ثم أمر بالذكر القلبي. فقال :
وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن تبعه : واذكر ربك في نفسك أي : في قلبك ؛ بحركة لسان القلب، أو في نفسك ؛ سرًا بحركة لسان الحس، تضرُّعًا وخِيفَةً أي : متضرعًا وخائفًا، ودونَ الجهر من القول أي : متكلمًا كلامًا فوق السر ودون الجهر، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص، ولا حجة فيه لمن منع الذكر جهرًا ؛ لأن الآية مكية حين كان الكفر غالبًا، فكانوا يسبون الذكر والمذكور، ولما هاجر المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، جهر الصحابةُ بالتكبير والذكر. فالآية منسوخة. انظر : الحاوي في الفتاوى للإمام السيوطي. فقد أجاب عن الآية بأجوبة.
فقوله : بالغُدوِّ والآصال أي : في الصباح والعشي، حين تتيقظ من نومك الشبيه بالبعث، وحين تريد النوم الشبيه بالموت، وقيل : المراد صلاةَ العصر والصبح، وقيل : صلاةَ المسلمين، قبل فرض الخمس، وقيل : للاستغراق، وإنما خص الوقتين ؛ لأنهما محل الاشتغال، فأولى غيرهما. ولا تكن من الغافلين عن ذكر الله.
وفي هذا المقام قال الواسطي رضي الله عنه : الذاكرون في حال ذكره أشد غفلة من التاركين لذكره ؛ لأن ذكره سواه. وفيه أيضًا قال الغزالي : ذكر اللسان يُوجب كثرة الذنوب. وقال الشاعر :
حَتَّى كَأنَّ رَقِيبًا مِنْكَ يهْتِفُ بِي :*** إِيَّاكِ، وَيْحَكَ، والتَّذكَارَ إيَاكِمَا إِنْ ذَكَرْتُكَ إلاَّ هَمَّ يَلْعَنُني سرِّي، وقَلْبِي، وَرُوحِي، عِنْدَ ذِكْرَاكَ
وقوله تعالى : إِن الذين عند ربك ... الآية، قال القشيري : أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية ؛ كي لا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم وهذه سُنَّة الله تعالى مع خواص عباده، يلقاهم بخصائص عين الجمع، ويحفظ عليهم حقائق عين الفَرْق، لئلا يُخِلّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة. هـأَمَا تَرَى الحَقِّ قَدْ لآحَتْ شَوَاهِدِهُ وَوَاصِل الكُلِّ مِنْ مَعْنِاهُ مَعْنَاكَ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي