ﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

وقوله :[ كتاب انزل إليك ]( الأعراف : الآية٢ ) أكثر العلماء على أن الكتاب خبر مبتدأ محذوف، وحذف المسند إليه إذا دل المقام عليه نوع من الإيجاز معروف مقبول في النحو، وفي المعاني، لا اختلاف فيه. وهذا هو الأظهر، أن قوله :[ كتاب ] خبر مبتدأ محذوف : هذا كتاب أنزل إليك. خلافا لمن زعم أن [ آلمص( ١ ) ] اسم لهذه السورة، وانه في محل مبتدأ، وأن [ كتاب ] خبره، والمعنى : السورة المسماة [ آلمص( ١ ) ] كتاب أنزل إليك. والقرآن يطلق على كل سورة منه أنها كتاب وأنه كتب عديدة ؛ لأنه مكتوب في صحف كثيرة، كما بينه تعالى في سورة البينة حيث قال :[ رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة( ٢ ) فيها كتب قيمة( ٣ ) ]( البينة : الآيتان٣، ٢ ) فعبر عن القرآن بأنه كتب قيمة. ولكن الأظهر هو ما عليه الجمهور : أن قوله :[ كتاب ] خبر مبتدأ محذوف : هذا كتاب. والكتاب( فعال ) بمعنى :( مفعول ) والمعنى : كلام الله مكتوب. فالكتاب بمعنى المكتوب. وإنما قيل له كتاب : لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال الله :[ بل هو قرآن مجيد( ٢١ ) في لوح محفوظ( ٢٢ ) ] ( البروج : الآيتان ٢٢، ٢١ ) ومكتوب في صحف بأيدي الملائكة، كما قال تعالى :[ في صحف مكرمة( ١٣ ) مرفوعة مطهرة( ١٤ ) بأيدي سفرة( ١٥ ) ]( عبس : الآيتان ١١٣-١٥ ) وكون الكتاب بمعنى المكتوب هو( فعال ) بمعنى ( مفعول ).
والقرآن وإن كان مكتوبا في اللوح المحفوظ فنزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ليس أن جبريل ينظر في اللوح المحفوظ، بل الله( جل وعلا ) يكلم جبريل بما يريد إنزاله من أنجم القرآن، فيسمعه جبريل من كلام الله على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله. وإذا تكلم الله بوحيه صعق أهل السماوات من عظمة كلام رب العالمين( جل وعلا ) كما جاء مبينا في الأحاديث الصحيحة، وأول من يرفع رأسه منهم جبريل، فيقولون : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير. فيسمعه جبريل من كلام رب العالمين، يتكلم به الله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، المخالف لكلام خلقه من جميع الجهات، ثم يأتي جبريل فيكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم. وأنواع الوحي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث بكثرة.
ولما كان هذا القرآن مكتوبا في اللوح المحفوظ، وفي الكتب عند الملائكة سمي الكتاب. وقال الله فيه هنا :[ كتب أنزل إليك ] والكتاب( فعال ) بمعنى( مفعول )، أي : مكتوب، وإتيان( الفعال ) بمعنى( المفعول ) مسموع في كلام العرب وليس قياسا مطردا، وتوجد في العربية منه أوزان معروفة ككتاب بمعنى : مكتوب، وإله بمعنى : مألوه، أي : معبود، ولباس بمعنى : ملبوس، وإمام بمعنى : مؤتم به. فكلها( فعال ) بمعنى اسم المفعول.
وأصل مادة الكاف والتاء والباء ( كتب ) أصل هذه المادة في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناها الضم والجمع، فكل شيء ضممت بعض أجزائه إلى بعض فقد كتبته، ومنه قيل للكبكبة من الجيش :( كتيبة ) لأنها طائفة من الجيش جمع بعض أطرافها إلى بعض، كما قال نابغة ذبيان :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
ولذلك قيل للخياطين :( كاتبين ) فالعرب تسمي الخائط كاتبا، وتسمي الخياطة كتابة ؛ لأن الخياط يضم أطراف الثوب بعضها إلى بعض، وكذلك الخراز تسميه العرب كاتبا ؛ لأنه يضم بعض أطراف الجلد إلى بعض ويخرزها فيجمعها بالسير، فقيل له : كاتب ؛ لأنه ضم بعض الأجزاء إلى بعض. وفي لغز الحريري في مقاماته :
وكاتبين وما خطت أناملهم حرفا ولا قرؤوا ما خط في الكتب
يعني بهم الخياطين ؛ ولذا تسمي العرب الخرزة الذي يجمع السير وجهيها تسميها( كتبة ) وتسمي السير أيضا الذي يجمعها( كتبة ) ( فعلة ) من الكتب بمعنى الضم والجمع. ومن هذا المعنى وهو تسمية الخرزة التي يجمع السير طرف وجهيها في خياطة الجلود أنها تسمى ( كتبة ) وتجمع على ( كتب ) بضم الكاف وفتح التاء، ومن هذا المعنى : قول غيلان ذي الرمة :
ما بال عينيك منها الماء ينسكب كأنه من كلا مفرية سرب
وفراء غرفية أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتب
يعني أن دمعه يسيل بكثرة ؛ كما أن الخرز إذا اتسعت عن السير وصارت فيها فجوات انصب الماء منها من السقاء بكثرة ؛ ولذا كانت العرب تقول :" اكتب بغلتك، واكتب ناقتك ". يعنون : أن يجمع طرفي فرجها بحلقة لئلا ينزى عليها الذكر فتحمل. وكان يقول الشاعر يهجو بني فزارة من قبائل ذبيان من قيس عيلان بن مضر، كانت العرب تعيرهم بأنهم كانوا يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل، وكان الشاعر يقول :
لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
يعني : خط فرجها بأسيار لئلا يزنى بها إن خلا بها. وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة ؛ لأن معاني لغة العرب يستفاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مفرغا في معاني خسيسة تافهة فنحن نقصد مطلق اللغة لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها. إذا عرفتم هذا فالكتابة مصدر سيال، سميت كتابة لأن الكاتب يضم حرفا إلى حرف، ويجمع حرفا مع آخر، وحرفا مع آخر، حتى تحصل من هذا نقوش وحروف تدل على معاني الكلام ؛ ولهذا سمي الكتاب كتابا.
وقوله :[ أنزل إليك ] الجملة الفعلية في قوله :[ أنزل إليك ] في محل النعت لقوله :[ كتاب ] لأن النكرات تنعت بالجمل، ويربط بينها وبين النكرة بالضمير كما هو معروف. وفاعل الإنزال محذوف، والأصل : أنزله الله إليك، وإنما حذف الفاعل اختصارا ؛ لأن من المعلوم أن هذا القرآن العظيم المعجز الجامع لكل خير الشامل لعلوم الأولين والآخرين ليس هناك من يقدر على إنزاله إلا خالق السماوات والأرض. ولما كان المنزل معلوما كان هذا الاختصار والإيجار واقعا موقعه ؛ لأن الفاعل معروف، فلو حذف لما ضر حذفه ؛ ولذا قال :[ كتاب أنزل إليك ] أي : أنزله الله إليك. وقد أنزله الله إليه أنجما، منجما في حوالي ثلاث وعشرين سنة.
وقوله :[ فلا يكن في صدرك حرج منه ] يعني : هذا الكتاب أنزله الله إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فاللام في قوله :[ لتنذر ]- الآتي- يتعلق بقوله :[ أنزل ] يعني : أنزل إليك لأجل أن تنذر وأن تذكر به، فلا تعجز عن ذلك الإنذار، ولا يضق صدرك عنه.
[ فلا يكن في صدرك حرج منه ] صدر الإنسان معروف، وإذا جاء على الإنسان أمر يثقل عليه أو يشق عليه أورثه ضيقا في صدره، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يشق عليه ويضيق بصدره التبليغ من حيث إن الكفار يكذبونه ويقولون له : أنت كاذب، أنت ساحر، أنت شاعر، أنت كاهن، هذه أساطير الأولين علمكها بشر. فتكذيبهم له وأذيتهم له يشق عليه، كما قال الله :[ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون( ٩٧ ) ]( الحجر : آية ٩٧ ) وقال[ قد نعلم إنه ليحزنك ]( النعام : آية ٣٣ ) وفي القراءة الأخرى :( ليحزنك الذي يقولون ] أي :[ فلا يكن في صدرك حرج ] أي : ضيق. يعني : أوسع صدرك، وتحمل الأذى، وشق الطريق في تبليغ هذا القرآن العظيم، والإنذار به، والتذكير به، لا تضعف، ولا تجبن، ولا تخف من الأذى، ولا يضق صدرك به.
والحرج في كلام العرب- أصله معروف في كلام العرب أن الحرج في لغة العرب : الضيق. وقد يسمون الشجر الملتف الذي لا تصل إليه راعية يسمونه :( حرجة ) لضيق مكانه. وقد كانوا يقولون في قصة غزوة بدر :" فإذا أبو جهل كالحرجة " -يعني لشدة ازدحام قريش عليه وصيانتهم له- يقولون : أبو الحكم لا يخلص إليه كالشجرة الملتف عليها الشجر لا يمكن أن يوصل لها. هذا أصل ( الحرج ) في لغة العرب الضيق. وقد بيناه في قوله :[ يجعل صدره ضيقا حرجا ]( الأنعام : آية ١٢٥ )[ يجعل صدره ضيقا حرجا ] وكون( الحرج ) هو : الضيق، هذا هو المعروف في لغة العرب، ومنه قوله :[ وما جعل عليكم في الدين من حرج ]( الحج : آية ٧٨ ) أي : ما جعل عليكم من ضيق. وأحرجه. أوقعه في الحرج ؛ ولذا سميت الطلقات الثلاث( المحرجات ) لأنها تضيق على صاحبها وتمنعه من رجعة امرأته. واليمين قد تكون محرجة لأنها تمنع من المحلوف عليه. وهذه المعاني معروفة في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل بن معمر، على الخلاف المعروف في الشعر المشهور :
قالت :
وعيش أبي حرمة إخوتي لأنبهن الحي إن لم تخرج
فخرجت خوف يمينها فتبسمت فعلمت أن يمينها لم تحرج
أنها يمين ليست مضيقة، وأنها كلا شيء. وكذلك قول العرجي بن عمر بن عثمان :
عوجي عليها ربة الهودج إنك إلا تفعلي تحرجي
يرويه كثير ممن رواه :( إنك إلا تفعلي تحرجي ) أي : تقعي في الحرج الذي هو الإثم والضيق بالذنوب. والأظهر أن أصله( تحرجي ) أي : توقعي صاحبك في حرج وضيق، حيث هجرته. هذا أصل الحرج في لغة العرب. وعليه فالآية كقوله :[ فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ]( هود : آية ١٢ ) وكقوله :[ فلعلك باخع نفسك على أثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا( ٦ ) ]( الكهف : آية٦ ) وروي هنا عن جماعة من كبار المفسرين أن الحرج في هذه الآية : الشك أي : فلا يكن في صدرك شك منه انه منزل من الله( جل وعلا ). وعلى هذا فالآية كقوله :[ فلا تكونن من الممترين ]( البقرة : آية ١٤٧ ) أي : من الشاكين، وقوله :[ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ]( يونس : آية ٩٤ ). وتفسير الحرج في آية الأعراف بالشك في هذا الموضع قال به جماعة من أجلاء المفسرين. وعلماء العربية يقولون : إنه- مع أنه روي عن بعض أجلاء أهل التفسير أنه- سائغ في اللغة العربية ؛ لأن الشاك قلق صدره ضيق لا يميل إلى طرف الإثبات ولا إلى طرف النفي. ومما يؤيد هذا : أن الريب في جميع القرآن معناه : الشك. كقوله :[ لا ريب فيه ]( البقرة : آية ٢ ) أي : لا شك فيه. مع أن أصل الريب في لغة العرب : مصدر رابه، يريبه، ريبا إذا أزعجه وأقلقه. وفي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم رأى ظبيا حاقفا فقال :" لا يريبه أحد " يعني : لا تزعجوه، ولا تقلقوه، ولا تنفروه ؛ لأنكم محرمون لا يجوز لكم إزعاج الصيد. ومن هذا المعنى قول توبة بن الحمير :
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
رابني : يعني أزعجني وأقلقني ؛ لأن أهلها كانوا شكوه إلى الوالي فأهدر دمه إن زارها، وكان إذا جاءها لبست برقعها عنه، فأنذروها وأنها إن أعلمته فعلوا بها وفعلوا، فلما زارها سفرت وكشفت عن وجهها، فشرد توبة بن الحمير هاربا وقال :
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
فعلم أنها ما كشفت عن وجهها إلا لأن النار تحت الرماد. والشاهد أن قوله :( فقد رابني منها ) أزعجني وأقلقني، وأن الريب أصله الإزعاج والإقلاق، وهو في القرآن يطلق على الشك ؛ لأن نفس الشاك غير مطمئنة، بل هي قلقة مضطربة لا تدري أتميل إلى طرف النفي أو إلى طرف الثبوت. وهذا معنى قوله :[ فلا يكن في صدرك حرج منه ].
وقوله :[ لتنذر به ] التحقيق أنها لام كي المعروفة بلام التعليل، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، وهي تتعلق بقوله :[ أنزل ] يعني : أنزل إليك هذا الكتاب لأي حكمة أنزل إليك ؟ [ لتنذر به وذكرى للمؤمنين ].
وقوله :[ لتنذر ] أصله مضارع أنذره إنذارا، والإنذار في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو خصوص الإعلام المقترن بتهديد خاصة وتخويف. فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا ؛ لأن الإنذار الإعلام المقترن بتخويف وتهديد

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير