اللام للتبليغ اى للذين استضعفوهم واستذلوهم لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من الذين استضعفوا بدل الكل والضمير للقوم أَتَعْلَمُونَ [آيا شما ميدانيد] أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالوه بطريق الاستهزاء بهم قالُوا اى المؤمنون المستضعفون إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ من التوحيد والعبادة مُؤْمِنُونَ عدلوا عن الجواب الموافق لسؤالهم بان يقولوا نعم او نعلم انه مرسل منه تعالى تنبيها على ان إرساله امر معلوم مقرر عندهم حيث أوردوه صلة للموصول ومن المعلوم ان الصلة لا بد ان تكون جملة معلومة الانتساب الى ذات الموصول فكأنهم قالوا لا كلام فى إرساله لانه اظهر من ان يشك فيه عاقل ويخفى على ذى رأى لما اتى به من هذا المعجز العظيم الخارق وانما الكلام فى الايمان به فنحن مؤمنون به فهذا الجواب من اسلوب الحكيم وهو تلقى المخاطب بغير ما يترقب قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ عدلوا عن الجواب المطابق وهو انا بما أرسل به كافرون لدلالته على ان إرساله معلوم مسلم عندهم كما دل عليه قول المؤمنين فكأنهم قالوا ليس إرساله معلوما لنا مسلما عندنا وليس هناك إلا دعواه وايمانكم به ونحن بما آمنتم به كافرون فالمؤمنون فرعوا ايمانهم على الإرسال الثابت والكفار فرّعوا كفرهم على ايمان المؤمنين واعلم ان الله تعالى ذم الكفار بوجهين أحدهما الاستكبار وهو رفع النفس فوق قدرها وجحود الحق والآخر انهم استضعوا من كان يجب ان يعظموه ويبجلوه ومدح المؤمنين حيث ثبتوا على الحق وأظهروه مع ضعفهم عن مقاومة الكفار كما دل عليه قوله إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ اى نحروها وبالفارسي [پس پى كردند وبكشتند ناقه را] أسند العقر الى الكل مع ان المباشر بعضهم للملابسة أو لأن ذلك كان برضاهم فكأنه فعله كلهم- روى- ان الناقة كانت ترد الماء غبا فاذا كان يومها وضعت رأسها فى البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها لا تدع قطرة واحدة ثم تتفحج فيحبلون ما شاؤا حتى تمتلىء أوانيهم كلها فيشربون ويدخرون ثم تصدر من أعلى الفج الذي وردت منه لانها لا تقدر ان تصدر من حيث ترد لضيقه قال ابو موسى الأشعري أتيت ارض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعا وكانوا إذا جاء يومهم وردوا الماء فيشربون ويسقون مواشيهم ويدخرون من الماء ما يكفيهم اليوم الثاني وكانت الناقة إذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامهم الى بطنه وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي فيهرب منه مواشيهم الى ظهره فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار لما أضرت به من مواشيهما وكانتا كثيرتى المواشي قال الحدادي كان فى ثمود امرأة يقال لها صدوق كانت جميلة الخلق غنية ذات ابل وبقر وغنم وكانت من أشد الناس عداوة لصالح وكانت تحب عقر الناقة لاجل انها أضرت بمواشيها فطلبت ابن عم لها يقال له مصدع بن دهر وجعلت له نفسها ان عقر الناقة فاجابها الى ذلك ثم طلبت قدار بن سالف وكان رجلا احمر ازرق قصيرا يزعمون انه ولد زنى ولكنه ولد على فراش سالف فقالت يا قدار أزوجك أي بناتي شئت على ان تعقر الناقة وكان منيعا فى قومه فاجابها ايضا فانطلق قدار ومصدع فاستعووا عواة ثمود فاتاهم تسعة رهط فاجتمعوا على عقر الناقة فاوحى الله تعالى الى صالح ان قومك سيعقرون الناقة فقال لهم
صفحة رقم 192
صالح بذلك فقالوا ما كنا لنفعل ثم تقاسموا بالله لنبيتنه واهله وقالوا نخرج فيرى الناس انا قد خرجنا الى سفر فنأتى الغار فنكون فيه حتى إذا كان الليل وخرج صالح الى مسجده قتلناه ثم رجعنا الى الغار فكنا فيه فاذا رجعنا قلنا ما شهدنا مهلك اهله وانا لصادقون اى يعلمون انا خرجنا فى سفر لنا وكان صالح لا ينام فى القرية وكان له مسجد خارج القرية يقال له مسجد صالح يبيت فيه فاذا أصبح أتاهم فوعظهم وإذا امسى خرج الى المسجد فانطلقوا ودخلوا الغار فلما كان الليل سقط عليهم الغار فقتلهم فلما أصبحوا رآهم رجل فصاح فى القرية فقال ما رضى صالح حتى قتلهم فاجتمع اهل القرية على عقر الناقة وقال ابن اسحق انما اجتمع التسعة الذين عقروا الناقة فقالوا هلموا لنقتل صالحا فان كان صالح صادقا منعنا قتله وان كان كذبا الحقناه بناقته فاتوا ليلا فبيتوه فى اهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة وقال بعضهم انطلق قدار ومصدع وأصحابهما التسعة فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها مصدع فى اصل صخرة اخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها ثم خرج قدار فعقرها بالسيف فخرت ترغو ثم طعنها فى لبتها ونحرها وخرج اهل البلد واقتسموا لحمها فلما رآها سقبها كذلك رقى جبلا اسمه قارة فرغا ثلاثا ودموعه تنحدر حتى اتى الصخرة التي خلق منها فانفتحت فدخلها فذلك قوله تعالى فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ اى استكبروا عن امتثاله وهو ما بلغهم صالح من الأمر بقوله فذروها ومن النهى بقوله ولا تمسوها او استكبروا عن اتباع امر الله وهو شرعه ودينه ويجوز ان يكون المعنى صدر عتوهم عن امر ربهم كان امر ربهم بترك الناقة كان هو السبب فى عتوهم ونجوا من هذه كما فى قوله وما فعلته عن امرى كذا فى الكشاف وَقالُوا مخاطبين له عليه السلام بطريق التعجيز والافحام يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب على قتل الناقة إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فان كونك من جملتهم يستدعى صدق ما تقول من الوعد والوعيد فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى الزلزلة الشديدة لكن لا اثر ما قالوا بل بعد ما جرى عليهم ما جرى من مبادى العذاب فى الأيام الثلاثة كما سيجيئ ورد فى حكاية هذه القصة فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وفى موضع فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ وفى موضع فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ولا تناقض لان الرجفة مترتبة على الصيحة لانه لما صيح بهم رجفت قلوبهم فماتوا فجاز ان يسند الإهلاك الى كل واحدة منهما وقال الحدادي فأخذتهم الزلزلة ثم صيحة جبريل وفى التفسير الفارسي [پس فرا كرفت ايشانرا بسبب كشتن ناقه زلزله بعد از سفيدن صيحه عظيم] واما قوله بالطاغية فالباء فيها سببية والطاغية مصدر بمعنى الطغيان كالعاقبة والتاء للمبالغة كما فى علامة ومعناه اهلكوا بسبب طغيانهم فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ اى صاروا فى أراضيهم وبلدهم او فى مساكنهم جاثِمِينَ اى خامدين موتى لاحراك بهم واصل الجثوم البروك يقال الناس جثوم اى قعود لاحراك بهم قال ابو عبيدة الجثوم للناس والطير والبروك للابل والمراد كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب بهم من غير اضطراب وحركية كما يكون عند الموت المعتاد ولا يخفى ما فيه من شدة الاخذ وسرعة البطش اللهم انا بك نعوذ من نزول سخطك وحلول غضبك قيل حيث ذكرت
صفحة رقم 193روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء