارع ماضيا، والنفي إثباتا، فيصير المعنى : ألم يروا أنه أي : رأوا أنه لا يكلمهم، أي : علموا بذلك، وعليه فيكون معنى : ألم نشرح لك [ الشرح : آية ١ ] شرحنا لك. ألم أقل لك [ الكهف : آية ٧٥ ] قلت لك، ألم نجعل له عينين ٨ [ البلد : آية ٨ ] جعلت له عينين، وهكذا.
أما انقلاب المضارعة ماضوبة فلا إشكال فيه ؛ لأن ( لم ) حرف قلب، تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، كما هو معروف لا إشكال في.
أما وجه قلب النفي إثباتا : فالهمزة الداخلة على ( لم ) مضمنة معنى الإنكار، ففيها معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في ( لم ) فينفيه، ونفي النفي إثبات.
الوجه الثاني : أن الاستفهام في ( ألم ) في جميع القرآن هو استفهام تقرير، والمقرر في فن المعاني أن المراد باستفهام التقرير : هو حمل المخاطب على أن يقر ويقول : بلى. وعلى هذا فالمراد بالاستفهام : حمل المخاطبين على أن يقروا ويقولوا : بلى هو لا يكلم، ولا يهدي سبيلا، وليس بشيء يستحق ان يعبد. وهذا معنى قوله : ألم يروا أنه لا يكلمهم ألم يروا أن هذا المعبود الذي افتروه واختلقوه لا يكلمهم ؟. والمعبود الحق لا بد أن يكون يكلم، ومعبود أهل السموات والأرض بالحق يقول عن كلام نفسه : لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا [ الكهف : آية ١٠٩ ] وفي الآية الأخرى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله [ لقمان : آية ٢٧ ] هذه صفة المعبود حقا، أما الذي لا يقدر على أن يتكلم كلمة واحدة فهذا ليس بمعبود.
وقوله : ولا يهديهم سبيلا المعبود هو الذي يهدي كما قال تعالى : قل الله يهدي أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي [ يونس : آية ٣٥ ] أما الذي لا يهدي سبيلا أي : طريقا كائنا ما كان فلا يمكن أن يكون برب ولا بمعبود. فلما قرر ( جل وعلا ) أن هذا العجل الذي اتخذوه إلها تنتفي عنه الصفات التي يجب أن تكون للإله صرح بأنهم عبدوه وهم ظالمون في ذلك فقال : اتخذوه اتخذوه إلها وكانوا ظالمين ظالمين في ذلك.
وقد فسرنا الظلم مرارا، وبينا أن أصله في لغة العرب : وضع الشيء في غير موضعه، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه : وضع العبادة في عجل مصطنع جماد ! ! من عبد هذا وأعطاه حق الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وأكبر أنواع الظلم : وضع العبادة في غير موضعها كظلم هؤلاء بعبادة هذا العجل ؛ ولأجل ذلك كثر في القرآن إطلاق الظلم على الشرك بالله كقوله : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] وقوله : والكافرون هم الظالمون [ البقرة : آية ٢٥٣ ] وقوله : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ١٠٢ [ يونس : آية ١٠٢ ] أي : من يعبد عجلا مصطنعا فهو من الظالمين الواضعين العبادة في غير موضعها كما هو ظاهر.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير