والذين عملوا السيئات كالذين عبدوا العجل، ثم تابوا من بعدهم أي : من بعد تلك السيئات، والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدهم وآمنوا يعني من بعد ذلك الذي ارتكبوه من السيئات وآمنوا داموا على إيمانهم، أو أخلصوا في إيمانهم، إن ربك من بعدهم أي : تلك السيئات والفعلات، وقال بعضهم : من بعدها أي : التوبة المفهومة من قوله : تابوا . لغفور أي : كثير المغفرة والرحمة لعباده.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن من ارتكب السيئات العظام ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، والله يقول : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا [ طه : آية ٨٢ ] ويقول للذين قالوا : إن الله ثالث ثلاثة –يستعطفهم ليتوب عليهم مع شناعة كفرهم حيث يقول لهم- : أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ٧٤ [ المائدة : آية ٧٤ ] والتوبة واجبة على كل مسلم ومسلمة من كل ذنب كائنا من كان، ولا يجوز تأخيرها، فإذا اقترف ذنبا وأخر التوبة منه كان تأخير التوبة ذنبا يستوجب توبة أخرى.
وقد أجمع العلماء على أن التوبة من ثلاثة أركان :
أحدها : الإقلاع عن الذنب إن كان متلبسا به.
والثاني : الندم على ما صدر منه من الذنب ( الندم الشديد ).
والثالث : النية ألا يعود إلى الذنب أبدا.
هذه أركان التوبة التي أجمع عليها العلماء. وفي اثنين من أركانها في كل واحد منهما إشكال معروف :
أحدهما : الندم، فالندم أجمع العلماء على أنه ركن التوبة، والتوبة واجبة بالإجماع، كما أوجبها الله بقوله : وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون [ النور : آية ٣١ ] وركن الواجب واجب إجماعا، فلا خلاف بين العلماء أن الندم ركن من أركان التوبة واجب. وفي هذا إشكال معروف شديد، وهو أن الندم من الانفعالات والتأثيرات النفسية لا من الأفعال الاختيارية كما هو معروف، فترى البائع المغبون يندم وهو يحاول أن يطرد عنه الندم فلا يستطيع ؛ لأن الندم انفعال وتوتر نفساني لا فعل اختياري، ومعروف أن الانفعالات والتأثيرات النفسانية ليست تحت قدرة العبد، وقد أجمع العلماء أن الله لا يكلف عبده إلا بفعل اختياري هو في طاقة العبد، ولذلك كان في التكليف بالندم هنا الإشكال المعروف. هذا السؤال الأول في الندم، وأجاب بعض العلماء عن هذا، قالوا : نعم إن الندم انفعال وتأثر نفساني ليس تحت طاقة العبد، لأنا نرى الإنسان يحاول أن يندم فلا يندم، ويحاول أن يطرد الندم فلا يطرده، يشاهد البائع المغبون يحاول أن يطرد الندم عن نفسه، وكذلك بعض عوام المسلمين قد ينال الواحد منهم قبلة – مثلا- من امرأة بارعة في الجمال يعشقها غاية العشق، فإذا أراد أن يندم على ذلك دعاه خيال ذلك الجمال ولذة ذلك الشيء القبيح فلا يستطيع أن يندم كما هو مشاهد، وإذا كان انفعالا لا قدرة للعبد عليه فما وجه التكليف به ؟ !
أجيب عن هذا : بان المراد بالتكليف بالندم : التكليف بأسبابه الموصلة إليه، ومن تعاطي أسبابه الموصلة إليه تعاطيا حقا لم يحاب فيه نفسه لا بد أن يندم، وضرب العلماء لذلك مثلا، قالوا : كل العقلاء إذا قدمت إلى واحد منهم شرابا لذيذا ولكنه فيه السم القاتل الفتاك، فجميع العقلاء لا يستلذون ذلك الشراب ولا يعدون لذته لذة ؛ لأن السم القاتل الذي هو فيه يبطل لذته وينفر منها. ولا شك أن حلاوات المعاصي – قبحها الله- ولذاتها تتضمن سما قاتلا فتاكا هو سخط رب العالمين، وغضبه والخوف من عقابه العاجل والآجل، فإذا أخذ الإنسان نفسه أخذا حقا، وعرف أن حلاوة المعاصي يضاف فيها السم القاتل الفتاك من سخط رب العالمين فلا بد أن يندم، والذي لا يندم إنما جاءه ذلك من أنه يحابي نفسه، وينجرف معها بالمعاصي، فلا يأخذها بالأسباب أخذا حقا، ولما كان الندم أسبابه متيسرة ومن تعاطاها حقا حصل عليه ؛ صار كأنه فعل في طاقة المخلوق فكلف به.
وأما الإشكال الثاني : فهو في الإقلاع ؛ لأن بعض الناس قد يتوب ويندم ولا يقدر على إكمال الإقلاع، كالذي بث بدعة وعمل بها الناس في مشارق الأرض ومغاربها، والنبي يقول :( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ) إذا تاب هذا الإنسان وبدعته متمادية يعمل بها في مشارق الأرض ومغاربها، هل نقول : هو مقلع ؛ لأنه فعل طاقته وما يقدر عليه ؟ أو نقول : ركن التوبة هنا معدوم ؛ لأن الإقلاع معدوم ؛ لأن ذنبه متماد جار في أقطار الدنيا ؟ ! أو نقول : ركن التوبة هنا معدوم ؛ لأن الإقلاع معدوم ؛ لأن ذنبه متماد جار في أقطار الدنيا ؟ ! وكذلك الإنسان إذا رمي إنسانا من بعيد بسهم أو رصاصة ثم بعد أن يزيل السهم تاب ذلك الإنسان قبل أن يصل السهم إلى المرمى، هل نقول : هو تائب ؛ لأنه فعل قدر طاقته ؟ أو نقول : لا تقبل توبته ؛ لأن الإقلاع ركن في التوبة، ولم يحصل ؛ لأن فساده متمادي، وسهمه رائح إلى المسلم ليقتله ؟ وكذلك من غصب – مثلا- أرضا عشرين كيلا، ثم إنه ندم وخرج منها، هل هو في أثناء الخروج قبل أن ينفصل عن الأرض لو أدركه الموت نقول : أدركه الموت تائبا ؛ لأنه فعل قدر طاقته ؟ أو نقول : لم تحصل توبته ؛ لأن الإقلاع لم يكن ؛ لأنه ما زال يشغل فراغا مغصوبا بجسمه استولي عليه بغير حق شرعي ؟.
والصحيح عن الأصوليين أن هذا الأخير تقبل توبته وإن كان الإقلاع لم يصح منه ؛ لأنه عاجز عنه، وقد جاء في توبته بما يستطيع، والله لا يكلف إلا بما يستطيعه عبده لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : آية ٢٨٦ ] وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم الحديث. وهذان السؤالان في التوبة. وهذا معنى قوله : ثم تابوا من بعدها وآمنوا .
من بعدها أي : السيئات، وآمنوا داموا على إيمانهم ؛ أي : أخلصوا في إيمانهم وتوبتهم إن ربك من بعدها أي : التوبة لغفور رحيم أو من بعدها أي : من بعد السيئات التي تاب العبد منها لغفور رحيم كثير الغفران والرحمة لعباده.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير