ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙ

(أَيَّانَ مُرْسَاهَا) المرسى: اسم زمان أو مكان، ويطلق على مرسى السفن، ونهاية مسير المركب إلى الأرض اليابسة.

صفحة رقم 3023

والمعنى يسألون عن وقت تنتهي إلى المرسى الذي ترسى إليه أو إلى الزمن الذي ترسى إليه، وتنتهي عنده، فشبه زمن وجودها بالمرسى الذي ترسى عنده السفن، ويكون المعنى على هذا أيان ينتهي الزمن إليها، وأي قدر من الوقت يمضي حتى نعرف منتهاها.
أجاب النبي - ﷺ - بقوله الذي أمره به ربه (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي)، أي إن علمها عند ربي وحده لَا يعلمها أحد سواه، ولذلك عبر - سبحانه - بـ " إنما " الدالة على القصر، ولقد صرح الله تعالى بهذا القصر، وقال تعالى على لسان نبيه الكريم: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)، أي لَا يوضحها في وقتها إذ يجيء إلا الله، فاللام هنا بمعنى " في "، كما قال تعالى: (أَقِم الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ...)، أو تتعلق بمحذوف، ويكون السياق هكذا لَا يوضحها ذاكرا لميقاتها إلا الله تعالى.
(ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وقد وصفها الله تعالى بأنها تثقل على النفوس، لأنها تشتمل على وقت الحساب، والكافر يحس بعظم ما ارتكب، والمؤمن لَا تزين له أعماله فيحسبها كلها حسنة فهو مُشفق منها، والمغتر بما عمل من أعمال حسنة فهو مشفق منها، ثم هي عندما تجيء يختل نظام الكون ويضطرب، فإذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت الكواكب والنجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، فثقلت على النفوس وصعب احتمال ما يصحبها.
وإنها تكون حيث لَا علم بها، ولا توقع لها؛ ولذلك قال: (لا تَأتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) إلا مباغتة لَا تتوقعون مجيئها، وذلك يزيد في ثقلها.
وقد ذكر النبي - ﷺ - أشراطا لها، تنذر بقربها، ولكنها لَا تعين ميعادها، وإذا جاءت لَا تنفي أن مجيئها كان بغتة، فالأشراط مقربة للزمان، وليست معينة له.
ويقول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) وقالوا: إن " حَفِيٌّ " معناها عالم، وعُدِّي بـ " عن " على معنى كأنك عالم شيئا عنها، وقد فسرها عبد الله بن

صفحة رقم 3024

عباس بأنه (كأن) بينك وبينها مودة تتقاضاك أن تعرف الكثير عنها، فإنه يقال في العربية إن فلانا حَفِيٌّ بفلان أي بينه وبينه مودة تقتضي أن يعرف عنه الكثير مما عنده، والمؤدى واحد، وهو أن سؤال النبي - ﷺ - لأنهم يحسبون أنه عالم به أو (حَفِيٌّ) وَمَعْنيٌّ بأن يعرف عنها ما يُعرف.
وذكر السؤال عنها مرة أخرى لاختلاف متعلق السؤال، فالسؤال في الأول لمعرفة ميقاتها، وتكرار ذكر السؤال لبيان ظنهم بأن النبي - ﷺ - حَفِيٌّ بمعرفة شيء عنها.
وهكذا التكرار في القرآن لَا يعد تكرارا؛ لأن ذكر اللفظ المكرر يكون ذكره لمقصد آخر، غير المقصد، وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام في قصص القرآن الكريم.
ولقد قال الزمخشري: فإن قلت لم كرر (يَسْألُونَكَ إنما علمها عند الله)؟ قلت للتأكيد، ولما جاء به من زيادة (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) وعلى هذا تكرار العلماء الحذاق في كتبهم لَا يخلون المكرر من فائدة زائدة.
ولقدْ أمر الله تعالى نبيه بأن يقول لهم ما أمره به أولا، وهو: (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي) وذلك لتأكيد اختصاص علم الله تعالى بها، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ...).
وإنما جهَّل الله تعالى العلم بالساعة لكي يقدم الناس على أعمالهم جاهدين مثمرين مستغلين الأرض مخرجين خيراتها، ولو علموا زمانها، لقلت همتهم، وضعفت عن الإنتاج والإثمار عزيمتهم، والإسلام لَا يريد أن يفتُروا في أعمال الحياة والعبادة وإن يتموا أعمالهم، ولا يبطلوها، ولقد ورد أنه إذا جاءت، والرجل

صفحة رقم 3025

قد أخذ يزرع فسيلة فعليه أن يتم ما بدأ (١) ثم ختم الله - سبحانه - الآية بقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الاستدراك هنا عما وهمه الناس من أن العلم بميقات الساعة ينفع ولا يضر، ولذا قال أكثر الناس لَا يعلمون حكمة القادر الحكيم العليم، فيما يبين ويترك بيانه لميقاتها، والله - سبحانه وتعالى - بكل شيء عليم.
ولقد بين - سبحانه وتعالى - أن النبي - ﷺ - لَا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله تعالى عليه، ولم يطلعه عن ميقات الساعة، فقال تعالى:
________
(١) عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ". رواه أحمد: باقي مسند المكئرين (١٢٥٦٩). الَفسيلة: صغَار النخل.

صفحة رقم 3026

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية