ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ

أضله الله: أي هو الذي قضت سنته فى خلق الإنسان وارتباط أعماله بأسباب تترتب عليها مسبباتها، بأن يكون ضالّا راسخا فى الضلال، وإذا كان ضلاله بمقتضى تلك السنن فمن يهديه من بعد الله؟ ولا قدرة لأحد من خلقه على تغيير تلك السنن وتبديلها.
(وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي وهو جلت قدرته يترك هؤلاء الضالين فى طغيانهم يترددون حيرة ولا يهتدون سبيلا للخروج مما هم فيه، بما كسبت أيديهم من الطغيان وتجاوز الحد فى الظلم والفجور.
والخلاصة- إنه ليس معنى إضلال الله لهم أنه أجبرهم على الضلال، وأعجزهم بقدرته عن الهدى، فكان ضلالهم جبرا لا اختيارا، بل المراد أنهم لما مرنت قلوبهم على الكفر والضلال وأسرفوا فيهما حتى وصلوا إلى حد العمه فى الطغيان، فقدوا بهذه الأعمال الاختيارية ما يضادها من الهدى والإيمان فأصبحت نفوسهم لا تستنير بالهدى وقلوبهم لا ترعوى لدى الذكرى: «كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٧]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)
تفسير المفردات
الساعة لغة: جزء قليل غير معين من الزمن، وعند الفلكيين: جزء من أربع وعشرين جزءا متساوية يضبط بآلة تسمى (الساعة) وقد كان ذلك معروفا عند العرب
فقد جاء فى الحديث «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة»
وقد تطلق بمعنى الوقت الحاضر

صفحة رقم 126

وبمعنى الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وأكثر استعمال (ساعة) بدون أل فى الكتاب الكريم بمعنى الساعة الزمانية، وبأل بمعنى الساعة الشرعية، وهى ساعة خراب العالم وموت أهل الأرض جميعا، وجاء المعنيان فى قوله تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ. ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» والغالب التعبير بيوم القيامة عن يوم البعث والحشر الذي يكون فيه الحساب والجزاء والتعبير بالساعة عن الوقت الذي يموت فيه الأحياء فى هذا العالم ويضطرب نظامه، فالساعة مبدأ، والقيامة غاية، وأيان: بمعنى متى، فهى للسؤال عن الزمان، ومرساها: أي إرساؤها وحصولها واستقرارها، ويقال رسا الشيء يرسو: إذا ثبت وأرساه غيره، ومنه إرساء السفينة وإيقافها بالمرساة التي تلقى فى البحر فتمنعها من الجريان كما قال تعالى: «بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها» وجلّى فلان الأمر تجلية: أظهره أتم الإظهار، ولوقتها: أي فى وقتها كما يقال كتبت هذا لغرة رمضان: أي فى غرته، وبغتة فجأة من غير توقع ولا انتظار، وحفىّ من قولهم: أحفى فى السؤال ألحف، وهو حفّى عن الأمر: بليغ فى السؤال عنه واستحفيته عن كذا:
استخبرته على وجه المبالغة، وتحفى بك فلان: إذا تلطف بك وبالغ فى إكرامك.
المعنى الجملي
بعد أن أرشد تعالت أسماؤه من كانوا فى عصر التنزيل وعصر نزول السورة إلى النظر والتفكر فى اقتراب أجلهم بقوله: «وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ» قفّى على ذلك بالإرشاد إلى النظر والتفكر فى أمر الساعة التي ينتهى بها أجل جميع الناس.
والخلاصة- إن هذا كلام فى الساعة العامة بعد الكلام فى الساعة الخاصة بكل فرد وهى انتهاء أجله.
الإيضاح
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) أي يسألونك أيها الرسول عن الساعة- يقولون متى إرساؤها واستقرارها، والسائلون هم قريش، لأن السورة مكية ولم يكن

صفحة رقم 127

فى مكة أحد من اليهود، وسؤالهم عن هذا الوقت استبعاد منهم لوقوعه وتكذيب بوجوده كما جاء حكاية عنهم: «وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» وقال تعالى: «يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ، أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ».
وفى التعبير عن زمن وقوعها بالإرساء الدال على استقرار ما شأنه الحركة والاضطراب إيماء إلى أن قيام الساعة هو انتهاء أمر هذا العالم وانقضاء عمر هذه الأرض التي تدور بما فيها من العوالم المتحركة المضطربة.
(قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) أي قل لهم إن علم الساعة عند ربى وحده لا عندى ولا عند غيرى من الخلق، وقد جاء بمعنى الآية قوله: إليه يردّ علم السّاعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها» وقوله «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها؟ إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها».
وفى قوله عند ربى إشارة إلى أن ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد، فالله قد أعد نبيه ليكون منذرا ومبشرا، والإنذار إنما يكون بالساعة وأهوالها، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها، إذ تحديد ذلك ينافى هذه الفائدة بل فيه مفاسد، إذ لو وقّت الرسول ميعاد الساعة بتاريخ معين لاستهزأ به المكذبون، ولألحوا فى تكذيبه وازدادوا ارتيابا، حتى إذا ما وقع الأجل وقع المؤمنون فى رعب عظيم ينغّص عليهم حياتهم ويشنج أعصابهم، فلا يستطيعون عملا ولا يسيغون طعاما ولا شرابا، وسخر الكافرون من المؤمنين، وقد حدث أن أخبر بعض رجال الكنيسة فى أوربة أن القيامة ستكون فى سنة كذا فهلعت القلوب، واختلت الأعمال، وأهمل أمر العيال، ولم تهدأ النفوس إلا بعد أن ظهر كذب النبأ.

صفحة رقم 128

والخلاصة- إنّ هناك حكمة بالغة فى إبهام أمر الساعة للعالم، والساعة الخاصة بالأفراد والأمم والأجيال، يجعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به.
(لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) أي لا يكشف حجاب الخفاء عنها، ولا يظهرها فى وقتها المحدود عند الله تعالى إلا هو إذ لا وساطة بينه وبين عباده فى إظهارها، ولا الإعلام بميقاتها، وإنما وساطة الرسل فى الإنذار بها.
(ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ثقل وقتها وعظم أمرها فى السموات والأرض على أهلهما من الملائكة والإنس والجن، لأن الله أنبأهم بأهوالها ولم يشعرهم بميقاتها، فهم دائما يتوقعون أمرا عظيما لا يدرون متى يفجؤهم وقوعه.
وقال السدى: خفيت فى السموات والأرض فلا يعلم قيامها ملك مقرّب، ولا نبى مرسل. وقال ابن عباس ليس شىء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة.
وروى عن ابن جريج أن ثقلها يكون يوم مجيئها (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) إلى نحو ذلك مما وصفه الله تعالى من أمر قيامها.
(لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) أي لا تأتيكم إلا فجأة وعلى حين غفلة بلا إشعار ولا إنذار، وقد جاء فى الصحيحين عن أبي هريرة «ولتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط- يطلى حجارته بجصّ ونحوه ليمسك الماء- حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها» والمراد من كل هذا أنها تبغت الناس وهم منهمكون فى أمور معايشهم، فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليوم، وأن يحملهم ذلك على مراقبة الله تعالى فى أعمالهم بأن يلتزموا فيها الحق ويتحرّوا الخير، ويتقوا الشر والمعاصي ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة، الجدل فيها وكثرة القيل والقال فى شأنها وفى تعيين ميقاتها.
(يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) أي يسألونك كأنك حفىّ مبالغ فى سؤال ربك عنها.

صفحة رقم 129

وقد يكون المعنى: يسألونك عنها كأنك حفىّ بهم، وبينك وبينهم مودة وكأنك صديق لهم، ويؤيد هذا ما
روى عن ابن عباس قال: لما سأل الناس النبي ﷺ عن الساعة- سألوه سؤال قوم كأن محمدا حفىّ بهم، فأوحى الله إليه- إنما علمها عنده استأثر به فلا يطلع عليه ملكا مقرّبا ولا رسولا.
وما
روى عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة، فأشر إلينا متى الساعة؟
فقال الله عز وجل يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها».
(قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ) هذا تكرار للجواب إثر تكرير السؤال مبالغة فى التأكيد، وإيئاس لهم من العلم بوقت مجيئها وتخطئة لمن يسألون عنه.
وعبر هنا بلفظ الجلالة (اللَّهِ) إشارة إلى أنه استأثر بعلم هذا لذاته، كما أشعر ما قبله بأنه من شئون ربوبيته، وكلاهما مستحيل على خلقه.
(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أي لا يعلمون اختصاص علمها به تعالى ولا حكمة ذلك ولا أدب السؤال ولا نحو ذلك مما ينبغى أن يعلم فى هذا الباب، وإنما يعلم ذلك القليلون، وهم المؤمنون بما جاء فى كتاب الله من أخبارها وبما سمع من رسوله ﷺ كمن حضروا تمثل جبريل عليه السلام بصورة رجل وسؤاله النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان، ثم عن الساعة، وإجابة النبي ﷺ له عن سؤاله الأخير
بقوله. «ما المسئول عنها بأعلم من السائل»
أي إنا سواء فى جهل هذا الأمر فلا يعلم أحد منا متى تقوم الساعة.
قال الآلوسى: وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك وظاهر الآيات أنه عليه السلام لم يعلم وقتها، نعم علم عليه الصلاة والسلام قربها على الإجمال وأخبر به
فقد أخرج الترمذي وصححه أنس مرفوعا «بعثت أنا والساعة كهاتين،

صفحة رقم 130

وأشار بالسبابة والوسطى»
وفى الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا أيضا «إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى غروب الشمس» اهـ.
عمر الدنيا
ألف السيوطي رسالة سماها: (الكشف، عن مجاوزة هذه الأمة الألف) أخرج فيها عدة أحاديث فى أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن مدة هذه الأمة تزيد على ألف ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة، وسمى بعضهم الألف الثانية بالألف المخضرمة، لأن نصفها دنيا ونصفها الآخر أخرى:
ولا شك أن ما جاء فى هذا الباب كله مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يبثها زنادقة اليهود والفرس فى المسلمين حتى رووه مرفوعا، وقد اغتر بها من لا ينظر فى نقد الروايات إلا من جهة أسانيدها، وقد هدمها الزمان وهدم كثيرا مثلها من الأوهام والخرافات التي أريد بها الكيد للإسلام.
والخلاصة- إن القول بتعيين مدة الدنيا من أولها إلى آخرها بسبعة آلاف لم يثبت فى نص يعتمد عليه، وإن كانت قد رويت عنه آثار عن السلف أكثرها مأخوذ عن أهل الكتاب وفى أسانيدها مقال.
وعلماء طبقات الأرض (الجيلوجيا) فى هذا العصر يجزمون بأن عمر الدنيا الماضي يعدّ بألوف ألوف السنين بناء على ما عرف بالحفر فى طبقات الأرض، وبناء على ما وجد من آثار للبشر منذ مئات الألوف من السنين، وذلك ينقض ما جاء فى سفر التكوين من التوراة، ولا ينقض من القرآن شيئا: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» ولا من الأحاديث القطعية التي لا شبهة فيها للدسائس الإسرائيلية ولا للمكايد الفارسية المجوسية.
قال ابن حزم المتوفّى سنة ٤٥٦: أما نحن فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا.

صفحة رقم 131

ومن ادعى فى ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر أو أقل فقد قال مالم يأت قط عن رسول الله ﷺ فيه لفظة تصح بل صح عنه خلافه، بل نقطع على أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا الله تعالى. قال الله سبحانه «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنتم فى الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء فى الثور»
الأبيض وهذه نسبة من تدبرها وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنه الأكبر، علم أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا الله اهـ.
وعلى الجملة فبطلا الإسرائيليات وينبوع الخرافات فى تحديد عمر الدنيا: هما كعب الأحبار ووهب بن منبّه، وقد جعلاه ستة آلاف وهو فى التوراة سبعة آلاف غشا للمسلمين.
أشراط الساعة وأماراتها
الأشراط: واحدها شرط كأسباب وسبب وهى العلامات والأمارات الدالة على قربها، وقد ثبت فى الكتاب والسنة أن للساعة أشراطا كما قال تعالى: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها، فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ» ومن أعظم أشراطها بعثة خاتم النبيين بآخر هداية الوحى الإلهى للناس أجمعين، فبعثته قد كمل بها الدين وبكماله تكمل الحياة البشرية الروحية، ويتلوها كمال الحياة المادية، وما بعد الكمال إلا الزوال.
وقد وردت أحاديث فى أشراط الساعة يدل بعضها على أن الشهوات المادية تتنازع مع الهداية الروحية فيكون لها الغلب زمنا ثم تنتصر الهداية الروحية ثم يغلب الضلال والشر والفجور والكفر حتى تقوم الساعة على شرار الخلق.
وقد قسموا أشراطها ثلاثة أقسام:

صفحة رقم 132

(١) ما وقع بالفعل منذ قرون خلت كقتال اليهود، وفتح بيت المقدس والقسطنطينية.
(٢) ما وقع بعضه وهو لا يزال فى ازدياد كالفتن والفسوق وكثرة الزنا وكثرة الدجالين وكثرة النساء وتشبههن بالرجال والكفر والشرك حتى فى بلاد العرب.
(٣) ما سيقع بين يدى الساعة من العلامات الصغرى والكبرى.
المهدى المنتظر
أشهر الروايات أن اسمه محمد بن عبد الله، والشيعة يقولون إنه محمد بن الحسن العسكري، ويلقبونه بالحجة والقائم والمنتظر، ويقولون إنه دخل السرداب فى دار أبيه فى مدينة (سرّ من رأى) التي تسمى الآن (سامرّا) سنة ٢٦٥ وله من العمر تسع سنين وأنه لا يزال فى السرداب حيا، وزعمت الكيسانية أنه محمد بن الحنفية وأنه حىّ مقيم بجبل رضوى (جبل بالمدينة) بين أسدين يحفظانه وعنده عينان نضاختان تفيضان عسلا ولبنا ومعه أربعون من أصحابه.
والمشهور فى نسبه أنه علوى فاطمى من ولد الحسن، وهناك رواية مصرحة بأنه من ولد العباس،
فقد روى الرافعي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال للعباس: «ألا أبشرك يا عم؟ إن من ذريتك الأصفياء، ومن عترتك الخلفاء، ومنك المهدى فى آخر الزمان، به ينشر الله الهدى ويطفئ نيران الضلالة، إن الله فتح بنا هذا الأمر وبذريتك يختم»،
ومن حديث ابن عساكر عنه مرفوعا «اللهم انصر العباس وولد العباس (ثلاثا) يا عمّ أما علمت أن المهدى من ولدك موفّقا مرضيّا»
وفى معناهما أحاديث أخرى لأبى هريرة وأم سلمة وعلىّ.
وأكثر العلماء ينكرون هذه الأحاديث ويقولون إنها موضوعة لا نصيب لها من الصحة، ومن ثم لم يعتدّ بها الشيخان، ومن هؤلاء ابن خلدون فقد ذكر الأحاديث التي وردت فى المهدى وضعفها وضعف أسانيدها وانتهت به خاتمة المطاف إلى أنه لم يصح

صفحة رقم 133

فيه شىء يوثق به- إلى أن قال: إن لله سننا فى الأمم والدول والعمران، مطردة فى كل زمان ومكان، كما ثبت فى مصحف القرآن وصحف الأكوان، ومنها أن الدول لا تقوم إلا بعصبية، وأن الأعاجم قد سلبوا العصبية من قريش والعترة النبوية، فإن صحت أخبار هذا المهدى فلا يظهر إلا بعد تجديد عصبية هاشمية علوية ولو سمعوا وعقلوا لسعوا وعملوا ولكان استعدادهم لظهور المهدى بالاهتداء بسنن الله رحمة لهم تجاه ما كانوا فى أخباره من الفتن والنقم فيهم، وربما أغناهم عن بعض ما يروّجون من زعمامته إن لم يغنهم عنه كله.
هذا، والمسلمون لا يزالون يتكلون على ظهور المهدى ويزعم دهماؤهم أنه سينقض لهم سنن الله أو يبدّلها تبديلا وهم يتلون قوله تعالى: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا» فإذا كان من أشراط الساعة آيات وكان فى زمانها خوارق عادات فهل يضرهم أن تأتيهم وهم على هدى من ربهم وإقامة لشرعهم فى عزة وسلطان فى أرضهم؟... وكان لكعب الأحبار جولة واسعة فى تلفيق تلك الأخبار اهـ.
وقد كانت هذه المسألة أكبر مثارات الفساد والفتن فى الشعوب الإسلامية، إذ تصدّى كثير من محبى الملك والسلطان ومن أدعياء الولاية لدعوى المهدوية فى الشرق والغرب وتأييد دعواهم بالقتال والحرب وبالبدع والإفساد فى الأرض حتى خرج ألوف الألوف من هداة الدين ومرقوا من الإسلام.
وقد كان من حصافة الرأى أن يكون خروج المهدى باعثا لهم على الاستعداد لظهوره بتأليف عصبة قوية بزعامته تجدد الإسلام وتنشر العدل فى الأنام، لكنهم لم يفعلوا بل تركوا ما يجب من حفظ سلطان الملة يجمع كلمة الأمة، وبإعداد ما استطاعوا من حول وقوة، واتكلوا على قرب ظهور المهدى، وأنه هو الذي سيردّ إليهم ملكهم بالكرامات وخوارق العادات لا بالمدافع والدبابات، والطيارات والقاذفات، والأساطيل

صفحة رقم 134

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية