ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإيضاح : قل أمر ربي بالقسط أي قل لهم : إنما أمرني ربي بالاستقامة والعدل في الأمور كلها.
وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين أي وقل لهم : أمرني ربي بالقسط، فأقسطوا وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، أي أعطوا توجهكم إلى الله تعالى حقه من صحة النية وحضور القلب وصرف الشواغل عند كل مسجد تعبدونه فيه، سواء كانت العبادة طوافا أو صلاة أو ذكرا، وادعوه مخلصين له الدين، ولا تتوجهوا إلى غيره من عباده المكرمين كالملائكة والأنبياء والصالحين زعما منكم أنهم يشفعون لكم عند ربكم ويقربونكم إليه زلفى، وقد جعلتم هذا من الدين افتراء على الله وقولا عليه بغير علم.
وبعد أن أبان أصل الدين ومناط الأمر والنهي فيه ـ ذكرنا بالبعث والجزاء على الأعمال فقال :
كما بدأكم تعودون* فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة أي كما بدأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته تعودون إليه يوم القيامة، وأنتم فريقان :
( ١ ) فريق هداه الله في الدنيا ببعثة الرسل فاهتدى بهديهم وأقام وجهه له وحده في العبادة ودعاه مخلصا له الدين لا يشرك به أحدا.
( ٢ ) فريق حق عليهم الضلالة لإتباعهم إغواء الشيطان وإعراضهم عن طاعة بارئهم.
وكل فريق يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه، وإنما حقت على الفريق الثاني الضلالة، لأنهم اقترفوا أسبابها فوجدت نتائجها ومسبباتها، لا أنها جعلت غرائز لهم فكانوا عليها مجبورين، يرشد إلى ذلك قوله :
إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون أي إنهم حين أطاعوا الشياطين فيما زينوا لهم من الفواحش والمنكرات، فكأنهم ولوّهم أمورهم من دون الله الذي يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر، وهم مع عملهم هذا يحسبون أنهم مهتدون فيما تلقنهم الشياطين من الشبهات، كجعل التوجه إلى غير الله والتوسل إليه في الدعاء مما يقربهم إلى الله زلفى، قياسا على الملوك الجاهلين الذين لا يقبلون الصفح عن مذنب إلا بوساطة بعض المقربين عنده.
والكثير من أهل الضلال يحسبون أنهم مهتدون، وهم ما بين كافر جحود للحق كبرا وعنادا كأعداء الرسل في عصورهم وحاسديهم على ما آتاهم الله من فضله كما حكى سبحانه عن فرعون وملئه : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ النمل : ١٤ ] وكالكبراء من قريش أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث في جمع كثير منهم وهم الذين قال الله فيهم : فإنهم يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ الأنعام : ٣٣ ] وهؤلاء هم الأقلون عددا ـ وكافر بالتقليد وإتباع نزغات الشيطان، أو بإتباع الآراء الخاطئة والنظريات الفاسدة، وهم الذين قال الله فيهم : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا١٠٣ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [ الكهف : ١٠٣ ـ ١٠٤ ] وهؤلاء هم جمهرة الناس في جميع الأمم.
وذهب كثير من العلماء إلى أن بذل جهده في البحث والنظر في الحق، ثم اتبع ما ظهر له أنه الحق بحسب ما وصلت إليه طاقته، وكان مخالفا في شيء منه لما جاءت به الرسل ـ لا يدخل في مدلول هذه الآية ونحوها، بل يكون معذورا عند الله لقوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : ٢٨٦ ].


تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير