ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين١٧٢ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون١٧٣ وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون [ الأعراف : ١٧٢ ١٧٤ ].
تفسير المفردات : الظهور : واحدها ظهر، وهو ما فيه العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته فيصح أن يعبر به عن جملة الجسد، والذرية : سلالة الإنسان من الذكور والإناث، والشهادة تارة قوليه كما قال : قالوا شهدنا على أنفسنا [ الأنعام : ١٣٠ ] الآية، وتارة تكون حالية كما قال : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر [ التوبة : ١٧ ] أي حالهم شاهدة عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه هدايته للبشر بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصة بني إسرائيل قفى على ذلك بذكر هدايته لهم بما أودع في فطرتهم وركّب في عقولهم من الاستعداد للإيمان به وتوحيده وشكره منذ النشأة الأولى ـ فهو سبحانه بعد أن أظهر تمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص الذي دل عليه قوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة .
وقوله : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور [ البقرة : ٦٣ ] ذكر هنا أنهم نقضوا أيضا الميثاق العام الذي أخذه على بني آدم جميعا وهم في صلب آدم، وأشركوا بالله وقالوا : عزير ابن الله.
الإيضاح : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أي واذكر أيها الرسول للناس كافة ما أخذه الله من ميثاق الفطرة على البشر عامة، إذ استخرج من بني آدم ذريتهم بطنا إثر بطن، وخلقهم على فطرة الإسلام بما أودع في قلوبهم من غريزة الإيمان اليقيني بأن كل فعل لا بد له من فاعل وأن فوق كل العوالم القائمة على سنة الأسباب والمسببات سلطانا أعلى على جميع الكائنات هو المستحق للعبادة وحده، وأشهد كل واحد من هؤلاء الذرية الحادثة جيلا بعد جيل على نفسه بما أودعه في غريزته واستعداده قائلا لهم قول إرادة وتكوين لا قول وحي وتبليغ : ألست بربكم ؟ فقالوا بلسان الحال لا بلسان المقال : بل أنت ربنا المستحق وحدك للعبادة، فالكلام من قبيل التمثيل، وله نظائر في القرآن الكريم وأساليب العرب كقوله تعالى بعد ذكر خلق السماء : فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين [ فصلت : ١١ ] وقوله : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ النحل : ٤٠ ] وقول بعض العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال سل من يدقني، فإن الذي ورائي، ما خلاني ورائي : أي ورأيي.
وقال ابن كثير في تفسير الآية : يخبر الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله [ الروم : ٣٠ ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كل مولود يولد على الفطرة ) وفي رواية :( على هذه الملة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تلد البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ) اه.
وقال ابن القيم في كتاب الروح في سياق البحث في خلق الأرواح قبل الأجساد ما خلاصته : إن الله سبحانه استخرج صور البشر وأمثالهم، فميز شقيهم وسعيدهم ومعافاهم من مبتلاهم، والآثار متظاهرة به مرفوعة، وإن الله أقام عليهم الحجة حينئذ وأشهدهم بربوبيته واستشهد عليهم ملائكته كما تدل على ذلك الآية.
قال أبو إسحاق : جائز أن يكون الله سبحانه جعل لأمثال الذر التي أخرجها فهما تعقل به كما قال : قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم [ النمل : ١٨ ] وقد سخر مع داود الجبال تسبح معه والطير. وقال ابن الأنباري : مذهب أهل الحديث وكبراء العلم في هذه الآية أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم في صورة الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون له، فاعترفوا بذلك وفعلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب، وكما فعل بالبعير لما سجد، وبالنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت اه.
وقال الحسن بن يحيى الجرجاني : إنه سبحانه قد أثبت الحجة على كل منفوس ممن يبلغ وممن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم وبالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين، وبالمواعظ بالمثلات المنقولة إليهم أخبارها، غير أنه عز وجل لا يطالب أحد منهم بالطاعة إلا بقدر ما لزمه من الحجة، وركب فيهم من القدرة، وآتاهم من الأدلة، وبين سبحانه ما هو عامل في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي، وحجب عنا علم ما قدره في غير البالغين، إلا أنا نعلم أنه عدل لا يجور في حكمه، وحكيم لا تفاوت في صنعه، وقادر لا يسأل عما يفعل، له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين اه.
ثم بين سبحانه سبب هذا الإشهاد وعلته فقال :
أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أي إنا فعلنا هذا منعا لاعتذاركم يوم القيامة، بأن تقولوا إذا أشركتم إنا كنا عن هذا التوحيد غافلين، إذ لم ينبهنا إليه منبه، ومآل هذا أنه لا يقبل منهم الاعتذار بالجهل لأنهم نبهوا بنصب الأدلة وجعلوا مستعدين لتحقيق الحق وإبعاد الشرك عن قلوبهم.


المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه هدايته للبشر بإرسال الرسل وإنزال الكتب في قصة بني إسرائيل قفى على ذلك بذكر هدايته لهم بما أودع في فطرتهم وركّب في عقولهم من الاستعداد للإيمان به وتوحيده وشكره منذ النشأة الأولى ـ فهو سبحانه بعد أن أظهر تمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص الذي دل عليه قوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة .
وقوله : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور [ البقرة : ٦٣ ] ذكر هنا أنهم نقضوا أيضا الميثاق العام الذي أخذه على بني آدم جميعا وهم في صلب آدم، وأشركوا بالله وقالوا : عزير ابن الله.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير