فيقول سبحانه :
كتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ :
وساعة تسمع " أنزل " فافهم أنه جاء من جهة العلو أي أن التشريع من أعلى. وقال بعض العلماء : وهل يوجد في صدر رسول الله حرج ؟. لننتبه أنه ساعة يأتي أمر من ربنا ويوضح فيه فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ، فالنهي ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما النهي للحرج أو الضيق أن يدخل لرسول الله، وكأنه سبحانه يقول : يا حرج لا تنزل قلب محمد.
لكن بعض العلماء قال : لقد جاء الحق بقوله سبحانه : فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ، لأن الحق يعلم أن محمدا قد يضيق صدره ببشريته، ويحزن ؛ لأنهم يقولون عليه ساحر، وكذاب، ومجنون. وإذا ما جاء خصمك وقال فيك أوصافا أنت أعلم منه بعدم وجودها فيك فهو الكذاب ؛ لأنك لم تكذب ولم تسحر، وتريد هداية القوم، وقوله سبحانه : فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ قد جاء لأمر من اثنين : إما أن يكون الأمر للحرج إلا يسكن صدر رسول الله، وإما أن يكون الأمر للرسول طمأنة له وتسكينا، أي لا تتضايق لأنه أنزل إليك من إله، وهل ينزل الله عليك قرآنا ليصبح منهج خلقه وصراطا مستقيما لهم، ثم يسلمك إلى سفاهة هؤلاء ؟ لا، لا يمكن، فاطمئن تماما.
فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ [ سورة الأعراف ] : والإنذار لا يكون إلا لمخالف ؛ لأن الإنذار يكون إخبارا بشرٍ ينتظر من تخاطبه. وهو أيضا تذكير للمؤمنين مثلما قال من قبل في سورة البقرة : هدى للمتقين .
وهنا نلاحظ أن الرسالات تقتضي مرْسِلا أعلى وهو الله، ومُرْسَلا وهو الرسول، ومُرْسلا إليه وهم الأمة، والمرسل إليه إما أن يستمع ويهتدي وإما لا، وجاءت الآية لتقول : كتاب أنزل من الله وهو المرسِل، و " إليك " لأنك رسول والمرسَل إليهم هم الأمة، إما أن تنذرهم إن خالفوا وإما أن تذكرهم وتهديهم وتعينهم أو تبشرهم إن كانوا مؤمنين.
تفسير الشعراوي
الشعراوي