يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون [ الأعراف : ١٨٧ ].
تفسير المفردات : الساعة لغة : جزء قليل غير معين من الزمن، وعند الفلكيين، جزء من أربع وعشرين جزءا متساوية يضبط بآلة تسمى الساعة، وقد كان ذلك معروفا عند العرب فقد جاء في الحديث :( يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة ) وقد تطلق بمعنى الوقت الحاضر وبمعنى الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وأكثر استعمال " ساعة " بدون أل في الكتاب الكريم بمعنى الساعة الزمانية، وبأل بمعنى الساعة الشرعية، وهي ساعة خراب العالم وموت أهل الأرض جميعا، وجاء المعنيان في قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة [ الروم : ٥٥ ] والغالب التعبير بيوم القيامة عن يوم البعث والحشر الذي يكون فيه الحساب والجزاء والتعبير بالساعة عن الوقت الذي يموت فيه الأحياء في هذا العالم ويضطرب نظامه، فالساعة مبدأ، والقيامة غاية، وأيان : بمعنى متى، فهي للسؤال عن الزمان، ومرساها : أي إرساؤها وحصولها واستقرارها، ويقال رسا الشيء يرسو : إذا ثبت وأرساه غيره، ومنه إرساء السفينة وإيقافها بالمرساة التي تلقى في البحر فتمنعها من الجريان كما قال تعالى : بسم الله مجراها ومرساها [ هود : ٤١ ] وجلّى فلان الأمر تجلية : أظهره أتم الإظهار، ولوقتها : أي في وقتها كما يقال كتبت هذا لغرة رمضان : أي في غرته، وبغتة : فجأة من غير توقع ولا انتظار، وحفّى من قولهم : أحفى في السؤال ألحف، وهو حفي عن الأمر : بليغ في السؤال عنه، واستحفيته عن كذا : استخبرته على وجه المبالغة، وتحفى بك فلان : إذا تلطف بك وبالغ في إكرامك.
المعنى الجملي : بعد أن أرشد تعالت أسماؤه من كانوا في عصر التنزيل وعصر نزول السورة إلى النظر والتفكر في اقتراب أجلهم بقوله : وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم [ الأعراف : ١٨٥ ] قفى على ذلك بالإرشاد إلى النظر والتفكر في أمر الساعة التي ينتهي بها أجل جميع الناس.
والخلاصة : إن هذا كلام في الساعة العامة بعد الكلام في الساعة الخاصة بكل فرد وهي انتهاء أجله.
الإيضاح : يسألونك عن الساعة أيان مرساها أي يسألونك أيها الرسول عن الساعة يقولون متى إرساؤها واستقرارها، والسائلون هم قريش، لأن السورة مكية ولم يكن في مكة من اليهود، وسؤالهم عن هذا الوقت استبعاد منهم لوقوعه وتكذيب بوجوده كما جاء حكاية عنهم : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين [ النمل : ٧١ ] وقال تعالى : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد [ الشورى : ١٨ ].
وفي التعبير عن زمن وقوعها بالإرساء الدال على استقرار ما شأنه الحركة والاضطراب إيماء إلى أن قيام الساعة هو انتهاء أمر هذا العالم وانقضاء عمر هذه الأرض التي تدور بما تدور بما فيها من العوالم المتحركة المضطربة.
قل إنما علمها عند ربي أي قل لهم إن علم الساعة عند ربي وحده لا عندي ولا عند غيري من الخلق، وقد جاء بمعنى الآية قوله : إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها [ فصلت : ٤٧ ] وقوله : يسئلونك عن الساعة أيان مرساها٤٢ فيم أنت من ذكراها٤٣ إلى ربك منتهاها [ النازعات : ٤٢ ٤٤ ].
وفي قوله : عند ربي إشارة إلى أن ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد، فالله قد أعد نبيه ليكون منذرا ومبشرا، والإنذار إنما يكون بالساعة وأهوالها، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها، إذ تحديد ذلك ينافي هذه الفائدة بل فيه مفاسد، إذ لو وقّت الرسول ميعاد الساعة بتاريخ معين لاستهزأ به المكذبون، ولألحوا في تكذيبه وازدادوا ارتيابا، حتى إذا ما وقع الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم ينغّص عليهم حياتهم ويشنج أعصابهم، فلا يستطيعون عملا ولا يسيغون طعاما ولا شرابا، وسخر الكافرون من المؤمنين، وقد حدث أن أخبر بعض رجال الكنيسة في أوربة أن القيامة ستكون في سنة كذا فهلعت القلوب، واختلت الأعمال، وأهمل أمر العيال، ولم تهدأ النفوس إلا بعد أن ظهر كذب النبأ.
والخلاصة : إن هناك حكمة بالغة في إبهام أمر الساعة العامة للعالم، والساعة الخاصة بالأفراد والأمم والأجيال، يجعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به.
لا يجليها لوقتها إلا هو أي لا يكشف حجاب الخفاء عنها، ولا يظهرها في وقتها المحدود عند الله تعالى إلا هو إذ لا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها، ولا الإعلام بميقاتها، وإنما وساطة الرسل في الإنذار بها.
ثقلت في السماوات والأرض أي ثقل وقتها وعظم أمرها في السماوات والأرض على أهلهما من الملائكة والإنس والجن، لأن الله أنبأهم بأهوالها ولم يشعرهم بميقاتها، فهم دائما يتوقعون أمرا عظيما لا يدرون متى يفجؤهم وقوعه.
وقال السدي : خفيت في السماوات والأرض فلا يعلم قيامها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وقال ابن عباس ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة. وروي عن ابن جرير أن ثقلها يكون يوم مجيئها : إذا الشمس كورت وإذا الكواكب انتثرت إلى نحو ذلك مما وصفه الله تعالى من أمر قيامها.
لا تأتيكم إلا بغتة أي لا تأتيكم إلا فجأة وعلى حين غفلة بلا إشعار ولا إنذار، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ( ولتقومن الساعة وقد نشر ثوبهما بينهما يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط يطلي حجارته بجص ونحوه ليمسك الماء حوضة فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها ) والمراد من كل هذا أنها تبغت الناس وهم منهمكون في أمور معايشهم، فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليوم، وأن يحملهم ذلك على مراقبة الله تعالى في أعمالهم بأن يلتزموا فيها الحق ويتحروا الخير، ويتقوا الشر والمعاصي ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة، الجدل فيها وكثرة القيل والقال في شأنها وفي تعيين ميقاتها.
يسألونك كأنك حفي عنها أي يسألونك كأنك حفي مبالغ في سؤال ربك عنها.
وقد يكون المعنى : يسألونك عنها كأنك حفي بهم، وبينك وبينهم مودة وكأنك صديق لهم، ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس قال : لما سأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأن محمدا حفي بهم، فأوحى الله إليه إنما علمها عنده استأثر به فلا يطلع عليه ملكا مقربا ولا رسولا.
وما روي عن قتادة قال : قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم : إن بيننا وبينك قرابة، فأشر إلينا متى الساعة ؟ فقال الله عز وجل : يسألونك كأنك حفي عنها .
قل إنما علمها عند الله هذا تكرار للجواب إثر تكرير السؤال مبالغة في التأكيد، وإيئاس لهم من العلم بوقت مجيئها وتخطئة بوقت مجيئها وتخطئة لمن يسألون عنه.
وعبر هنا بلفظ الجلالة الله إشارة إلى أنه استأثر بعلم هذا لذاته، كما أشعر ما قبله بأنه من شؤون ربوبيته، وكلاهما مستحيل على خلقه.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي لا يعلمون اختصاص علمها به تعالى ولا حكمة ذلك ولا أدب السؤال ولا نحو ذلك مما ينبغي أن يعلم في هذا الباب، وإنما يعلم ذلك القليلون، وهم المؤمنون بما جاء في كتاب الله من أخبارها وبما سمع من رسوله صلى الله عليه وسلم كمن حضروا تمثل جبريل عليه السلام بصورة رجل وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان، ثم عن الساعة، وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم له عن سؤاله الأخير بقوله :( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ) أي إنا سواء في جهل هذا الأمر فلا يعلم أحد منا متى تقوم الساعة.
قال الألوسي : وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك وظاهر الآيات أنه عليه السلام لم يعلم وقتها، نعم علم عليه الصلاة والسلام قربها على الإجمال وأخبر به، فقد أخرج الترمذي وصححه أنس مرفوعا :( بعثت أنا والساعة كهاتين ) وأشار بالسبابة والوسطى وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا أيضا :( إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى غروب الشمس ) اه.
عمر الدنيا :
ألف السيوطي رسالة سماها : الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف، أخرج فيها عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن مدة هذه الأمة تزيد على ألف ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة، وسمى بعضهم الألف الثانية بالألف المخضرمة، لأن نصفها دنيا ونصفها الآخر أخرى.
ولا شك أن ما جاء في هذا الباب كله مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يبثها زنادقة اليهود والفرس في المسلمين حتى رووه مرفوعا، وقد اغتر بها من لا ينظر في نقد الروايات إلا من جهة أسانيدها، وقد هدمها الزمان، وهدم كثيرا مثلها من الأوهام والخرافات التي أريد بها الكيد للإسلام.
والخلاصة : إن القول بتعيين مدة الدنيا من أولها إلى آخرها بسبعة آلاف لم يثبت في نص يعتمد عليه، وإن كانت قد رويت عنه آثار عن السلف أكثرها مأخوذ عن أهل الكتاب وفي أسانيدها مقال.
وعلماء طبقات الأرض ( الجيولوجيا ) في هذا العصر يجزمون بأن عمر الدنيا الماضي يعد بألوف ألوف السنين بناء على ما عرف بالحفر في طبقات الأرض، وبناء على ما وجد من آثار للبشر منذ مئات الألوف من السنين، وذلك ينقض ما جاء في سفر التكوين من التوراة، ولا ينقض من القرآن شيئا : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : ٨٢ ] ولا من الأحاديث القطعية التي لا شبهة فيها للدسائس الإسرائيلية ولا للمكايد الفارسية المجوسية.
قال ابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ : أما نحن فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا ومن ادعى في ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر أو أقل فقد قال ما لم يأت قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لفظة تصح بل صح عنه خلافه، بل نقطع على أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا الله تعالى. قال الله سبحانه : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم [ الكهف : ٥١ ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض ) وهذه نسبة من تدبرها وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنه الأكبر، علم أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا الله اه.
وعلى الجملة فبطلا الإسرائيليات وينبوع الخرافات في تحديد عمر الدنيا : هما كعب الأحبار ووهب بن منبه، وقد جعلاه ستة آلاف وهو في التوراة سبعة آلاف غشا للمسلمين.
أشراط الساعة وأماراتها :
أشراط : واحدها شرط كأسباب وسبب وهي العلامات والأمارات الدالة على قربها، وقد ثبت في الكتاب والسنة أن للساعة أشراطا كما قال تعالى : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم [ محمد : ١٨ ] ومن أعظم أشراطها بعثة خاتم النبيين بآخر هداية الوحي الإلهي للناس أجمعين، فبعثته قد كمل بها الدين وبكماله تكمل الحياة البشرية الروحية، ويتلوها كمال الحياة المادية، وما بعد الكمال إلا الزوال.
وقد وردت أحاديث في أشراط الساعة يدل بعضها على أن الشهوات المادية تتنازع مع الهداية الروحية فيكون لها الغلب زمنا ثم تنتصر الهداية الروحية ثم يغلب الضل
تفسير المراغي
المراغي