ﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة أي : صيحة جبريل، فأصبحوا في دارهم جاثمين ؛ باركين على ركبهم، ميتين.
رُوِي : أنهم بعد عادٍ عمروا بلادهم وخلفوهم، وكثروا، وعُمروا أعمارًا طِوالاً لا تفي بها الأبنية، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في خِصب وسعة، فتعوا وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا من أشرافهم فأنذرهم، فسألوه آية، فقال لهم : أيّ آية تريدون ؟ فقالوا : اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فمن استجيب له اتبع، فخرج معهم، فدعوا أصنامهم فلم تجبهم، ثم أشار سيدهم " جندع بن عمرو " إلى صخرة منفردة يقال لها :" الكاثبة "، قال له : أخرج من هذه الصخرة ناقةً مخترجة جوفاء وبراء، فإن فعلت صدقناك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم : لئن فعلتُ ذلك لتؤمنن ؟ قالوا : نعم، فصلى، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تَمَخَّضَ النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عُشَرَاءَ، جوفاء وبراء كما وَصَفُوا، وهم ينظرون، ثم أنتجت ولدًا مثلها في العظم، فآمن به جندع في جماعة، ومنع الناس من الإيمان : ذُؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أصنامهم، ورباب كاهنهم.
فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غِبًّا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها، ثم تنفحج(١)، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره ؛ فشق ذلك عليهم، فزينت عقرها لهم " عنيزة أم غنم " وصدقة بنت المختار، فعقروها واقتسموا لحمها، وعاقرها : الأحمر، واسمه قدار " استعان برجل آخر، فلما شربت اختبأ لها في جانب تل، فضربها صاحبه بالسهم، وعقرها قدار بسيفه، واقتسموا لحمها، فرقى ولدها جبلاً اسمه : قارة، فرغى ثلاثًا، ودخل صخرة أمه، فقال لهم صالح عليه السلام : أدركوا الفصيل، عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه حيث دخل الصخرة بعد رغائه، فقال لهم صالح عليه السلام : تصبح وجوهكم غدًا مصفرة، وبعد غد محمرة، واليوم الثالث مسودة، ويصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان ضحوة اليوم الرابع : تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل ما قصّ علينا الحقّ ـ جلّ جلاله ـ من قصص الأمم الماضية، فالمراد به : تخويف هذه الأمة المحمدية وزيادة في يقينهم، فالواجب على من أراد السلامة في الدارين أن يتمسك بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان، ويتحرى في ذلك جهده ؛ يقصد بذلك رضا الله ورسوله. وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إلىَ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ آل عمران : ١٠١ ]، ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى النعيم المقيم. والله تعالى أعلم.



١ الفحج: تباعد ما بين الفخذين..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير