ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

يقول الله جل وعلا :: [ وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ]( الأعراف : آية ٨٥ ).
قوله تعالى :[ وإلى مدين أخاهم شعيبا ] معناه : وأرسلنا على مدين أخاهم شعيبا فهو معطوف على قوله :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ]( الأعراف : آية ٥٩ ) لأنا في هذه السورة الكريمة-سورة الأعراف- تكلمنا فيما مضى في الدروس السابقة على قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة لوط مع أصحابهم، وكنا واقفين عند قصة شعيب مع مدين، وابتداء ما ذكر قوله :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ] ثم قال :[ إلى عاد أخاهم هودا ]( الأعراف : آية ٦٥ ) أي : أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، ثم قال :[ وإلى ثمود أخاهم صالحا ]( الأعراف : آية ٧٣ ) أي : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، إلى أن قال :[ وإلى مدين أخاهم شعيبا ] أي : أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، إلى أن قال :[ وإلى ثمود أخاهم شعيبا ] أي : أرسلنا الى مدين أخاهم شعيبا. أكثر المفسرين والمؤرخين يقولون : إن ( مدين ) اسم مدين بن إبراهيم، وأن هذه الأمة التي أرسل إليها شعيب أنها من ذرية مدين بن إبراهيم، وأن شعيبا أخاهم في النسب، وكانت ديار مدين بأرض معان من أطراف الشام مما يلي الحجاز، قريبا من بحيرة قوم لوط. وقال بعض أهل العلم :( مدين ) اسم بلدة. واختلف المؤرخون والمفسرون في نسب شعيب اختلافا كثيرا لا يقوم شيء على دليل قاطع منه، فكثير من المؤرخين يقولون : هو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم. وبعضهم يقول : هو ابن صيفور أو ضيفور بن عيفاء أو عنقاء. وبعضهم يقول : هو شعيب من ذرية يشجر بن لاوي بن يعقوب. والأقوال في نسبه كثيرة جدا، ولم يقم برهان على شيء منها. وقد جاء في حديث أبي ذر المشهور في الأنبياء عند ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لأبي ذر أن أربعة من الأنبياء عرب قال :" وهم هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر " وكان السلف الصالح يسمون شعيبا خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، ووضوح أدلته التي يدعوهم بها إلى الدين.
وسيأتي في سورة هود كلام الناس وما يختار منه على قولهم في تفسير قوله :[ وإنا لنراك فينا ضعيفا ]( هود : آية ٩١ ) أنه كان أعمى.
وقد يشكل على طالب العلم كون شعيب عربيا فمن أين تعرب ومن أين اخذ العربية عمن ؟ لأن إبراهيم أعجمي، وإسماعيل أبو العرب العاربة ( هكذا في الأصل. ولعله سبق لسان إذ من المعلوم أنه أب للعرب المستعربة )، معلوم انه تعرب من العرب العاربة البائدة الذين ساكنوه عند زمزم كجرهم، وقد أرسل إلى جرهم وتعلم منهم اللسان العربي على الصحيح.
ذكر بعض العلماء- وممن ذكره حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر، وذكره ابن حجر في الإصابة وغيرهم- ذكروا في ترجمة سلمة بن سعد-ويقال : سلمة بن سعيد- انه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وانتسب له وهو عنزي، وان النبي صلى الله عليه وسلم قال :" نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون، أولئك قوم شعيب، وأختا موسى ". هذا حديث رواه الطبراني وغيره، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وغيره.
قال بعض العلماء : لو كان هذا الحديث محفوظا صحيحا لكان دالا على أن شعيبا من قبيلة من قبائل العرب البائدة تسمى : عنزة، ولكنه لم يصح. وعنزة هؤلاء المذكورون في هذا الحديث ليس المراد بهم بنو عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، المعروفون ؛ لأن شعيبا قبلهم بكثير، كما قاله غير واحد، وعلى كل حال فالكلام في شعيب ونسبه كثير، واختلاف العلماء فيه كثير، وغلط بعض العلماء وبعض المؤرخين- كصاحب صبح الأعشى- فزعم أن شعيبا كان بعد موسى. وهذا لا شك أنه غلط ؛ لأن شعيبا قبل موسى، وقد دلت آيات القرآن في سورة الأعراف هذه وغيرها ؛ لأن الله في سورة الأعراف هذه لما ذكر قصة نوح وقصة هود وصالح ولوط وشعيب مع قومهم قال بعد ذلك في الآيات الآتية :[ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا ]( الأعراف : آية ١٠٣ ) فدل على أن بعث موسى بآيات الله بعد هؤلاء الرسل وأممهم، كما هو نص القرآن العظيم. وزعم بعض العلماء أن شعيبا ابن بنت لوط. وقال بعض العلماء : هو ممن آمن مع إبراهيم لما نجا من النار وهاجر معه. وكلها أقوال لا دليل عليها، وغاية ما يفيده القرآن : أن الله بعث نبيه شعيبا إلى أهل مدين. وذكر الله في آيات أخرى متعددة- كما سيأتي في سورة " الحجر "، وفي سورة " الشعراء "، وفي سورة " ص " وغير ذلك- أن شعيبا أرسل أيضا إلى أصحاب الأيكة كما سيأتي في قوله :[ كذب أصحاب الأيكة المرسلين( ١٧٦ ) ]( الشعراء : آية ١٧٦ ) والعلماء مختلفون : هل أصحاب الأيكة هم مدين أنفسهم فيكون شعيب قد أرسل إلى أمتين ؟ هذا خلاف معروف بين العلماء، وأكثر أهل العلم على أنهم أمة واحدة كانوا يعبدون أيكة، أي : شجرا ملتفا، وان الله سماهم مرة بنسبهم ( مدين ) ومرة أضافهم إلى الأيكة التي يعبدونها. وجزم بصحة هذا ابن كثير في تاريخه وتفسيره وممن اشتهر عنه أنهم أمتان قتادة وجماعة، وهو خلاف معروف.
والذين قالوا : إنهما أمتان قالوا : في ( مدين ) قال : إنه أخوهم حيث قال :[ إذ قال لهم شعيب ]( الأعراف : آية ٨٥ ) أما أصحاب الأيكة فلم يقل إنه أخوهم بل قال :[ كذب أصحاب الأيكة المرسلين( ١٧٦ ) إذ قال لهم شعيب ]( الشعراء : الآيتان١٧٧، ١٧٦ ) ولم يقل : أخوهم شعيب.
وأجيب عن هذا بأنه لما ذكر مدين ذكر الجد الذي يشمل القبيلة ومن جملتها شعيب، ذكر أنه أخوهم من النسب. أما قوله :[ أصحاب الأيكة ] فمعناه : أنهم يعبدونها، ولما ذكرهم في مقام الشرك وعبادة غير الله لم يدخل معهم شعيبا في ذلك وهم امة واحدة. هكذا قاله بعضهم والله أعلم.
وعلى كل حال فشعيب هذا معروف انه نبي من الرسل الكرام، وقد ذكر الله قصته مع قومه مفصلة في آيات من كتابه، ذكرها هنا، وذكرها في سورة هود، وفي سورة أخرى كما سيأتي إن شاء الله. هذا معنى :[ وإلى مدين أخاهم شعيبا ] أي : وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، ماذا قال لهم ؟ وماذا أرسل به إليهم ؟ قال :[ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٨٥ ).
قوله :[ اعبدوا الله ] هو حظ الإثبات من لا إله إلا الله. وقوله :[ ما لكم من إله غيره ] حظ النفي منها. وهذه الكلمة التي هي ( لا إله إلا الله ) هي التي قامت عليها السماوات والأرض، وخلقت لأجل الحساب عليها الجنة والنار وأرسل بها الرسل، وهي محل المعارك بين الرسل وأممهم، وجميع الرسل ما أرسل منهم نبي إلا بهذه الكلمة وما تتضمنه من الشرائع والأحكام. إذا نظرت في رسائل الرسل إجمالا وتفصيلا وجدت ذلك كما قلنا، ومما يدل عليه تفصيلا : أن كل رسول إذا أرسل إلى قومه يبين القرآن أن أول ما يقول لهم هو مضمون ( لا إله إلا الله ) كقوله في قصصهم في هذه السورة الكريمة :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ] ماذا قال لهم ؟ قال :[ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ]( الأعراف : آية ٥٩ ) ثم قال :[ وإلى عاد أخاهم هودا ] ماذا قال لهم :[ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٦٥ ) ثم قال :[ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٧٣ ) وكذلك قال في شعيب :[ وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٨٥ ) وهكذا. وكذلك بالإجمال قوله تعالى :[ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه انه لا إله إلا أنا فاعبدون( ٢٥ ) ]( الأنبياء : آية ٢٥ ) وفي القراءة الأخرى :[ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ][ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ] وهو حظ الإثبات منها، [ واجتنبوا الطاغوت ] ( النمل : آية ٣٦ ) وهو حظ النفي منها[ وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون( ٤٥ ) ]( الزخرف : آية ٤٥ ) وهكذا. وهذا من تاريخ الأنبياء والقصص القرآنية يدل على عظمة هذه الكلمة، وأنها هي رسالة الله في أرضه لخلقه، حتى إنه ( جل وعلا ) حصر جميع الوحي فيها في سورة الأنبياء في قوله :[ قل إنما يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد ]( الأنبياء : آية ١٠٨ ) وغير ذلك من الآيات و( إنما ) أداة حصر لشدة أهمية هذه الكلمة.
وهي مركبة من نفي وإثبات، إثباتها قوله :[ اعبدوا الله ] وهي الأمر بعبادته وحده. أصل العبادة : الذل والخضوع، ومنه قيل للعبد ( عبد ) لذله وخضوعه بين يدي سيده، فكل خاضع ذليل يقال له : عبد وعابد. فالعبادة : الذل والخضوع، وهو معنى في كلام العرب مشهور، ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته :

تباري عتاقا ناجيات وأتبعت وظيفا وظيفا فوق مور معبد
يعني : فوق طريق مذلل. ومعناها في الاصطلاح : هي الذل والخضوع لخالق السماوات والأرض ( جل وعلا ) بكل ما أمر أن يتقرب إليه به على وجه الذل والخضوع والمحبة. فلا تكفي المحبة عن الذل والخضوع، ولا الخضوع عن الذل والمحبة ؛ لأن الذليل الخاضع إذا كان غير محب لمعبوده قد يكون مبغضا له، ومن أبغض معبوده فهو كافر ضال. والمحبة وحدها لا تكفي، لأن الذي لا يخاف قد يحمله التدلل على أن يسيء الأدب مع المحبوب الذي يحبه، فإذا اجتمع الحب والذل والخضوع كان الأمر كما ينبغي. وهذا معنى قوله :[ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٨٥ ) ( ما ) هنا نافية، والإله ( فعال ) من الإلهة وهي العبادة. أي : ما لكم من معبود يعبد حقا غيره( جل وعلا ) ؛ لأنه هو المعبود وحده.
والإله : قال بعض علماء العربية : هو ( فعال ) بمعنى :( مفعول ) أي : مألوه، أي : معبود يعبده خلقه على وجه الذل والخضوع والمحبة. وإتيان ( الفعال ) بمعنى( المفعول ) مسموع في أوزان معروفة في اللغة العربية، كالإله بمعنى المعبود، والكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى الملبوس، والإمام بمعنى المؤتم به، في أوزان غير كثيرة.
والإلهة : العبادة، وفي قراءة ابن عباس- وهي من قراءات الصحابة الشاذة- :( ويذرك وإلاهتك ) أي : وعبادتك. وقد قال رؤبة بن العجاح في زجره وهو عربي قح فصيح :
لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تالهي
وقوله :[ قال يا قوم ]( الأعراف : آية ٨٥ ) نادى شعيب قومه باسم ( القوم ) وحذف ياي المتكلم، وحذف ياء المتكلم من المنادى الصحيح الآخر احد اللغات المشهورة المعروفة فيه. قال بعض علماء العربية : القوم في وضع اللسان العربي الذي نزل به القرآن : يختص بالذكور دون الإناث، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع. قالوا : والدليل على اختصاص القوم بأصل الوضع بالذكور دون الإناث قوله تعالى :[ لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ] ثم قال :[ ولا نساء من نساء ]( الحجرات : آية ١١ ) قالوا : لو دخلت النساء بالوضع في القوم لكفى ذلك عن قوله :[ ولا نساء من نساء ] ونظير آية الحجرات هذه قول زهير بن أبي سلمى :
وما أدري وسوف إخال ادري أقوم آل حصن أم نساء
والدليل على دخول النساء باسم القوم بحكم التبع : قوله تعالى في سورة النمل في ملكة سبأ :[ وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين( ٤٣ ) ]( النمل : آية ٤٣ ).
وقوله :[ ما لكم من إله ]( إله ) هنا : نكرة في سياق النفي زيدت قبلها ( من ) وقد تقرر في الأصول- وذكره الشيخ عمرو سيبويه ( رحمه الله )- : أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة ( من ) لتوكيد النفي

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير