هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
( وإذ أخذ ربك من بني آدم - من ظهورهم - ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ! أن تقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبل. وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟.. وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون )..
إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد - على طريقة القرآن الغالبة - وإنه لمشهد فريد.. مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود، تؤخذ في قبضة الخالق المربي، فيسألها :( ألست بربكم ؟ ).. فتعترف له - سبحانه - بالربوبية ؛ وتقر له - سبحانه - بالعبودية ؛ وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية ؛ وهي منثورة كالذر ؛ مجموعة في قبضة الخالق العظيم !
إنه مشهد كوني رائع باهر، لا تعرف اللغة له نظيراً في تصوراتها المأثورة ! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته ! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى، وهي تجمع وتقبض. وهي تخاطب خطاب العقلاء - بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع - وهي تستجيب استجابة العقلاء، فتعترف وتقر وتشهد ؛ ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب !
وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد. وهو يتمثل الذر السابح. وفي كل خلية حياة. وفي كل خلية استعداد كامن. وفي كل خلية كائن إنساني مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول، ويقطع على نفسه العهد والميثاق، قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم !
لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد، لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود.. عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرناً من الزمان، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام ! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة. فإذا " العلم " يقرر أن الناسلات، وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل " الإنسان " وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب.. أن هذه الناسلات التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر، وتكمن فيها خصائصهم كلها، لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة !.. كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال ! وصدق الله العظيم :( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق )..
أخرج ابن جرير وغيره - بإسناده - عن ابن عباس قال :" مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة... فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم :( ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ) ".. وروي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عباس. وقال ابن كثير : إن الموقوف أكثر وأثبت..
فأما كيف كان هذا المشهد ؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ؟ وكيف خاطبهم :( ألست بربكم )وكيف أجابوا :( بلى شهدنا )؟.. فالجواب عليه : أن كيفيات فعل الله - سبحانه - غيب كذاته. ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال الله ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات الله. إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية. وكل فعل ينسب لله سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى :( ثم استوى إلى السماء وهي دخان... ).. ( ثم استوى على العرش ).. ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ).. ( والسماوات مطويات بيمينه ).. ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ).. ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم )... إلى آخر ما تحكيه النصوص الصحيحة عن فعل الله سبحانه، لا مناص من التسليم بوقوعه، دون محاولة إدراك كيفيته.. إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا.. والله ليس كمثله شيء. فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله. إذ أنه. لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء، ما دام أن ليس كمثله شيء.. وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه، هي محاولة مضللة، لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه. وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه.. وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال الله، وخلطوا خلطاً شديداً !
على أن هناك تفسيرا لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة.. فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده. أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه، حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها، ويميل بها عن فطرتها.
قال ابن كثير في التفسير : قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد - كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود ابن سريع - وقد فسر الحسن الآية بذلك. قالوا : ولهذا قال :( وإذ أخذ ربك من بني آدم )ولم يقل : من آدم.. ( من ظهورهم ).. ولم يقل من ظهره.. ( ذرياتهم )أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل، وقرناً بعد قرن، كقوله تعالى : وهو الذي جعلكم خلفاء الأرض.. وقال :( ويجعلكم خلفاء الأرض ).. وقال :( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ).. ثم قال :( وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ! ) أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له.. حالاً.. وقالوا : والشهادة تارة تكون بالقول كقوله :( قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ).. وتارة تكون حالاً كقوله تعالى :( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ).. أي حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك.. وكذلك قوله تعالى :( وإنه على ذلك لشهيد ).. كما أن السؤال تارة يكون بالمقالوتارة يكون بالحال. كقوله :( وآتاكم من كل ما سألتموه ).. قالوا : ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك. فلو كان قد وقع هذا، كما قال من قال، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل : إخبار الرسول [ ص ] به كاف في وجوده، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. ولهذا قال :( أن تقولوا ).. أي لئلا تقولوا ( يوم القيامة إنا كنا عن هذا ). أي التوحيد.. ( غافلين )،
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !