الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا ؛ كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به ؛ عريانًا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو : صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب : طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به ؛ لخلوه عن منفعة دينية، وغرّتهم الحياة الدنيا ؛ بأن أنستهم القيامةَ، فاليوم نَنساهُم كما نَسُوا لقاءَ يومهم هذا ، والكاف : أي : ننساهم ؛ لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، وما كانوا بآياتنا يجحدون أي : نُهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله.
قالوا : إن الله حرمهما على البطالين ؛ الذين اتخذوا طريق القوم لهوًا ولعبًا، وغرتهم الحياة الدنيا فقبضتهم في شبكتها، فيقول تعالى : فاليوم ننساهم من لذيذ مشاهدتي، وحلاوة معرفتي، كما نسوا لقائي بشهود ذاتي، وأنكروا على أوليائي وأهل معرفتي، وجحدوا وجود التربية وحجروا على قدرتي، ولقد جئناهم بكتاب فصّلنا فيه كل شيء ؛ فقلنا فيه : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ [ البَقَرَة : ١٠٦ ] إلى يوم القيامة، هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله بظهور درجات المقربين، في أعلى عليين، حينئذٍ يحصل لهم اليقين بوجود المقربين، أو بالتربية النبوية في كل زمان وحين، فيطلب الشفاعة في اللحوق بهم، أو يرد إلى العمل بعملهم.. هيهات ! قد بُعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور، فخسر المبطلون، وفاز المجتهدون السابقون. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي