سورة الأعراف
آيها خمس ومائتان، وهى مكية، وقد روى أنها نزلت قبل سورة الأنعام، وأنها نزلت مثلها دفعة واحدة، لكن سورة الأنعام أجمع لما اشتركت فيه السورتان، وهو:
أصول العقائد وكليات الدين التي قدمنا القول فيها، وهى كالشرح والبيان لما أوجز فى الأنعام، ولا سيما عموم بعثة النبي ﷺ وقصص الرسل قبله وأحوال أقوامهم، وقد اشتملت سورة الأنعام على بيان الخلق كما قال: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ» وبيان القرون كما قال: «كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ» وعلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم، وجاءت هذه مفصلة لذلك، فبسطت فيها قصة آدم، وفصلت قصص المرسلين وأممهم وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)تفسير المفردات
(المص) هذه حروف تكتب بصورة كلمة من ذوات الأربعة الأحرف، لكنا نقرؤها بأسماء هذه الأحرف فنقول: ألف. لام. ميم. صاد.
وحكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهوم غير مسماها الذي تدل عليه- تنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام حتى لا يفوته منه شىء فكأنه أداة استفتاح بمنزلة ألا وها التنبيه. صفحة رقم 97
وبالاستقراء نرى أن السور التي بدئت بها وبذكر الكتاب، هى التي نزلت بمكة لدعوة المشركين إلى الإسلام وإثبات النبوة والوحى، وما نزل منها بالمدينة كالزهراوين البقرة وآل عمران، فالدعوة فيه موجهة إلى أهل الكتاب، وهكذا الحال فى السور: مريم والعنكبوت والروم وص ون، فإن ما فيها يتعلق بإثبات النبوة والكتاب كالفتنة فى الدين بإيذاء الضعفاء لإرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة، والإنباء بقصص فارس والروم ونصر الله للمؤمنين على المشركين، وكان هذا من أظهر المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ويرى بعض العلماء أنها أسماء للسور، والأسماء المرتجلة لا تعلّل، كما يرى آخرون أن الحكمة فى ذكرها بيان إعجاز القرآن بالإشارة إلى أنه مركب من هذه الأحرف المفردة التي يتألف منها الكلام العربي ومع ذلك لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، ليؤديهم النظر إلى أنه ليس من كلام البشر، بل من كلام خالق القوى والقدر والحرج:
الضيق من عاقبة المخالفة، والذكرى: التذكر النافع والموعظة المؤثرة، وولاية الله لعباده:
تولى أمورهم فبما لا يصل إليه كسبهم من هدايتهم ونصرهم على أعدائهم، وشرعه لهم عبادته وبيان الحرام والحلال، و (ما) فى قوله قليلا ما- حرف يؤكد معنى القلة، وتذكرون: أصله تتذكرون حذفت منه إحدى التاءين.
الإيضاح
(كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي هذا القرآن كتاب أنزل إليك من عند ربك، ووصفه بالإنزال من عنده تعالى- دال على عظيم قدره وقدر من أنزل إليه.
(فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي لا يضق صدرك من الإنذار به وإبلاغه من أمرت بإبلاغه إليهم، واصبر لأمرى فيما حمّلتك من عبء النبوة كما صبر أولو العزم من الرسل فإن الله معك.
وقد كلف ﷺ هداية الثقلين وكان من المتوقع أن يلقى أشد الإيذاء
والمقاومة والطعن والإعراض، وتلك أمور توجب ضيق الصدر كما قال فى سورة الحجر:
«وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ» وقال فى سورة النحل: «وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» وقال فى سورة هود: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ».
ويراد بالنهى عن مثل هذا الأمر الطبيعي- الاجتهاد فى مقاومته والتسلي عنه بوعد الله، والتأسى بمن سبقه من الرسل أولى العزم صلوات الله عليهم أجمعين.
(لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) والمراد بالمؤمنين هنا من كتب الله لهم الإيمان، سواء أكانوا مؤمنين حين نزول هذه السورة أم لا.
والخلاصة- إنه أنزل إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس، وتذكر به أهل الإيمان ذكرى نافعة مؤثرة.
(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي قل لهم أيها الرسول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وخالقكم ومدبر أموركم، فهو وحده الذي له الحق فى شرع الدين لكم وفرض العبادات عليكم، وتحليل ما ينفعكم وتحريم ما يضركم، إذ هو العليم بما فيه الفائدة أو الضر لكم.
(وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أي ولا تتخذوا من أنفسكم ولا من الشياطين الذين يوسوسون لكم- أولياء تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يرومون منكم من ضلال التقاليد والابتداع فى الدين، فيضعوا لكم أحكام الحرام والحلال زاعمين أنهم أعلم منكم، فيجب عليكم تقليدهم، ولا أولياء ينجونكم من الجزاء على ذنوبكم وجلب النفع لكم أو رفع الضر عنكم، زاعمين أنهم يقربونكم إلى الله زلفى، أو يشفعون لكم عنده فى الآخرة.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي