تفسير سورة سورة المائدة
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي (ت 1412 هـ)
وقوله تعالى :﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، قاله قتادة وغير واحد، قال ابن جرير : وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتاً في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن.
ثم قال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ﴾ قال ابن عباس : يعني بذلك مناسك الحج، وقال مجاهد : الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر الله، وقيل : شعائر الله محارمه، أي لا تحلوا محارم الله التي حرمها الله تعالى، ولهذا قال تعالى :﴿ وَلاَ الشهر الحرام ﴾ يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى :﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [ البقرة : ٢١٧ ]، وقال تعالى :﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً ﴾ [ التوبة : ٣٦ ] الآية، وفي صحيح البخاري : عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع :» إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان «
وقوله تعالى :﴿ وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد ﴾ يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعاً، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهلَّ للحج والعمرة، وكان هديه إبلاً كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان؛ كما قال تعالى :﴿ ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب ﴾ [ الحج : ٣٢ ]. وقال بعض السلف : إعظامها استحسانها واستسمانها، قال علي بن أبي طالب : أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. « رواه أهل السنن »، وقال مقاتل بن حيان قوله :﴿ وَلاَ القلائد ﴾ فلا تستحلوها، وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به. وقوله تعالى :﴿ ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً، وكذا من قصده طالباً فضل الله، وراغباً في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه، قال مجاهد وعطاء في قوله :﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ يعني بذلك التجارة، وهذا كما تقدم في قوله :﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [ البقرة : ١٩٨ ] وقوله :﴿ وَرِضْوَاناً ﴾ قال ابن عباس : يترضون الله بحجهم، وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن هذه الآية نزلت في ( الحطيم بن هند البكري )، كان قد أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل الله :﴿ ولا آمِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾.
وقوله تعالى :﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ﴾ أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر، وقوله :﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله :﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [ المائدة : ٨ ]، وقال بعض السلف : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السماوات والأرض. وقال ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية. والشنآن : هو البغض، قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآناً بالتحريك، وقال ابن جرير : من العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول : شنان، ولم أعلم أحداً قرأ بها ومنه قول الشاعر :
| وما العيش إلا ما تحب وتشتهي | وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| وإياك والميتات لا تقربَنَّها | ولا تأخذن عظماً حديداً فتفصدا |
قوله تعالى :﴿ وَلَحْمُ الخنزير ﴾ يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق « الظاهرية » في جمودهم هاهنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله :﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً ﴾ [ الأنعام : ١٤٥ ] يعنون قوله تعالى :﴿ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ [ الأنعام : ١٤٥ ] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب ومن العرف المطرد. وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :« من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه »
وقوله تعالى :﴿ والمنخنقة ﴾ وهي التي تموت بالخنق، إما قصداً، وإما اتفاقاً، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به فهي حرام؛ وأما ﴿ الموقوذة ﴾ فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد : هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت، قال قتادة : كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها. وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال، قلت : يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال :» إذا رميت بالمعراض فخرق، فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله «، ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذاً لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين، هما قولان للشافعي رحمه الله :( أحدهما ) لا يحل كما في السهم والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ، ( والثاني ) : أنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه لأنه قد دخل في العموم. ( فإن قيل ) : فلم لا فصل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم : إن جرحه فهو حلال وإن لم يجرحه فهو حرام؟ ( فالجواب ) : أن ذلك نادر لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معاً، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الإحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمترديه والنطيحة. وأما السهم والمعراض فتارة يخطىء لسوء رمي راميه أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته، فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلاً، والله أعلم. ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال :» إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه «، وهذا صحيح ثابت في الصحيحين، وهو أيضاً مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا : لا يحل ما أكل منه الكلب.
فأما الجوارح من الطيور، فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أي حنيفة وأحمد، قالوا : لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضاً فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وأيضاً فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير، وأما ﴿ المتردية ﴾ فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال فتموت بذلك فلا تحل، قال ابن عباس : المتردية التي تسقط من جبل، وقال قتادة : هي التي تتردى في بئر، وقال السدي : هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر، وأما ﴿ النطيحة ﴾ فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون : عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون : كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة إنما استعمل فيها تاء التانيث لأنها أجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم طريقة طويلة، وقال بعضهم : إنما أتى بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة، بخلاف عين كحيل وكف خضيب، لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام. وقوله تعالى :﴿ وَمَآ أَكَلَ السبع ﴾ أي ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب فأكل بعضها فماتت بذلك فهي حرام، وإن كان قد سال منها الدم، ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين.
وقال ابن عباس في قوله ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ يقول : إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه فهو ذكي، وقال ابن أبي حاتم عن علي في الآية قال : إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها فكل، وقال ابن جرير، عن علي قال : إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة وهي تحرك يداً أو رجلاً فكلها، وهكذا روي عن طاووس والحسن : أن المُذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال؛ وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل. وقال ابن وهب : سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها؟ فقال مالك : لا ارى أن تذكى، أي شيء يذكى منها. وقال أشهب سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال : إن كان قد بلغ السحر؟؟ فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأساً، قيل له : وثب عليه فدق ظهره، فقال : لا يعجبني، هذا لا يعيش منه، قيل له : فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء، فقال : إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل، هذا مذهب مالك C؛ وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك رحمه الله من الصور التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إلى دليل مخصص للآية والله أعلم. وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال، « قلت : يا رسول الله إنا لاقوا العدو غداً وليس معنا مُدَى أفنذبح بالقصب؟ فقال :» ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر. وسأحدثكم عن ذلك : أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة «، وفي الحديث الذي رواه الدار قطني مرفوعاً، وروي عن عمر موقوفاً وهو أصح :» ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق « وفي الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال، » قلت : يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال :« لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك » وهو حديث صحيح، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة.
وقوله تعالى :﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج : وهي ثلثمائة وستون نصباً، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله.
﴿ ذلكم فِسْقٌ ﴾ أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك؛ وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يتسخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما روى الإمام أحمد والبخاري عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول :« إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك. وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال : عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم! وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رَضِّني به ».
لما نزلت ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر، فقال له النبي ﷺ :« ما يبكيك »؟ قال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلاّ نقص، فقال :« صدقت »، ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت :
وقوله تعالى :﴿ فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، والله غفور رحيم له، لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك فيتجاوز عنه ويغفر له. وفي المسند عن ابن عمر مرفوعاً قال، قال رسول الله ﷺ :« إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته » لفظ ابن حبان؛ وفي لفظ لأحمد :« من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة »، ولهذا قال الفقهاء : قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود؟ على أقوال؛ كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاماً، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. وقد قال الإمام أحمد، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا :
وقوله تعالى :﴿ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذكروا اسم الله عَلَيْهِ ﴾ أي عند إرساله، كما قال النبي ﷺ لعدي ابن حاتم :» إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك «، وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضاً :» إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله «، ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية، وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال.
وقال أبو جعفر بن جرير عن محمد بن عبيدة قال، قال علي : لا تأكلوا ذبائح بني تغلب لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر، وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف. وقوله تعالى :﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إخباراً عن الحكم عندهم، اللهم إلاّ أن يكون خبراً عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها، والأول أظهر في المعنى أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي ﷺ ثوبه لعبد الله بن أبي بن سلول حين مات ودفنه فيه، قالوا : لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي ﷺ بذلك، فأما الحديث الذي فيه :« لا تصحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلاّ تقي » فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ﴾. فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضاً محصناً عفيفاً، ولهذا قال غير مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ﴿ وَلاَ متخذي أَخْدَانٍ ﴾ أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلاّ معهن، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذا الآية، وللحديث :
وقال ابن جرير عن الفضل بن المبشر قال : رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت : أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال : بل رأيت النبي ﷺ يصنعه فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه، وفي فعل ابن عمر ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك كما هو مذهب الجمهور.
وكان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية :﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة ﴾ الآية.
وقال ابن جرير عن أنس قال : توضأ عمر بن الخطاب وضوءاً فيه تجوز خفيفاً فقال : هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إسناد صحيح. وقال محمد بن سيرين : كان الخلفاء يتوضأون لكل صلاة، أما مشروعيته استحباباً فقد دلت السنّة على ذلك، فعن أنس بن مالك قال : كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال : قلت : فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال : كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث. وقد رواه البخاري وأهل السنن. وقال ابن جرير عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ :« من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ».
وقال ابن جرير، وقد قال قوم : إن هذه الآية نزلت إعلاماً من الله أن الوضوء لا يجب إلاّ عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ، وعن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال : كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة :﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة ﴾ الآية، وقال أبو داود عن عبد الله بن عباس :« أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا : ألا نأتيك بوضوء؟ فقال :» إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة «
قال أبو داود عن أنس بن مالك :« أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال :» هكذا أمرني به ربي عزَّ وجلَّ « قال البيهقي : وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك، هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله، أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك، أو يجبان في الغسل دون الوضوء، كما هو مذهب أي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال :» من توضأ فليستنشق «، وفي رواية :» إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينثر « والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق.
وقال الإمام أحمد عن ابن عباس : أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى ثم قال : هكذا رأيت رسول الله يعني يتوضأ.
وقوله تعالى :﴿ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ اختلفوا في هذه الباء هل هي للإلصاق وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر على قولين ومن الأصوليين من قال : هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة. وقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى وكان من أصحاب النبي ﷺ - : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد : نعم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم مضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه.
وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن. وقد ذهب الحنفية إلى وجوب ربع الرأس وهو مقدار الناصية وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ولا يتقدر ذلك بحد بل لو مسح بعض شعرة من راسه أجزأه لحديث المغيرة بن شعبة قال : تخلف النبي فتخلفت معه فلما قضى حاجته قال : هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه. وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثاً كما هو المشهور من مذهب الشافعي أو إنما يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه لحديث حمران بن أبان قال : رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل اليسرى مثل ذلك ثم مسح براسه ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى ثلاثاً مثل ذلك ثم قال : رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال :
وقوله تعالى :﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين ﴾ قرىء ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ﴾ رجعت إلى الغسل وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف. ومن هاهنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه ثم مسح رأسه وغسل يديه ووجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب قال بعضهم : لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين دل ذلك على إرادة الترتيب، وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ ﴿ وأرجلِكم ﴾ بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب : جحر ضب خرب، وكقوله تعالى :﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ﴾ [ الإنسان : ٢١ ] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ، ومنهم من قال : هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قال الشافعي رحمه الله، ومنهم من قال : هي دالة على مسح الرجلين. ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنّة. وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضاً لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي عن علي ابن أبي طالب أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال : إن ناساً يكرهون الشرب قائماً وإن رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، وقال :
( ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه )
قد تقدم في حديث أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه : أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه إما مرة وإما مرتين أو ثلاثاً على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ توضأ فغسل قدميه ثم قال :« هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به » وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال :« تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة : صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته :» أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار «، وفي رواية :» ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار «، رواه البيهقي والحاكم. وقال الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال :» رأى النبي ﷺ في رِجل رجلٍ مثل الدرهم لم يغسله فقال :« ويل للأعقاب من النار » وقال ابن جرير عن أبي أمامة : أن رسول الله ﷺ أبصر قوماً يصلون وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء فقال :
وقال الإمام أحمد، قال أبو أمامة : حدثنا عمرو بن عبسة، قال، قلت : يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال :» ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر، إلاّ خرت خطايه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلاّ خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلاّ خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلاّ خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه « قال أبو أمامة : يا عمرو انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله ﷺ، أيعطي هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة : يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلاّ مرة أو مرتين أو ثلاثاً لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك، وهذا إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه : ثم يغسل قدميه كما أمره الله فدل على أن القرآن يأمر بالغسل، وهكذا روي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه قال : اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم، وقد روى أبو داود عن أوس بن ابي أوس، قال : رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.
قوله تعالى :﴿ وَإِن كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الغائط أَوْ لاَمَسْتُمُ النسآء فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ ﴾ كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، ولكن البخاري روى هاهنا حديثاً خاصاً بهذه الآية الكريمة، فقال عن عائشة قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله ﷺ ونزل فثنى رأسه في حجري راقداً، فأقبل ابو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال : حبست الناس في قلادة فتمنيت الموت لمكان رسول الله مني؛ وقد أوجعني، ثم إن النبي استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت :﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ﴾ إلى آخر الآية، فقال أسيد بن الحضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم.
وقوله تعالى :﴿ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنّة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال :« كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله :» ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه إلاّ وجبت له الجنة « قال، قلت : ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول : التي قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه فقال : إني قد رأيتك جئت آنفاً، قال :» ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء « لفظ مسلم. وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :» إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب «
وقوله تعالى :﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقاً كان أو عدواً، ولهذا قال :﴿ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ أي عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودلَّ الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في قوله :﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا هُوَ أزكى لَكُمْ ﴾ [ النور : ٢٨ ] وقوله :﴿ هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى :﴿ أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ [ الفرقان : ٢٤ ]، وكقول بعض الصحابيات لعمر : أنت أفظَّ وأغلظ من رسول الله ﷺ، ثم قال تعالى :﴿ واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولهذا قال بعده :﴿ وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ أي لذنوبهم ﴿ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وهو الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسباباً إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة، ثم قال :﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم ﴾ وهذا من عدله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا يجوز فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قال الإمام أحمد عن مسروق قال :« كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول ﷺ الله كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله : ما سألني منها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال : نعم، ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال :» إثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل « وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة قال : سمعت النبي ﷺ يقول :» لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً «، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليَّ، فسألت، أي ماذا قال النبي ﷺ ؟ قال :» كلهم من قريش «. ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ومنهم ( عمر بن عبد العزيز ) بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم ( المهدي ) المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطىء اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الروافض لجهلهم وقلة عقلهم.
وقوله تعالى :﴿ وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي بحفظي وكلاءتي ونصري ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَآتَيْتُمُ الزكاة وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ أي صدقتموهم فيم يجيئونكم به من الوحي ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أي نصرتموهم ووازرتموهم على الحق ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أي ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها ﴿ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ أي أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود وقوله :﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل ﴾ أي فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده فقد أخطأ الطريق الواضح وعدل عن الهدى إلى الضلال. ثم أخبر تعالى عما حل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده فقال :﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ ﴾ أي فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ أي فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها، ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ أي فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا عليه ما لم يقل، عياذاً بالله من ذلك ﴿ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ أي وتركوا العمل به رغبة عنه. وقال الحسن : تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلاّ بها. وقال غيره : تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة فلا قلوب سليمة ولا فطر مستقيمة ولا أعمال قويمة ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعني مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك. وقال مجاهد : يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله ﷺ :﴿ فاعف عَنْهُمْ واصفح ﴾، وهذا هو عين النصر والظفر كما قال بعض السلف « ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه » وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى :﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ يعني به الصفح عمن أساء إليك.
وقوله تعالى :﴿ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ أي ومن الذين ادعوا أنهم نصارى متابعون المسيح ابن مريم عليه السلام وليسو كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ﷺ ومناصرته وموازرته واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود : خالفوا المواثيق ونقضوا العهود، ولهذا قال تعالى :﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة ﴾ أي فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها : فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والأريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ثم قال تعالى :﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب عزَّ وجلَّ وتقدس عن قولهم علواً كبيراً من جعلهم له صاحبة وولداً، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ أي هو فعال لما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ﴿ وَإِلَيْهِ المصير ﴾ أي المرجع والمآب إليه فيحكم في عباده بما يشاء وهو العادل الذي لا يجوز. وروى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال : أتى رسول الله ﷺ نعمانُ بن آصا، وبحري بن عمرو، وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا : ما تخوفنا يا محمد! نحن والله أبناء الله وأحباؤه؛ كقول النصارى، فأنزل الله فيهم :﴿ وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ الآية.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين ﴾ يعني عالمي زمانكم، فإنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم كما قال :﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين ﴾ [ الجاثية : ١٦ ]. وقال تعالى إخباراً عن موسى :﴿ قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين ﴾ [ الأعراف : ١٤٠ ] والمقصود أنهم كانوا أفضل أمم زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجاً، وأكرم نبياً، وأعظم ملوكاً، وأغزر أرزاقاً، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأوسع مملكة، وأدوم عزاً. قال الله تعالى :﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ﴾ [ البقرة : ١٤٣ ]. وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها عند الله عند قوله تعالى :﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [ آل عمران : ١١٠ ]، وقيل : المراد ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن العالمين ﴾ يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، ويظللهم به من الغمام، وغير ذلك مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم. ثم قال تعالى مخبراً عن تحريض موسى عليه السلام لبني إسرائيل على الجهاد، والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام ثم لم يزالوا بها، حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قوماً من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى عليه السلام بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصر والظفر عليهم، فنكلوا بالذهاب وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا في التيه، والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد مدة أربعين سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى، فقال تعالى مخبراً عن موسى أنه قال :﴿ يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أي المطهرة.
وقوله تعالى :﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه وراثة من آمن منكم، ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ ﴾ أي تنكلوا عن الجهاد ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا ياموسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ أي اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قوماً جبارين ذوي خلق هائلة وقوى شديدةأ وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلا فلا طاقة لنا بهم.
وقوله تعالى :﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ أي فلما نكل بنوا إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله ﷺ موسى حرضهم رجلان، لله عليهما نعمة عظيمة وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه. وقرأ بعضهم :﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ ﴾ أي ممن لهم مهابة وموضع من الناس، ويقال إنهما ( يوشع بن نون ) و ( كالب بن يوفنا ) ؛ قاله ابن عباس ومجاهد عكرمة وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله، فقالا :﴿ ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي إن توكلتم على الله واتبعتم أمره ووافقتم رسوله نصركم الله على أعدائكم، وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم؛ فلم ينفع ذلك فيهم شيئاً ﴿ قَالُواْ ياموسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾، وهذا نكول منهم عن الجهاد ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال : إنهم لما نكلوا على الجهاد، وعزموا على الإنصراف والرجوع إلى مصر، سجد موسى وهارون عليهما السلام قدام ملأ من بني إسرائيل إعظاماً لما هموا به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال : إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم وخطر جليل.
وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله ﷺ، حين استشارهم في قتال النفير فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله ﷺ يقول :
وقوله تعالى :﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين ﴾ يعني لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال داعياً عليهم :﴿ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ أي ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون ﴿ فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين ﴾ قال ابن عباس : يعني اقض بيني وبينهم، وكذا قال الضحاك : اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، وقال غيره : افرق افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر :
| يا رب فافرق بينه وبيني | أشد ما فرَّقت بين اثنين |
وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه قوله :﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ﴾ قال : فتاهوا أربعين سنة، قال : فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار، فلم تأته، فقال : فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط، وهم اثنا عشر رجلاً، فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال : الغلول عندك، فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلته. وهذا السياق له شاهد في الصحيح. وقد اختار ابن جرير أن قوله :﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ هو العامل في أربعين سنة، وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال : خرجوا مع موسى عليه السلام ففتح بهم بيت المقدس، ثم احتج على ذلك بإجماع علماء أخبار الأولين أن ( عوج ابن عنق ) قتله موسى عليه السلام قال : فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنه كان بعد التيه قال : وأجمعوا على أن ( بلعام بن باعورا ) أعان الجبارين بالدعاء على موسى، قال : وما ذاك إلاّ بعد التيه، لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قال السدي عن ابن عباس وعن ابن مسعود : أنه كان لا يولد لآدم مولود إلاّ ومعه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما هابيل وقابيل، كان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، وأنهما قربا قرباناً إلى الله عزَّ وجلَّ أيهما أحق بالجارية، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل :﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾. وقال ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال : إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكوزن والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال : وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه.
ومعنى قوله :﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ أي ممن اتقى الله في فعله ذلك. وفي الحديث عن معاذ بن جبل، قال : يحبس الناس في بقيع واحد ينادي مناد، أي المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر، قلت : من المتقون؟ قال : قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة.
وقوله تعالى :﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين ﴾ يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل عن غير ما ذنب منه إليه ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ﴿ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين ﴾ أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب، قال عبد الله بن عمرو : وايم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع؛ ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال :
وقوله تعالى :﴿ إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النار وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين ﴾ قال ابن عباس ومجاهد : أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، وقال آخرون : يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. عن مجاهد ﴿ إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ يقول : إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي فتبوء بهما جميعاً. ( قلت ) : وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول ويذكرون في ذلك حديثاً لا أصل له « ما ترك القاتل على المقتول من ذنب ». وقد روى الحافط أبو بكر البزار حديثاً يشبه هذا ولكن ليس به فقال عن عائشة، قالت، قال رسول الله ﷺ :« قتل الصبر لا يمر بذنب إلاّ محاه »، وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلاّ وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها والله أعلم. فإن قيل : كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله؟ والجواب أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله بل يكف عنه يده طالباً إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه. وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ وزجراً لو انزجر، ولهذا قال :﴿ إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ أي تتحمل إثمي وإثمك ﴿ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النار وَذَلِكَ جَزَآءُ الظالمين ﴾ وقال ابن عباس : خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر.
وقوله تعالى :﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ﴾ قال السدي : لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه، فلما رآه قال :﴿ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾ ؟ وقال ابن عباس : جاء غراب إلى غراب ميت فبحث عليه من التراب حتى وراه، فقال الذي قتل أخاه ﴿ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾، وقال الضحاك عن ابن عباس : مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله الغرابين فرآهما يبحثان فقال :﴿ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب ﴾ فدفن أخاه. وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له الله عزَّ وجلَّ : يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال : ما أدري ما كنت عليه رقيباً، فقال الله : إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن، أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعاً تائهاً في الأرض.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ﴾ الآية. المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب : إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله تعالى :﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل والله لاَ يُحِبُّ الفساد ﴾ [ البقرة : ٢٠٥ ]، ثم قال بعضهم : نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا :﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ إلى - أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب. ورواه ابو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً : نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وقال ابن عباس في قوله :﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ الآية. قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيّر الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن جرير.
وروي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : نزلت في الحرورية ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾ رواه ابن مردويه، والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك : أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك، فقال :« ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها » فقالوا : بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ مسلم.
وقال حماد بن سلمة عن أنس بن مالك : أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة؛ قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا، ونزلت :﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الآية. وقد رواه ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : ما ندمت على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج، قال : أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ ؟ قال : قلت : قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم، عمدوا إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول : إن رسول الله ﷺ قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، بحال ذود من الإبل، فكان الحجاج يحتج بهذا الحديث على الناس.
وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جداً فرحمه الله وأثابه. وقال ابن جرير : كان أناس أتوا رسول الله ﷺ فقالوا : نبايعك على الإسلام، فبايعوه وهم كذبة وليس الإسلام يريدون، ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة، فقال النبي ﷺ : هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها، قال : فبينما هم كذلك إذا جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول الله ﷺ فقال : قتلوا الراعي، واستاقوا النعم، فأمر النبي ﷺ فنودي في الناس :« أن يا خيل الله اركبي » قال : فركبوا، لا ينتظر فارس فارساً، قال : وركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم، حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ، فأنزل الله :﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الآية، قال : فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبي الله ﷺ منهم، وصلب، وقطع، وسمر الأعين، قال : فما مثل رسول الله ﷺ قبل ولا بعد، قال : ونهى عن المثلة، وقال :« ولا تمثلوا بشيء ».
ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله :﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً ﴾، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتاً فيقتله ويأخذ ما معه : إن هذه محاربة ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تكون المحاربة إلاّ في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. وقوله تعالى :﴿ أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض ﴾ قال ابن عباس في الآية : من شهَرَ السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفِرَ به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد والضحاك، ومستند هذا القول أن ظاهر ( أو ) للتخيير كما في نظائر ذلك في القرآن، كقوله في كفارة الفدية :
وقوله تعالى :﴿ ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ أي هذا الذي ذكرته من قتلهم ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم، خزيٌ لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا يؤيد قول من قال : إنها نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء ألا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَهُ بعضنا بعضاً، فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. وعن علي قال : قال رسول الله ﷺ :« من أذنب ذنباً في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنباً في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه » وقال ابن جرير ﴿ ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا ﴾ : يعني شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة ﴿ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ أي إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا فلهم في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا والعقوبة التي عاقبتهم بها في الدنيا عذاب عظيم يعني عذاب جهنم.
وروى ابن جرير عن عامر الشعبي قال : جاء رجل من مراد إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضي الله عنه بعدما صلى المكتوبة، فقال : يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فساداً، وإني تبت من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو موسى : إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً، وإنه تاب من قبل أن نقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلاّ بخير. فإن يك صادقاً فسبيل من صدق، وإن يك كاذباً تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله. ثم روى ابن جرير أن علياً الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة فامتنع، ولم يقدروا عليه حتى جاء تائباً، وذلك أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية :﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم ﴾ [ الزمر : ٥٣ ] فوقف عليه، فقال : يا عبد الله أعد قراءتها فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائباً، حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال : لا سبيل لكم علي، جئت تائباً من قبل أن تقدروا علي، فقال أبو هريرة : صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم، وهو أمير على المدينة في زمن معاوية فقال : هذا جاء تائباً ولا سبيل لكم عليه، ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال : وخرج علي تائباً مجاهداً في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم، فغرقوا جميعاً.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ لما أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات أمرهم بقتال الأعداء، من الكفار والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم. والتاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة، الآمنة الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا ييأس، ويحيى لا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال :﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهباً وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه ولا محيص ولا مناص ولهذا قال.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحداً منهما أو ما يساويه قطع، عملاً بحديث ابن عمر وبحديث عائشة رضي الله عنها، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال :« اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك » وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم اثني عشر درهماً، وفي لفظ للنسائي :« لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن » قيل لعائشة : ما ثمن المجن؟ قالت : ربع دينار.
وأما الإمام أبو حنيفة وزفر وسفيان الثوري رحمهم الله فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب به عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس قال : كان ثمن المجن على عهد النبي ﷺ عشرة دراهم. ثم قال : حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ :« لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن » وكان ثمن المجن عشرة دراهم قالوا : فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمته واحداً منهما يحكي هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي رحمهم الله تعالى.
وقال بعض السلف : لا تقطع الخمس إلاّ في خمس أي في خمسة دنانير أو خمسين درهماً، وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله، وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة :« يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده » بأجوبة ( أحدها ) : أنه منسوخ بحديث عائشة، ( والثاني ) : أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه، ( والثالث ) : أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة، وقد ذكروا أن ابا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالاً على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ونظم في ذلك شعراً دل على جهله، وقلة عقله فقال :
| يد بخمس مئين عسجد وديت | ما بالها قطعت في ربع دينار؟ |
| تناقض مالنا إلاّ السكوت له | وأن نعوذ بمولانا من النار |
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو :« أن امرأة سرقت على عهد الرسول ﷺ، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا : يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها : فنحن نفديها، فقال رسول الله ﷺ :» اقطعوا يدها «، قالوا : نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال :» اقطعوا يدها «، فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال :» نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك «، فأنزل الله في سورة المائدة :﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، وهذه المرأة المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين. وعن ابن عمر قال : كانت امرأة مخزومية تستعير متاعاً على ألسنة جارتها وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة. ثم قال تعالى :﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ أي هو المالك لجميع ذلك الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه وهو الفعال لما يريد، ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقد وردت الأحاديث بذلك، فقال مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :« أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ :» ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ « فقالو : نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا : صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة » أخرجاه، وهذا لفظ البخاري وعند مسلم « أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود فقال :» ما تجدون في التوراة على من زنى؟ « قالوا : نسود وجوههما ونحممها ونحملهما، ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما قال :﴿ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [ آل عمران : ٩٣ ] قال فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ : مره فليرفع يده، فرفع يده فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال عبد الله بن عمر : كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه »
فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عزَّ وجلَّ إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطأوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ، إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا :﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا ﴾ أي الجلد والتحميم فخذوه أي اقبلوه ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا ﴾ أي من قبوله واتباعه. قال الله تعالى :﴿ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ أي الباطل ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ أي الحرام وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد، أي ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه وأنى يستجيب له؟ ثم قال لنبيه :﴿ فَإِن جَآءُوكَ ﴾ أي يتحاكمون إليك ﴿ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ أي فلا عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم.
ثم قال تعالى منكراً عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون إنهم مأمورون بالتمسك به أبداً، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، فقال :﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك وَمَآ أولئك بالمؤمنين ﴾ ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال :﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ أي لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها، ﴿ والربانيون والأحبار ﴾ أي وكذلك الربانيون منهم وهم العلماء والعبّاد، والأحبار وهم العلماء ﴿ بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ﴾ أي بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون ﴾ أي لا تخافوا منهم وخافوا مني ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ فيه قولان سيأتي بيانهما.
( سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات )
قال أبو جعفر بن جرير، عن عكرمة عن ابن عباس : إن الآيات التي في المائدة قوله :﴿ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ - إلى المقسطين ﴾ إنما أنزلت في الدية في ( بني النضير ) و ( بني قريظة )، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تؤدي الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، والله أعلم أي ذلك كان، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي، ثم قال ابن جرير، عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القريظي رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل النضيري رجلاً من قريظة ودي بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول الله ﷺ قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فقالوا : ادفعوه إليه، فقالوا : بيننا وبينكم رسول الله ﷺ فنزلت :﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط ﴾ ورواه أبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك.
وقوله تعالى :﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ قال البراء بن عازب، وابن عباس، والحسن البصري، وغيرهم : نزلت في أهل الكتاب. زاد الحسن البصري : وهي علينا واجبة، وقال عبد الرزاق عن إبراهيم، قال : نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها، وقال السدي :﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ يقول : من لم يحكم بما أنزلت فتركه عمداً، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين. وقال ابن عباس قوله :﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب. وقال ابن جرير عن الشعبي ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ قال : هذا في المسلمين، ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون ﴾ [ المائدة : ٤٥ ] قال : هذا في اليهود ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون ﴾ [ المائدة : ٤٧ ] قال : هذا في النصارى، وقال الثوري عن عطاء أنه قال : كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال وكيع عن طاووس ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ قال : ليس بكفر ينقل عن الملة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ويؤيد الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت عن أنس بن مالك، « أن الربيع عمة أنس كسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأتوا رسول الله ﷺ فقال :» القصاص «، فقال أخوها أنس بن النضر : يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ فقال رسول الله ﷺ :» يا أنس كتاب الله القصاص « قال، فقال : لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة، قال : فرضي القوم، فعفوا، وتركوا القصاص. فقال رسول الله ﷺ :» إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره «
وقوله تعالى :﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ قال ابن عباس : تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح، فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم إذا كان عمداً في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمداً في النفس وما دون النفس، رواه ابن جرير.
( قاعدة مهمة )
الجراح تارة تكون في مفصل، فيجب فيه القصاص بالإجماع كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك؛ وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم، فقال مالك رحمه الله : فيه القصاص إلاّ في الفخذ وشبهها لأنه مخوف خطر. وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجب القصاص في شيء من العظام إلاّ في السن. وقال الشافعي : لا يجب القاص في شيء من العظام مطلقاً. وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس. وهو المشهور من مذهب أحمد. وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بحديث ( الربيع بنت النضر ) على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلاّ في السن. وحديث الربيع لا حجة فيه لأنه ورد بلفظ كسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير كسر فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمموا الدلالة بما رواه ابن ماجة عن ( جارية بن ظفر الحنفي ) أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف من غير المفصل، فقطعها، فاستعدى النبي ﷺ، فأمر له بالدية، فقال : يا رسول الله اريد القصاص فقال : خذ الدية بارك الله لك فيها. ولم يقض بالقصاص، ثم قالوا : لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجنى عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال ثم عاد جرحه فلا شيء له. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده :« أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال : أقدني، فقال :» حتى تبرأ «، ثم جاء إليه، فقال : أقدني فأقاده، فقال : يا رسول الله عرجت، فقال :» قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك « ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه »
( مسالة ) : فلو اقتص المجنى عليه من الجاني فمات من القصاص فلا شيء عليه عند مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال أبو حنيفة : تجب الدية في مال المقتص. وقال عطاء : تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود والنخعي : يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله. وقوله تعالى :﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾. قال ابن عباس : أي فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب. وقال سفيان الثوري : فمن تصدق به فهو كفارة للجارح، وأجر المجروح على الله عزَّ وجلَّ. ( الوجه الثاني ) : قال ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله في قول الله عزَّ وجلَّ :﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ قال : للمجروح. وقال ابن مسعود : يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وروى الإمام أحمد عن أبي السفر قال : كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال معاوية : إنا سنرضيه فألح الأنصاري، فقال معاوية : شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلاّ رفعه الله به درجة وحط به عنه خطيئة، فقال الأنصاري : فإني قد عفوت »، وهكذا رواه الترمذي. وعن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« ما من رجل يجرح من جسده جراحه فيتصدق بها إلاّ كفر الله عنه مثل ما تصدق به »، رواه النسائي. وقوله :﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون ﴾، قد تقدم عن طاووس وعطاء أنهما قالا : كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
وقوله تعالى :﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي وجعلنا الإنجيل هدى يهتدى به، وموعظة أي زاجراً عن ارتكاب المحارم والمآثم للمتقين، أي لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه. وقوله تعالى :﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَآ أَنزَلَ الله فِيهِ ﴾ قرىء ﴿ ولِيَحكُم ﴾ أهل الإنجيل بالنصب على أن اللام لام كي أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرىء ﴿ وليحكم ﴾ بالجزم على أن اللام لام الأمر، أي ليؤمنوا بجميع ما فيه وليقيموا ما أمروا به فيه وبما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى :﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [ المائدة : ٦٨ ] الآية، وقال تعالى :﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة ﴾ [ الأعراف : ١٥٧ ] إلى قوله :﴿ المفلحون ﴾ [ الأعراف : ١٥٧ ] ولهذا قال هاهنا :﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون ﴾ أي الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، والتاركون للحق، وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى وهو ظاهر من السياق.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله ﴾ أي فاحكم يا محمد بين الناس بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، ﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا، وقوله :﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ أي آراءهم التي اصطلحوا عليها وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال تعالى :﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق ﴾ أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء. وقوله تعالى :﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ عن ابن عباس :﴿ شِرْعَةً ﴾ قال : سبيلاً، ﴿ وَمِنْهَاجاً ﴾ قال : وسنة، وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد ﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ : أي سنة وسبيلاً والأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضاً هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال شرع في كذا : أي ابتدأ فيه، وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء، أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن الطرائق.
وقال تعالى :﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ [ النحل : ٣٦ ] الآية، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفاً فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، قال قتادة قوله :﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ يقول : سبيلاً وسنة، والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة وفي الفرقان شريعة. يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿ وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً ﴾ هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرّع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمداً ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى :﴿ ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم ﴾ أي أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله ﴿ فِي مَآ آتَاكُم ﴾ يعني من الكتاب، ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها فقال :﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ وهي طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخاً لما قبله والتصديق بكتابة القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى :﴿ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ أي معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة ﴿ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ أي فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه بلا دليل ولا برهان.
وقوله تعالى :﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجل بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى :﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أي ومن أعدل من الله في حكمه، لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، عن الحسن قال : من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية، وكان طاووس إذا سأله رجل : أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ :﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ الآية، وقال الحافظ الطبراني عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ :« أبغض الناس إلى الله عزَّ وجلَّ من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرىء بغير حق ليريق دمه » وروى البخاري بإسناده نحوه بزيادة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي : أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد : أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهوَّد معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث، وقال الآخر : أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ ﴾ الآيات. وقال عكرمة : نزلت في ( أبي لبابة بن عبد المنذر ) حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي أنه الذبح. قيل : نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول كما قال ابن جرير :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ ﴾ أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، وقوله :﴿ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة ﴾ أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين، وأما قوله :﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله :﴿ وَيُؤْتُونَ الزكاة ﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء. قال السدي : نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين ولكن عليّ بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله :﴿ وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون ﴾ كما قال تعالى :﴿ كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴾ [ المجادلة : ٢١-٢٢ ] الآية. فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة :﴿ وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون ﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقال السدي في قوله :﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً ﴾ قال : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي : أشهد أن محمداً رسول الله، قال : حرق الكذاب، فدخلت خادمه ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة، فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وذكر محمد بن إسحاق في السيرة « أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد : لقد أكرم الله أسيداً أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام : أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان لا أقول شيئاً لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليه النبي ﷺ فقال :» قد علمت الذي قلتم «، ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب : نشهد أنك رسول، ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك » وقال الإمام أحمد « عن عبد الله بن محيريز وكان يتيماً في حجر أبي محذورة قال : قلت لأبي محذورة يا عم إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له : نعم، خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين، مقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ عند رسول الله ﷺ فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزىء به، فسمع رسول الله ﷺ فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ :» أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع «؟ فأشار القوم كلهم إلي، وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال :» قم فأذن «. فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله ﷺ، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقي عليَّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، قال :» قل : الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله «، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرَّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله ﷺ :» بارك الله فيك وبارك عليك «، فقلت : يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال :» قد أمرتك به «، وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك ابا محذروة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز »
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ثم قال :﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله ﴾ أي هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم المتصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله :﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ أي أبعده من رحمته، ﴿ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ أي غضباً لا يرضى بعده أبداً، ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وقد قال سفيان الثوري عن ابن مسعود قال :« سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال :» إن الله لم يهلك قوماً - أو قال لم يمسخ قوماً - فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك «، رواه مسلم، وقال أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال :» سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال :« لا، إن الله لم يلعن قوماً قط فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم » وقوله تعالى :﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ قرىء ﴿ وعَبَدَ الطاغوتَ ﴾ على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرىء ﴿ وعَبَدِ الطاغوت ﴾ بالإضافة، على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت أي خدامه وعبيده، والمعنى يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال ﴿ أولئك شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي مما تظنون بنا ﴿ وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل ﴾ وهذا من باب استعمال أفعال التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة.
وقوله تعالى :﴿ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾، وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال :﴿ وَقَدْ دَّخَلُواْ ﴾ أي عندك يا محمد ﴿ بالكفر ﴾ أي مستصحبين الكفر في قلوبهم ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، ولهذا قال :﴿ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾ فخصهم به دون غيرهم، وقوله تعالى :﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ ﴾ أي عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء.
وقوله تعالى :﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ يعني : هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار منهم عن تعاطي ذلك؟ و ﴿ الربانيون ﴾ هم العلماء العمال، أرباب الولايات عليهم. والأحبار هم العلماء فقط ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ يعني من تركهم ذلك، قاله ابن عباس. وقال ابن جرير عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية :﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ﴾، قال : كذا قرأ. وكذا قال الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها إنا لا ننهى. وقال ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر قال : خطب ( علي بن أبي طالب ) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً ولا يقرب أجلاً » وروى أبو داود عن جرير قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيرون إلاّ أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقد ذكر ابن أبي حاتم أن رسول الله ﷺ قال :« » يوشك أن يرفع العلم «، فقال زياد بن لبيد يا رسول الله وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا فقال :» ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله «، ثم قرأ :﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل ﴾، وقوله تعالى :﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ كقوله :﴿ وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [ الأعراف : ١٥٩ ] فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله عزَّ وجلَّ :﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ [ فاطر : ٣٢-٣٣ ] الآية، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقال البخاري، قال الزهري : من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذٍ :« » أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ « قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم، ويقول :» اللهم هل بلغت «!؟ ».
وقوله تعالى :﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ يعني وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به فما بلغت رسالته قال ابن عباس :﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ : يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته، وعن مجاهد قال : لما نزلت :﴿ ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ قال : يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي؟ فنزلت :﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ وقوله تعالى :﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ أي بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك.
ومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه ابي طالب إذ كان رئيساً مطاعاً كبيراً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه ( أبو طالب ) نال منه المشركون أذى يسيراً ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود، وكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر، فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمّه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جداً يطول ذكرها. وقوله :﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ﴾ أي بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى :﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ [ البقرة : ٢٧٢ ]، وقال :﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب ﴾ [ الرعد : ٤٠ ].
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قال الله تعالى :﴿ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله وَاحِدٌ ﴾ أي ليس متعدداً بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودت، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهددا :﴿ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ ﴾ أي من هذا الإفتراء والكذب ﴿ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال :﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ؟ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال :« والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم » وعن عائشة قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم »، وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله ﷺ :« من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان »، رواه مسلم، وقال ﷺ :« إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة »
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الذين قالوا إِنَّا نصارى ﴾ أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلاّ لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى :﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ [ الحديد : ٢٧ ]، وفي كتابهم : من ضربك على خدك الإيمن فأدر له خدك الأيسر، وليس القتال مشروعاً في ملتهم، ولهذا قال تعالى :﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضاً، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب وهو العابد، مشتق من الرهبة وهي الخوف كراكب وركبان وفارس وفرسان. قال ابن جرير : وقد يكون الرهبان واحداً وجملة، رهابين، مثل قربان وقرابين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحداً قول الشاعر :
| لو عاينت رهبان دير في القلل | لانحدر الرهبان يمشي ونزل |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلاً أو ملبساً أو شيئاً ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه ولا كفارة عليه أيضاً لقوله تعالى :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾، ولأن الذي حرّم اللحم على نفسه لم يأمره النبي ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام ( أحمد بن حنبل ) إلى أن من حرّم مأكلاً أو مشرباً أو ملبساً أو شيئاً من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاماً له بما التزمه كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى :
وقوله تعالى :﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه : لا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال تعالى :﴿ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا ﴾ [ الأعراف : ٢١ ] وقال :﴿ والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ [ الفرقان : ٦٧ ] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط. ولهذا قال :﴿ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ ثم قال :﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ أي في حال كونه حلالاً طيباً، ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في جميع أموركم واتبعوا طاعته ورضوانه واتركوا مخالفته وعصيانه ﴿ الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ قال الشافعي رحمه الله : لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك، وقال مالك وأحمد بن حنبل : لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلاً أو امرأة كل بحسبه والله أعلم، وقال الحسن : ثوب ثوب، وقال الثوري : عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها.
( ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر )
قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال : حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما فأنزل الله :﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ [ البقرة : ٢١٩ ] إلى آخر الآية، فقال الناس ما حرما علينا، إنما قال :﴿ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ [ البقرة : ٢١٩ ] وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوماً من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها :﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاوة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾، فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغبق، ثم أنزلت آية أغلظ منها :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قالوا : انتهينا ربنا، وقال الناس : يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على سرفهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان فأنزل الله تعالى :﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ إلى آخر الآية، فقال النبي ﷺ :
( حديث آخر ) : عن عبد الرحمن بن وعلة قال :« سألت ابن عباس عن بيع الخمر؟ فقال : كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه. فقال رسول الله ﷺ :» يا فلان أما علمت أن الله حرمها « فأقبل الرجل على غلامه فقال : اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ :» يا فلان بماذا أمرته «؟ فقال : أمرته أن يبيعها. قال :» إن الذي حرم شربها حرم بيعها « فأمر بها فأفرغت في البطحاء ».
( حديث آخر ) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي عن تميم الداري :« أنه كان يهدى لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك وقال :» إنها قد حرمت بعدك « قال : يا رسول الله فأبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ :» لعن الله اليهود حرمت عليهم شحوم البقر والغنم فأذابوه وباعوه والله حرم الخمر وثمنها « ».
( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد عن أنس. قال : كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ونفراً من أصحابه عند أبي طلحة، حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال : أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا : حتى ننظر، ونسأل، فقالوا : يا أنس اسكب ما بقي في إنائك فوالله ما عادوا فيها، وما هي إلاّ التمر والبسر وهي خمرهم يومئذ. وفي رواية عن أنس قال : كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلى الفضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي قال : اخرج فانظر، فإذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت، فجريت في سكك المدينة، قال : فقال لي أبو طلحة : أخرج فأهرقها فهرقتها، فقالوا : أو قال بعضهم قتل فلان وفلان وهي في بطونهم، قال : فأنزل الله :﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ الآية. وعنه قال : بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل ابن بيضاء حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعت منادياً ينادي : ألا إن الخمر حرمت، قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ يقرأ :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ﴾، إلى قوله :﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فقال رجل : يا رسول الله فما ترى فيمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله تعالى :﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ الآية، فقال رجل لقتادة : أنت سمعته من أنس بن مالك؟ قال : نعم، وقال رجل لأنس بن مالك أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال : نعم.
( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال :« إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام »، وعن أبي طعمة سمعت ابن عمر يقول :« خرج رسول الله ﷺ إلى المربد، فخرجت معه فكنت عن يمنيه، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه فكان عن يمينه؟ وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله ﷺ المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر : فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية، قال ابن عمر : وما عرفت المدية إلاّ يومئذٍ، فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال :» لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها « ».
( حديث آخر ) عن مصعب بن سعد عن سعد قال : أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث، قال : وضع رجل من الأنصار طعاماً فدعانها فشربنا الخمر، قبل أن تحرم حتى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار : نحن أفضل، وقالت قريش : نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب به أنف سعد ففزره، وكانت أنف سعد مفزورة، فنزلت :﴿ إِنَّمَا الخمر والميسر ﴾، إلى قوله تعالى :﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾. ( حديث آخر ) : عن ابن عباس قال : إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول : صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول : والله لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ إلى قوله تعالى :﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فقال أناس من المتكلفين : هي رجس وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى :﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ إلى آخر الآية ( حديث آخر ) : قال ابن جرير عن أبي بريدة عن أبيه قال : بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة وعندنا باطية لنا ونحن نشرب الخمر حلاً، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر ﴾ إلى آخر الآيتين ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾، فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم، إلى قوله :﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ قال : وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضها، وبقي بعض في الإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا : انتهينا ربنا.
( حديث آخر ) : قال أبو داود الطيالسي عن البراء بن عازب قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت ﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ الآية. ( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك :« أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام في حجره ورثوا خمراً، فقال :» أهرقها « قال : أفلا نجعلها خلاً؟ قال :» لا « ».
( حديث آخر ) : عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال :« من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة » وعن نافع عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ :« كل مسكر حرام، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة » ( حديث آخر ) : عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال :« لا يدخل الجنة منّان، ولا عاق، ولا مدمن خمر » وقال الزهري عن عثمان بن عفان قال :« اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة فدخل معها، فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت : إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر. فسقته كأساً فقال : زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس. فاجتنبوا الخمر، فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبداً إلاّ أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه ». وله شاهد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال :« لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن » قال الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النبي ﷺ يقول :« » من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة إن مات؛ مات كافراً، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال «، قالت، قلت : يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال :» صديد أهل النار « ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾. الذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه، وقال الزهري : دل الكتاب على العامد وجرت السنّة على الناسي، ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله :﴿ لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا الله عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ وجاءت السنّة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضاً فإن قتل الصيد إتلاف والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم والمخطىء غير ملوم، وقوله تعالى :﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون بعطفها، وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأ :( فجزاؤه مثلُ ما قتل من النعم )، وفي قوله :﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه الجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثلياً أو غير مثلي.
واختلفوا : هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة، أو يكتفي بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين : فقال الشافعي وأحمد : يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة وجعلاه شرعاً مقرراً لا يعدل عنه وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين، وقال مالك وابو حنيفة : بل يجب الحكم في كل فرد فرد سواء وجد للصحابة في مثله حكم أم لا لقوله تعالى :﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾. وقوله تعالى :﴿ هَدْياً بَالِغَ الكعبة ﴾ أي واصلاً إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أم متفق عليه في هذه الصورة.
وقوله تعالى :﴿ لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ أي أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة، ﴿ عَفَا الله عَمَّا سَلَف ﴾ أي في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام واتبع شرع الله ولم يرتكب المعصية، ثم قال :﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ أي ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام ﴾. قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما ﴿ عَفَا الله عَمَّا سَلَف ﴾ ؟ قال : عما كان في الجاهلية. قال، قلت : وما ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ ؟ قال : ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة، قال، قلت : فهل في العود من حد تعلمه! قال : لا، قال، قلت : فترى حقاً على الإمام أن يعاقبه؟ قال : لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ، ولكن يفتدي، رواه ابن جرير. وقيل : معناه : فينتقم الله منه بالكفارة؛ قاله سعيد بن جبير وعطاء ثم الجمهور من السلف والخلف : على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد. وقال ابن جرير عن ابن عباس فيمن أصاب صيداً يحكم عليه ثم عاد، قال : لا يحكم عليه، ينتقم الله منه. قوله ﴿ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام ﴾ أي : والله منيع في سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الإنتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أرد عقوبته مانع لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله :﴿ ذُو انتقام ﴾ يعني أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وفي صحيح مسلم عن جابر : فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها العنبر، قال : قال أبو عبيدة : ميتة، ثم قال : لا، نحن رسل رسول الله ﷺ وقد اضطررتم فكلوا، قال : فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلثمائة حتى سمنا، ولقد رايتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه القدر كالثور، قال : ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحّل أعظم بعير معنا فمر من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال :
وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئاً، وقد تقدم عن الصديق أنه قال : طعامه كل ما فيه، وقد استثنى بعضهم الضفادع واباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال : نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال : نقيقها تسبيح. وقال آخرون : يؤكل من صيد البحر السمك. ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما فقيل : يؤكل سائر ذلك، وقيل : لا يؤكل، وقيل : ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل. وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى :﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ [ المائدة : ٣ ]، وقد ورد حديث بنحو ذلك. فقال ابن مردويه عن جابر قال، قال رسول الله ﷺ :« ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتاً طافياً فلا تأكلوه ».
وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث :« هو الطهور ماؤه الحل ميتته »، وقد تقدم أيضاً. وروى الإمام الشافعي عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ :« أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال »، وقوله :﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ أي في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً أثم وغرم، أو مخطئاً غرم وحرم عليه أكله لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه. فإن أكله أو شيئاً منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء ( أحدهما ) : نعم وإليه ذهب طائفة. ( والثاني ) : لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس.
روي عن ابن عباس : أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال : هي مبهمة، يعني قوله :﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾. وعن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. وقد روي أن علياً كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور : إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جثامة « أنه أهدى للنبي ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودّان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال :» إنا لم نرده عليك إلاّ أنا حُرُم « قالوا : فوجهه أن النبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد، فإنه يجوز له الأكل منه، لحديث أبي قتادة » حين صاد حمار وحش وكان حلالاً لم يحرم وكان أصحابه محرمين. فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال :« هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها »؟ قالوا : لا قال :« فكلوا »، وأكل منها رسول الله ﷺ «، وهذه القصة ثابتة أيضاً في الصحيحين بألفاظ كثيرة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ﴾ أي وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول الله ﷺ تبين لكم، وذلك على الله يسير، ثم قال :﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ أي عما كان منكم قبل ذلك ﴿ والله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾، وقيل المراد بقوله :﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ ﴾ أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث :« أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته »، ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها بينت لكم حينئذٍ لاحتياجكم إليها، ﴿ عَفَا الله عَنْهَا ﴾ أي ما لم يذكره في كتابه، فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها. وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال :« ذروني وما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم »، وفي الحديث الصحيح أيضاً :« إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها »، ثم قال تعالى :﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ أي قد سأل هذه المسائل المنهى عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها ثم لم يؤمنوا بها فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها، أي بينت لهم فلم ينتفعوا بها، لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد بل على وجه الاستهزاء والعناد. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية :« إن رسول الله ﷺ أذّن في الناس فقال :» يا قوم كتب عليكم الحج « فقام رجل من بني أسد فقال : يا رسول الله أفي كل عام؟ فأغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً فقال :» والذي نفسي بيده لو قلت : نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذا لكفرتم فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه «، فأنزل الله هذه الآية نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك، وقال : لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلاّ وجدتم بيانه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فأما البحيرة فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا : هذه بحيرة. وذكر السدي وغيره قريباً من هذا؛ وأما السائبة : فقال مجاهد : هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وقال محمد بن إسحاق : السائبة : هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر سيبت فلم تركب ولم يجزّ وبرها ولم يحلب لبنها إلاّ لضيف.
وأما الوصيلة فقال ابن عباس : هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع، فإن كان ذكراً وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرمته علينا. وقال محمد بن إسحاق : الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن توأمين توأمين في كل بطن سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميته اشتركوا فيها. وأما الحامي، فقال ابن عباس : كان الرجل إذا لقح فحله عشراً قيل حام فاتركوه، وكذا قال قتادة، وروي عنه أن الحام : الفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. وقال ابن وهب، سمعت مالكاً يقول : أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه. وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية. وقوله تعالى :﴿ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة. ولكن المشركون افتروا ذلك وجعلوه شرعاً لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل بل هو وبال عليهم ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ﴾ أي إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وتكر ما حرمه قالوا : يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، قال الله تعالى :﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ أي لا يفهمون حقاً ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه. فكيف يتبعونها والحالة هذه لا يتبعهم إلاّ من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً؟.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وروى الرازي عن أبي العالية عن ابن مسعود في قوله :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ ﴾ الآية، قال : كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد الله : ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر، فقال آخر إلى جنبه : عليك بنفسك، فإن الله يقول :﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الآية، قال : فسمعها ابن مسعود، قال : مه لم يجيء تأويل هذه بعد؛ إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي تأويلهن عند الساعة وما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلبوكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فامروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية رواه ابن جرير، وقال ابن جرير تلا الحسن هذه الآية :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم ﴾ فقال الحسن : الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلاّ وإلى جنبه منافق يكره عمله.
وقال ابن جرير عن الزهري قال : مضت السنة أن لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل الناس بها، رواه ابن جرير. وفي هذا نظر والله أعلم. وقال ابن جرير : اختلف في قوله :﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ هل المراد به أن يوصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين ( أحدهما ) : أن يوصي إليهما، سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال : هذا رجل سافر ومعه مال فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، ( والقول الثاني ) : أنهما يكونا شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء كما سيأتي ذكرها إن شاء الله وبه الوفيق.
﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين ﴾ أي فعلنا شيئاً من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية، ثم قال تعالى :﴿ فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً ﴾ أي فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلا شيئاً من المال الموصى به إليهما وظهر عليهما بذلك ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الأوليان ﴾ أي متى تحقق بالخبر الصحيح خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أولى من يرث ذلك المال ﴿ فَيُقْسِمَانِ بالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا ﴾، أي لقولنا إنهما خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة، ﴿ وَمَا اعتدينآ ﴾ أي فيما قلنا فيهما من الخيانة ﴿ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين ﴾، أي إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل، فيقسم المتسحقون على القاتل فيدفع برمته إليم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام.
وقد روي عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاما من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل : اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت :﴿ يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، ومن الشواهد لصحة هذه القصة ما رواه أبو جعفر بن جرير عن الشعبي أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال فحضرته الوفاة ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال : فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري يعني ( أبا موسى الأشعري ) رضي الله عنه، فأخبراه وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، وقال : فأحلفهما بعد العصر، بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيّرا، وإنها لوصية الرجل وتركته، قال : فأمضى شهادتهما، فقوله : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخراً يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ ﴾ أي شرعية هذه الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين إن استريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. وقوله :﴿ أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ أي يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله مراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس، وإن ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال :﴿ أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ ثم قال :﴿ واتقوا الله ﴾ أي في جميع أموركم، ﴿ واسمعوا ﴾ أي وأطيعوا، ﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾ أي الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَتُبْرِىءُ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي ﴾ قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله :﴿ وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِيِ ﴾ أي تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته، وقوله تعالى :﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك، واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إليّ، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء أو يكون هذا الامتنان واقعاً يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه محمداً ﷺ وقوله :﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ﴾ وهذا أيضاً من الامتنان عليه، عليه السلام بأن جعل له أصحاباً وأنصاراً، ثم قيل : إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى :﴿ وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ [ القصص : ٧ ] الآية، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى :﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً ﴾ [ النحل : ٦٨ ] الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾، أي ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا، قال الحسن البصري : ألهمهم الله عزَّ وجلَّ ذلك. وقال السدي : قذف في قلوبهم ذلك، ويحتمل أن يكون المراد : وإذا أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا وانقادوا وتابعوك، فقالوا :﴿ آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
( ذكر أخبار في نزول المائدة على الحواريين )
قال أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس، أنه كان يحدث عن عيسى، أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا، ثم قالوا : يا معلم الخير قلت لنا : إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلاّ أطعمنا حين نفرغ طعاماً، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى :﴿ اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وارزقنا وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ﴾، قال : فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة حيتان وسبعة أرغفه حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
وقال قائلون : إنها لم تنزل، روي عن قتادة قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ﴾ قالوا : لا حاجة لنا فيها فلم تنزل، ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى :﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ﴾، قال : ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. وقد قال الإمام أحمد عن ابن عباس قال :« قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن بك، قال :» وتفعلون « قالوا : نعم، قال : فدعا، فأتاه جبريل، فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : أن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال :» بل باب التوبة والرحمة « ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾، هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس عن أبي هريرة قال : يلقي عيسى حجته، ولقاه الله تعالى في قوله :﴿ إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾، قال أبو هريرة عن النبي ﷺ فلقاه الله ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ إلى آخر الآية، وقد رواه الثوري عن معمر عن ابن طاووس عن طاووس بنحوه. وقوله :﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ أي إن كان صدر مني هذا فقد علمته يا رب فإنه لا يخفى عليك شيء، فما قلته ولا أردته في نفسي لا أضمرته، ولهذا قال :﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ بإبلاغه ﴿ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ أي ما دعوتهم إلاّ إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه ﴿ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ أي هذا هو الذي قلت لهم.
قال أبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال :« أيها الناس إنكم محشورون إلى الله عزَّ وجلَّ حفاة عراة غرلا ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ [ الأنبياء : ١٠٤ ]، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ فيقال : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ».
وقوله تعالى :﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عزَّ وجلَّ، فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله نداً وصاحبة وولداً، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث « أن النبي ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها، قال الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : صلى النبي ﷺ ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ فلما أصبح، قلت : يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال :» إني سالت ربي تعالىَّ الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئاً « وقال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص » أن النبي ﷺ تلا قول عيسى ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ فرفع يديه فقال :« اللهم أمتي » وبكى، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه! فأتاه جبريل فساله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد فقال : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. وقال الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان قال غاب عنا رسول الله ﷺ يوماً فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة، ظننا أن نفسه قد قبضت فيها فلما رفع رأسه قال :« إن ربي عزَّ وجلَّ استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت : ما شئت يا رب هم خلقك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فقال لي : لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً ليس عليهم حساب، ثم أرسل إليّ فقال : ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله : أو معطي ربي سؤلي؟ فقال : ما ارسلني إليك إلاّ ليعطيك، ولقد أعطاني ربي - ولا فخر - وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. وأنا أمشي حياً صحيحاً، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي. وأعطاني العز، والنصر، والرعب يسعى بين يدي أمتي شهراً، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج. »
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي هو الخالق للأشياء المالك لها، المتصرف فيها، القادر عليها. فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشئيته، فلا نظير له ولا وزير ولا عديل ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، ولا إله غيره ولا رب سواه. قال ابن وهب : آخر سورة أنزل سورة المائدة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
80 مقطع من التفسير