تفسير سورة سورة الطور

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

زاد المسير في علم التفسير

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت 597 هـ)

الناشر

دار الكتاب العربي - بيروت

الطبعة

الأولى

المحقق

عبد الرزاق المهدي

مقدمة التفسير
سورة الطور وهي مكية كلها بإجماعهم
سورة الطّور
وهي مكّيّة كلها بإجماعهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١ الى ١٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩)
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤)
أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)
قوله تعالى: وَالطُّورِ هذا قَسم بالجبل الذي كلّم الله عزّ وجلّ عليه موسى عليه السلام، وهو بأرض مَدْين واسمه زَبير. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ أي: مكتوب، وفيه أربعة أقوال: أحدها: أنه اللوح المحفوظ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: كتب أعمال بني آدم، قاله مقاتل والزجاج.
والثالث: التوراة. والرابع: القرآن، حكاهما الماوردي. قوله تعالى: فِي رَقٍّ قال أبو عبيدة: الرَّقُّ:
الوَرَق. فأما المنشور فهو المبسوط. قوله تعالى: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فيه قولان:
أحدهما: أنه بيت في السماء. وفي أي سماء هو؟ فيه ثلاثة أقوال:
(١٣٤٦) أحدها: أنه في السماء السابعة، رواه أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم.
(١٣٤٧) وحديث مالك بن صعصعة الذي أُخرج في «الصحيحين» يدل عليه.
والثاني: أنه في السماء السادسة، قاله عليّ رضي الله عنه.
(١٣٤٨) والثالث: أنه في السماء الدنيا، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: هو
أخرجه الحاكم ٢/ ١١٧ والبيهقي في «الشعب» ٣٩٩٣ والطبري ٣٢٣٠١ من حديث أنس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ويشهد له ما بعده.
صحيح. أخرجه البخاري ٣٢٠٧ ومسلم ١/ ١٤٩ والطبري ٣٢٢٨٧ عن أنس عن مالك بن صعصعة مرفوعا، في أثناء حديث الإسراء المطوّل، وتقدّم في أوائل سورة الإسراء.
لا أصل له في المرفوع. أخرجه العقيلي ٢/ ٥٩- ٦٠ وابن أبي حاتم فيما ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٤/ ٢٨٢، وابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ١٤٧ من حديث أبي هريرة، ساقه العقيلي في ترجمة روح بن جناح، وقال: لا يتابع عليه، وقال ابن حبان في ترجمته: يروي عن الثقات ما إذا سمعها الإنسان الذي ليس
— 175 —
حيال الكعبة يحُجُّه كُلَّ يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة، يسمى الضُّراح.
وقال الربيع بن أنس: كان البيت المعمور مكان الكعبة في زمان آدم، فلمّا كان زمن نوح أمر الناس بحجِّه، فعصوه فلمّا طغى الماءُ رُفع فجُعل بحذاء البيت في السماء الدنيا.
والثاني: أنه البيت الحرام، قاله الحسن، وقال أبو عبيدة: ومعنى «المعمور» : الكثير الغاشية.
قوله تعالى: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ فيه قولان: أحدهما: أنه السماء، قاله عليّ رضي الله عنه والجمهور. والثاني: العرش، قاله الربيع. قوله تعالى: وَالْبَحْرِ فيه قولان. أحدهما: أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يُمْطَر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتُون في قبورهم، قاله عليّ رضي الله عنه. والثاني: أنه بحر الأرض، ذكره الماوردي. وفي الْمَسْجُورِ أربعة أقوال: أحدها: المملوء، قاله الحسن وأبو صالح وابن السائب وجميع اللغويين. والثاني: أنه المُوقد، قاله مجاهد، وابن زيد.
وقال شمر بن عطية: هو بمنزلة التنور المسجور. والثالث: أنه اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب، قاله أبو العالية. وروي عن الحسن، قال: تسجر، يعني البحار، حتى يذهب ماؤها فلا يبقى فيها قطرة.
وقول هذين يرجع إلى معنى قول مجاهد.
(١٣٤٩) وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل البحار كلَّها ناراً، فتزاد في نار جهنم.
والرابع: أن «المسجور» المختلط عذْبه بمِلحه، قاله الربيع بن أنس. فأقسم اللهُ تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن تعذيب المشركين حق، فقال: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ أي:
لكائن في الآخرة. ثم بيَّن متى يقع، فقال: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: تدور دَوْراً رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج. والثاني: تحرَّكُ تحرُّكاً، رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. وقال أبو عبيدة «تمور» أي: تَكفّأُ، وقال الأعشى.
كأنَّ مِشْيتَها مِنْ بيْتِ جارَتِها مَوْرُ السَّحابةِ لا ريْثٌ ولا عَجَلُ
والثالث: يموج بعضها في بعض لأمر الله تعالى، قاله الضحاك.
وما بعد هذا قد سبق بيانه «١» إلى قوله: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) أي: يخوضون في حديث محمّد صلّى الله عليه وسلم بالتّكذيب والاستهزاء، ويلهون بذكره، فالويل لهم يَوْمَ يُدَعُّونَ قال ابن قتيبة: أي:
يُدْفعون، يقال: دععْتُه أدُعُّه أي: دفعته، ومنه قوله يَدُعُّ الْيَتِيمَ «٢»، قال ابن عباس: يدفع في
بالمتبحر في صناعة الحديث شهد لها بالوضع. وقال ابن الجوزي رحمه الله: هذا حديث لا يتهم به إلا روح بن جناح، قال الحافظ عبد الغني: هذا حديث منكر، ليس له أصل عن الزهري، ولا عن سعيد ولا عن أبي هريرة، ولا يصح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم من هذه الطريق ولا من غيرها اه. ونقل الذهبي في «الميزان» ٢٧٩٩ عن أبي أحمد الحاكم قوله: حديث في البيت المعمور لا أصل له.
غريب مرفوعا. وقد ذكره البغوي في «تفسيره» ٢٣٧ بقوله وروي من غير عزو لأحد. وذكره الزمخشري في «الكشاف» ٤/ ٤١١ أيضا بقوله روي من غير عزو لأحد ولم يخرجه الحافظ، وهذا دليل على أنه غير مرفوع.
والله أعلم.
__________
(١) النمل: ٨٨.
(٢) الماعون: ٢.
— 176 —
أعناقهم حتى يردوا النّار. وقال مقاتل: تُغلُّ أيديهم إلى أعناقهم وتُجْمعُ نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يُدفعون إلى جهنم على وجوههم، حتى إذا دَنوا منها قالت لهم خزنتُها: هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) في الدنيا أَفَسِحْرٌ هذا العذاب الذي ترون؟ فإنكم زعمتم أن الرُّسل سحرةٌ أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ النار؟ فلمّا أُلقوا فيها قال لهم خزنتُها: اصْلَوْها. وقال غيره: لمّا نسبوا محمّدا صلّى الله عليه وسلم إلى أنه ساحر يغطِّي على الأبصار بالسِّحر، وُبِّخوا عند رؤية النار بهذا التوبيخ، وقيل: اصْلَوْها أي:
قاسوا شِدَّتها فَاصْبِرُوا على العذاب أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ الصَّبر والجزع إِنَّما تُجْزَوْنَ جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر والتكذيب.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٧ الى ٢٠]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)
ثم وصف ما للمؤمنين بما بعد هذا، وقوله: فَكِهِينَ قرئت بألف وبغير ألف. وقد شرحناها في يس «١»، وَوَقاهُمْ أي: صرف عنهم، والْجَحِيمِ مذكور في البقرة «٢». كُلُوا أي يقال لهم:
كُلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً تأمنون حدوث المرض عنه. قال الزّجّاج: المعنى: لينهكم ما صِرتم إليه، وقد شرحنا هذا في سورة النساء. ثم ذكر حالهم عند أكلهم وشربهم، فقال: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ وقال ابن جرير: فيه محذوف تقديره: على نمارق على سُرُر، وهي جمع سرير مَصْفُوفَةٍ قد وُضع بعضُها إلى جنْب بعض. وباقي الآية مفسَّر في سورة الدّخان «٣».
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢١ الى ٢٨]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥)
قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)
قوله تعالى: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي،: «واتَّبعْتهم» بالتاء «ذُرِّيَّتُهم» واحدة بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ واحدة أيضاً. وقرأ نافع: «واتَّبعتْهم ذُرِّيَّتُهم» واحدة «بهم ذُرِّيَّاتِهم» جمعاً.
وقرأ ابن عامر: «وأَتْبعْناهم ذُرِّيَّاتِهم» «بهم ذُرِّيّاتِهم» جمعاً في الموضعين. واختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناها: واتَّبعتهم ذريتُهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم من المؤمنين في الجنة وإن كانوا لم يبلُغوا أعمال آبائهم تكرمةً من الله تعالى لآبائهم المؤمنين باجتماع أولادهم معهم، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: واتَّبعتهم ذريتُهم بإيمان، أي: بلغت أن آمنتْ، ألحقنا بهم ذُرِّيَّتهم الصِّغار الذين لم يبلُغوا الإيمان. وروى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. ومعنى هذا القول، أن أولادهم الكبار، تبعوهم بإيمان منهم، وأولادهم الصغار تبعوهم
(١) يس: ٥٥.
(٢) البقرة: ١١٩.
(٣) الدخان: ٥٤.
— 177 —
بإيمان الآباء، لأن الولد يُحكم له بالإسلام تبعاً لوالده. والثالث: «وأتبَعْناهم ذُرِّياتهم» بإيمان الآباء فأدخلناهم الجنة، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً.
قوله تعالى: وَما أَلَتْناهُمْ قرأ نافع: وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم وحمزة، والكسائي: «وما ألَتْناهم» بالهمزة وفتح اللام. وقرأ ابن كثير: «ما ألِتْناهم» بكسر اللام. وروى ابن شنبوذ عن قنبل عنه «وما لتناهم» بإسقاط الهمزة مع كسر اللام. وقرأ أبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ بإسقاط الهمزة مع فتح اللام. وقرأ ابن السميفع «وما آلَتْناهم» بمد الهمزة وفتحها. وقرأ الضّحّاك، وعاصم الجحدري:
«وما ولتناهم» بواو مفتوحة من غير همزة وبنصب اللام. وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل: «وما أَلَتُّهُمْ» مثل: جَعلتُهم. وقد ذكرنا هذه الكلمة في الحجرات «١»، والمعنى: ما نَقَصْنا الآباء بما أعطَيْنا الذّرّيّة.
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي: مُرْتَهَن بعمله لا يؤاخذ أحدٌ بذَنْب أحد، وقيل: هذا الكلام يختصُّ بصفة أهل النار، وذلك الكلام قد تَمَّ.
قوله تعالى: وَأَمْدَدْناهُمْ قال ابن عباس: هي الزيادة على الذي كان لهم.
قوله تعالى: يَتَنازَعُونَ قال أبو عبيدة: أي: يتعاطَون ويتداولون: وأنشد الأخطل:
نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرَّاحِ الْشَّمُولِ وقَدْ صَاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وَقْعَةُ الْسّاري
قال الزَّجَّاج: يتناول هذا الكأسَ من يد هذا، وهذا من يد هذا. فأمّا الكأس فقد شرحناها في الصافات «٢».
قوله تعالى: لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «لا لَغْوَ فيها ولا تأثيمَ» نصباً، وقرأ الباقون: «لا لَغْوٌ فيها ولا تأثيمٌ» رفعاً منوَّناً، قال ابن قتيبة: أي لا تَذهبُ بعقولهم فيَلْغُوا ويَرْفُثوا فيأثموا كما يكون ذلك في خمر الدنيا. وقال غيره: التأثيم: تفعيل من الإثم، يقال: آثمه: إذا جعله ذا إثم.
والمعنى أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ في الحُسن والبياض لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ أي: مصونٌ لمْ تَمَسَّه الأيدي.
(١٣٥٠) وسئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقيل: يا نبيَّ الله، هذا الخادم، فكيف المخدوم؟ فقال: «إنَّ فَضْل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
قوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من الخوف والتعب، وهو قوله: قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا أي: في دار الدنيا مُشْفِقِينَ أي: خائفين من العذاب، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالمغفرة وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ أي: عذاب النار. وقال الحسن:
السَّموم من أسماء جهنم. وقال غيره: سَموم جهنم، وهو ما يوجد من نَفْحها وَحرِّها، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ أي: نوحِّده ونُخْلِص له إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ وقرأ نافع والكسائي: «أنَّه» بفتح الهمزة. وفي معنى «البَرِّ» ثلاثة أقوال: أحدها: الصادق فيما وعد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: اللطيف، رواه
ضعيف جدا. أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» ٣٠١٢ والطبري ٣٢٣٧ من طريق معمر عن قتادة مرسلا، وبصيغة التمريض. وعامة مراسيل قتادة في التفسير إنما هي عن الحسن، ومراسيل الحس واهية.
__________
(١) الحجرات: ١٤٠.
(٢) الصافات: ٤٥.
— 178 —
ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: العطوف على عباده المحسن إليهم الذي عَمَّ بِبِرِّه جميع خَلْقه، قاله أبو سليمان الخطابي.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٩ الى ٣٤]
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)
قوله تعالى: فَذَكِّرْ أي: فَعِظ بالقرآن فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أي: بإنعامه عليك بالنبوَّة بِكاهِنٍ وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويُخْبِر عمّا في غد من غير وحي. والمعنى: إنما تَنْطِق بالوحي لا كما يقول فيك كفار مكة. أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ أي: هو شاعر. وقال أبو عبيدة: «أم» بمعنى «بل»، قال الأخطل:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلام مِنَّ الرَّبابِ خَيالاَ
لم يستفهم، إنما أوجب أنه رأى. قوله تعالى: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ فيه قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس. والثاني: حوادث الدهر، قاله مجاهد، قال ابن قتيبة: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، و «المَنون» الدهر، قال أبو ذؤيب:
أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ ليْسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
هكذا أنشدنَاه أصحابُ الأصمعيّ عنه، وكان يذهب إلى أن المَنونَ الدَّهْرُ، قال: وقوله «والدَّهْرُ ليس بمُعْتِبٍ» يدُلُّ على ذلك، كأنه قال: «أمِنَ الدِّهْرُ ورَيْبِهِ تتَوَجَّعُ؟!» قال الكسائيُّ: العرب تقول: لا أكلِّمك آخِرَ المَنون، أي: آخِرَ الدَّهْر.
قوله تعالى: قُلْ تَرَبَّصُوا أي: انتظِروا بي ذلك فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أي: من المُنتظِرين عذابَكم، فعُذِّبوا يومَ بدر بالسيف. وبعض المفسرين يقول: هذا منسوخ بآية السيف، ولا يصح، إِذ لا تضادّ بين الآيتين. قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا قال المفسرون: كانت عظماء قريش توصَف بالأحلام، وهي العُقول، فأزرى اللهُ بحُلومهم، إذ لم تُثمِر لهم معرفةَ الحق من الباطل. وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومِك لم يؤمِنوا وقد وصفهم اللهُ تعالى بالعُقول؟! فقال: تلك عُقول كادها بارئُها، أي:
لمْ يَصْحَبْها التَّوفيقُ.
وفي قوله: أَمْ تَأْمُرُهُمْ وقوله أَمْ هُمْ قولان: أحدهما: أنهما بمعنى «بل» قاله أبو عبيدة.
والثاني: بمعنى ألف الاستفهام، قاله الزجاج: قال: والمعنى: أتأمُرُهم أحلامُهم بترك القَبول ممَّن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدَّلائل، أم يكفُرون طُغياناً وقد ظهر لهم الحق؟! وقال ابن قتيبة: المعنى: أم تدُلُّهم عقولُهم على هذا؟! لأن الحِلم يكون بالعقل، فكني عنه به.
قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ أي افتَعَل القرآنَ من تِلقاء نَفْسه؟ والتَّقوُّل: تكلُّف القول، ولا يستعمل إلاّ في الكذب بَلْ أي ليس الأمر كما زعموا لا يُؤْمِنُونَ بالقرآن استكباراً. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ في نَظْمه وحُسن بيانه. وقرأ أبو رجاء وأبو نهيك ومورّق العجلي وعاصم الجحدري:
«بحديثِ مِثْلِه» بغير تنوين إِنْ كانُوا صادِقِينَ أنّ محمّدا تقوّله.

[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٣٥ الى ٤٣]

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)
قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فيه أربعة أقوال: أحدها: أَمْ خُلقوا من غير ربٍّ خالق؟
والثاني: أَمْ خُلقوا من غير آباءٍ ولا أُمَّهات، فهم كالجماد لا يعقِلون؟ والثالث: أَمْ خُلقوا من غير شيء كالسماوات والأرض؟ أي: إنهم ليسوا بأشَدَّ خَلْقاً من السماوات والأرض. لأنها خُلقت من غير شيء، وهم خُلقوا من آدم، وآدم من تراب. والرابع: أَمْ خُلقوا لغير شيء؟ فتكون «مِنْ» بمعنى اللام.
والمعنى: ما خُلقوا عَبَثاً فلا يؤمَرون ولا يُنْهَون. قوله تعالى: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ فلذلك لا يأتمرون ولا ينتهون؟ لأن الخالق لا يؤمر ولا يُنهى.
قوله تعالى: بَلْ لا يُوقِنُونَ بالحق، وهو توحيدُ الله وقدرته على البعث.
قوله تعالى: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: المطر والرِّزق، قاله ابن عباس.
والثاني: النُّبوَّة، قاله عكرمة. والثالث: عِلْم ما يكون من الغيب، ذكره الثعلبي، وقال الزجاج: المعنى:
أعندهم ما في خزائن ربِّك من العِلْم، وقيل: من الرِّزق، فهم مُعْرِضون عن ربِّهم لاستغنائهم؟!. قوله تعالى: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ قرأ ابن كثير: «المُسيطِرونَ» بالسين. وقال ابن عباس: المسلَّطون. قال أبو عبيدة: «المصيطرون» : الأرباب. يقال تسيطرت عليّ، اتَّخذتَني خَوَلاً، قال: ولم يأت في كلام العرب اسم على «مُفَيْعِل» إلا خمسة أسماء: مُهَيْمِن، ومُجَيْمِر ومُسَيْطِر ومُبَيْطِر ومُبَيْقِر. فالمُهيْمن: الله الناظر المُحصي الذي لا يفوته شيء. ومُجَيْمر: جبل: والمُسَيْطِر: المسلَّط ومُبَيْطِر: بَيْطار والمُبَيْقِر: الذي يخرُج من أرض إلى أرض، يقال: بَيْقَرَ: إذا خرج من بلد إلى بلد، قال امرؤ القيس:
أَلا هَلْ أَتاهَا والحوادِثُ جَمَّةٌ بأنَّ امْرأَ القَيْس بنَ تَمْلِك بَيْقَرا؟
قال الزجّاج: المسيطِرون: الأرباب المسلَّطون، يقال: قد تسيطر علينا وتصيطر: بالسين والصاد، والأصل السين، وكل سين بعدها طاء، فيجوز أن تُقلب صاداً، تقول: سطر وصطر، وسطا علينا وصطا. قال المفسرون: معنى الكلام: أم هم الأرباب فيفعلون ما شاؤوا ولا يكونون تحت أمر ولا نهى؟! قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ أي: مَرْقَىً ومصْعدٌ إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي: عليه الوحي، كقوله: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «١»، فالمعنى: يستمِعونَ الوحي فيعلمون أنَّ ما هُم عليه حق فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ إِن ادَّعى ذلك بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي، بحُجَّة واضحة كما أتى محمد بحُجَّة على قوله. أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ هذا إنكار عليهم حين جَعلوا لله البنات. أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أي: هل سألتهم أجراً على ما جئتَ به، فأثقلهم ذلك الذي تطلبه منهم فمنعهم عن الاسلام؟ والمَغْرمَ بمعنى الغُرْم، وقد شرحناه في براءة «٢».
(١) طه: ٧١.
(٢) التوبة: ٩٨.
قوله تعالى: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ هذا جواب لقولهم: «نَتربَّص به ريْبَ المَنون» والمعنى: أعندهم الغيب؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ ما فيه ويخبِرون الناس. قاله ابن عباس. والثاني: أعندهم عِلْم الغيب فيَعلمون أنّ محمّدا يموت قبلهم فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي، يحكُمون فيقولون: سَنقْهَرُك. والكتاب: الحكم.
(١٣٥١) ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «سأقضي بينكما بكتاب الله» أي: بحُكم الله عزّ وجلّ وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة.
قوله تعالى: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً وهو ما كانوا عزموا عليه في دار النَّدوة وقد شرحنا ذلك في قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» ومعنى هُمُ الْمَكِيدُونَ هم المجزيّون بكيدهم، ولأنّ ضرر ذلك عاد عليهم فقُتلوا ببدر وغيرها. أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ أي ألَهُم إله يرزقهم ويحفظهم غيرُ الله؟ والمعنى أن الأصنام ليست بآلهة لأنها لا تنفع ولا تدفع. ثم نزَّه نَفْسه عن شرِكهم بباقي الآية.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٤٤ الى ٤٩]
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)
ثم ذكر عنادهم فقال: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً والمعنى: لو سقط بعضُ السماء عليهم، لَمَا انتهوا عن كفرهم، ولَقالوا: هذه قطعة من السّحاب قد ركم بعضُه على بعض. فَذَرْهُمْ أي خَلِّ عنهم حَتَّى يُلاقُوا قرأ أبو جعفر «يَلْقَوا» بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف يَوْمَهُمُ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يوم موتهم. والثاني: يوم القيامة. والثالث: يوم النَّفخة الأولى. قوله تعالى:
يُصْعَقُونَ قرأ عاصم، وابن عامر: «يُصْعَقُون» برفع الياء، من أصعَقَهم غيرُهم، والباقون بفتحها، من صعقوا هم. وفي قوله: يُصْعَقُونَ قولان: أحدهما: يموتون. والثاني: يغشى عليهم، كقوله: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً «٢»، وهذا يخرج على قول من قال: هو يوم القيامة، فإنهم يُغْشى عليهم من الأهوال.
وذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا يصح، لأن معنى الآية الوعيد. قوله تعالى:
يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً هذا اليوم الأول: والمعنى: لا ينفعهم مكرهم، ولا يدفع عنهم العذاب وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي: يُمْنعون من العذاب: قوله تعالى: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: أشركوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ أي: قبْل ذلك اليوم وفيه أربعة أقوال «٣» : أحدها: أنه عذاب القبر، قاله البراء، وابن عباس.
صحيح. أخرجه البخاري ٢٧٢٤ و ٦٦٣٣ ومسلم ١٦٩٧ ومالك ٢/ ٨٨٢ من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في أثناء خبر العسيف. وتقدم في سورة النساء والنور.
__________
(١) الأنفال: ٣٠. [.....]
(٢) الأعراف: ١٤٣.
(٣) قال الطبري رحمه الله في «تفسيره» ١١/ ٤٩٩: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال، إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابا دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون عذاب يوم القيامة، لأنه في البرزخ، والجوع الذي أصاب كفار قريش، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة. ولم يخصص الله نوعا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع بل عمّ، فكل ذلك لهم عذاب.
— 181 —
والثاني: عذاب القتل يوم بدر، وروي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال مقاتل. والثالث: مصائبهم في الدنيا، قاله الحسن، وابن زيد. والرابع: عذاب الجوع، قاله مجاهد.
قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي: لا يعلمون ما هو نازلٌ بهم. وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي: لما يحكُم به عليك فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا قال الزجّاج: فإنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصِلون إلى مكروهك. وذكر المفسرون: أن معنى الصبر نُسخ بآية السيف، ولا يصح، لأنه لا تضادَّ. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ فيه ستة أقوال: أحدها: صلِّ لله حين تقوم من منامك، قاله ابن عباس. والثاني:
قُلْ: سبحانك اللهمَّ وبحمدك حين تقوم من مجلسك، قاله عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين.
والثالث: قل: سبحانك اللهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جُّدك ولا إله غيرك حين تقوم في الصلاة، قاله الضحاك. والرابع: سبِّح الله إذا قُمْت من نومك، قاله حسّان بن عطيّة. والخامس: صلِّ صلاة الظُّهر إذا قُمْت من نوم القائلة، قاله زيد بن أسلم. والسادس: اذْكُر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخُل في الصلاة، قاله ابن السائب. قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال مقاتل: صلِّ المغرب وصلِّ العِشاء وَإِدْبارَ النُّجُومِ قرأ زيد عن يعقوب، وهارون عن أبي عمرو، والجعفي عن أبي بكر: «وأدبار النُّجوم» بفتح الهمزة وقرأ الباقون بكسرها وقد شرحناها في «ق» «١» والمعنى: صلِّ له في إدبار النجوم، أي: حين تُدْبِر، أي: تغيب بضَوء الصُّبح. وفي هذه الصلاة قولان:
(١٣٥٢) أحدهما: أنها الرَّكعتان قَبْل صلاة الفجر، رواه عليّ رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وهو قول الجمهور. والثاني: أنها صلاة الغداة، قاله الضّحّاك، وابن زيد.
لم أقف عليه في شيء من كتب الحديث والتفسير، فهو لا شيء لخلوه عن كتب الأصول.
وعزاه السيوطي في «الدر» ٦/ ١٥٢ لأبي هريرة قوله، ونسبه لابن مردويه.
__________
(١) ق: ٤٠.
— 182 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

5 مقطع من التفسير