ﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ولا يستأني السياق في إعلان الخاتمة، ولا يفصل كذلك :
( فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين )..
والرجفة والجثوم، جزاء مقابل للعتو والتبجح. فالرجفة يصاحبها الفزع، والجثوم مشهد للعجز عن الحراك. وما أجدر العاتي أن يرتجف، وما أجدر المعتدي أن يعجز. جزاء وفاقاً في المصير. وفي التعبير عن هذا المصير بالتصوير.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير