ثم ذكر حكمة إنزال الكتاب، فقال :
كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
قلت : كتاب : خبر، أي : هذا كتاب، و أُنزل : صفته، والحرج : الضيق، و لتنذر : متعلق بأُنزل، أو بلا يكن، لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار، وكذا إذا لم يخفهم، و ذكرى : يحتمل النصب بإضمار فعل، أي : لتُنذر ولتذكر ذكرى، والجر عطف على لتنذر ، أي : للإنذار والتذكير، والرفع عطف على كتاب .
يقول الحقّ جلّ جلاله : هذا كتابٌ أُنزل إليك من ربك، فلا يكن في صدرك حرجٌ منه أي : ضيق وثقل من أجل تبليغه لمن يُكذب به، مخافة أن تكذّب فيه، أو مخافة أن تقصر على القيام بتبليغه، أو بحقوقه، وتوجيه النهي إلى الحرج للمبالغة، كقولك : لا أرينك ها هنا، كأنه قال : فلا يحرج صدرك منه، وإنما أنزلناه إليك لتُنذر به من بلغه، وذكرى للمؤمنين أي : وتذكيرًا وموعظة للمؤمنين ؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظه.
الإشارة : تذكير أهل الإنكار ووعظهم يحتاج إلى سياسة كبيرة وحلم كبير وصبر عظيم، لا يطيقه إلا الأكابر من أهل العلم بالله ؛ كالأنبياء والصديقين، لسعة معرفتهم، واتساع صدورهم لحمل الجفاء وتحمل الأذى، ونهيه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام عن ضيق صدره : تشريع لورثته من بعده ؛ الداعون إلى الله عز وجل وإلاَّ فهو صلى الله عليه وسلم بحر واسع، لا تكدره الدِّلاءُ، كما قال البوصيري.
فَهو البَحرُ والأَنَامُ إِضاء ١ ***. . .
والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي