ﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

[ فأخذتهم الرجفة ]( الأعراف : آية ٧٨ ) سماها هنا في الأعراف :( رجفة )، وسماها في مواضع أخر :( صيحة )، كقوله في سورة هود في قصة قوم صالح :[ واخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ( ٦٨ ) كان لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود( ٦٨ ) ]( هود : الآيتان٦٨، ٦٧ ) سماها ( صيحة ) في مواضع، وسماها هنا ( رجفة )، وهي صيحة في الحقيقة ورجفة ؛ لأن الملك يصيح بهم من السماء فترجف بهم الأرض وتزلزل من شدة الصيحة فتفارق أرواحهم أبدانهم.
[ فأصبحوا في دارهم ] الدار هنا معناه : الديار، وفي بعض الآيات :[ في ديارهم جاثمين ]( هود : الآيات٩٤، ٦٧ ) بالجمع، وفي بعضها :[ في دارهم جاثمين ]( الأعراف : الآيات٩١، ٧٨، العنكبوت : آية ٣٧ ) لأن الدار اسم جنس، وهو إذا أضيف إلى معرفة فهو عام. فمعنى [ في دارهم ] و[ ديارهم ] واحد، والمقرر في الأصول : أن من صيغ العموم إضافة المفرد إذا كان اسم جنس إلى معرفة، فإنه يعم، ونظيره في القرآن :[ وإن تعدوا نعمت الله ] ( إبراهيم : آية ٣٤ ) أي : نعم الله [ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ] ( النور : آية ٦٣ ) أي : أوامره [ إن هؤلاء ضيفي ]( الحجر : آية ٦٨ ) أي : أضيافي، ونحو ذلك كثير معروف في الأصول وفي العربية.
ومعنى :[ جاثمين ] هو خبر أصبحوا، والجاثمون جمع تصحيح للجاثم، والجاثم المتصف بالجثوم، وأصل الجثوم : هو أن يكون الإنسان منكبا على وجهه، ركبتاه في الأرض، ومكانه يسمى ( المجثم ) فالذي يفعله ولد الظبية إذا كان منبطحا منكبا على وجهه يسمى ( جثوما ) ومكانه يسمى ( المجثم ) على القياس، ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته :

بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
فمعنى [ جاثمين ] منكبين على وجوههم موتى، مفارقة أرواحهم أبدانهم، ليس منهم داع ولا مجيب، حلت بهم نقمة الله-جل وعلا- وعذابه المستأصل المتصل بعذاب الآخرة ( والعياذ بالله )، وهذه النكالات التي وقعت في الأمم يجب الاعتبار بها، وأن يخاف الموجودون في الدنيا من عصيان الله، ومبارزة رسله بالمعصية ومضادة ما جاؤوا به لئلا يهلكهم الله وينزل بهم ما انزل بغيرهم، وهذا معنى قوله :[ فأصبحوا في دارهم جاثمين ]( الأعراف : آية ٧٨ ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير