ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

واذكر يا نبي الله وإذ أخذ حين أخذ ربك جل وعلا. ربك معناه : خالقك وسيدك ومدبر شؤونك ؛ والرب يطلق في لغة العرب على عشرة معان، منها : السيد الذي يدبر الشؤون ويسوس الأمور، تقول العرب :( فلان رب هذه البلدة ) أي : سيدها الذي يدبر شؤونها ويسوس أمورها، ومنه قول علقمة بن عبد التميمي :

وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوب
أي : سادتني سادة وساسوني.
وقوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من أولاد أبينا آدم. وقوله : من ظهورهم بدل من بني آدم بدل بعض من كل.
وقوله : ذريتهم قرأ هذا الحرف ابن كثير والكوفيون –أعني عاصما، وحمزة، والكسائي- : وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم بصيغة الإفراد، والذرية بالإفراد تعم، وقرأه نافع، وأبو عمرو، وابن عامر : وإذ أخذ ربك من آدم من ظهورهم ذريتهم بجمع السلامة. وكلتاهما قراءة صحيحة متواترة ومعناها صحيح.
وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم اختلف العلماء في معنى هذا الأخذ –أخذ الذرية- من ظهور بني آدم على قولين : فذهبت جماعة من المفسرين إلى أن معنى أخذهم من ظهور بني آدم هو وجودهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، على طريق التناسل، والمعنى : أن الله خلق بني آدم وخلق من هؤلاء ذرية، فينقضي هذا القرن ويخلق من هذا القرن ذرية كما قال : كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين [ الأنعام : آية ١٣٣ ] وعلى هذا القول فالأخذ من ظهورهم : هو استخراج النطف من أصلابهم على طريق التناسل قرنا بعد قرن. وعلى هذا القول فقوله : وأشهدهم على أنفسهم الذين قالوا هذا القول قالوا : أشهدهم على أنفسهم بلسان الحال لا بلسان المقال ؛ لأن الله نصب لهم من الأدلة الواضحة الظاهرة على كمال قدرته وأنه المعبود وحده ما لا يحتاج معه إلى شيء ألست بربكم يعني : أثبت لهم ربوبيته واستحقاقه للعبادة بما ركز فيهم من الفطرة والعقول، وما نصب لهم من الأدلة، وعلى هذا القول فقوله : قالوا بلى قالوا ذلك أيضا بلسان حالهم، والعرب قد تطلق المقال على مقال لسان الحال، قال بعض العلماء : منه قوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر [ التوبة : آية ١٧ ] أي : بلسان حالهم –على القول بذلك- ومنه قوله : وإنه على ذلك لشهيد ٧ [ العاديات : آية ٧ ] أي : بلسان حاله عند من يقول ذلك. والذين قالوا هذا القول –واختاره غير واحد من المحققين المتأخرين- قالوا : الدليل على أن هذا هو المراد أن الله لم يخلق أحدا من بني آدم ذاكرا الميثاق ليلة الميثاق وهم كالذر، وما لا يذكره الإنسان لا يكون حجة عليه، وهذا كأنه جعل حجة مستقلة عليه، كما يدل عليه قوله : شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ١٧٢ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل [ الأعراف : الآيتان ١٧٢، ١٧٣ ] فعلى هذا القول فأخذ الذريات من ظهور التناسل المعروف. وعلى هذا القول فالإشهاد عليهم بلسان الحال بما نصب لهم من الأدلة، وما ركز فيهم من الفطرة. واختار هذا ابن كثير، والزمخشري، وغير واحد من المتأخرين.
والقول الثاني : وعليه أكثر المتقدمين من السلف، وهو الذي لا يدل له بعض الأحاديث الصحيحة، والقرآن قد يرشد إليه : إنه هو الأخذ يوم الميثاق المعروف، أن الله تبارك وتعالى أخذ من ظهر آدم ومن ظهور ذرياته كل نسمة يبق في علمه أنها مخلوقة يوم القيامة، فأخذهم بيده ( جل وعلا ) بعضهم للجنة وبعضهم للنار، وجعل فيهم إدراكا وقال لهم : ألست بربكم فقالوا : بلى. إلا أن هذا العهد لا يولد أحد إلا وهو ناس له. والله ( جل وعلا ) أرسل الرسل يذكرون بهذا العهد، وما ثبت عن الرسل هو وما حضره الإنسان في التحقيق واحد ؛ لأن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن نجزم بوقوعه أشد مما نجزم بما شاهدناه ولاحظناه وتذكرناه.
وهذا القول قال به كثير من السلف، ودلت عليه أحاديث كثيرة من أصحها وأدلها عليه ما ثبت في الصحيحين –صحيح البخاري وصحيح مسلم- من حديث أنس بن مالك ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة ؟ أرأيت لو كان عندك كل شيء أكنت مفتديا به ؟ فيقول : نعم. فيقول الله : أردت منك أهون من ذلك، أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي فأبيت إلا أن أشرك بي ). فهذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث أنس، وقد ذكر فيه قوله صلى الله عليه وسلم أن عدم الإشراك أخذ عليهم وهم في ظهر آدم، فدل ذلك على أن قوله : وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم أنه استخراج الله لهم، وإشهاده عليهم، ثم ردهم في ظهر أبيهم آدم. ومما يدل على هذا : أن الذين قالوا : إن معنى أخذهم من ظهورهم : هو تناسلهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، أنهم جعلوا ما ركب فيهم من الفطرة السليمة والعقول، وما نصب لهم من الأدلة القطعية كافيا في قيام الحجة لهم. والقرآن يدل على عدم صحة هذا القول ؛ لأن القرآن العظيم –وهو كلام رب العالمين- دل على أنه لا يقطع عذر أحد بنصب الأدلة، وتركيز الفطرة، وخلق العقول ؛ بل لا ينقطع عذر بني آدم إلا بإرسال الرسل في دار الدنيا، وإنذارهم مؤيدين بالمعجزات، ولذا قال تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ الإسراء : آية ١٥ ] ولم يقل : حتى نخلق عقولا ونركز أدلة وننصب فطرة. لم يقل شيئا من هذا، وقال جل وعلا : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ النساء : آية ١٦٥ ] فبين أن حجة الناس لا يقطعها إلا إعذار الرسل وإنذارهم له.
وهذه الحجة التي بين في سورة النساء أنه أرسل الرسل لقطعها بقول : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل أوضحها في أخريات سورة طه وأشار لها في القصص، قال في سورة طه : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ١٣٥ [ طه : آية ١٣٤ ] ولم يقل : لولا خلقت لنا عقولا، ونصبت لنا أدلة، وكتبت فينا فطرا. لم يقل شيئا من هذا. وأشار لها في القصص بقوله : ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ٤٧ [ القصص : آية ٤٧ ] لأنه قال : لولا أرسلت إلينا رسولا ولم يقل : لولا خلقت لنا عقولا، وركزت فينا فطرة، ورتبت لنا أدلة. لم يقل شيئا من هذا. وقد صرح ( جل وعلا ) بأن جميع أفواج النار الذين يدخلونها يوم القيامة أنهم جميعهم أنذرتهم الرسل في دار الدنيا، وقطعت أعذارهم قبل الموت، وذلك في قوله : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتيكم نذير ٨ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ظلال كبير ٩ [ الملك : الآيتان ٨، ٩ ] فقوله : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها تدل على أن جميع الأفواج التي دخلت النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. وقد صرح الله بذلك في سورة الزمر –التي ذكر فيها القيامة كأنك تنظر إليها- قال : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزانتها ألم يأتيكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولاكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ٧١ [ الزمر : آية ٧١ ] وكذلك لما قسم الله ( جل وعلا ) الخلائق قسمين في سورة فاطر جعل المسلمين ثلاث طوائف في قوله : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله [ فاطر آية ٣٢ ] ثم ذكر الكفار فقال : والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل فكور ٣٦ وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير [ فاطر : الآيتان ٣٦، ٣٧ ] فقوله : وجاءكم النذير هو محل الشاهد و الذين كفروا عام لما تقرر في الأصول أن صيغ الموصولات أنها من صيغ العموم ؛ لأن الموصول من المعلوم أنه يعم كل ما تشمله صلته كما هو معروف في محله.
وهذا معنى قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم على القول الأول : بلسان [ الحال ] ( وقع للشيخ ( رحمه الله ) في هذا الموضع سبق لسان، فالعبارة في الأصل :( على القول الأول : بلسان المقال، وعلى الثاني : خلق فيهمن عقولا أدركوا بها وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال : ألست بربكم قالوا بلى أنت ربنا ). وقد جرى تصويبه بين المعقوفين [ ] )، وعلى الثاني : بلسان [ الحال ] ألست بربكم قالوا بلى أنت ربنا.
واعلموا أن لفظة ( بلى ) تأتي في القرآن وفي اللغة العربية لمعنيين لا ثالث لهما : أحد معنيي ( بلى ) المشهورين في كلام العرب وفي القرآن العظيم : أن ( بلى ) يجاء بها لنفي نفي قبلها، فهي نقضية ( لا ) ؛ لأن ( لا ) لنفي الإثبات، و( بلى ) لنفي النفي، فيتقدم قبلها نفي فيؤتي ب( بلى ) لتنفي ذلك النفي فيصير ما بعدها إثباتا، لأن نفي النفي إثبات، وهذا الوجه كثير في القرآن وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة [ سبأ : آية ٣ ] نفوا إتيان الساعة فنفي الله نفيهم إياها وأثبته، قال : بلى وربي لتأتينكم [ سبأ : آية ٣ ] زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن [ التغابن : آية ٧ ] وهذا الوجه كثير في القرآن فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون [ النمل : آية ٢٨ ].
الوجه الثاني : أن تؤتي بلفظة ( بلى ) جوابا لاستفهام مقترن بالنفي خاصة، ولا يجاب ب( بلى ) استفهام إلا الاستفهام المقترن بالنفي خاصة، وإذا جاءت ( بلى ) أحالت ذلك الاستفهام المقترن بالنفي إلى طريق الإثبات أيضا، كقوله هنا : ألست بركم قالوا بلى [ الأعراف : آية ١٧٢ ] وإذا أجابت العرب استفهاما مقترنا بالنفي بغير ( بلى ) فإنه ليس على القواعد العربية، فهو يحفظ ولا يقاس عليه. قال بعض علماء العربية : ربما أجابت العرب ب( نعم ) سؤالا مقترنا بنفي، وهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. قالوا : ومنه قول الشاعر :
أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك لنا تداني
نعم، وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني
فالقياس أن يقول هذا الشاعر :( بلى ) ولا يقول :( نعم ) ولما قال :( نعم ) صار يحفظ ولا يقاس عليه. وربما أجابت العرب استفهاما غير مقترن بالنفي ب( بلى ) إذا كان ذلك الاستفهام يقصد به الاستبعاد والنفي، وهذا معروف في كلامهم ؛ ولذا لما قال الأخطل يعير الجحاف :
ألا فاسأل الجحاف هل أنت ثائر بقتلى أصيبت من نمير بن عامر
قال :( هل أنت ثائر ) ولكن هذا الاستفهام ب( هل ) يضمنه معنى : أنه لا يثأر بهم، ولا يقتل قتلتهم، ففهم ذلك وأجاب ب( بلى ) لأن الأخطل لما قال :
ألا فاسأل الجحاف هل أنت ثائر بقتلى أصيبت من نمير بن عامر
أجابه الجحاف ب( بلى ) لينفي النفي الذي ضمنه في ( هل ) بقوله :
بلى سوف نبكيهم بكل مهند ونبكي نميرا بالرماح الخواطر
وهذا معنى قوله : ألست بربكم قالوا بلى .
وقوله : شهدنا اختلف العلماء هو من كلام من ؟ !
فقال بعض العلماء : هو من كلام الملائكة.
وقال بعض العلماء : هو من كلام الله والملائكة. وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله : بلى لما استخرجهم في صورة الذر ليلة الميثاق، وأخذ عليهم الميثاق، وقال لهم : ألست بربكم قالوا بلى أنت ربنا، قال الله والملائك

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير