ثم إن الله علم نبيه صلى الله عليه وسلم آداب الذكر، وجعل له الذكر على نوعين على التحقيق : ذكر نفساني، وذكر لساني، أما الذكر النفساني فهو هذا الذي يذكره العبد في نفسه بالتدبر والتفكر والاعتبار ولا ينطق به. وما قاله ابن عطية ( رحمه الله ) من أنه لا ذكر إلا بحركة اللسان خلاف ظاهر هذه الآية الكريمة ؛ لأن الله قال لنبيه : واذكر ربك في نفسك [ الأعراف : آية ٢٠٥ ] أي : فيما بينك وبين ربك في نفسك من غير كلام، فتذكر عظمته وكماله وجلاله وصفاته، وما عنده من الثواب لمن أطاعه، ومن العقاب لمن عصاه، ويكون هذا التذكر والتفكر في عظمة الله ( جل وعلا ) وفي صفاته العظمى، وفي ثوابه وعقابه يكون في نفسك لأجل التضرع والخوف.
وقوله : تضرعا وخيفة قيل هما مفعولان لأجلهما. أي : لأجل التضرع. والتضرع معناه : التذلل والتخشع والتواضع. أي : لأجل التذلل والتخشع والتواضع لرب العالمين. وقال بعض العلماء : تضرعا وخيفة مصدران منكران بمعنى الحال. أي : في حال كونك متضرعا خائفا. والكل محتمل.
وقوله : خيفة ياؤه مبدلة من واو، أصله :( خوفة ) لأنها ( فعلة ) من الخوف ؛ لأن المادة من الأجوف الذي هو واوي العين، والقاعدة المقررة في التصريف : أن الواو إذا سكنت بعد الكسر أبدلت ياء بقياس مطرد. ف( الخيفة ) هي ( فعلة ) من الخوف، فالياء مبدلة من واو، وتجمع على ( خيف ) لأن الإعلال الذي في المفرد هو موجود أيضا في الجمع، وشذ بعض العلماء فقال : تجمع على ( خوف ).
والفرق في لغة العرب بين الخوف والحزن : أن الخوف هو غم من أمر مستقبل، والحزن غم من أمر فائت. هذا أكثر ما يستعمل فيه الخوف والحزن، إلا أنهما ربما استعمل أحدهما في موضع الآخر. فقوله : خيفة أي : غما من أمر مستقبل، وهو سخط رب العالمين وعقابه ؛ لأنه الخائف من سخطه وعقابه المغموم مما يقع من ذلك في المستقبل يطيع الله ( جل وعلا ) في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة. وربما أطلقت العرب اسم الخوف على العلم، تقول العرب :( خفت كذا ). أي : علمته. وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف، قال بعض العلماء : منه قوله تعالى : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله [ البقرة : آية ٢٢٩ ] أي : علمتم ألا يقيما حدود الله إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله [ البقرة : آية ٢٢٩ ] إلا أن يعلما ألا يقيما حدود الله، على القول بذلك. ومن إطلاق الخوف بمعنى العلم قول أبي محجن الثقفي في أبياته المشهورة :
| إذا مت فادفني إلى جنب كرمة | تروي عظامي بالممات عروقها |
| ولا تدفني بالفلاة فإنني | أخاف إذا ما مت ألا أذوقها |
واذكر ربك ذكرين، أما الذكر النفساني فهذا الذي يكون في نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، من أن تتفكر في عظمته وسلطانه وجبروته وصفاته وعقابه وثوابه، متضرعا خائفا منه ( جل وعلا ). وهذا النوع من الذكر القلبي عظيم جدا.
الثاني : ذكر لساني، وقد علمهم ( جل وعلا ) آداب الذكر اللساني، وأنهم لا يرفعوا صوته جدا ولا يخافتوا به جدا، كما قال : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا [ الإسراء : آية ١١٠ ] والمخافتة : الإسرار الشديد. وقال هنا : ودون الجهر أي : واذكر ربك بالقول دون الجهر، ولا تجهر به وترفع صوتك جدا ؛ لأن رفع الصوت الكثير بالدعاء وبالأذكار لا ينبغي. والله ( جل وعلا ) يعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يرفع صوته به جدا ودون الجهر من القول يعني : دون الجهر وفوق الإسرار : المخافتة. لا تجعله سرا جدا كالمخافتة، ولا تجعله جهرا جدا بل سبيلا بين ذلك كما قال : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا [ الإسراء : آية ١١٠ ].
وقوله : بالغدو الغدو : قال بعض العلماء : هو مفرد مصدر غدا غدوا. وقال بعض العلماء : هو جمع ( غدوة ).
والآصال : جمع ( أصيل ). وقيل جمع ( أصل ). وبعضهم يقول :( الأصل ) جمع ( أصيل )، و( الآصال ) جمع الجمع، ولا داعي إليه ؛ لأن ( الأصيل ) يجمع على ( آصال )، كما تجمع اليمين على الأيمان، والأصل أيضا يجمع على الآصال. والأصل يطلق مفردا وجمعا.
والغدو : أوائل النهار، والآصال : أواخره. فالآصال : من العصر فما وراءه إلى الليل. والغدو : من أول النهار.
قال بعض العلماء : كان قبل فرض الصلاة ليلة المعراج يصلون صلاتين : آخر النهار، وأوله، وأنه هو المراد هنا.
وقال بضعهم : خص هذين الوقتين من النهار – أول النهار وآخره - لفضلهما.
قال بعض العلماء : الذكر بالغدو : صلاة الصبح، وبالآصال : صلاة العصر. والله تعالى أعلم، وهذا معنى قوله : بالغدو والآصال .
ولا تكن من الغافلين معلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يغفل عن ذكر ربه ولكنه يؤمر وينهى ليشرع لأمته على لسانه. وفي هذه الآية الكريمة نهي للمسلمين عن الغفلة عن ذكر الله ( جل وعلا )، فعلينا معاشر المسلمين ألا نغفل عن ذكر الله، وأن نذكر الله في أنفسنا تضرعا وخيفة، وأن نذكره بقولنا دون الجهر من القول، أول النهار وآخره، وفي كل وقت، لأن الله أثنى على عباده بالذكر عليه في كل حال، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض [ آل عمران : آية ١٩١ ] هذا التفكر في خلق السموات والأرض من ذكرك ربك في نفسك تضرعا وخيفة كما لا يخفى. وهذا معنى قوله : ولا تكن من الغافلين [ الأعراف : آية ٢٠٥ ].
ثم إن الله لما أمر عباده المؤمنين بهذه الآداب السماوية وهذه الأوامر الكريمة بين لهم أن ملائكته المقربين يطيعونه ويعبدونه ولا يستكبرون عن عبادته فقال :
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير