ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ، الضمير في وقطعناهم عائد إلى قوم موسى، فقوله : وقطعناهم فيه وجهان معروفان من التفسير، وبحسبهما يكون القولان في إعراب قوله : اثنتي عشرة قال بعض العلماء : وقطعناهم أي : صيرناهم قطعا. وعلى هذا فقطعنا تطلب مفعولين لتضمينها معنى ( صيرنا )، ومفعولها الأول : هو الضمير وقطعناهم ، ومفعولها الثاني : اثنتي عشرة أي : صيرناهم اثنتي عشرة فرقة.
وقال بعض العلماء : وقطعناهم معناه : فرقناهم وميزنا بعضهم عن بعض ؛ لأنهم أبناء اثني عشر رجلا، وكل رجل صار من نسله قبيلة، والسبط في أولاد إسحاق بمعنى القبائل في أولاد إسماعيل، ويعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ) كان له اثنا عشرة ابنا كل ابن منهم ولد له نسل، فصار كل ابن منهم قبيلة، والقبائل عندهم تسمى ( أسباطا ). والمفسرون يذكرون أسماء هؤلاء الأسباط الذين تفرعت منهم القبائل، وذكرها إنما هو عن طريق الإسرائيليات ؛ ولذا اختلفوا فيها، فمنهم من يقول : هم روبيل، وشمعون، ويهوذا، وربالون، ويشجر، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ويوسف، وشقيقه بنيامين. ومنهم من يذكر غير ذلك، ولا طريق صحيحة تثبت ذلك، إلا أن الأظهر أن هؤلاء الاثنتي عشرة أن كل واحدة منهم من سبط من أولاد يعقوب كما تقدم في قوله : وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا [ المائدة : آية ١٢ ] لأن كل سبط من هذه الأسباط بعث الله موسى فيه نقيبا سيدا يتفقد شؤونه وأحواله ؛ لتكون تلك الرجال الإثني عشر يطلعون موسى على سرائر قومهم فيهون عليه الإصلاح من شؤونهم ؛ ولذا قال هنا : وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا [ الأعراف : آية ١٦٠ ] فعلى أن ( قطعنا ) بمعنى ( صيرنا ) ف( اثنتي عشرة ) هو المفعول الثاني، وعلى أن ( قطعنا ) بمعنى ( ميزنا ) بعضهم عن بعض، وفرقنا بعضهم عن بعض ؛ لنجعل على كل فرقة منهم نقيبا، فقوله هنا : اثنتي عشرة هي حال جامدة مؤولة، أي : ميزناهم وفرقناهم في حال كونهم بالغين هذا العدد الذي هو اثنتي عشرة، واختلف العلماء في مميز اثنتي عشرة وظاهر القرآن أن مميزه أسباطا ولكن المعروف في لغة العرب أن العدد كله من الثلاثة إلى العشرة يميز بالجمع مضافا إليه العدد، أما غيره من الأعداد فإنه يميز بالمفرد التمييز المطابق للعربية المعروفة لو قيل : قطعناهم اثنتي عشرة سبطا. وذهب بعض العلماء في الجواب عن هذا إلى أن الأسباط هنا جمع سبط مضمن معنى القبيلة، وأن الأسباط : القبيلة تكون فيها أسباط كثيرة، وعليه فالمعنى : قطعناهم اثنتي عشرة قبيلة. فالأسباط بمعنى القبيلة. وهذا مردود لما ذكرنا من أن الأسباط في ذرية إسحاق بمعنى القبائل في ذرية إسماعيل. والذي اختاره غير واحد من المحققين : أن المميز محذوف دل المقام عليه : وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة. وقوله : أسباطا بدل من اثنتي عشرة و أمما بدل بعد بدل على الصواب، ولا مانع من إتيان البدل بعد البدل كما هو معروف في علم العربية، فقد وجد في كلام العرب. وهذا معنى قوله : وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما كل سبط منهم أمة، أي : خلق وقبيلة كثيرة كثيفة العدد.
وأوحينا إلى موسى ذكر ( جل وعلا ) هنا بعض ما أنعم الله به على الإسرائيليين في التيه يذكر الموجودين منهم زمان نبينا نعمه عليهم، ويذكرهم أيضا كثرة ما هم فيه من الخلاف وعدم طاعة الله ورسله ؛ لأن سبب هذا التيه : أن الله لما أنجا موسى وقومه من فرعون، وفلق لهم البحر، وأمرهم بقتال الجبارين، أصابهم الجبن الذي قدمنا شرحه في سورة المائدة، وقالوا لنبيهم موسى : لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فأصابهم الجبن والخوف، فقال موسى : رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين فضرب الله عليهم التيه أربعين سنة قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض [ المائدة : الآيات ٢٤- ٢٦ ] يصبحون حيث أمسوا، فإذا مشوا النهار كله أصبحوا من حيث كانوا أمس ! ! الله ضرب عليهم هذا التيه. وأصحاب الأخبار والتاريخ يطبقون على أن موسى وهارون ( عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام ) توفيا في التيه، ثم صار الخليفة بعد موسى يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف ( عليهم السلام ) وهو الذي فتح الله على يديه كما سيأتي هنا وتقدم في سورة البقرة. ولما كان بنو إسرائيل في التيه هذه الأربعين سنة أصابهم العطش وشكوا إلى موسى فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك الحجر، فضربه فانبجست منه اثنتا عشرة عينا. وشكوا له من حر الشمس فظلل الله عليهم الغمام يقيهم حر الشمس، وشكوا له من الجوع فانزل الله عليهم المن والسلوى كما تقدم في سورة البقرة وكما هو مذكور هنا في سورة الأعراف.
وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه [ الأعراف : آية ١٦٠ ] أوحى الله إلى نبيه موسى حين استسقاه قومه. الإيحاء في لغة العرب : هو كل إلقاء بشيء في سرعة وخفاء فهو إيحاء. فهذا معناه اللغوي، والوحي له معنى لغوي ومعنى شرعي كغيره من المعاني. فالوحي الشرعي معروف، وهو : ما يوحي الله لنبيه بواسطة الملك مثلا، وربما أوحي إلى النبي بغير واسطة كما أعطى نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، فظاهر حديث ابن مسعود عند مسلم أنه من غير واسطة الملك. وقد يكون الوحي بواسطة الملك وهو على أنحاء كثيرة معروفة. وأصل الإيحاء في لغة العرب : هو كل إلقاء جامع بين الخفاء والسرعة تسميه العرب ( وحيا )، فكل من ألقى شيئا بخفاء وسرعة فهو وحي في كلام العرب ؛ ولأجل ذلك كانت العرب تطلق اسم الوحي على الكتابة، وعلى الإشارة، وعلى الإلهام ؛ لأن كلا من هذه إلقاء في سرعة وخفاء. ويطلقون الوحي على الإلهام، ومنه قوله تعالى : وأوحي ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر [ النحل : آية ٦٨ ] أي : ألهمها. ويطلق الوحي على الإشارة، وهو أصح القولين في قوله عن زكريا : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا [ مريم : آية ١١ ] أي : إشارة إليهم. وتطلق العرب الوحي على الكتابة ؛ لأنها معان تلقى بأفعال سريعة خفية، وإطلاق الوحي على الكتابة إطلاق كثير مشهور في كلام العرب، وكان بعض المفسرين يقول : منه قوله في زكريا : فأوحى إليهم أي : كتب لهم، والأظهر : الإشارة، كما يدل عليه قوله : إلا رمزا واذكر ربك كثيرا [ أل عمران : آية ٤١ ] وإطلاق العرب الوحي على الكتابة مشهور جدا في كلامها، كثير جدا في أشعارها، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته :

فمدافع الريان عري رسمها خلقا كما ضمن الوحي سلامها
الوحي : جمع وحي، وهو الكتابة، وهو ( فعل ) مجموع على ( فعول )، كفلس وفلوس، ومنه قول عنترة :
كوحي الصحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمي
وقول نابغة ذبيان :
دار لأسماء بالغمرين ماثلة كالوحي ليس بها من أهلها أرم
وقول نابغة ذبيان أيضا :
لمن الديار غشيتها بالفدفد كالوحي في حجر المسيل المخلد
ومنه قول ذي الرمة :
سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية وحي في بطون الصحائف
وقول جرير :
كأن أخا الكتاب يخط وحيا بكاف في منازلها ولام
وهو كثير مشهور، وهذا معنى قوله : وأوحينا إلى موسى نبي الله موسى بن عمران إذ استسقاه قومه حين استسقاه قومه. والمقرر في فن التصريف أن ( استفعل ) من أبنية الطلب ؛ لأن السين والتاء تدلان على الطلب، فاستسقى معناه طلب السقيا، واستطعم طلب الطعام، واستنزل طلب النزول، إلى غير ذلك.
إذ استسقاه قومه طلبوا منه الساق، أن يسأل الله لهم فيسقيهم.
وقوله : أن اضرب بعصاك ( أن ) هذه هي التي يسميها علماء العربية :( ان المفسرة ) وضابطها : أن يتقدمها معنى القول ولا يكون فيه حروف القول ؛ لأن وأوحينا إلى موسى يتضمن معنى ( قلنا لموسى ) وليس فيه [ حروف ] ( في الأصل :( معنى ) وهو سبق لسان ) القول، ومعنى كونها تفسيرية : أن ذلك الذي أوحي إلى موسى يفسره ما بعد ( أن ) وهو الأمر بضرب الحجر لتنبجس منه اثنتا عشرة عينا. وبعض علماء العربية يقولون : لا مانع من دخول أن المصدرية على الأفعال الطلبية، وعليه فتكون مصدرية على هذا القول.
قوله : أن اضرب بعصاك [ الأعراف : آية ١٦٠ ] العصا معروفة، يعرفها كل أحد، وألفها مبدلة من واو، فلو ثنيت لقيل فيها :( عصوان ) ومنه قول ذي الرمة - غيلان بن عقبة - :
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه على عصويها سابري مشبرق
وقوله : الحجر قال بعض العلماء : هذه الألف واللام تدل على عهد، وأنه حجر كان معهودا عند موسى. وبعض العلماء يقول : هي لمطلق الجنس. وفيه هنا مقالات إسرائيلية لا يثبت شيء منها. قوم زعموا انه حجر مربع كان يحمله في التيه معه في مخلاته ويضربه [ بالعصا ]( في الأصل :( بالحجر ) وهو سبق لسان ) فكل جهة من جهاته الأربع تنفجر فيها ثلاث عيون، ويكون المجموع اثنتا عشرة عينا. وقال بعض العلماء : هو كلما نزل في محل أخذ حجرا منه وضربه فانفجرت منه تلك العيون. وقال بعض العلماء : هو الحجر الذي هرب بثوبه وقصته مشهورة، وسيأتي الكلام عليها في تفسير سورة الأحزاب في قوله تعالى : لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا [ الأحزاب : آية ٦٩ ] لأن نبي الله موسى كان بنو إسرائيل في زمنه يذهبون إلى البحر فيغتسلون بعضهم ينظر إلى بعض وهم عراة، وكان نبي الله موسى لا يغتسل حيث يراه أحد، بل يبعد ويغتسل من حيث لا يراه أحد، وكانوا يقولون : ما منعه أن يغتسل بمرأى منا إلا أنه آدر، والآدر : المصاب بالأدرة، والأدرة انتفاخ إحدى الخصيتين حتى تعظم وتكبر من مرض. فيوما وضع ثوبه على حجر فأجرى الله الحجر بالثوب إلى جماعة بني إسرائيل، فاشتد موسى يعدو في أثر الحجر يقول : ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى رآه بنو إسرائيل كأحسن ما يكون من الرجال، سالما من الأدرة كل السلامة، فقالوا : والله ما بموسى من بأس. ويذكر بعضهم أنه قيل له : احتفظ بهذا الحجر فإن له لشأنا، وأنه هو الذي كان يضربه بعصاه. وكل هذه مقالات إسرائيلية لا ثبوت لشيء منها، هذا معنى قوله : أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا .
قال في سورة البقرة : فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا [ البقرة : آية ٦٠ ] وقال في سورة الأعراف هنا : فانبجست منه اثنتا عشرة عينا وأكثر علماء العربية على أن معنى ( الانبجاس ) و( الانفجار ) أن معناهما واحد واللفظ مختلف، فكل من الانبجاس والانفجار انشقاق واسع ينحدر منه الماء بقوة. وزعم قوم أن الانبجاس أنه يكون أولا قليلا ثم لم يزل يكثر حتى يكون انفجارا. وعلى هذا فقد ذكر في سورة الأعراف بدء انفجار الماء، وفي سورة البقرة منتهاه، والأظهر أنهما سواء، وهو معروف في كلام العرب، وقد قال العجاج :
وانحلبت عيناه من فرط الأسى وكيف غربي دالج تبجسا
يعني قوله :( تبجسا ) أي : أفرغ ماء كثيرا في الحوض، وهذا معروف في كلام العرب.
وقوله : اثتنا عشرة عينا العين معروفة، وهو كل ماء كثير تسميه العرب عينا.
قد علم كل أناس ( الأناس ) اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمعنى : أن كل أمة من أمم بني إسرائيل علموا مشربهم، أي : عينهم التي يشربون منها ؛ لأنهم اثنتا عشرة أسباطا أمما،

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير