ويقول الحق بعد ذلك :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ( ٢٠٥ ) :
والذكر مرور الشيء، إن كان بالبال، فهو ذكر في النفس، وإن كان باللسان ولا يُسْمِع الغير ويُسمعك أنت فهذا ذكر السر، وإن كان جهرا فهو قسمان ؛ جهر مقبول، وجهر غير مقبول، والجهر غير المقبول هو أن يتحول الذِّكر إلى إزعاج والعياذ بالله، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ( من الآية ١١٠ سورة الإسراء ).
ولعل إخواننا القراء ينتبهون إلى هذه الآية، تنبها يجعلهم يلتفتون إلى أداء أمر الله في هذا المجال فلا يجهرون ولا يرفعون أصواتهم به لدرجة الإزعاج، لأني أقول لكل واحد منهم : إن ربك لم يطلب منك حتى الجهر، إنما طلب دون الجهر، وأقول ذلك خاصة لهؤلاء الذين يفسدون نعمة الله على خلقه، فيصيحون ليلا ويمنعونهم من رحمة الله ليلا التي قال عنها : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( ٧٣ ) ( سورة القصص ).
فلا تفسدوا على الناس رحمة ربنا ؛ لأن الدعوة إلى الله ليست صياحا على المنابر ؛ اللهم إلا إذا كنتم تصنعون لأنفسكم دعاية إعلامية على مساجد الله وعلى منابر الله. وهذا أمر مرفوض وغير مقبول شرعا. واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة والحق تبارك وتعالى يقول مرة : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا( ٤١ ) ( سورة الأحزاب ). ومرة يقول : واذكر ربك ، وقوله : " اذكر الله " يستشعر سماعها التكاليف ؛ لأن الله هو المعبود، والمعبود هو المطاع في الأوامر والنواهي. أما قوله : " اذكر ربك " فهو تذكير لك بما حباك به من أفضال ؛ خلقك ورباك وأعطاك من فيض نعمه ما لا يعد ولا يحصى. فاذكر ربك ؛ لأنك إن لم تعشقه تكليفا، فأنت قد عشقته لأنه ممدك بالنعم، وسبحانه يتفضل علينا ويوالينا جميعا بالنعم.
وأضرب لك هذا المثل- ولله المثل الأعلى وهو منزل عن التشبيه- وأنت لك أولاد، وتعطي لهم مصروفا، وحين تعطي لهم المصروف كل شهر، تجدهم لا يحرصون على أن يروك إلا كل شهر، لكن إن كنت تعطي لهم مصروفهم يوميا فأنت تلتفت لتجدهم حولك، فإن كنت نائما يدخل ابنك لغرفة نومك يسير بجانبك ويتنحنح ليقول إنه يحتاج لشيء موجود بالغرفة، فما بالك وأنت بكل وجودك عبد لإحسان ربك ؟ وما دمت عبد الإحسان فاذكر من يحسن إليك، اذكر ربك دائما. واذكره على حالين : الأول تضرعا. أي بذلة، لأنك قد تذكر واحدا بكبرياء، إنما الخالق المحسن يجب عليك أن تذكره بذلة عبودية لمقام الربوبية، واذكر ربك " خيفة " أي خائفا متضرعا ؛ لأنك كلما ذللت له يعزك، ولذلك نجد العبودية مكروهة في البشر وهي استعباد، والناس ينفرون ممن يستعبدهم ؛ لأن عبودية الإنسان لمساويه طغيان كبير وظلم عظيم فهي تعطي خير العبد للسيد، ولكن عبوديتك لله تعطي خير الله لك. ولذلك نجد الحق يمتن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ( ١ ) . ( سورة الإسراء ).
وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة كبرى بحادث الإسراء، وكان الحديث عنها بامتنان من الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. والشاعر المؤمن يقول :
حسب نفسي عزاً بأني عبد **** يحتفي بلا مواعيد ربي
هو في قدسه الأعز ولكن **** أنا ألقى متى وأين أحب
وأنت أيها العبد المؤمن تلقى الله متى أردت، وإذا أسلمت زمامك للإيمان، فالزمام في يدك. يكفي أن تنوي الصلاة وتقول : الله أكبر فتكون في حضرته سبحانه سواء كنت في البيت أو في الشارع أو في أي مكان. وفي هذا منتهى العزة لك.
وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ( من الآية ٢٠٥ من سورة الأعراف ). ولم يقل هنا رب العالمين : بل ربك أنت يا محمد، وهذه قمة العطاءات التي جاءت للناس، فهذا العطاء الذي جاء بمحمد رسولا، نعمة ومنة من الله على المؤمنين برسالته، وبعد ذلك ينسب لكل مسلم العطاء الذي جاء لمحمد. وقوله تعالى لرسوله : " واذكر ربك في نفسك " أي أنه سبحانه لم يعجل دليل عنايته بك مقصورا على ما يشاهد في الخارج والبعيد عنك فقط ؛ لأنك قد لا ترى شيئا في الكون أو لا تسمع شيئا في الكون، لأن الكون منفصل عنك، إنما انظر إلى نفسك أنت وستجد الآيات كلها تذكرك بخالقك.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون( ٢١٠ ) ( سورة الذاريات ). فقبل أن يجعل ربنا الدليل في الكون الذي حولك، جعل لك الدليل أيضا في نفسك ؛ لأن نفسك لا تفارقك وأنت أعلم بملكاتها وبجوارحها، وبنوازعها، ولهذا كان التضرع إلى الله والخيفة منه لهما مجال هنا ؛ لأنك تستطيع أن ترى سر صنعته فيك، وستجد الكثير من الآيات، وهي آيات أكبر منك، لذلك أنت تتضاءل أمام من وهب لك كل هذا، وتخاف ألا تؤدي حقه لديك.
ونعود إلى قول الله تعالى : واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال والذكر حَدَثٌ، والحدَث يحتاج إلى زمان وإلى مكان. والغدو والآصال زمنان يستوعبان النهار، فالغدو هو أول النهار، والآصال هو من العصر للمغرب، مثلما نقول : " شمس الأصيل ". وهذه الآية الكونية تتكرر في القرآن الكريم كثيرا، فالحق تبارك وتعالى يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا( ٤١ )وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا( ٤٢ ) ( سورة الأحزاب ). وكما يقول عز وجل : إنا أرسلناك شهيدا ومبشرا ونذيرا( ٨ ) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعززوه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا( ٩ ) ( سورة الفتح ).
و " الأصيل " هنا مشترك، ومقابل الأصيل يطلق الحق عليه مرة بكرة، وأخرى يطلق عليه : الغدو، وسبحانه القائل : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٣٥ ) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ( ٣٦ ) . ( سورة النور ).
إنك ساعة أن تقرأ " في بيوت " تعرف أن هذا حدثا ؛ لأن قوله : " في بيوت " شبه جملة " في معنى الظرف، وإذا استقرأت ما قبلها، لم تجد لها مُتَعَلَّقاً. والحظ إذن أن ما قبلها هو نور على نور في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فأنت حين تذهب إلى المسجد لتلقى الله، فذلك نور، وتصلي له فذلك نور، وتخرج من هذا النور بنور يهبط عليك في بيته، وكل هذا نور على نور، فمن أراد أن يتعرض لنفحات نور الله عز وجل، فليكثر من الذهاب إلى بيوت الله وللمساجد، مهابة النور لأنها مكان الصلاة، ونعلم أن الصلاة هي الخلوة التي بين العبد وربه، وكان رسول الله إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. وأنت إذا ما اتبعت حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وتصلي ركعتين لله إن حزبك أمر وعزت عليك مسألة وكانت فوق أسبابك ثم ذهبت إلى الله فلن يخرجك الله إلا راضيا. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال .
والغدو والآصال أو البكرة والأصيل كما عرفنا هي أزمنة أول النهار وأزمنة أول الليل. ولماذا أزمنة أول النهار وأزمنة أول الليل ؟ لأن هذه الأزمنة هي التي يطلب فيها الذكر. فقبل أن تخرج للعمل في أول النهار أنت تحتاج لشحنة من العزيمة تقابل بها العمل من أجل مطالب الحياة، وفي نهاية النهار أنت تحتاج أن تركن إلى ربك ليزيح عنك متاعب هذا اليوم، لذلك إياك أن تشغلك الحياة عن واهب الحياة، ولك أن تذكر ربنا وأنت تعيش مع كل عمل تؤديه وتقوم به وأن تقابل كل نتيجة للعمل بكلمة :( الحمد لله ) وعندما ترى أي جميل من الوهاب سبحانه وتعالى يجب عليك أن تقول : " ما شاء الله " وعندما ترى أي شيء يعجبك تقول :( سبحان الله ). ولذلك حينما دعا الله خلقه المؤمنين به إلى الصلاة قال : أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٩ ) . ( سورة الجمعة ).
وهذا التكليف في صلاة الجمعة المفروضة كصلاة للجماعة، والجماعة مطلوبة فيها، ومن الضروري أن تتواجد فيها كجمع، لأن الجماعة مشروطة فيها فلا تصح بدون الجماعة. ونعرف أن الصلاة إنما هي ذكر لربنا، فماذا بعدها ؟
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرض وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ١٠ ) ( سورة الجمعة ).
أي إياك أن يشغلك انتشارك في الأرض وابتغاؤك من فضل الله، والأخذ بأسباب الدنيا عن واجبك نحو الله، بل عليك أن تذكره سبحانه وتعالى : وَاذكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ والآصال وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ( ٢٠٥ ) . ( سورة الأعراف }.
أي لا تكن من الغافلين عن مطلوبات الله بالحدود التي بينها الله عز وجل، لأن الغفلة معناها انشغال البال بغير خالقك، وأنت إن جعلت خالقك في بالك دائما فإنك لا تغفل عن مطلوباته في الغدو والآصال وفي كل وقت، سواء كنت في الصلوات الخمس، أو كنت تضرب الأرض في أي معنى من المعاني، وتأس أيها المؤمن بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان الملائكة والذين لم يرتكبوا أية معصية وليس لهم موجبات المعصية، ولا يأكلون ولا يتناسلون، وليس لهم شهوة بطن ولا شهوة فرج، وكل المعاصي جميعها تأتي من هذه الناحية، مع ذلك يجب عليك أن تتأسى بهم، لأنهم هم الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لا يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه، وله يسجدون، لذلك يقول الحق بعد ذلك :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( ٢٠٦ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي