وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ ٨٠ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ٨١ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ٨٣ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ٨٤
قصة لوط عليه السلام
خير ما يعرف به لوط عليه السلام أنه ابن أخي إبراهيم خليل الرحمن ( صلى الله على نبينا وعليهما وسلم ) كما في كتب الأنساب العربية وسفر التكوين وفيه أن اسم والده ( حاران ) وأنه ولد في ( أور الكلدانيين ) وهي في طرف الجانب الشرقي من جنوب العراق الغربي من ولاية البصرة وكانت تلك البقعة تسمى أرض بابل. وأنه بعد موت والده سافر مع عمه إبراهيم عليه السلام إلى ما بين النهرين الذي كان يسمى جزيرة قورا ومنه ما يسمى الآن بجزيرة ابن عمر وهو مكان تحيط به دجلة فقط ( وهناك كانت مملكة أشور ) فإلى أرض كنعان من سوريا. ثم أسكنه إبراهيم في شرق الأردن باختياره لها لجودة مراعيها، وكان في ذلك المكان المسمى بعمق السديم بقرب البحر الميت الذي سمي ببحر لوط أيضا القرى أو المدن الخمس : سدوم وعمورة وأدمة وصبوبيم وبالع التي سميت بعد ذلك صوغر لصغرها، فسكن لوط عليه السلام في عاصمتها سدوم التي كانت تعمل الخبائث، ولا يعلم أحد الآن أين كانت تلك القرى من جوار حبر لوط إذ لم يوجد من الآثار ما يدل عليها، فمن المؤرخين من يظن أن البحر غمر موضعها ولا دليل على ذلك. وكانت عمورة تلي سدوم في الكبر وفي الفساد، وهما اللتان يحفظ اسمهما الناس إلى الآن.
واسم لوط مصروف وإن كان أعجميا لكونه ثلاثيا ساكن الوسط كنوح وقال بعض المفسرين إنه عربي من مادة لاط الشيء بالشيء لوطا أي لصق ولكن بعض أهل الكتاب يقول إن معنى كلمة لوط بالعبرانية " ستر " فهي من الكلمات التي تختلف معنى مادتها العربية عن مادتها العبرية والسريانية أختي العربية الصغريين، على أنه يقرب منه فإن اللصوق ضرب من الستر. ويراجع ما ذكرناه في لغة إبراهيم في تفسير الآية ( ٧٥س ٦ ) ( ج ٧ ).
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون أي وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار والنصيحة شيئا مما يدخل في باب الحجة ولا الاعتذار، ولا غير ذلك مما اعتيد في الجدال. ما كان إلا الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم وتعليل ذلك بأنهم أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتهم في رجسهم، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم مع هذه المباينة. فإن الناقص يستثقل معاشرة الكامل الذي يحتقره. وفي سورة الشعراء أنهم أنذروه هذا الإخراج إذا هو لم ينته عن الإنكار.
فإن قيل : إنه لم يسبق ذكر لمن آمن معه فيعود إليهم ضمير " أخرجوهم ".
( قلنا ) إن هذا مما يعرف بالقرينة وقد صرح به في آية النمل ففيها ( أخرجوا آل لوط ) بدل أخرجوهم والباقي سواء، إلا العطف في أولها بالفاء، كآية العنكبوت التي اختلف فيها الجواب، وهي فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ( العنكبوت ٢٩ ) والقرآن يفسر بعضه بعضا، ومتى كان الكلام مفهوما كان صحيحا فصيحا وإن أشكل على جامدي النحاة إعرابه كما سبق نظيره.
فإن قيل : إن في حكاية الجوابين تعارضا في المعنى محكيا بصيغة النفي والإثبات فيهما فكيف وقع هذا في كتاب الله تعالى وما الذي يدفع هذا التعارض ؟
قلنا : إنه لا تعارض ولا تنافي بين الجوابين، لحملهما على الوقوع في وقتين. ولا شك أنه كان ينهاهم كثيرا فكان يسمع في كل وقت كلاما ممن حضر منهم، وقد قلنا إن قصص القرآن لم يقصد بها سرد حوادث التاريخ بل العبرة والموعظة فيذكر في كل سورة من القصة الواحدة من المعاني والمواعظ ما لا يذكر في الأخرى، ومجموعها هو كل ما أراد الله تعالى أن يعظ به هذه الأمة. فمن المعهود أن الرسل عليهم السلام وكذا غيرهم من الوعاظ الذين ينهون الضالين والمجرمين عن المنكر يكررون لهم الوعظ بمعان متقاربة. ويسمعون منهم أجوبة متشابهة وقد يقول بعضهم ما لا يقول غيره فيعجبهم ويقرونه عليه فيسند إليهم كلهم، كما يسند إليهم فعل الواحد منهم إذا رضوه وأقروه عليه ولو بعد فعله، كما تقدم آنفا في إسناد عقر الناقة إلى قوم صالح وإنما عقرها واحد منهم، وقد حكى الله تعالى من قول رسوله لوط عليه السلام لقوله في سورة العنكبوت ما لم يحكه في سورتي الأعراف والنمل، فزاد على إتيانهم الرجال قطع السبيل، وإتيانهم المنكر في النادي الحافل، والمجلس الحاشد، فكأنهم ضاقوا به حينئذ ذرعا واستعجلوه العذاب الذي أنذرهم إذا أصروا على عصيانه، والأظهر أن هذا كان بعد أمرهم بإخراجه، وأن التوعد بالإخراج كان قبل الأمر به والله أعلم.
فإن قيل : هذا مقبول١ لأن مثله معهود معروف ولكن ما وجه بدء جملة الجواب بالواو تارة وبالفاء أخرى وما وجه اختصاص كل منهما بموضعه ؟
قلنا : إن عطف الجملة على ما قبلها بكل من الواو والفاء جائز إلا أن في الفاء زيادة معنى لأنها تفيد ربط ما بعدها بما قبلها بما يقتضي وجوب تلوه له فهو جماع معانيها العامة من التعقيب والسببية وجزاء الشرط، والأصل العام في هذا الارتباط أن يكون ما بعد الفاء أثرا لفعل وقع قبله، وكل من آيتي النمل والعنكبوت جاء بعد إسناد فعل إلى القوم، وهو قوله في الأولى : بل أنتم قوم تجهلون ( النمل ٥٥ ) وفي الثانية : إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ( العنكبوت ٢٩ ) فلذلك عطف الجواب على ما بعدهما بالفاء. وأما آية الأعراف فقد جاءت بعد جملة اسمية وهي قوله : بل أنتم قوم مسرفون ( الأعراف ٨١ ) وإسناد صفة الإسراف إليهم فيها مقصود بالذات دون ما قبله من فعل الفاحشة الذي كان بتكراره علة لهذه الصفة وكان الإصرار عليه معلولا لها، وثم وجه آخر لعطف هذه بالواو مبني على ما استظهرناه من كون الأمر بإخراجه عليه السلام من بعضهم قد كان بعد الإنذار والوعيد به من آخرين منهم فكان بهذا في معنى المعطوف عليه فكأنه قال : فما كان جواب قومه إلا أن قال بعضهم : لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين وإن قال بعضهم أخرجوا آل لوط من قريتكم وردده آخرون أخرجوهم من قريتكم، وهذه الدقة في اختلاف التعبير في المواقع المتحدة أو المتشابهة لأمثال هذه النكت لا تجدها مطردة إلا في كتاب الله تعالى : وهي من إعجازه اللفظي، ولذلك يغفل عنها أكثر المفسرين.
بعد كتابة ما تقدم راجعت ( روح المعاني ) فإذا هو يقول : وإنما جيء بالواو في ( وما كان ) إلخ دون الفاء كما في النمل والعنكبوت لوقوع الاسم قبل الفعل هنا والفعل هناك، والتعقيب بالفعل بعد الفعل حسن دون التعقيب به بعد الاسم، وفيه تأمل اه ولعمري إنه جدير بالتأمل للفظه الذي أورده به أولا ولمعناه بعد فهمه ثانيا، فإن ظهر للمتأمل أن وجه الحسن في التعقيب ما بسطناه انتهى تعب التأمل بالقبول إن شاء الله ولم يكن عبثا، وإلا كان حظه منه كد الذهن وإضاعة الوقت معا، وما كتبت هذه النكتة، إلا لأقول فيها هذه الكلمة، وإني بذكاء أصحاب الإيجاز المخل من المعجبين، وإن قل من ينتفع بعلمهم من الصابرين، وسيقل عددهم في هذه الأمة كما قل في غيرها من الأمم التي عرفت قيمة العمل، فضنت به أن يضيع جله في حل رموز زيد وعمرو.
فإن قيل : إن المعهود من أهل الرذائل أن ينكروها أو يسموها بغير اسمها ويألمون ممن يعيرهم بها لما جبل الله عليه البشر من حب الكمال وكره النقص، فكيف علل قوم لوط إخراجه هو ومن معه بأنهم يتطهرون ويتنزهون من أدران الفواحش وهو شهادة لهم بالكمال وشهادة على أنفسهم بالنقص ؟
فالجواب : ما قال الزمخشري فيه وهو أنه : سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش وافتخارهم بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد اه ومثله معهود من المجاهرين بالفسق، وللنقص والرذائل دركات، كما أن للكمال والفضائل درجات، فأولاها أن يلم بالرذيلة وهو يشعر بقبحها، ويلوم نفسه عليها، ثم يتوب إلى ربه منها، ويليها أن يعود إليها المرة بعد المرة مستترا مستخفيا، ويليها أن يصر عليها، حتى يزول شعوره بقبحها ويليها أن يجهر بها، ويكون قدوة سيئة للمستعدين لها، ويليها أن يفاخر بها أهلها ويحتقر من يتنزهون عنها، وهذه أسفل الدركات، وهي دركة قوم لوط ولا يهبط إليها ولا يسف من يؤمن بالله واليوم الآخر بل وصف الله المؤمنين بأنهم إذا عملوا السيئات يعملونها بجهالة ثم يتوبون من قريب وأنهم لا يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.
أجمع العلماء على أن اللواطة من كبائر المعاصي لأن الله تعالى سماها فاحشة وخبيثة وقد وردت عدة أحاديث في لعن فاعلها عند النسائي وابن حبان وصححه الطبراني والبيهقي وصحح بعضها الحاكم، وهي على كل حال يؤيد بعضها بعضا في أمر قطعي بالنص معلوم من الدين بالضرورة. وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا " إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط " ٢ صححه الحاكم وقال الترمذي حسن غريب ومن حديثه عند الطبراني " إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو، وإذا كثر الزنا كثر السباء، وإذا كثر اللوطية رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا " وإسناده ضعيف.
وروى أحمد وغير النسائي من أصحاب السنن من طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " ٣ قال الحافظ ابن حجر في التلخيص واستنكره النسائي ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة وإسناده أضعف من الأول بكثير. ثم نقل عن ابن الطلاع في أحكامه تصحيح الحديث ورده بأن حديث أبي هريرة لا يصح وأن ابن ماجه رواه من طريق عاصم بن عمر العمري بلفظ " فارجموا الأعلى والأسفل " وقال عاصم متروك وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته اهـ ملخصا. ولكن الشوكاني قال في حديث ابن عباس إن الحافظ قال : رجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا، وأن الشيخين احتجا بعمرو بن أبي عمير الذي ضعف به، ثم ذكر عبارة ابن الطلاع وتعقب الحافظ لها. وأورد بعض الأخبار والآثار في ذلك ثم قال في أحكامها ما نصه :
" وقد اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر للأحاديث المتواترة في تحريمه ولعن فاعله ( أي تواترا معنويا ) فذهب من ذكر من الصحابة ( يعني الذين استشارهم أبو بكر في المسألة ) وعلي ( وهو منهم وابن عباس ) إلى أن حده القتل ولو كان بكرا سواء كان فاعلا أو مفعولا وإليه ذهب الشافعي والناصر والقاسم بن إبراهيم، واستدلوا بما ذكره المصنف ( يعني صاحب المنتقى ) من حديث عكرمة عن ابن عباس في رجمه اللوطية، وذكرناه في هذا الباب وهو بمجموعه ينتهض للاحتجاج به. وقد اختلفوا في كيفية قتل اللوطي فروي عن علي أنه يقتل بالسيف ثم يحرق لعظم المعصية وإلى ذلك ذهب أبو بكر كما تقدم عنه ( أي عملا برأي علي في الشورى ) وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط، وذهب ابن عباس إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد ( أقول والروايتان ضعيفتان وأهونهما الثانية لأن أبنيتهم كانت واطئة جدا ) وقد حكى صاحب الشفاء إجماع الصحابة على القتل. وقد حكى البغوي عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحاق أنه يرجم ثم ذكر قول من قالوا إن اللواطة كالزنا فحدهما واحد وبحث في تخصيص اللوطي بعقاب. وقفى عليه بقوله :
" وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم. وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له والمرتضى والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط. ولا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة في خصوص اللوطي، والأدلة الواردة في الزاني على العموم اهـ.
أقول ومما قاله الحنفية في هذا التعزير أنه يكون بالجلد والحبس في أنتن بقعة وبالسجن حتى يموت أو يتوب. وقد تقدم في تفسير واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم ( النساء ١٤ ) الآيتين إن أبا مسلم الخراساني فسر اللائي يأتين الفاحشة من النساء بالمساحقات واللذين يأتيانها من الرجال باللائط والملوط به، وإن الجلال قال إنها في الزنا واللواط جميعا. وبينا أن الأستاذ الإمام رجح قول أبي مسلم في الآيتين. وهو يوافق قول من قالوا إن عقاب اللواطة التعزير ولكن بما فيه إيذاء لا مطلقا، فالتعزير يكون بالقول والفعل وبما فيه تعذيب وما لا تعذيب فيه ( راجع ج ٤ ).
ابتلاء مترفي الحضارة بهذه الفاحشة
ليس لدينا أثارة من التاريخ في سبب ابتلاء قوم لوط بهذه الفاحشة ولكن روى ابن إسحاق عن بعض رواة ابن عباس أن إبليس تزيا لهم في صورة أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه ثم جروا على ذلك. وهذا أثر لا يثبت به شيء. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس أنه كانت لهم ثمار بعضها على ظهر الطريق وإنه أصابهم قحط وقلة ثمار فتواطؤوا على منع ثمارهم الظاهرة أن يصيب منها أبناء السبيل بأن يعاقبوا كل غريب يأخذونه في ديارهم بإتيانه وتغريمه أربعة دراهم. قالوا : فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك. ففعلوه فألفوه. وإنا لنعلم أن العرب كانت تنزه أنفسها عن هذه الفاحشة في الجاهلية وفي أول الإسلام بالأولى، وما أشرنا إليه آنفا من تشاور الصحابة في العقاب عليها كان سببه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أنه وجد رجلا في بعض ضواحي بلاد العرب ينكح كما تنكح المرأة. فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم في هذا الأمر إذ لم يسبق له مثل، فأشار علي كرم الله وجهه بأن يحرق بالنار أي بعد قتله كما تقدم فوافقه الصحابة وكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فأمضاه. رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه بإسناد جيد، والمراد بقول خالد رضي الله عنه ضواحي بلاد العرب ما يلي بلاد فارس منها إذ كان هناك، ولم نعلم جنس ذلك الرجل ولا بد أن يكون من الأعاجم. وروى البيهقي عن عائشة : أول من اتهم بالأمر القبيح تعني عمل قوم لوط رجل على عهد عمر فأمر عمر بعض شباب قريش أن لا يجالسوه أي لمجرد التهمة.
هذه الفاحشة من سيئات ترف الحضارة وهي تكثر في المسرفين في الترف ولاسيما حيث يتعسر الاستمتاع بالنساء، كثكنات الجند والمدارس التي لا تشتد المراقبة الدينية الأدبية فيها على التلاميذ. ومن أسباب ابتلاء بعض فساق المسلمين بها في عنفوان حضارتهم احتجاب النساء وعفتهن مع ضعف التربية الدينية، وكثرة المماليك من أبناء الأعاجم الحسان الصور والاتجار بهم. قال الفقيه ابن حجر في آخر الكلام على هذه الكبيرة من كتابه الزواجر ما نصه :
" وأجمعت الأمة على أن من فعل بمملوكه فعل قوم لوط من اللوطية المجرمين الفاسقين الملعونين، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد فشا ذلك في التجار والمترفين فاتخذوا حسان المماليك سودا وبيضا لذلك، فعليهم أشد اللعنة الدائمة الظاهرة، وأعظم الخزي والبوار والعذاب في الدنيا والآخرة، ما داموا على هذه القبائح الشنيعة الفظيعة، الموجبة للفقر وهلاك الأموال وانمحاق البركات والخيانة في المعاملات والأمانات. ولذلك تجد أكثرهم قد افتقر من سوء ما جناه، وقبيح معاملته لمن أنعم عليه وأعطاه، ولم يرجع إلى بارئه وخالقه، وموجده ورازقه، بل بارزه بهذه المبارزة المبنية على خلع جلباب الحياء والمروة، والتخلي عن سائر صفات أهل الشهامة والفتوة، والتحلي بصفات البهائم بل بأقبح وأفظع صفة وخلة، إذ لا نجد حيوانا ذكرا ينكح مثله، فناهيك برذيلة تعفف عنها الحمير، فكيف يليق فعلها بمن هو في صورة رئيس أو كبير ؟ كلا بل هو أسفل من قدره، وأشأم من خبره، وأنتن من الجيف، وأحق بالشرور والسرف، وأخو الخزي والمهانة، وخائن عهد الله وما له عنده من الأمانة فبعدا له وسحقا، وهلاكا في جهنم وحرقا اهـ.
وقال السيد الآلوسي في آخر تفسير هذه القصة من روح المعاني : وبعض الفسقة اليوم دمرهم الله تعالى يهونون أمرها ويتمنون بها ويفتخرون بالإكثار منها، ومنهم من يفعلها أخذا للثار ولكن من أين ؟ ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول، وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اهـ.
وأقول إن هذه الفتن بالمرد هي التي حملت بعض الفقهاء على تحريم النظر إلى الغلام الأمرد ولاسيما إذا كان جميل الصورة، أطلقه بعضهم وخصه آخرون بنظر الشهوة الذي هو ذريعة الفاحشة. روى ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الوضين بن عطاء عن بعض التابعين قال : كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى وجه الغلام الجميل وعن الحسن بن ذكوان أنه قال : لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى وعن النجيب بن السدي قال كان يقال : لا يبيت الرجل في بيت مع المرد وعن ابن سهل قال سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف : صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.
وعن مجاهد قال : لو أن الذي يعمل ذلك العمل ( يعني عمل قوم لوط ) اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا. وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح فقال أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ومع كل غلام بضعة عشر شيطانا. يعني أن الوسوسة والإغراء بالغلام الجميل يزيد على الإغراء بالمرأة بضعة عشر ضعفا لسهولة الوصول إليه وكثرة وسائله، وهل كان من الممكن أن تدخل المرأة الحمام على الرجال كما دخل فيه الغلام وكما يدخل النساء في غير بلاد المسلمين، حتى أنهن يتولين تنظيف الرجال في الحمامات. ومن وسائل الافتتان بالمرد التعليم والانتساب إلى طريقة المتصوفة فيجعل الخير وسيلة إلى الشر، وكم فتن أستاذ من هؤلاء وأولئك بمريده وتلميذه وأخفى هواه حتى فسدت حاله، وساء مآله، وكم تهتك متهتك ففضح سره، واشتهر أمره، كالشيخ مدرك الذي عشق عمرا النصراني أحد التلاميذ الذين كانوا يأخذون عنه علم الأدب، فكتم هواه زمنا حتى غلبه فباح به فانقطع الغلام عن مجلسه فكتب إليه قصيدته المزدوجة المشهورة التي قال فيها :إن كان ذنبي عنده الإسلام فقد سعت في نقضه الآثام واختلت الصـلاة والصيام وجاز في الدين له الحرام
وجملة القول في هذه الفاحشة أنها :
١- جناية على الفطرة البشرية.
٢- مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوة لأنها تنال بسهولة.
٣- مذلة للرجال بما تحدثه فيهم من داء الأبنة، وقد أشرنا آنفا إلى ما فيه من خزي ومهانة.
٤- مفسدة للنساء اللواتي تصرف أزواجهن عنهن، حتى يقصروا فيما يجب عليهم من إحصانهن، حدثني تاجر أنه دخلت دكانه مرة امرأة بارعة الجمال فأسفرت عن وجهها فقام لخدمتها دون أعوانه، فلما رأته دهشا بروعة حسنها قالت له : انظر أتجد فيَّ عيبا ؟ قال : أنى ولم أر مثلك قط ؟ قالت : ولكن زوجي فلانا يتركني عامة لياليه كالشيء اللقا ( هو الذي يلقى ويرمى لعدم الانتفاع به ) في غرف الدار ويلهو عني في الدور السفلي بغلمان الشوارع حتى مساحي الأحذية، وهو لا يشكو مني شيئا من خلق ولا خلق ولا تقصير في عمل ولا خيانة في مال ولا عرض. على أنه يعلم أنني أعلم هذا ولا يبالي به ولا يحسب حسابا لعواقبه...
ومن البديهي أنه يقل في النساء من تصبر على هذا الظلم طويلا في مثل هذه البلاد ( المصرية ) التي تروج في مدنها أسواق الفسق بما له فيها من المواخير السرية والجهرية، وأما المدن التي يعسر فيها السفاح، واتخاذ الأخدان فكثيرا ما يستغني فيه
تفسير المنار
رشيد رضا