٥١ - قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا. قال ابن عباس (١): (يريد: المستهزئين المقتسمين) (٢).
قال أهل المعاني (٣) (معنى اللهو: صرف الهمّ بما لا يحسن، كالإنسان يريد أن يصرف الهمّ والحزن عن نفسه فيشتغل بما لا يجدي عليه، وهؤلاء طلبوا صرف الهمّ عنهم بالتهزّئ بالدين وعيب المؤمنين)، وعلى هذا معنى قوله دِينَهُمْ أي: الدين الذي شرع لهم، وهؤلاء تلاعبوا بذلك [الدين] (٤).
وقوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا.
قال ابن عباس: (يريد: نتركهم في جهنم كما تركوا لقاء يومهم هذا) (٥) يريد: التكذيب بالبعث والجنة والنار، ومعنى نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ
(٢) المستهزئين المقتسمين: جماعة لهم قوة وشوكة من كفار قريش نصبوا العداء للرسول - ﷺ -، وتقاسموا عقاب مكة للصد عن ما جاء به، وقد اختلف العلماء في عددهم، وأسمائهم، وكيفية هلاكهم.
انظر: "تفسير الماوردي" ٣/ ١٧٢، و"زاد المسير" ٤/ ٤٢١، والرازي ١٩/ ٢١١، و"الدر المنثور" ٤/ ١٩٨.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ٢/ ٤٠، والطبري ٨/ ٢٠٢، والسمرقندي ١/ ٥٤٤، وأخرج الطبري ٨/ ٢٠٢ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (ذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزأوا به اغترارًا بالله) اهـ.
(٤) لفظ: (الدين) ساقط من (ب).
(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٢٠٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩٢، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٦٢٠ بسند جيد، وقال البيهقي: (يريد والله أعلم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا) اهـ. وانظر: "الدر المنثور" ٣/ ١٦٧.
تركوه بالتكذيب به (١)، كما قال ابن عباس.
وقال الزجاج: (أي: نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم) (٢)، وهذا قول الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وجميع المفسرين (٦)؛ قالوا: (إن معنى النسيان هاهنا: الترك).
قال ابن الأنباري: (فاليوم نتركهم في النار على غير إغفال ونسيان، كما تركوا العمل لنا عامدين لا غافلين، فمعنى تركهم لقاء ذلك اليوم: تركهم العمل بطاعة الله لذلك اليوم) (٧)
وقال أصحاب المعاني: (معنى نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا: نعاملهم معاملة من نسي بتركهم (٨) في النار كما فعلوا في الإعراض عن آياتنا وما ندبناهم إلى العمل به، فِعْل من نسي وغفل، فكذلك (٩) نجازيهم بمثل فعلهم،
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤١.
(٣) ذكره الرازي ١٤/ ٩٣، قال: (هو قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين) اهـ، وقال أبو حيان في "البحر" ٤/ ٣٠٥، (وهو قول الحسن والسدي أيضًا والأكثرون).
(٤) "تفسير مجاهد" ١/ ٢٣٨، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٣٠، والطبري ٨/ ٢٠٢ من عدة طرق جيدة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٩٢ من طرق جيدة عن مجاهد والسدي، وانظر: "الدر المنثور" ٣/ ١٦٧.
(٦) انظر: الطبري ٨/ ٢٠٢، و"معاني النحاس" ٣/ ٤١، والسمرقندي ١/ ٥٤٤، والبغوي ٣/ ٢٣٤، وابن عطية ٥/ ٥٢١.
(٧) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ٢٠٩، وفي "الأضداد" لابن الأنباري ص ٣٩٩ نحوه، وانظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢١٥، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٧٨.
(٨) في (ب): (نتركهم).
(٩) في (ب): (وكذلك).
فنوقع بهم ما يشبه النسيان بأن لا نجيب لهم دعوة ولا نرحم لهم عبرة) (١).
وقوله تعالى: وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. قال الزجاج: (أي: كجحدهم (٢)، وَمَا في موضع جر نسق على كَمَا (٣) و (ما) في قوله كَمَا نَسُوا وقوله: وَمَا كَانُوا بمعنى المصدر، والتقدير: ننساهم نسيانًا كنسيانهم يومهم هذا ولكونهم جاحدين بآياتنا، قاله أبو علي (٤).
قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ [الأعراف: ٥٢]، قال ابن عباس: (يريد: الذي جاء به محمد - ﷺ -، فَصَّلْنَاهُ يريد: بيناه) (٥)، والتفصيل تبيين المعاني بإظهارها مما يلتبس بها، فالتفصيل كالتبيين (٦).
(٢) في (ب): (أي ولجحدهم).
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٤١.
(٤) "الحجة" لأبي علي ٣/ ٦٠ و٦/ ٢١٦ - ٢١٧ و٢١٩، وهو قول الأكثر. انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري ٢/ ٦٥٧، و"إعراب النحاس" ١/ ٦١٥، و"المشكل" ١/ ٢٩٣، و"البيان" ١/ ٣٦٤، و"الفريد" ٢/ ٣٠٩، و"الدر المصون" ٥/ ٣٣٦.
(٥) "تنوير المقباس" ٢/ ٩٩، وهو قول عامة المفسرين. انظر: الطبري ٨/ ٢٠٣، والسمرقندي ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥، والبغوي ٣/ ٢٣٥، وابن عطية ٥/ ٥٢٢، وابن الجوزي ٣/ ٢٠٩.
(٦) التفصيل - التبيين، وأصل الفَصْل القطع والقضاء وإبانة الشيء عن الآخر. انظر: "العين" ٧/ ١٢٦، و"الجمهرة" ٢/ ٨٩١، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٩٥، و"الصحاح" ٥/ ١٧٩٠، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٥٠٥، و"المفردات" ص ٦٣٩، و"اللسان" ٦/ ٣٤٢٢ (فصل).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي