تفسير سورة سورة الكهف
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي (ت 1412 هـ)
وقد ذكر محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه السورة الكريمة عن ابن عباس قال :« بعثت قريش ( النضر بن الحارث ) و ( عقبة بن أبي معيط ) إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم : سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفوا لهم أمره وبعض قوله وقالا : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال، فقالوا لهم : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلاّ فرجل متقول فتروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف، بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعون، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا : يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور؛ فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا : يا محمد! أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ :» أخبركم غداً عما سألتم عنه «، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا : وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة، قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاء جبرائيل عليه السلام من الله عزَّ وجلَّ بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من خبر الفتية والرجل الطواف »
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه فهربوا منهم فلجأوا إلى غار جبل ليختلفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم :﴿ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ أي اجعل عاقبتنا رشداً، كما جاء في الحديث :« وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً » وفي المسند عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو :« اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة »، وقوله :﴿ فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً ﴾ أي ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاماً يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال :﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ﴾ أي المختلفين فيهم ﴿ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ قيل : عدداً، وقيل : غاية.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض ﴾ يقول تعالى : وصبرناهم على مخالفة قومهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها، وكان لها ملك جبار عنيد يقال له ( دقيانوس ) وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز عنهم، واتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله عزَّ وجلَّ، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها ﴾ و « لن » لنفي التأبيد : أي لا يقع منا هذا أبداً لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم :﴿ لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ﴾ أي باطلاً وكذباً وبهتاناً، ﴿ هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾ أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً، ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾، يقولون : بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال إن ملكهم تهددهم وتوعدهم وأمر بنزع لباسهم عنهم وأجّلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم فإنهم توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه كما جاء في الحديث :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال :« ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلاّ وجهه إلاّ ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات » وقال الطبراني، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، قال : نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته :﴿ واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي ﴾ الآية، فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس وجاف الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، وقال :« الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم »، وقوله :﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ﴾ قال ابن عباس : ولا تجاوزهم إلى غيرهم يعني تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة، ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ أي أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعاًَ له ولا محباً لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال :﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى ﴾ [ طه : ١٣١ ].
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقال أبو هريرة، قال لي رسول الله ﷺ :« يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ » قال، قلت : فداك أبي وأمي، قال :« أن تقول لا قوة إلاّ بالله ». قال أبو بلخ وأحسب أنه قال :« فإن الله يقول أسلم عبدي واستسلم » وقوله :﴿ فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ﴾ أي في الدار الآخرة، ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا ﴾ أي على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿ حُسْبَاناً مِّنَ السمآء ﴾، قال ابن عباس والضحّاك : أي عذاباً من السماء، والظاهر أنه مطر عظيم مزعج، يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال :﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ﴾، أي بلقعاً تراباً أملس، لا يثبت فيه قدم. وقال ابن عباس : كالجزر الذي لا ينبت شيئاً، وقوله ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً ﴾ أي غائراً في الأرض وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض. فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ﴾ [ الملك : ٣٠ ] : أي جار وسائح، وقال هاهنا :﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ﴾، والغور مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه كما قال الشاعر :
| تظل جياده نوحاً عليه | تقلده أعنتها صفوفاً |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
روى الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله يقول : بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي ﷺ فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رجلاً فسرت عليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا ( عبد الله بن أنيس )، فقلت للبواب : قل له جابر على الباب، فقال : ابن عبد الله؟ قلت : نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت : حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال، سمعت رسول الله ﷺ يقول :« يحشر الله عزَّ وجلَّ الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلاً بهماً ». قلت : ومابهماً؟ قال :« ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ : أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقضيه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه، حتى اللطمة قال : قلنا، كيف وإنما نأتي الله عزَّ وجلَّ حفاة عراة غرلاً بهماً؟ قال :» بالحسنات والسيئات «.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
روى البخاري، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :« إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ قال : أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى : يا رب كيف لي به؟ قال : تأخذ معك حوتاً فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق.
وروى الزهري : عن ابن عباس : أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري، في صاحب موسى، فقال ابن عباس : هو خضر، فمر بها أبي بن كعب بدعاه ابن عباس، فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى، الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال : إني سمعت رسول الله ﷺ يقول :« بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال : تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال : لا، فأوحى الله إلى موسى : بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له : إذا فقدت الحوت فارجع، فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت، قال موسى ﴿ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً ﴾ فوجد عبدنا خضراً، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لدوا للموت وابنوا للخراب... ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾ قال مجاهد : منكراً، وقال قتادة : عجباً، فعندها قال له الخضر مذكراً بما تقدم من الشرط ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾، يعني وهذا الصنيع فعلته قصداً، وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر عليّ فيها، لأنك لم تحط بها خبراً، ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت، ﴿ قَالَ ﴾ أي موسى ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ﴾ : أي لا تضيّق علي ولا تشدد علي، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال :« كانت الأولى من موسى نسياناً ».
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنّة، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحاً، وتقدم أنه كان الأب السابع فالله أعلم. وقوله :﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا ﴾ هاهنا أسند الإرادة إلى الله تعالى، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلاّ الله، وقال في الغلام :﴿ فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً ﴾ [ الكهف : ٨١ ] وقال في السفينة :﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ [ الكهف : ٧٩ ] فالله أعلم. وقوله تعالى :﴿ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ أي هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام، وولدي الرجل الصالح، وما فعلته عن أمري، لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام مع ما تقدم من قوله :﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ﴾ [ الكهف : ٦٥ ]، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبياً بل كان ولياً، فالله أعلم. وحكي في كونه باقياً إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولان، ومال النووي وابن الصلاح إلى بقائه، ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى :
وفي « صحيح البخاري »، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :« إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتز من تحته خضراء » والمراد بالفروة هاهنا الحشيش اليابس، وهو الهشيم من النبات، وقيل المراد بذلك وجه الأرض. وقوله :﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعاً، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال :﴿ تَسْطِع ﴾ وقبل ذلك كان الإشكال قوياً ثقيلاً، فقال :﴿ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ [ الكهف : ٧٨ ] فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال :﴿ فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ [ الكهف : ٩٧ ] وهو الصعود إلى أعلاه ﴿ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً ﴾ [ الكهف : ٩٧ ] وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظاً ومعنى والله أعلم. فإن قيل : فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في « الصحاح » وغيرها، أنه ( يوشع بن نون ) وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ : أي أُمّة من الأمم، ذكرنا أنها كانت أمّة عظيمة من بني آدم، وقوله :﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ معنى هذا أن الله تعالى مكَّنه منهم، وحكَّمه فيهم وأظفره بهم، وخيّره إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منَّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه، فيما أبداه عدله وبيانه في قوله ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ ﴾ أي استمر على كفره وشركه بربه ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾، قال قتادة : بالقتل، وقال السدي : كان يحمي لهم النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا. وقال وهب بن منبه : كان يسلط الظلمة فتدخل يبوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم، والله أعلم. وقوله ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً ﴾ أي شديداً وجيعاً أليماً، وفي هذا إثبات المعاد والجزاء. وقوله :﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ ﴾ أي تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿ فَلَهُ جَزَآءً الحسنى ﴾ أي في الدار الآخرة عند الله عزَّ وجلَّ، ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ قال مجاهد : معروفاً.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى :﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ أي لاستعجام كلامهم، وبعدهم عن الناس، ﴿ قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ قال ابن عباس : أجراً عظيماً، يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه حتى يجعل بينهم وبينهم سداً، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ أي أنّ الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خيرٌ لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان عليه السلام :﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ ﴾ [ النمل : ٣٦ ] الآية. وهكذا قال ذو القرنين، الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني بقوة، أي بعملكم وآلات البناء ﴿ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الحديد ﴾ والزبر، جمع ( زبرة ) وهي القطعة منه وهي كاللبنة يقال كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه ﴿ حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين ﴾ أي وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولاً وعرضاً ﴿ قَالَ انفخوا ﴾ أي أجّج عليه النار، حتى صار كله ناراً ﴿ قَالَ آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ قال ابن عباس والسدي : هو النحاس.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
﴿ قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾ أي لما بناه ذو القرنين ﴿ قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾، أي الناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلاً يمنعهم من العيث في الأرض والفساد ﴿ جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ أي إذا اقترب الوعد الحق ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي ساواه بالأرض، تقول العرب : ناقة دكاء إذا كان ظهرها مستوياً لا سنام لها، وقال تعالى :﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾ [ الأعراف : ١٤٢ ] أي مساوياً للأرض، وقال عكرمة في قوله :﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ قال : طريقاً كما كان، ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ أي كائناً لا محالة. وقوله :﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ ﴾ أي الناس، ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس، ويفسدون على الناس أموالهم، ويتلفون أشياءهم وهكذا قال السدي، في قوله ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ قال : ذاك حين يخرجون على الناس، وهذا كله قبل يوم القيامة، وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله :
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| فحلّت سويدا القلب لا أنا باغياً | سواها، ولا عن حبها أتحول |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وروى الإمام أحمد، عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه بكى. فقيل له : ما يبكيك؟ قال شيء سمعته من رسول الله ﷺ فأبكاني. سمعت رسول الله يقول :« أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية »، قلت : يا رسول الله! أتشرك أمتك من بعدك؟ قال :« نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه » ( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يرويه عن الله عزَّ وجلَّ أنه قال :« أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو للذي أشرك » ( حديث آخر ) : قال الإمام أحمد، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة أنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :« إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك »
تم عرض جميع الآيات
74 مقطع من التفسير