و اذكر إذ أخذ ربّك من بني آدم فيه اختصار تقديره من آدم وبني آدم من ظهورهم بدل من بني آدم بدل البعض والمعنى إذ أخرج ربك من ظهور آدم بنيه وذريتهم قرأ نافع وأبو عمروا وابن عامر ويعقوب ذرياتهم على صيغة الجمع والباقون على الإفراد وأشهدهم على أنفسهم أي أشهد على بعض وقال : لهم ألست بربكم قالوا بلى عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( لما خلق الله آدم مسخ ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء ؟ قال : ذريتك، فرأى منهم رجلا فأعجبه عينيه فقال أي رب من هذا ؟ قال : داود، قال : رب كم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة، قال : رب زده من عمري أربعين سنة، قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين جاءه ملك الموت، فقال آدم : ألم يبق من عمري أربعين سنة ؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟ فجحد آدم فجحدت ذريته ونسى آدم فأكل من الشجرة ونسيت ذريته وخطأ آدم فخطأت ذريته )١ورواه الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته بيضاء كأنهم الذر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذريته سوداء كأنهم الحمم قال : للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي وقال : للذي في كتفه اليسرى إلى النار ولا أبالي )٢ رواه أحمد كذا ذكر مقاتل وغيره من أهل التفسير فذكروا نحوه، وفي آخره ( ثم أعادهم جميعا في صلبه فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء ) قال : الله تعالى فيمن نقض العهد الأول وما وجدنا لأكثرهم من عهد ٣ وعن مسلم بن يسار قال :( سأل عمر بن الخطاب عن هذه الآية وإذا أخذ ربك من بني آدم الآية قال : عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عنها فقال :( إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل ففيم العمل يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار )٤ رواه مالك وأبو داود والترمذي وأحمد في سنده والبخاري في التاريخ وان حبان والحاكم والبيهقي، وقال : الترمذي وأحمد في مسنده والبخاري في التاريخ وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقال : الترمذي حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، قال : البغوي : قد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان_ يعني عرفة_ فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنشرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا، قال : ألست بربكم ؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه، وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية :( أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم ؟ قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا، قال : البغوي : روى عن ابن عباس أيضا أن الله أخرجهم وأخذ الميثاق بد هناء من أرض الهند وهو الموضع الذي هبط آدم عليه السلام، وقال : الكلبي : بين مكة والطائف، وقال : السدي خلق الله آدم ولم يهبط من السماء ثم مسح ظهره فأخرج ذريته، وعن أبي بن كعب جمعهم فجعلهم أزواجا يعني أصنافا ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا ثم أخذهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قال الله تعالى : فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم آباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وانزل عليكم كتبي، قالوا شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا بذلك ورفع عليهم آدم عليه السلام ينظر إليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب لولا سويت بين عبادك قال : إني أحببت أن أشكر، ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور خصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة وهو قوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم إلى قوله وعيسى ابن مريم ( ١ ) وعيسى بن مريم كان في تلك الأرواح فأرسله إلى مريم فحدث عن أبي أنه دخل من فيها رواه أحمد زاد في بعض الروايات بعد قوله ( لا تشركوا بي شيئا ) قوله ( فإني سأنتقم عمن أشرك بي ولم يؤمن بي ) وزاد بعد قوله ( فأقروا بذلك ) قوله ( ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم ) وبعد قوله ( إني أحببت أن أشكر ) أنه لما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعاد إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه، قال : البغوي : ما معنى قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم وإنما أخرجهم من ظهر آدم ؟ قلت : وبه نطق الأحاديث، قيل : في جوابه إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالدون فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه فأخرجوا من ظهره ولذلك لم يذكر ظهر آدم في الآية، قلت : وإخراج كلهم إلى ظهر آدم إنما أسند في الحديث بناء على أنه لما كان بعضهم في ظهر بعض والأصول في ظهر آدم فكان كلهم في ظهره فصح إسناد إخراج كلهم إلى ظهره، أو لأن المراد بآدم في الحديث آدم وبنيه اقتصر على ذكر آدم اكتفاء بذكر الأصل عن ذكر الفرع، قلت : ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( ضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء ) أنه ضرب كتفه أو كتف أحد من أبناءه فأخرج منها ذرية بيضاء وكتفه أو كتف أحد منهم اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء، ثم قال :( خلفت هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ) قال : البغوي : قال : أهل التفسير إن أهل السعادة أقروا طوعا وأهل الشقاوة قالوا تقية وكرها وذلك معنى قوله تعالى : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ( ٢ ) شهدنا قال : السدي هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم، وقال : بعضهم هو خبر من قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم فقالوا : بلى شهدنا وقال : الكلبي : ذلك من قول الملائكة وفيه حذف تقديره لما قالت الذرية بلى قال : الله تعالى للملائكة : اشهدوا قالوا شهدنا أن تقولوا يوم القيامة منصوب على العلية قرأ أبو عمرو يقولوا في الموضعين بالياء التحتانية على الغيبة تقديره أشهدهم كراهية أن يقولوا أو لئلا يقولوا والباقون بالفوقانية على الخطاب تقديره أخاطبكم بألست بربكم كراهة أن تقولوا أو لئلا تقولوا، قلت والأولى أن يقال تقديره على قراءة أبي عمر وذكرهم يا محمد بالميثاق كراهة أن يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين وعلى قراءة الجمهور أخبرتكم أيها الناس بالميثاق كراهة أن تقولوا إنا كنا عن هذا الميثاق أو الإقرار غافلين فإن قيل : كيف يلزم الحجة واحد لا يذكر الميثاق ؟ قيل : لما أخبر بذلك المخبر الصادق المؤيد بالمعجزة لزمهم الحجة ولا يسقط الاحتجاج بعدم حفظهم
٢ رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح. أنظر مجمع الزوائد في كتاب: القدر، باب: فيما سبق من الله سبحانه في عباده وبيان أهل الجنة وأهل النار (١١٧٧٧)..
٣ سورة الأعراف الآية: ١٠٢..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف (٣٠٧٥) وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في القدر (٤٦٩١)..
التفسير المظهري
المظهري