ويقول الحق بعد ذلك :
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( ١٦٠ ) .
وحين يقول الحق " قطعناهم " فهذه عودة لقوم موسى، ونعرف أن القرآن لا يخصص كأي كتاب فصلا لموسى وآخر لعيسى وثالثا لمحمد، لا، بل يجعل من المنهج الإيماني عجينة واحدة في الدعوة، فيأتي بقضية عيسى، ثم يدخل في الدعوة قضية موسى وغيره وهكذا، ثم يرجع إلى القضية الأصلية كي يستغل انفعالات النفس بعد أي قصة من القصص.
وهنا يعود الحق سبحانه لقوم موسى مرة أخرى. فبعد أن أنصفهم وبيّن أن فيهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقول : وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا . والمقصود هنا بنو إسرائيل، ومعنى " قطعت الشيء " أن الشيء كان له تمام وجودي مع بعضه، ثم قطعته وفصلت بعضه على بعض، وجعلته قطعا وأجزاء. فهم كلهم بنو إسرائيل، ولكن الحق يوضح أنه قطعهم وجعلهم " أسباطا "، و " السبط " هو ولد الولد، وهم هنا أولاد سيدنا يعقوب وكانوا اثني عشر ولدا، وحكت سورة يوسف وقالت : يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ( ٤ ) ( من الآية ٤ سورة يوسف ).
وحين تعد وتحصي ستجد أحد عشر كوكبا مرئية، وتضم إليها الشمس والقمر والرائي، فيصير العدد أربعة عشر واترك الشمس والقمر لأنهما يرمزان إلى يعقوب وزوجه، وخذ الأحد عشر كوكبا، وأضف الرائي وهو يوسف فيكون العدد اثني عشر. وهؤلاء هم الاثنا عشر سبطا، فقد أنجب سيدنا يعقوب اثني عشر ابنا من أمهات مختلفة، وعرفنا من قبل أن الأمهات حين تتعدد فالميول الأهوائية بين البناء قد تتعاند. ولذلك تنبأ سيدنا يعقوب وقال لسيدنا يوسف :
لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ( من الآية ٥ سورة يوسف ) : هذا أول دليل على أنهم مختلفون، وهو سبب من أسباب وحيثية التقطيع : وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا . وفي سورة يوسف نقرأ : هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ( من الآية ١٠٠ سورة يوسف ).
وهنا يقول الحق سبحانه : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ( من الآية ١٦٠ سورة الأعراف ).
إنهم لا يريدون حتى مجرد الاشتراك في الماء تحسبا للاختلاف فيما بينهم، فجعل الحق لكل سبط منهم عينا يشرب منها ليعالج ما فيهم من داءات الغيرة والحقد على بعضهم البعض ؛ لأن الحق قال عنهم : وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُممًا .
وهنا وقفة لغوية فقط، والأسباط في أولاد يعقوب وإسحاق يقابلون القبائل في أولاد إسماعيل، وأولاد إسماعيل " العرب " يسمونهم قبائل، وهؤلاء يسمونهم " أسباطا "، ونعرف أن لفظ " اثنتي " يدل على أنهم إناث، و " عشرة " أيضا إناث، لأننا نقول : " جاءني رجلان اثنان " و " امرأتان اثنتان " ؛ أي اثنان للذكور، واثنتان للإناث، وكلمة " اثنتي عشرة " عدد مركب وتمييزه يكون دائما مفردا، ولذلك يقول الحق : أحد عشر كوكبا .
إذن " اثنتا عشر " يدل على أنه مؤنث. لكن المذكور هنا " سبط " وسبط مذكر، ولنا أن نعرف أنه إذا جمع صار مؤنثا لأنهم يقولون : " كل جمع مؤنث " وأيضا فالمراد بالأسباط القبائل، ومفردها قبيلة وهي مؤنثة، وقطعهم أي كانت لهم من قبل وحدة تجمعهم، فأراد الحق أن يلفتنا إلى أنهم من شيء واحد، فجاء بكلمة " أسباط " مكان قبيلة، وقبيلة مفردة مؤنثة، ويقال : " اثنتا عشرة قبيلة "، ولا يقال اثنتا عشرة قبائل، فوضع أسباطا، موضع قبيلة لأن كل قبيلة تضم أسباطا لذا جاء التميز مذكرا..
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُممًا . ( من الآية ١٦٠ سورة الأعراف ) :
أي جعلنا كل سبط أمة بخصوصها. والواقع الكوني أثبت أنهم كذلك ؛ لأنك لا تجد لهم فيما مضى تجمعا قوميا وهو ما يسمونه " الوطن القومي لليهود " برغم أن الدول الظالمة القوية أعانوهم وأقاموا لهم وطنا على أرض فلسطين، ومع ذلك نجد في كل بلد طائفة منهم تعيش معزولة عن الشعوب التي تحيا في رحابها، كأنهم لا يريدون أن يذوبوا في الشعوب، ففي باريس مثلا تجد " حي اليهود "، وفي لندن المسألة نفسها، وفي كل مدينة كبيرة تتكرر هذه الحكاية، فهم يعيشون فيها بطقوسهم وبشكلهم وبأكلهم، وبعاداتهم معزولين عن الشعوب، كأنهم ينفذون قدر الله فيهم : وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُممًا .
وقطعهم ربنا في الأرض أي أنه نشرهم في البلاد، ولم يجعل لهم وطنا مستقلا، ولذلك ستقرأ في سورة الإسراء إن شاء الله : وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ .
أي أنه سبحانه قال لهم بعد سيدنا موسى : اسكنوا الأرض وحين تقول لنا يا رب : " اسكن " فأنت تحدد مكانا من الأرض. كأن يسكن الإنسان في الإسكندرية أو القاهرة أو الأردن أو سوريا، لكن أن يصدر الحكم بأن " اسكنوا الأرض " فهذا يعني أن انساحوا فيها فلا تجمع لكم.
ويقول الحق : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا .
أي أنه حين يجيء وعد الآخرة تكون ضربة قاضية عليكم أيها اليهود لأن عدوكم لن يتتبعكم في كل أمة من الأمم، ويبعث جيشا يحاربكم في كل مكان تعيش فيه طائفة منكم، لكن إذا جاء وعد الآخرة يأتي بهم الحق لفيفا ويتجمعون. في هذا الوطن القومي الذين يفرحون به، ونقول لهم : لا تفرحوا فهذا هو التجمع الذي قال الله عنه : " جئنا بكم لفيفا " لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضي عليكم.
ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ( من الآية ١٦٠ سورة الأعراف ) :
و " استسقى " المراد منه هو طلب السقيا، والسقيا هي طلب الماء الذي يمنع عن الإنسان العطش، ومادام قد طلبوا السقيا فلابد أنهم يعانون من ظمأ، كأنهم في التيه. وأراد الله سبحانه أن يبرز لهم نعمه وقت الحاجة، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الرّي.
والحق يقول : إذا استسقاه قومه ، أي طلبوا من سيدنا موسى أن يسأل الله السقيا. فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ ؟ وقال لهم موسى : ليس بذاتي أرويكم، ولكن سأستسقي لكم ربي، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب الوجودي الاضطراري : الهواء والماء والطعام. وساعة ترى " همزة " وسينا " وتاء " واقعة على شيء من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه.
مثال ذلك : حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها، أي طلبا طعاما وهذا هو المقوم الثالث للحياة. وهنا " استسقي " أي طلب المقوم الثاني وهو الماء، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه. لذل لم يضعه الله في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق.
ولما كان الهواء غير مملوك وهو مشاع ؛ لذلك لم توجد فيه هذه العملية. إنما الطعام يُمكن أن يملك، والماء يمكن أن يُملك، فقال سبحانه مرة " استطعم "، وقال هنا " استسقى : ، ولم يوجد " استهوى " لطلب الهواء، لكن وجد في القران " استهوى " بمعنى طلب أن تكون على هواه : كالذي استهوته الشياطين ( من الآية ٧١ سورة الأنعام ) : أي طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعا لما يريدون لا لما يريده الله.
وقصة الاستسقاء وردت من قبل في سورة البقرة : وإذ استسقى موسى لقومه . وفي سورة الأعراف التي نحن بصدد خواطرنا عنها هم الذين طلبوا الاستسقاء. فهل هناك تعارض ؟. طبعا لا ؛ لأن قوم موسى طلبوا السقيا من موسى، فطلب لهم السقيا من ربه. فهل هذا تكرار ؟ لا ؛ لأنه سبحانه تكلم عن الواسطة، وبعد ذلك تكلم عن الأصل، وهو سبحانه الواهب للماء ؛ فقال هنا : " إذ استسقاه قومه "، وفي سورة البقرة قال : وإذا استسقى موسى لقومه .
وهذا ترتيب طبيعي. أقول ذلك لنعرف الفارق بين العبارتين حتى نؤكد أنه لا خلاف ولا تكرار ؛ لأن المستسقي هنا القوم، والمستسقى لهم هنا هو موسى والمستسقى منه هو الله جلت قدرته وهذا أمر طبيعي.
والحق سبحانه يقول في سورة البقرة :
وإِذِ اسْتسْقى مُوسى لِقوْمِهِ فقُلْنا اضْرِبْ بِعصاك الْحجر ( من الآية ٦٠ سورة البقرة ).
ونجد الوحي نزل إلى موسى بقوله : فقلنا اضرب ؛ وهنا في سورة الأعراف نجد الحق يقول : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ( من الآية ١٦٠ سورة الأعراف ).
ولنا أن نعرف أنّ " قُلْنَا " تساوي " أوحينا " تماما، لأن المقصود بالقول هنا ليس من مناطات تكليم الله لموسى، بل مناط هذه القضية غير المناط في قوله الحق
وكلم الله موسى تكليما .
فليس كل وحي لموسى جاء بكلام مباشر من الله، بل سبحانه كلمه مرة واحدة كتشريف له، ثم أوحى له من بعد ذلك كغيره من الرسل.
وقوله الحق : أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ( من الآية ١٦٠ سورة الأعراف ).
هذا القول يدلنا على الإعجاز المطلق، فمرة أمر الحق موسى أن يضرب الماء بالعصا فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، ومرة يأمره هنا أن يضرب الحجر فينبجس منه الماء، وهكذا نرى طلاقة قدرة الله في أن يعطي ويمنع بالشيء الواحد، ولم يكن ذلك إلا بالأسباب التي في يد الله يحركها كيف يشاء. ولذلك رأينا أمر الله حين ضرب موسى البحر بعصاه، فصار كل فرق كالطود، أي كالجبل، وامتنعت السيولة، ولما خرج موسى وقومه إلى البر بعد أن عبر البحر أراد أن يضرب البحر ليعود ثانية إلى سيرته الأولى من السيولة، فأوحى له الله : اترك البحر رهوا }.
أي اتركه كما هو عليه ؛ لأن الله يريد أن يغتر فرعون وقومه بأن يروا اليابس طريقا موجودا بين الماء، فيحاولوا النفاذ منه وراء موسى وقومه، وما أن دخل فرعون وقومه خلف موسى حتى عاد الماء إلى سيولته فغرف فرعون وقومه. وهكذا أنجى الله وأغرق بالشيء الواحد، وكذلك في أمر العصا ؛ إنها هي حين ضربت الماء فلقته فصار كل فرق كالطود والجبل الشامخ، ثم ضرب موسى بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا من الماء، وهكذا نرى قدرة من بيده القدرة والأسباب.
اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ( من الآية ١٦٠ سورة الأعراف ).
وهنا تعبير " انبجست، وهناك تعبير " انفجرت "، ونعلم أن الانبجاس يحدث أولا ثم يتبعه الانفجار ثانيا ؛ فالانبجاس أن يأتي الماء قطرة قطرة، ثم يأتي الانفجار وتتدفق المياه الكثيرة، فكان
تفسير الشعراوي
الشعراوي