السختياني ويعلى بن حكيم وأبو سراج الهذلي وأبو جعفر «آصارهم» بالجمع لما كانت الأعمال كثيرة كانت أثقالها متغايرة، ومن وحد الإصر فإنما هو مفرد اسم جنس يراد به الجمع، قال أبو حاتم: في كتاب بعض العلماء «أصرهم» واحد مفتوح الهمزة عن نافع وعيسى والزيات وذلك غلط، وذكرها مكي عن أبي بكر عن عاصم وقال: هي لغة.
وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ عبارة مستعارة أيضا لتلك الأثقال كقطع الجلد من أثر البول، وأن لا دية ولا بد من قتل للقاتل، وترك الأشغال يوم السبت، فإنه روي أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه، هذا قول جمهور المفسرين، وهذا مثل قولك طوق فلان كذا إذا ألزمه، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل]
اذهب بها اذهب بها... طوقتها طوق الحمامه
أي لزمك عارها ومن هذا المعنى قول الهذلي:
فليس كعهد الدار يا أم مالك... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقابل... سوى الحق شيئا فاستراح العواذل
يريد أوامر الإسلام ولوازم الإيمان الذي قيد الفتك كما قال صلى الله عليه وسلم، وقال ابن زيد: إنما المراد هنا ب الْأَغْلالَ قول الله عز وجل في اليهود غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤] فمن آمن بمحمد ﷺ زالت عنه الدعوة وتغليلها.
ثم أخبر تعالى عن حال المؤمنين فقال: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وقرأ الجحدري وسليمان التيمي وقتادة وعيسى «عزروه» بالتخفيف، وجمهور الناس على التشديد في الزاي، ومعناه في القراءتين وقروه، والتعزير والنصر مشاهدة خاصة للصحابة، واتباع النور يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورَ كناية عن جملة الشرع، وقوله: مَعَهُ فيه حذف مضاف والتقدير مع بعثه أو نبوته أو نحو هذا، وشبه الشرع والهدى بالنور إذ القلوب تستضيء به كما يستضيء البصر بالنور، والْمُفْلِحُونَ معناه الفائزون ببغيتهم، وهذا يعم معاني الفلاح فإن من بقي فقد فاز ببغيته.
قوله عز وجل:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٨ الى ١٦٠]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)
هذا أمر من الله عز وجل لنبيه بإشهار الدعوة والحض على الدخول في الشرع، وذلك أنه لما رجا
الأمة المتبعة للنبي الأمي التي كتب لهم رحمته عقب ذلك بدعاء الناس إلى الاتباع الذي معه تحصل تلك المنازل وهذه الآية خاصة لمحمد ﷺ بين الرسل، فإن محمدا ﷺ بعث إلى الناس كافة وإلى الجن، قاله الحسن، وتقتضيه الأحاديث، وكل نبي إنما بعث إلى فرقة دون العموم، ثم إنه لما أعلن بالرسالة من عند الله أردف بصفة الله التي تقتضي الإذعان له وهي أنه ملك السموات والأرض بالخلق والإبداع والإحياء والإماتة لا إله إلا هو ولا معبود سواه.
وقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية، هو الحض على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: الَّذِي يُؤْمِنُ يريد الذي يصدق بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ والكلمات هنا الآيات المنزلة من عنده كالتوراة والإنجيل، وقرأ جمهور الناس «كلماته» بالجمع، وقرأ عيسى بن عمر «كلمته» بالإفراد الذي يراد به الجمع، وقرأ الأعمش «الذي يؤمن بالله وآياته» بدل «كلماته»، وقال مجاهد والسدي: المراد ب «كلماته» أو «كلمته» عيسى بن مريم، وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي على طمعكم وبحسب ما ترونه، وقوله:
وَاتَّبِعُوهُ لفظ عام يدخل تحته جميع إلزامات الشريعة جعلنا الله من متبعيه على ما يلزم بمنه ورحمته.
وقوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى الآية، يَهْدُونَ معناه يرشدون أنفسهم، وهذا الكلام يحتمل أن يريد به وصف المؤمنين المتقين من بني إسرائيل على عهد موسى وما والاه من الزمن، فأخبر أنه كان في بني إسرائيل على عتوهم وخلافهم من اهتدى واتقى وعدل، ويحتمل أن يريد الجماعة التي آمنت بمحمد ﷺ من بني إسرائيل على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، ويحتمل ما روي من أن بني إسرائيل لما تقطعوا مرت أمة منهم واعتزلت ودخلت تحت الأرض فمشت في سرب تحت الأرض سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين، فهم هنالك خلف واد من شهد يقيمون الشرع ويهدون بالحق، قاله السدي وابن جريج، وروي بعضه عن ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حديث بعيد، وقرأ بعض من الناس «وقطّعناهم» بشد الطاء، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «وقطعناهم» بتخفيف الطاء، ورواها أبان عن عاصم، ومعناه فرقناهم من القطع، وقرأ جمهور الناس «عشرة» بسكون الشين، وهي لغة الحجاز وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وطلحة بن سليمان بخلاف «عشرة» بفتح الشين، وقرأت هذه الجماعة أيضا وطلحة بن مصرف وأبو حيوة «عشرة» بكسر الشين وهي لغة تميم، وقال أبو حاتم والعجب أن تميما يخففون ما كان من هذا الوزن أي أهل الحجاز يشبعون وتناقضوا في هذا الحرف، وقوله: أَسْباطاً بدل من اثْنَتَيْ. والتمييز الذي بين العدد محذوف مقدر اثنتي عشرة فرقة أو قطعة أسباطا، وإما أن يزول عن التمييز ويقدر وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة ثم أبدل أسباطا، والأول أحسن وأبين، ولا يجوز أن يكون أَسْباطاً تمييزا لأن التمييز لا يكون إلا مفردا نكرة، وأيضا فالسبط مذكر وهو قد عد مؤنثا على أن هذه العلة لو انفردت لمنعت إذ السبط بمعنى الأمة، قال الطبري: وقال بعض الكوفيين لما كان السبط بمعنى الأمة غلب التأنيث وهو مثل قول الشاعر: [الطويل]
| فإن كلابا هذه عشر أبطن | وأنت بريء من قبائلها العشر |
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد