ثم أخذوا يوبخونهم بصفاتهم الخسيسة التي كانوا يرتكبونها في دار الدنيا فقال :[ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ]( الأعراف : آية ٥١ ) إنما أضاف الدين إليهم مع أنهم ليس لهم دين- قبحهم الله- لأن الدين أمرهم الله به، وأرسل إليهم نبيه يدعوهم إليه، فكان من حقهم أن يعتنقوه، وان يطيعوا الله، فلم يكن لهم دين إلا هذا اللهو واللعب. واللهو واللعب متقاربان، قال بعض العلماء : اللهو : هو صرف النفس عما ينفع ويفيد إلى ما لا ينفع ولا يفيد. واللعب : هو أن يطلب الإنسان لنفسه الفرح والسرور بما لا ينبغي أن يفرح به، ولا أن يسر به. وهما متقاربان.
ومعنى اتخاذهم الدين لهوا ولعبا : أنهم يسخرون من القرآن، ويسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ضعفاء المسلمين، يستهزئون بالدين وبأهل الدين. وبذلك اتخذوا الدين لهوا ولعبا كما قال ( جل وعلا ) أنهم إذا مر بهم ضعفاء المسلمين :/[ وإذا مروا بهم يتغامزون( ٣٠ ) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين( ٣١ ) ]( المطففين : الآيتان٣١، ٣٠ ) ويسخرون منهم ويستهزئون كما قال ( جل وعلا ) عنهم إنهم يقولون :[ إنما نحن مستهزئون الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون( ١٥ ) ]( البقرة : الآيتان١٥، ١٤ ) ويسخرون من المؤمنين كما سخروا من نبي الله نوح، وقالوا له : بعد أن كنت نبيا صرت نجارا. وقال لهم :[ قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم( ٣٩ ) ]( هود : الآيتان٣٩، ٣٨ ) وهذا معنى اتخاذهم الدين لهوا ولعبا.
[ وغرتهم الحياة الدني ]( الأعراف : آية ٥١ ) أي : خدعتهم الدنيا بلذائذها ونعيمها، وظنوا أنها غير زائلة، وأنها لا جزاء بعدها، فألهتهم لذاتها- والعياذ بالله- والانهماك فيها حتى ماتوا وهم كفار.
وهذه الآيات ينبغي للمسلم أن يعتبر بها، ويأخذ منها عظات كريمة، فيعلم أن يوم القيامة إنما هو بحسب الأعمال، هنالك قوم قصرت بهم أعمالهم تقصيرا شديدا فأدخلوا دركات النار، وقوم قصرت بهم أعمالهم تقصيرا غير شديد فحبسوا عن الجنة، وقم لم تقصر بهم أعمالهم فأدخلوا الجنة ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمراد من قصص هذه الأخبار أن نعتبر في دار الدنيا، ونعلم أن الأمور بحسب الأعمال، وأن من قصر به عمله كان في دركات النار، ومن قصر به عمله تقصيرا أخف من ذلك حبس عن الجنة إلى ما شاء الله. فعلينا أن نحذر من التقصير في طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ؛ لأن التقصير قد يجر إلى دركات النار، وقد يجر أيضا إلى الحبس عن الجنة. فعلى المسلم أن يحذر من هذا ومن هذا، وأن يطيع الله ويبالغ في مرضاة الله بامتثال أوامر الله واجتناب نواهي الله بحيث لا يتخلف عن أمر أمره الله به، ولا يوجد عند أمر نهاه الله عنه ؛ ليدخل الجنة، ولا يدخل النار، ولا يحبس عن الجنة بسيئاته.
هذا يلزم، كذلك لا يتخذ الدين هزؤا ولعبا ؛ لأن الذين يتخذون الدين هزؤا ولعبا سيجدون غب ذلك. وأتباع هؤلاء كثروا في هذا الزمان والعياذ بالله ؛ لأن كل نزعة كفرية تتجدد لها أغصان بعروقها القديمة، وهذه النزعة متجددة الآن تجددا كثيرا ؛ لأنك تجد كثيرا من الشباب في جميع أقطار المعمورة ممن ينتسبون إلى الإسلام يتخذون الدين هزوا ولعبا، ويتمسخرون من الذي يصلي، ومن الذي يتسم بسمت الأنبياء، فيعفي ذقنه ولا يحلقه، وربما قلدوا عليه التيس استهزاء واستحقارا. فهؤلاء ينالهم من وعيد الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا بقدر ما ارتكبوا. فيجب على كل مسلم شابا كان أو غيره أن لا يتخذ الدين هزوا ولعبا، وألا يتخذ الدين لهوا ولعبا، فلا يسخر من الدين، ولا يسخر من أهله، ولا يسخر من حملة الدين، ولا من العلماء، ولا من هيئاتهم. مع أن الذين يسخرون ذوقهم معكوس، وضمائرهم منطمسة ؛ لأن هذا الذي يسخرون منه هو الشيء الذي ينبغي، وهم في الحالة التي يسخر منها، كما في أمثال العرب :( رمتني بدائها وانسلت ) الآن إذا رأيت رجلا ذقنه مثل ذقني، له لحية بيضاء موفورة لم تقطع منها شعرة، إذا سافر ورآه صبيان المسلمين وشبابهم في الخارج ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار، كأنه في أعينهم تيس، لا يفهم عن الدنيا، ولا يساير ركب الحضارة، مع أنه في الواقع أن الرجل المعفي ذقنه المتسم بسمة الأنبياء هو الرجل العاقل الآخذ بالسمت الكريم ؛ لأن هذه اللحية هي أعظم ما يتميز به الذكر عن الأنثى، فحلقها والفرار منها فرار من كرم الرجولة وشرف الذكورة إلى أنوثة الخنوثة، يريد أن يتشبه بالأنثى ! ! وهذا شرف وكرم وجمال في وجهه، وميزة لفحولته وذكورته عن خنوثة الأنثى وضعفها. والرجال الكرام الذين أخذوا كنوز قيصر وكسرى لم يكن واحد منهم يحلق شيئا من ذقنه، وكذلك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان أجمل الناس، وأحسن الناس وجها، وأكثر الرجال نساء، ولحيته كثة معفاة، هي في غاية الجمال والكمال، فيجب على كل شاب وعلى كل مسلم أن لا يتمسخر من الإسلام، وأن لا يتخذ الإسلام لهوا ولعبا، وأن لا يسخر من حملة الدين، ولا من هيئات العلماء، وليعلم أن هيئات العلماء هي السمت الذي كان عليه السلف الصالح، والصحابة الكرام، والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو سمت الأنبياء الكرام في ماضي الزمان.
هذا هارون- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، من أنبياء سورة الأنعام الذين قال الله فيهم :[ ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ]( الأنعام : آية ٨٤ ) وقال الله لنبينا :[ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ]( الأنعام : آية ٩٠ ) وثبت في صحيح البخاري عن مجاهد انه سأل ابن عباس : من أين أخذت السجدة في ص ؟ قال : اوما تقرأ ؟ ! قال :[ ومن ذريته داود ] ( إلى أن قال :) ( ما بين المعقوفتبين ( ) زيادة يقتضيها السياق )[ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ] وهارون من الأنبياء الذين أمر نبينا أن يقتدي بهم، ومن الاقتداء بهم : الاقتداء في سمتهم الكريم- لما غضب عليه أخوه وجده كث اللحية معفاها، فقال له :[ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ] ( طه : آية ٩٤ ) ومرادنا بهذا الكلام أن اتخاذ دين الله هزوا ولعبا ولهوا ولعبا انتشر في أقطار الدنيا، ولا سيما من الشباب الذين يتسمون باسم المسلمين إذا رأوا رجلا يذهب إلى الصلاة يصلي سخروا منه وهزؤوا به ! يظنون أن الكرة رياضة خير من الصلاة، وإذا رأوا رجلا متسما بسمت الإسلام، أو عليه سمت الإسلام، أو ينادي باسم الدين يقولون : هذا رجعي، هذا رجل لا يفهم، هذا لا يساير ركب الحضارة ! ! ويتخذون العلماء، وحملة الدين، والنور السماوي، وتعاليم الدين يسخرون منها، ويضحكون ويستهزئون فليحذروا من الاستهزاء بدين الله، ومن اتخاذ آيات الله هزوا ولعبا ؛ لأن ذلك أمر عظيم عند الله. ولما ضحك بعض المنافقين، وقالوا : النبي صلى الله عليه وسلم- لما ضلت راحلته في غزوة تبوك- هو يدعى انه يأتيه علم الغيب من السماء وهو لا يدري أين ذهبت راحلته ! ! وسخروا من النبي صلى الله عليه وسلم وهوؤا به، فنزل القرآن فيهم :[ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ]( التوبة : آية ٦٥ ) يعني : كنا نسخر ونضحك بهزل غير جد. أجابهم الله[ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ][ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن يعف عن طائفة منكم تعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ]( التوبة : الآيتان٦٦، ٦٥ ) وفي قراءة عاصم وحده :[ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ] وفيها قال ابن المرحل :
لعاصم قراءة *** لغيرها مخالفة
إن نعف عن طائفة *** منكم نعذب طائفة
والشاهد عندنا أن نحذر إخواننا المسلمين من أن يتخذوا دين الله وآيات الله هزوا ولعبا ؛ لئلا يلحقهم ما لحق الكفار الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا، فليحذر المؤمن كل الحذر أن يسخر من دين الله، وأن يستهزئ بآيات الله، وأن يسخر من حملة العلم ومن رجال الدين، وأن يتخذهم مسخرة ومضحكة، هذا لا ينبغي ولا يليق، ومن فعله سيناله من الوعيد بقدر ما قال الله في أهل النار :[ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا ]( الأعراف : آية ٥١ ) فعلى المسلم أن يحترم الدين، ويعظم الدين، ويعظم كل ما جاء من ربه من الأوامر والنواهي، ويعظم العلماء وحملة العلم، والمتسمين بسمات العلم، ولا يحتقرهم، ولا يتخذهم هزوا. وإنما بينا هذا لكثرة ما نشاهد من شباب المسلمين في أقطار الدنيا، يتخذون الدين مسخرة وملعبة ومضحكة، يضحكون ممن يصلي، ويستهزئون به، ويسخرون منه، ويتخذونه لهوا ولعبا كأنه مضحة مسخرة ! ! هذا أمر خطير وعاقبته وخيمة. وقصدنا أن نحذر انفسنا وإخواننا المسلمين منه، فعلينا ان نعظم آيات الله، ونحترم دين الله، ونحترم حملة الدين والعلماء المتصفين بحمل الدين، ولا نتخذهم لهوا ولعبا، ولا نسخر منهم، ولا نقلد عليهم التيوس إذا رأيناهم يعفون لحاهم، بل نعظمهم ونحترمهم ؛ لئلا يلحقنا من الوعيد بقدر ما فعلنا من ذلك، كما قال الله في الكفار :[ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ]لأنهم كانوا يسخرون من ضعاف المسلمين إذا رأوهم يصلون ويعبدون الله يتغامزون ويضحكون[ وإذا مروا بهم يتغامزون( ٣٠ ) ]( المطففين : آية ٣٠ ) ويقولون :[ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ]( الأنعام : آية ٥٣ ) [ ولو كان خيرا ما سبقونا إليه ]( الأحقاف : آية ١١ ) انظروا دين محمد يقول : إن هؤلاء البؤساء النتنى الفقراء أنهم ينالون الكرامة ! ! فيسخرون منهم ويضحكون من دينهم. هذا أمر لا ينبغي، بل يجب على المسلم أن يكون محترما للدين، معظما لما جاء من الله، معظما لرجال العلم، محترما لرجال الدين، غير مستهزىء بالدين، ولا بحملة الدين، ولا متخذهم مسخرة، هذا هو اللازم. وهذا معنى قوله :[ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا ] أي : خدعتهم. والدنيا : تأنيث الأدنى، وإنما سميت ( الدنيا ) لدنوها. أي : قربها، أو لدناءتها بالنسبة إلى الآخرة.
ثم قال الله :[ فاليوم ننساهم ]( الأعراف : آية ٥١ ) المراد بالنسيان هنا : الترك مع العلم التام ؛ لأن الله لا ينسى، كما قال :[ علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ]( طه : آية ٥٢ ) والعرب تطلق النسيان على ذهاب الشيء عن علم الإنسان بعد أن كان يعلمه، وهذا المعنى مستحيل على الله. وتطلق النسيان على الترك عمدا. وهو المقصود هنا وهو في آيات كثيرة [ فاليوم ننساهم ]( العراف : آية ٥١ ) أي : نتركهم عن إرادة وقصد يتقلبون في دركات النار، وأنواع العذاب. [ كما نسوا لقاء يومهم هذا ]( الأعراف : آية ٥١ ) أي : نسيانا كنسيانهم لقاء يومهم هذا ؛ لأن هذا اليوم لم ينسوه، وإنما تركوا العمل له عمدا وقصدا وعنادا للرسل [ كما نسوا لقاء يومهم هذا ].
[ وما كانوا بآياتنا يجحدون ]( الأعراف : لآية ٥١ ) في قوله :[ وما ] [ وما كانوا بآياتنا يجحدون ] وجهان من التفسير، الصحيح منهما : أنها مصدرية، والمعنى : كنسيانهم لقاء يومهم هذا، وككونهم جاحدين بآياتنا في دار الدنيا، ف ( ما ) مصدرية، وغلط قوم من علماء التفسير فقالوا : إنها نافية، والمعنى :[ وما كانوا بآياتنا يجحدون ] ما كانوا يجحدون بها في قرارة أنفسهم، بل يعلمون أنها حق، ولكنهم كانوا يعاندون، كما قال :[ فإنهم لا يكذبونك ولكن ال
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير