ويقال التكبّر توهم استحقاق الحقّ لك.
ويقال من رأى لنفسه قيمة فى الدنيا والآخرة فهو متكبّر.
ويقال من ظنّ أنّ شيئا منه أو له أو إليه- من النفي والإثبات- إلا على وجه الاكتساب فهو متكبّر.
قوله جل ذكره: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
تبيّن بهذا أنه لا يكفى شهود الحقّ حقا وشهود الباطل باطلا بل لا بدّ من شهود الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل.
ويقال إنّ الجاحد للحقّ- مع تحققه به- أقبح حالة من الجاهل به المقصّر فى تعريفه.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٤٨]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)
لم يطهّر قلوبهم- فى ابتداء أحوالهم- عن توهم الظنون، ولم يتحققوا بخصائص القدم وشروط الحدوث، فعثرت أقدام فكرهم فى وهاد المغاليط لما سلكوا المسير.
ويقال إن أقواما رضوا بالعجل أن يكون معبودهم متى تشم أسرارهم نسيم «١» التوحيد؟
هيهات لا! لا ولا من لاحظ جبريل وميكائيل والعرش أو الثّرى، أو الجنّ أو الورى.
وإنّ من لحقه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان، أو صحّ فى التجويز أن ترتقى إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغير صالح لاستحقاق الإلهية.
ويقال شتّان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم عليه السّلام من بينهم أربعين يوما فعبدوا العجل، وأمة خرج نبيّهم- عليه السّلام- من بينهم وأتى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئا من الرسوم والأطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم ويقال لا فصل بين الجسم والجسد، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسما لا يصلح أن يكون متصفا بما فى معناه، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مصاكّة الأجرام الصلبة، والتوحيد الأزلى ينافى هذه الجملة.
ويقال أجهل بقوم آمنوا بأن يكون مصنوعهم معبودهم! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء- فأىّ عقل يقرّ مثل هذا التلبيس؟! قوله جل ذكره: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ.
جعل من استحقاقه «١» نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت «٢» بأنه متكلّم فى حقائق آزاله، وأنه متفرّد بهداية العبد لا هادى سواه. وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق- سبحانه- وتكليمه مع العبد، وإنّ الملوك إذا جلّت رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحدا بلسانهم حتى قال قائلهم:
| وما عجب تناسى ذكر عبد | على المولى إذا كثر العبيد |
| وما تزدهينا الكبرياء عليهم | إذا كلّمونا أن نكلمهم مردّا |
(٢) يشير القشيري بذلك إلى معارضة المعتزلة الذين ينفون الصفات الإلهية منعا للتعدد، واقتضاء حامل ومحمول.
(٣) آية ١٠٨ سورة المؤمنون.
(٤) في رواية مسلم عن عدى بن حاتم قال رسول الله (ص) :
«ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان) ص ٧٠٣ ح ٢ ط الحلبي.
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني