وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذالكم خير إن كنتم مؤمنين٨٥ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين٨٦ وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين [ الأعراف : ٨٥ ٨٧ ].
تفسير المفردات : يقال : بخسه حقه : أي نقصه، والإفساد : شامل لإفساد نظام الاجتماع بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق والآداب : بارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام، وإصلاحها : هو إصلاح حال أهلها بالعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة المزكية للأنفس، والأعمال المرقية للعمران المحسنة لأحوال المعيشة.
المعنى الجملي : شعيب نبي من أنبياء العرب، وفي التوراة ؟ إن اسمه رعوئيل ؛ فقد جاء في سفر الخروج أن حمى موسى كان يدعى رعوئيل.
رعو : صديق، وئيل : الله أي صديق الله أي الصادق في عبادته، وفي موضع آخر من سفر الخروج إن موسى كان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مدين، ويثرون لقب وظيفته، وهو من نسل إبراهيم.
وفي الفصل الخامس من سفر التكوين إن زوجة إبراهيم قطورة ولدت له ستة أولاد منهم مدان أو مدين أو مديان : معناه خصام، وكانت أرضهم تمتد من خليج العقبة إلى موآب وطور سينا، وفي رواية إنها كانت تمتد من شبه جزيرة سينا إلى الفرات.
وقال الألوسي : ومدين وسمع مديان علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ثم سميت به القبيلة.
الإيضاح : وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم تقدم مثل هذا في قصة صالح عليه السلام، ولكن هناك بين الآية بأنها الناقة، ولم يذكر هنا ولا في أي سورة أخرى آية معينة لشعيب عليه السلام، ولكن لا بد أن تكون له آية تدل على صدقه، وتقوم بها الحجة عليهم.
فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلها آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ) أي إن كل نبي مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر على مثله.
والبينة : كل ما يتبين به الحق، فتشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والأمم القديمة لم تكن تذعن إلا لخوارق العادات.
وبعد أن أتى شعيب صلوات الله عليه بالمعجزات القاطعة للعذر ومكابرة الحق رتب على ذلك قوله :
فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم وقد ثنى بالأمر بإيفاء الكيل والميزان إذا باعوا، والنهي عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا بعد أن أمرهم بتوحيد الله، لأن ذلك كان فاشيا فيهم أكثر من سائر المعاصي ومن ثم اهتم به كما اهتم لوط بنهي قومه عن الفاحشة السوءى التي كانت فاشية فيهم، فقد كانوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون حقهم أو يزيدون عليه وإذا كالوهم أو وزنوهم ما يبيعون لهم يخسرون الكيل والميزان أي ينقصونه فيبخسونهم أشياءهم وينقصونهم حقوقهم.
والبخس يشمل نقص المكيل والموزون وغيرهما من المبيعات كالمواشي والأشياء المعدودة، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق، وفي الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل.
وقد فشا كل من هذين النوعين في هذا العصر، فكثير من التجار باخسون مطففون فيما يبيعون وما يشترون، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخّاسون لحقوق بني جلدتهم، مدعون للتفوق عليهم، منكرون لما خص الله به سواهم من المزايا والخصائص حسدا عليهم وبغيا.
وقد روي أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس أي بالنقصان.
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها أي إنه تعالى أصلح حال البشر بنظام الفطرة ومكنهم في الأرض، بما آتاهم من القوى العقلية وقوة الجوارح، وبما أودع في خلق الأرض من سنن حكيمة، وقوانين مستقيمة، وبما بعث به الرسل من المكملات لنظام الفطرة من آداب وأخلاق ونظم في المعاملات والاجتماع، وبما أرشد إليه المصلحين من العلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط، ويهدون الناس إلى ما فيه صلاحهم في دينهم، والعاملين من الزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة الذين ينفعون الناس في دنياهم.
فعليكم ألا تفسدوا فيها ببغي ولا عدوان على الأنفس والأعراض والأخلاق بارتكاب الإثم والفواحش، ولا تفسدوا فيها بالفوضى وعدم النظام وبث الخرافات والجهالات التي تقوض نظم المجتمع، وقد كانوا من المفسدين للدين والدنيا كما يستفاد من هذه الآية وما بعدها.
ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين أي ذلكم الذي تقدم من الأمر والنهي خير لكم في دينكم ودنياكم، فإن ربكم لا يأمر إلا بالنافع ولا ينهى إلا عن الضار.
وإنما يكون ذلك خيرا لكم إن كنتم مؤمنين بوحدانية الله وبرسوله وبما جاءكم من شرع وبما آتاكم به من هدى، فالإيمان يقتضي الامتثال والعمل بما جاء به الرسول من عند الله وإن خالف النفس والهوى.
والمؤمن الموحد لا يخضع إلا لربه، وإنما يطيع رسوله لأنه مبلغ عنه كما قال : من يطع الرسول فقد أطاع الله [ النساء : ٨٠ ] وفي حديث أحمد بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إنما أنا بشر مثلكم، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر ).
هذا، والبشر لم يصلوا في عصر من العصور إلى عشر ما وصلوا إليه في هذا في العصر من العلم بالمنافع والمضار ومعرفة المصالح والمفاسد في المعاملات والآداب، ومع هذا فإن العلم وحده لم يغنهم شيئا، فكثرت في البلاد الجرائم من قتل وسلب وإفساد زرع وفسق وفجور ونحو ذلك مما كان سببا في تدهور نظم المجتمعات.
فخير وسيلة لإصلاح الأمم تربية الأحداث والنابتة تربية دينية بإقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل، وإقناعهم بمضار الرذائل، لأن الوازع النفسي أقوى من الوازع الخارجي.
المعنى الجملي : شعيب نبي من أنبياء العرب، وفي التوراة ؟ إن اسمه رعوئيل ؛ فقد جاء في سفر الخروج أن حمى موسى كان يدعى رعوئيل.
رعو : صديق، وئيل : الله أي صديق الله أي الصادق في عبادته، وفي موضع آخر من سفر الخروج إن موسى كان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مدين، ويثرون لقب وظيفته، وهو من نسل إبراهيم.
وفي الفصل الخامس من سفر التكوين إن زوجة إبراهيم قطورة ولدت له ستة أولاد منهم مدان أو مدين أو مديان : معناه خصام، وكانت أرضهم تمتد من خليج العقبة إلى موآب وطور سينا، وفي رواية إنها كانت تمتد من شبه جزيرة سينا إلى الفرات.
وقال الألوسي : ومدين وسمع مديان علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ثم سميت به القبيلة.
تفسير المراغي
المراغي