ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊ

وإنما الأساس هو الإيمان والعمل الصالح، ففريق الزعماء المشركين الأشداء المتكبرين والأغنياء هم في النار، وفريق المؤمنين الأتقياء الضعاف المتواضعين لله هم في أعالي الجنان.
وفضل الله ورحمته يشملان المقصرين أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهو رد على أهل النار الذين يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار، فتقول الملائكة لأهل الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
ما يقوله أهل النار لأهل الجنة أو استغاثة أهل النار بأهل الجنة لإمدادهم بالطعام والشراب
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)
الإعراب:
حَرَّمَهُما فعل ماض، لم يقل: حرّمه، وإن كان التقدير: أفيضوا علينا أحد هذين، لأن أو هاهنا للإباحة، وهي لتجويز الجمع كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين. فيجوز أن يجمع بينهما، فأشبهت الواو التي للجمع، فحملت عليها. أي أنه ثنّى الفعل لأنه أقام أَوْ مقام الواو، وإن كانت أَوْ لتجويز الجمع، والواو لإيجاب الجمع.
كَما نَسُوا.. وَما كانُوا كَما في الحالين في تأويل المصدر، والأولى هي في موضع جر بالكاف، وتقديره: فاليوم ننساهم كنسيانهم لقاء يومهم هذا. والثانية في موضع جر بالعطف على كَما الأولى.

صفحة رقم 221

المفردات اللغوية:
أَفِيضُوا عَلَيْنا أفاض الماء: صبه، ثم استعمله في الشيء الكثير. أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الطعام. حَرَّمَهُما منعهما. نَنْساهُمْ نتركهم في النار. كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا بتركهم العمل له. وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي وكما جحدوا أي أنكروا.
المناسبة:
الآيتان استمرار في محاورة الناس يوم القيامة، فبعد أن بيّن الله تعالى الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، والحوار بين أصحاب الأعراف وأصحاب النار، وما قاله الفريق الأول للثاني، أتبعه بذكر ما يقوله أهل النار لأهل الجنة.
التفسير والبيان:
هذا مشهد من مشاهد سوء أهل النار يوم القيامة، فالله يخبر عن ذلة أهل النار وسؤالهم الطعام والشراب من أهل الجنة، وأنهم لا يجابون إلى ذلك.
ومعنى الآية: إن أهل النار يطلبون من أهل الجنة أن يفيضوا عليهم من النعم الكثيرة التي يتمتعون بها من شراب وطعام. وقوله: أَفِيضُوا معناه صبوا علينا من الماء أو النعم الشيء الكثير، ومعنى قوله: أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي من غيره، فيشمل الطعام والأشربة غير الماء. وقد استغاثوا بهم مع علمهم بأنهم لا يجابون أبدا، بسبب الحيرة في أمرهم، ولشدة حاجتهم إلى الماء، كما يفعل كل مضطر، كالغريق وغيره. وقوله: أَفِيضُوا فيه دليل على أن الجنة فوق النار.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار بفرج بعد اليأس، فقالوا: يا ربنا، إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزحزحت، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، وقد اسودّت وجوههم وصاروا خلقا آخر، فنادى

صفحة رقم 222

أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ. وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب، بسبب شدة حر جهنم.
وهذا القول يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول. وقال آخرون: بل مع اليأس لأنهم قد عرفوا دوام عقابهم.
وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: ينادي الرجل أباه أو أخاه، فيقول له: قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ.
ومعنى قوله تعالى: قالُوا: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ: قال أهل الجنة: إن الله منع الكفار شراب الجنة وطعامها.
ثم وصف الله تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا، باتخاذهم الدين لعبا ولهوا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفتها، عما أمروا به من العمل للآخرة، فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ....
أي إن هؤلاء الكفار تلاعبوا بدينهم وما كانوا به مجدين، أو اتخذوا اللهو واللعب دينا لأنفسهم، وجعلوا ديدنهم أعمالا لا تزكي الأنفس ولا تفيد، بل هي لهو يشغل الإنسان عن الجد، أو لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة، فهي كأعمال الأطفال.
واغتروا في الحياة الدنيا بشهواتها وزخارفها وزينتها ولذاتها من الحرام والحلال. قال الرازي: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا مجاز لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة، بل المراد أنه حصل الغرور عند هذه الحياة الدنيا لأن الإنسان يطمع في طول العمر، وحسن العيش، وكثرة المال، وقوة الجاه، فلشدة رغبته

صفحة رقم 223

في هذه الأشياء يصير محجوبا عن طلب الدين، غرقا في طلب الدنيا «١».
وكان جزاء التلاعب واللهو والغرور ما قاله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ...
أي يعاملهم معاملة من نسيهم من الخير لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه، كما قال تعالى: فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه ٢٠/ ٥٢] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة ٩/ ٦٧] وقوله: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه ٢٠/ ١٢٦].
فمعنى قوله فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ: نعاملهم معاملة الشيء المنسي، فلا يذكرون بخير، وإنما يتركون في النار. ومعنى كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا: كما فعلوا بلقائه فعل الناسين، فلم يخطر لهم ببال ولم يهتموا به، وكما أنكروا آيات الله، ورفضوا ما جاءت به الرسل.
والحاصل: أن الله تعالى يتركهم في عذاب النار، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما جحدوا بآيات الله.
وقد سمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان من قبيل المشاكلة، كما في قوله تعالى:
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى ٤٢/ ٤٠] والمراد من هذا النسيان: أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على أن شراب أهل الجنة وطعامهم ممنوع حرام على الكافرين. وهو تحريم قهر وعقاب.
ودلت الآية الثانية على إهمال الكافرين في عذاب جهنم ومعاملتهم معاملة المنسيين، لنسيانهم واجباتهم نحو ربهم في الحياة الدنيا، وعلل تعالى ذلك

(١) تفسير الرازي: ١٤/ ٩٣

صفحة رقم 224

بتعليلات مجملها أنهم كانوا كافرين، وتفصيلها ووصف أحوالهم: أنهم اتخذوا دينهم لهوا أولا، ثم لعبا ثانيا، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثا، ثم صار عاقبة هذه الأحوال أنهم جحدوا بآيات الله، وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة، كما
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي عن الحسن مرسلا، وهو ضعيف: «حب الدنيا رأس كل خطيئة».
وأما من الناحية الفقهية بالمعنى الخاص فقد دلت الآية الأولى على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال:
الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ، أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
وروى أبو داود أن سعدا أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء»
فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء.
وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب فيما رواه البخاري عن أبي هريرة، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه؟!
وفي حديث عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه ابن ماجه في السنن- عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء، فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها».
واستدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده لأن معنى قول أهل الجنة: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ لا حق لكم فيها.
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «والذي نفسي بيده لأذودنّ رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض»
قال المهلّب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه
لقوله عليه الصلاة والسلام: «لأذودنّ رجالا عن حوضي».

صفحة رقم 225

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية