ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ

يسألونك عن الساعة الساعة : القيامة، غلب عليها ذكر هذا اللفظ مع أن السعة أصلها تطلق على كل وقت من الزمن. والتغليب – بأن يغلب الشيء العام على بعض ما يراد به - أسلوب عربي معروف، كإطلاق العرب النجم على الثريا، مع أنه لكل نجم ونحو ذلك.
والذين سألوه : قال بعض العلماء : هم كفار مكة. وقال بعض العلماء : نفر من اليهود. ولا مانع من أن يكون كل منهم سألوه عنها. ولا شك أن كفار مكة كانوا يسألونه عن الساعة وينكرون مجيئها ويزعمون أنها لا تأتي، كما في قوله : يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ٦٣ [ الأحزاب : آية ٦٣ ] وبين أن كفار مكة يستعجلون بها إنكارا منهم لها. كما في قوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ١٨ [ الشورى : آية ١٨ ] سواء قلنا : إن السائلين عنها كفار مكة أو اليهود.
يسألونك عن الساعة أيان مرساها ( أيان ) : ظرف زمان بمعنى ( متى ). قال ابن جني : وزنه ( فعلان ) أصله من ( أي ) أي وقت يكون فيه هذا ؟ فزيد فيه الألف والنون وبني على الفتح لشبهه بالحرف الشبه المعنوي، كما هو معروف في محله.
وعلى كل حال ف( أيان ) سؤال عن زمن، فهي من ظروف الزمان بمعنى ( متى ) وربما ضمنت معنى الشرط فجزمت فعلين.
وقوله : مرساها المرسى : اسم زمان، والمعنى : في أي وقت يكون زمان رسوها، أي : وجودها وثبوتها. وقد تقرر في علم التصريف : أن كل فعل زاد ماضيه على ثلاثة حروف من الرباعي فصاعدا أنه يستوي وزن مصدره الميمي، واسم مكانه، واسم زمانه، وكلها بصيغة اسم المفعول، كما هو مقرر في محله مشهور.
فالمرسى هنا وزنه :( مفعل ) بصيغة المفعول، والألف في آخره أصلها مبدلة من واو، والمقرر في علم التصريف : أن كل ألف مبدلة من واو إذا كانت متطرفة رابعة فصاعدا أنها تقلب ياء بقياس مطرد في جميع اللغة العربية. فالمرسى وزنه :( مفعل ) بصيغة اسم المفعول، وهو اسم زمان، والفعل إذا زاد ماضيه على ثلاثة كان اسم زمانه واسم مكانه ومصدره الميمي كلها بوزن اسم المفعول كما هو معروف مقرر في محله.
ومعنى : أيان مرساها في أي وقت يكون رسوها ؟ أي : ثبوتها ووجودها بالفعل قائمة. وهذا سؤال منهم عن الوقت الذي يتحقق فيه وجود الساعة. قل لهم يا نبي الله : إنما علمها عند ربي قد تقرر في فن الأصول في مباحث دليل الخطاب – أعني مفهوم المخالفة - وفي فن المعاني - في مبحث القصر- أن ( إنما ) من صيغ [ الحصر فهي كالنفي ] ( في الأصل :( العموم، فهي كالحصر ) وهو سبق لسان ) والإثبات. وهو الصحيح – إن شاء الله - من كلام العلماء، والدليل عليه : أن ( إنما ) توضع مكان النفي والإثبات، فدل ذلك على أنها صيغة حصر ؛ لأن أعظم صيغ الحصر : النفي والإثبات، كقوله : وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ٣٩ [ الصافات : آية ٣٩ ] ووضع موضعه في محل آخر : إنما تجزون ما كنتم تعملون [ الطور : آية ١٦ ] وما من إله إلا أله واحد [ المائدة : آية ٧٣ ] إنما الله إله واحد [ لنساء : آية ١٧١ ] وهذا يدل على أن ( إنما ) أداة حصر، وهو التحقيق إن شاء الله.
إنما علمها عند ربي يحصر علمها في خالق السموات والأرض، لا يعلم وقت مجيئها لا رسول مرسل ولا ملك مقرب، ولا يعلمه إلا الله. وهذا معنى : قل إنما علمها عند ربي أي : خالقي ومدبر شؤوني استأثر به عن خلقه. وقد قدمنا أنه ثبت في صحيح البخاري وغيره تفسير النبي صلى الله عليه وسلم قوله : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو [ الأنعام : آية ٥٩ ] بأنها الخمس المذكورة في قوله : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت الآية [ لقمان : آية ٣٤ ].
قل إنما علمها عند ربي أي : علم وقت رسوها ومجيئها وثبوتها عند ربي وحده لا يعلمه أحد من خلقه ؛ لأنه لم يطلع عليه أحدا من خلقه.
لا يجليها لوقتها إلا هو يجليها مضارع جلاها. والعرب تقول : جلى الأمر يجليه إذا أظهره وأبرزه وبينه. لا يجليها أي : لا يظهرها ويبرزها ويوجدها بالفعل في وقتها إلا هو. قال بعض العلماء : اللام للتوقيت، فهي بمعنى الفاء. أي : لا يظهرها في وقتها المقدر لها إلا هو وحده، فلا يعلم غيره وقتها. والعرب ربما جاءت باللام بمعنى في. يقولون :( وقع هذا الأمر لثلاث من الشهر الفلاني ). أ : في تاريخ ثلاث.
وقال بضع العلماء : لا يجليها لوقتها أي : لا يظهر حقيقة خبرها ويكشف عن مكان وقتها بالتحقيق إلا هو جل وعلا.
ثم قال : ثقلت في السموات والأرض اختلف العلماء في معنى ثقلها في السموات والأرض على قولين : قال بعض العلماء : ثقلت في السموات والأرض خفيت عليهم فثقل عليهم خفاؤها ؛ لأن كل شيء خفي على الإنسان ولم يعلمه ثقل عليه. وهذا الوجه وإن كان ليس قريبا من الظاهر هو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري ( رحمه الله )، واستدل على اختياره له بأن ما بعده من الكلام وما قبله لا تأتيكم إلا بغتة فاختار أن المراد بقوله : ثقلت أي : خفي علمها وثقل على الناس جهلها.
وقال بعض العلماء : ثقلت في السموات والأرض أي : كبرت الساعة وعظمت على أهل السموات والأرض ؛ لأن ما فيها من الأهوال والأوجال يصعب على جميع الخلائق. وهذا أقرب.
وقال بعض العلماء : لا تطيقها السموات والأرض ؛ لأن السماوات تعجز عن حملها فتتشقق، وتتناثر النجوم، وتلف الشمس، ويخسف القمر، وأن الأرض ترفع جبالها، وتبدل الأرض غير الأرض فلا تطيقها السماوات والأرض وأنها تعظم وتثقل وتكبر على أهلها لشدة ما فيها من عظم الأهوال والأوجال. ولا شك أن الشيء الذي يدك الجبال ؛ تنزع الجبال من أماكنها، وتسير بين السماء والأرض، ثم تفتت وتطحن ؛ لأن الله ( جل وعلا ) ذكر تغيير نظام هذا العالم، فبين في ذلك اليوم إن الجبال تنزع من الأرض وتطير بين السماء والأرض، وهو قوله : وسيرت الجبال [ النبأ : آية ٢٠ ] وقوله : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة [ الكهف : آية ٤٧ ] وقوله : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب أي : في ذلك اليوم بعد أن تنزع من الأرض وتسير بين السماء والأرض.
وما يزعمه بعض من لا علم له بأن ذلك في دار الدنيا، وأن الجبال سائرة في دورة الأرض، فهو تحريف لكتاب الله وتفسير له بغير معناه. وصاحبه سلخ آخر الآية من أولها ؛ لأن أول الآية : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات والأرض ثم قال : وترى الجبال تحسبها جامدة [ النمل : الآيتان ٨٧، ٨٨ ] أي : ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السموات والأرض وترى الجبال في ذلك اليوم تحسبها جامدة وهي تمر [ النمل : آية ٨٨ ] ومرورها ذلك اليوم هو سيرها المعبر عنه قوله : وسيرت لجبال فكانت سرابا ٢٠ [ النبأ : آية ٢٠ ] وقوله : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة [ الكهف : آية ٤٧ ] ثم إن رب السماوات والأرض يطحن تلك الجبال بقوته، فقساوة الجبال وشدتها عنده لا شيء لعظمته وكمال قدرته فيطحنها ( جل وعلا ) ويفتتها ؛ وبعد تفتيتها : مرة شبهت بالبسيسة –والبسيسة : دقيق ملتوت بسمن- وهو قوله : وبست الجبال بسا ٥ [ الواقعة : آية ٥ ] أي : فتت حتى صارت كالبسيسة. وتارة شبهها في لينها وانتزاع القسوة منها بالعهن المنفوش، كقوله : وتكون الجبال كالعهن ٩ [ القارعة : آية ٩ ]. وتارة شبهها بالرمال اللين المتهايل في قوله : وكانت الجبال كثيبا مهيلا [ الزمر : آية ١٤ ]. ثم إن الله ( جل وعلا ) يصيرها في آخر أمرها سرابا كما قال : وسيرت الجبال فكانت سرابا ٢٠ والسراب يقرب معناه من الهباء المنبت، فهذا معنى قوله : ثقلت في السموات والأرض وما كان هكذا : يفتت الجبال، ويزعزع الأرض لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وتتشقق فيه السماء، وتتناثر النجوم، ويسقط الشمس والقمر، وتفجر البحار بعضها مع بعض فلا يخفى ثقل هذا اليوم على أهل السموات والأرض لشدة أهواله وأوجاله.
وقوله : لا تأتيكم إلا بغتة حكم الله ( حل وعلا ) أن القيامة لا تقوم على الناس إلا بغتة، أي : في حال كونها باغتة لهم، أي : مفاجئة لهم، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الساعة تقوم على الناس وهم في أشغالهم، الرجل منصرف بلبن لقحته فتقوم الساعة قبل أن يشربه، والرجلان يتبايعان ثوبهما فتقوم الساعة قبل أن يتبايعا، والرجل يصلح حوضه ليسقي فيه فتقوم الساعة قبل أن يصلحه، وهكذا. وقد يذهب الرجل ليأتي أهله بحاجة من السوق فتقوم الساعة ولا يقدر على أن يوادعهم ولا أن يوادعوه، كما قال جل وعلا : فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ٥٠ [ يس : آية ٥٠ ] فهي تفاجئ الناس وهم في أشد غفلة، فتأتيهم فتهلكهم جميعا، وهذا معنى قوله : لا تأتيكم إلا بغتة .
يسألونك كأنك حفي عنها في قوله : كأنك حفي عنها وجهان من التفسير :
أحدهما : أن الحفي هو من الحفاوة، والحفاوة : الكرامة، تقول : فلان حفي بي. أي : أنا كريم عليه، ولقيت منه حفاوة. أي : كرامة ولطفا. ومنه قول إبراهيم : سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا [ مريم : آية ٤٧ ] والذين ذكروا هذا القول زعموا أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ليس منا فخذ إلا بينك وبينها قرابة ؛ فلأجل القرابة التي بيننا وبينك أسر لنا الوقت الذي تقوم فيه القيامة، أسره إلينا عن الناس. فأنزل الله الآية. وعلى هذا القول ففي الآية تقديم وتأخير يسألونك عنها، عن وقت رسوها { كأنك حفي ؛ كأنك صديق لهم وقريب لهم لتخبرهم بما لم تخبر به الناس. هذا القول قاله جماعة من العلماء. وأظهر القولين : أن المراد بالحفي هنا : الذي يستحفي السؤال ويتقصيه ( هكذا في الأصل، وهو من سبق اللسان، وصوابه : ويتقصاه )، العرب تقول :( فلان يستحفي السؤال ). ومعناها : يبالغ في السؤال عن الأمر ويتقصاه حتى يعلم حقيقته. يعني : يسألونك كأنك حفي عنها أي : مبالغ في تقصي أخبارها ممن عنده خبرها حتى تحققت جميع أخبارها والأمر بخلاف ذلك. والعرب تقول :( فلان حفي ) أي : كثير السؤال عن هذا الشيء، يتقصى السؤال عنه حتى يعرفه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى :

فإن تسألي عني فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا
والوجهان متقاربان، والأخير أقرب. وهذا معنى قوله : كأنك حفي عنها . قل لهم يا نبي الله إنما علمها عند الله كرر رد علمها إلى الله ليعلم الخلق أنها لا يعلمها إلا الله.
وقال بعض العلماء : العلمان ليسا شيئا واحدا – أعني قوله : قل علمها عند ربي وقوله : قل إنما علمها عند الله - قال بعض العلماء : أحد العلمين : علم عظمها وفظاعتها، فلا يعلم قدرها إلا من يجليها لوقتها. الوقت الثاني : علم وقت مجيئها بالتعيين. والظاهر أنه توكيد، والتوكيد أسلوب عربي معروف كلا سيعلمون ٤ ثم كلا سيعلمون ٥ [ النبأ : الآيتان ٤، ٥ ] وما جرى مجرى ذلك. وهذا معنى قوله : قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله ( جل وعلا ) استأثر بعلمها فهو ( تعالى ) مستأثر بعلمها كما صرح به في آيات متعددة كقوله هنا : قل إنما علمها عند ربي فل إنما علمها عند الله وقول

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير