تفسير سورة سورة الجمعة
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
عدد الأجزاء
6
المحقق
السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم
نبذة عن الكتاب
- جعل المؤلِّفُ الكتاب مقصورًا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه.
- جمع بين أقاويل السلف والخلف، موضحاً للمؤتلف من المختلف.
- ذكر ما سنح للخاطر من محتملات التفسير، وصدرها بقوله: (ويحتمل)، ليتميز ما نقله عما قاله باجتهاده.
- قدم لهذا التفسير بفصول أيضاً تعتبر من الفصول المهمة، فذكر فيها أسماء القرآن، وتقسيم سور القرآن من الطوال والمئين والمثاني، وتعريف السورة والآية، وبيان معرفة الأحرف السبعة، وكذلك إعجاز القرآن، ثم فصل في النظر إلى جميع ما تتضمنه ألفاظه من المعاني، وما تحتمله من التأويل، وهو فصل مهم جداً.
- شرح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أقسام التفسير، وذكر كلامًا جيدًا يتعلق بأصول التفسير، ثم شرح الاستعاذة والبسملة، ثم شرع بالفاتحة إلى أن اختتم بالناس.
- نلاحظ في طريقة المؤلف في كتابه: أنه صاحب تفنن في ترتيب الأقوال، فهو محسن في ترتيب كتابه، بل هذه طريقته في عامة كتبه.
- اختصر الأسانيد، واكتفى بذكر المُفسِّر، مع أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام (ت:200هـ)، واستفاد من الطبري (ت:310هـ)، واستفاد من الثعلبي (ت:427هـ)، وهذه كلها فيها أسانيد، ومع ذلك لم يذكر الإسناد، وإنما اختصره واكتفى بذكر صاحب التفسير. ثامنًا: يلاحظ أنه أدخل أقوال المتأخرين من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، فوقع في تفسيره بعض الأقوال الضعيفة من هذه الجهة، من جهة تأويلات المعتزلة، والماوردي حين كان ينقل ما كان يبين خطأ هذه المذاهب، فهو ينقل أقوال المعتزلة، ولا يشير إلى خطأ هذه الأقوال؛ لأنه لم ينتهج هذا المذهب، وإنما انتهج منهج اختصار هذه التفاسير، ولهذا سنجد عنده أسماء أعلام من المعتزلة مثل: الرماني، ومثل: علي بن محمد بن بحر الأصفهاني، سنجد مثل هذين الاسمين كثيرًا، ابن بحر الذي هو محمد بن بحر الأصفهاني، والرماني هو علي بن عيسى، أحياناً يقول: الرماني، وأحياناً يقول: علي بن عيسى، أحياناً يقول: ابن عيسى، فنقل عن هؤلاء المعتزلة، فصار كتابه مليئًا ومشحونًا بهذه الأقوال الباطلة.
- هذا الكتاب يُعتَبَر من الكتب التي يكثر فيها القول الشاذ في التفسير، وهو صالح للدراسة من جهة بحث الأقوال الشاذة من خلال تفسير (النكت والعيون)، فإنه سيجد مادة غزيرة جدًّا في هذه الأقوال.
- يُلاحظ أنه لا يعتني بتداخل الأقوال، لذا فهو يحكي كثيراً من الأقوال وهي متداخلة على أنها قول، مع أنها هذه الأقوال يتداخل بعضها مع بعض.
- كان الماوردي فقيهاً شافعيًا، وقد أكثر من ذكر مذهب الشافعي في كتابه هذا، وإن كان يذكر أيضاً مذهب العلماء الآخرين، لكنه يكثر من نقل مذهب الشافعي .
- أشكل المذهب العقدي على من بحث في معتقد الماوردي، وإن كان يعتبر من متكلمي الأشاعرة، وسبب ذلك: أنه ينقل أقوال المعتزلة وغيرهم، حتى أحيانًا ينقل أقوال الرافضة ولا يعلق عليها، فبعضهم يقول: إن فيه رفضاً، وبعضهم يقول: إن فيه اعتزالاً، وإن كان الأصل فيه أنه من متكلمي الأشاعرة، لكن سبب الإشكالية أنه ينقل أقوال هؤلاء ولا يعلق عليها.
- اعتنى بالمشكلات، اهتم بنقلها، وكل هذا من اعتنائه بالنقل؛ فليس من كلامه هو، وإنما اعتنى بنقل ما يكون للعلماء من المشكلات والإجابة عليها.
- اعتنى بنقل الفروق اللغوية واستفاد كثيرًا من الرماني في ذلك؛ لأن الرماني في تفسيره اعتنى كثيراً بالفروق اللغوية.
وهذا الكتاب لا يصلح منهجًا للتفسير، وإنما يعتبر مصدرًا يستفيد منه الباحثون، أما أن يكون كتاباً يعتمد في التفسير ويقرأه الإنسان فلا يصلح، إنما يعد من المصادر.
مقدمة التفسير
سورة الجمعة
مدنية في قول الجميع
بسم الله الرحمان الرحيم
مدنية في قول الجميع
بسم الله الرحمان الرحيم
ﰡ
آية رقم ١
﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم﴾ ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. ﴿بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ يعني في العرب، وفي تسميتهم أميين قولان: أحدهما: لأنه لم ينزل عليهم كتاب، قاله ابن زيد. الثاني: لأنهم لم يكونوا يكتبون ولا كان فيهم كاتب، قاله قتادة. ثم فيهم قولان: أحدهما: أنهم قريش خاصة لأنها لم تكن تكتب حتى تعلم بعضها في آخر الجاهلية من أهل الحيرة.
— 5 —
الثاني: أنهم جميع العرب لأنه لم يكن لهم كتاب ولا كتب منهم إلا قليل، قاله المفضل. فلو قيل: فما وجه الامتنان بأن بعث نبياً أمياً؟ فالجواب عنه ثلاثة أوجه: احدها: لموافقته ما تقدمت بشارة الأنبياء به. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعلمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. ﴿يتلوا عليهم ءاياته﴾ يعني القرآن. ﴿ويزكيهم﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: يطهرهم من الكفر والذنوب، قاله ابن جريج ومقاتل. الثالث: يأخذ زكاة أعمالهم، قاله السدي. ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ فيه ثلاثة تلأويلات: أحدها: أنه القرآن، قاله الحسن. الثاني: أنه الخط بالقلم، قاله ابن عباس، لأن الخط إنما فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط. الثالث: معرفة الخير والشر كما يعرفونه بالكتاب ليفعلوا الخير ويكفوا عن الشر، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق. ﴿والحكمة﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الحكمة السنة، قاله الحسن.
— 6 —
الثاني: أنه الفقه في الدين، وهو قول مالك بن أنس. الثالث: أنه الفهم والاتعاظ، قاله الأعمش. ﴿وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ أي ويعلم آخرين ويزكيهم، وفيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم المسلمون بعد الصحابة، قاله ابن زيد. الثاني: أنهم العجم بعد العرب، قاله الضحاك وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (رأيت في منامي غنماً سوداً تتبعها غنم عفر) فقال أبو بكر: يا رسول الله تلك العرب يتبعها العجم، فقال: (كذلك عبرها لي الملك). الثالث: أنهم الملوك أبناء الأعاجم، قاله مجاهد. الرابع: أنهم الأطفال بعد الرجال. ويحتمل خامساً: أنهم النساء بعد الرجال. ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها النبوة التي خص الله بها رسوله هي فضل الله يؤتيه من يشاء، قاله مقاتل. الثاني: الإسلام الذي آتاه الله من شاء من عباده، قاله الكلبي. الثالث: ما روي أنه قيل يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، فأمر
— 7 —
ذوي الفاقة بالتسبيح والتحميد والتكبير بدلاً من التصدق بالأموال، ففعل الأغنياء مثل ذلك، فقيل لرسول الله ﷺ فقال: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) قاله أبو صالح. ويحتمل خامساً: أنه انقياد الناس إلى تصديقه ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته.
— 8 —
آية رقم ٢
يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم
هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .
بعث في الأميين رسولاً منهم يعني في العرب، وفي تسميتهم أميين قولان : أحدهما : لأنه لم ينزل عليهم كتاب، قاله ابن زيد.
الثاني : لأنهم لم يكونوا يكتبون ولا كان فيهم كاتب، قاله قتادة.
ثم فيهم قولان :
أحدهما : أنهم قريش خاصة لأنها لم تكن تكتب حتى تعلم بعضها في آخر الجاهلية من أهل الحيرة.
الثاني : أنهم جميع العرب لأنه لم يكن لهم كتاب ولا كتب منهم إلا قليل، قاله المفضل.
فلو قيل : فما وجه الامتنان بأن بعث نبياً أمياً ؟
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه :
أحدها : لموافقته ما تقدمت بشارة الأنبياء به.
الثاني : لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم.
الثالث : لينتفي عنه سوء الظن في تعلمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها١.
يتلوا عليهم ءاياته يعني القرآن.
ويزكيهم فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان، وهو معنى قول ابن عباس.
الثاني : يطهرهم من الكفر والذنوب، قاله ابن جريج ومقاتل.
الثالث : يأخذ زكاة أعمالهم، قاله السدي.
ويعلمهم الكتاب فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه القرآن، قاله الحسن.
الثاني : أنه الخط بالقلم، قاله ابن عباس، لأن الخط إنما فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط.
الثالث : معرفة الخير والشر كما يعرفونه بالكتاب ليفعلوا الخير ويكفوا عن الشر، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق.
والحكمة فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن الحكمة السنة، قاله الحسن.
الثاني : أنه الفقه في الدين، وهو قول مالك بن أنس.
الثالث : أنه الفهم والاتعاظ، قاله الأعمش.
هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .
بعث في الأميين رسولاً منهم يعني في العرب، وفي تسميتهم أميين قولان : أحدهما : لأنه لم ينزل عليهم كتاب، قاله ابن زيد.
الثاني : لأنهم لم يكونوا يكتبون ولا كان فيهم كاتب، قاله قتادة.
ثم فيهم قولان :
أحدهما : أنهم قريش خاصة لأنها لم تكن تكتب حتى تعلم بعضها في آخر الجاهلية من أهل الحيرة.
الثاني : أنهم جميع العرب لأنه لم يكن لهم كتاب ولا كتب منهم إلا قليل، قاله المفضل.
فلو قيل : فما وجه الامتنان بأن بعث نبياً أمياً ؟
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه :
أحدها : لموافقته ما تقدمت بشارة الأنبياء به.
الثاني : لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم.
الثالث : لينتفي عنه سوء الظن في تعلمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها١.
يتلوا عليهم ءاياته يعني القرآن.
ويزكيهم فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان، وهو معنى قول ابن عباس.
الثاني : يطهرهم من الكفر والذنوب، قاله ابن جريج ومقاتل.
الثالث : يأخذ زكاة أعمالهم، قاله السدي.
ويعلمهم الكتاب فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه القرآن، قاله الحسن.
الثاني : أنه الخط بالقلم، قاله ابن عباس، لأن الخط إنما فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط.
الثالث : معرفة الخير والشر كما يعرفونه بالكتاب ليفعلوا الخير ويكفوا عن الشر، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق.
والحكمة فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن الحكمة السنة، قاله الحسن.
الثاني : أنه الفقه في الدين، وهو قول مالك بن أنس.
الثالث : أنه الفهم والاتعاظ، قاله الأعمش.
١ من قوله: فلو قيل إلى هنا نقله القرطبي حرفيا وعزاه إلى المؤلف انظر تفسير القرطبي ٩٢/ ١٨..
آية رقم ٣
وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم أي ويعلم آخرين ويزكيهم، وفيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم المسلمون بعد الصحابة، قاله ابن زيد.
الثاني : أنهم العجم بعد العرب، قاله الضحاك وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :" رأيت في منامي١ غنماً سوداً تتبعها غنم عفر " فقال أبو بكر : يا رسول الله تلك العرب يتبعها العجم، فقال :" كذلك عبرها لي الملك ".
الثالث : أنهم الملوك أبناء الأعاجم، قاله مجاهد.
الرابع : أنهم الأطفال بعد الرجال.
ويحتمل خامساً : أنهم النساء بعد الرجال.
أحدها : أنهم المسلمون بعد الصحابة، قاله ابن زيد.
الثاني : أنهم العجم بعد العرب، قاله الضحاك وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :" رأيت في منامي١ غنماً سوداً تتبعها غنم عفر " فقال أبو بكر : يا رسول الله تلك العرب يتبعها العجم، فقال :" كذلك عبرها لي الملك ".
الثالث : أنهم الملوك أبناء الأعاجم، قاله مجاهد.
الرابع : أنهم الأطفال بعد الرجال.
ويحتمل خامساً : أنهم النساء بعد الرجال.
١ في تفسير القرطبي: أسقي غنما سودا..
آية رقم ٤
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها النبوة التي خص الله بها رسوله هي فضل الله يؤتيه من يشاء، قاله مقاتل.
الثاني : الإسلام الذي آتاه الله من شاء من عباده، قاله الكلبي.
الثالث : ما روي أنه قيل يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، فأمر ذوي الفاقة بالتسبيح والتحميد والتكبير بدلاً من التصدق بالأموال، ففعل الأغنياء مثل ذلك، فقيل لرسول الله ﷺ فقال :" ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ " قاله أبو صالح.
ويحتمل خامساً : أنه انقياد الناس إلى تصديقه ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته.
أحدها : أنها النبوة التي خص الله بها رسوله هي فضل الله يؤتيه من يشاء، قاله مقاتل.
الثاني : الإسلام الذي آتاه الله من شاء من عباده، قاله الكلبي.
الثالث : ما روي أنه قيل يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، فأمر ذوي الفاقة بالتسبيح والتحميد والتكبير بدلاً من التصدق بالأموال، ففعل الأغنياء مثل ذلك، فقيل لرسول الله ﷺ فقال :" ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهَ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ " قاله أبو صالح.
ويحتمل خامساً : أنه انقياد الناس إلى تصديقه ﷺ ودخولهم في دينه ونصرته.
آية رقم ٥
﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: معناه تفرون من الداء بالدواء فإنه ملاقيكم بانقضاء الأجل. الثاني: تفرون من الجهاد بالقعود فإنه ملاقيكم بالوعيد. الثالث: تفرون منه بالطيرة من ذكره حذراً من حلوله فإنه ملاقيكم بالكره والرضا. الرابع: إنه الموت الذي تفرون أن تتمنوه حين قال تعالى: ﴿فتمنوا الموت﴾.
آية رقم ٨
قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم يحتمل أربعة أوجه :
أحدها : معناه تفرون من الداء بالدواء فإنه ملاقيكم بانقضاء الأجل.
الثاني : تفرون من الجهاد بالقعود فإنه ملاقيكم بالوعيد.
الثالث : تفرون منه بالطيرة من ذكره حذراً من حلوله فإنه ملاقيكم بالكره والرضا.
الرابع : إنه الموت الذي تفرون أن تتمنوه حين قال تعالى : فتمنوا الموت .
أحدها : معناه تفرون من الداء بالدواء فإنه ملاقيكم بانقضاء الأجل.
الثاني : تفرون من الجهاد بالقعود فإنه ملاقيكم بالوعيد.
الثالث : تفرون منه بالطيرة من ذكره حذراً من حلوله فإنه ملاقيكم بالكره والرضا.
الرابع : إنه الموت الذي تفرون أن تتمنوه حين قال تعالى : فتمنوا الموت .
آية رقم ٩
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾ ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ في السعي إليها أربعة أقاويل: أحدها: النية بالقلوب، قاله الحسن.
— 8 —
الثاني: أنه العمل لها، كما قال تعالى: ﴿إن سعيكم لشتى﴾ قاله ابن زيد. الثالث: أنه إجابة الداعي، قاله السدي. الرابع: المشي على القدم من غير إسراع، وذكر أن عمر وابن مسعود كانا يقرآن ﴿فامضوا إلى ذكر الله﴾. وفي ذكر الله ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها موعظة الإمام في الخطبة، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنها الوقت، حكاه السدي. الثالث: أنه الصلاة، وهو قول الجمهور. وكان اسم يوم الجمعة في الجاهلية العروبة، لأن أسماء الأيام في الجاهلية كانت غير هذه الأسماء، فكانوا يسمون يوم الأحد أوّل، والأثنين أهون، والثلاثاء جبار، والأربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار، وأنشدني بعض أهل الأدب:
وأول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب، وقيل بل سمي في الإسلام لاجتماع الناس فيه للصلاة. ﴿وذروا البيع﴾ منع الله منه عند صلاة الجمعة وحرمه في وقتها على ما كان مخاطباً بفرضها. وفي وقت التحريم قولان: أحدهما: أنه بعد الزوال [إلى ما] بعد الفراغ منها، قاله الضحاك. الثاني: من وقت أذان الخطبة إلى الفراغ من الصلاة، قاله الشافعي رحمه الله فأما الأذان الأول فمحدث، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس به لحضور
| (أؤمل أن أعيش وإن يومي | بأوّل أو أهون أو جبار) |
| (أو التالي دبار أو فيومي | يمؤنس أو عروبة أو شيار) |
— 9 —
الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها، وقد كان عمر أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد، فجعله [عثمان] آذانين في المسجد، وليس يحرم البيع بعده وقبل الخطبة، فإن عقد في هذا الوقت المحرم بيع لم يبطل البيع وإن كان قد عصى الله، لأن النهي مختص بسبب يعود إلى العاقدين دون العقد، وأبطله ابن حنبل تمسكاً بظاهر النهي. ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ يعني أن الصلاة خير لكم من البيع والشراء لأن الصلاة تفوت بخروج وقتها، والبيع لا يفوت. ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ يعني أُدّيتْ. ﴿فانتشروا في الأرض﴾ حكي عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فرضيتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: الرزق من البيع والشراء، قاله مقاتل والضحاك. الثاني: العمل في يوم السبت، قاله جعفر بن محمد. الثالث: ما رواه أبو خلف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا قضيت
— 10 —
الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، قال: ليس بطلب الدنيا لكن من عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله.) ﴿وإذا رأوا تجارة أولهو أنفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾. ﴿وإذا رأو تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ روى سالم عن جابر قال: أقبلت عير ونحن مع رسول الله ﷺ يعني في الخطبة فانفتل الناس إليها وما بقي غير اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية. وذكر الكلبي أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج إليه نم برودقيق وغيره فنزل عند أحجار الزيت وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، وكانوا في خطبة الجمعة، فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله ﷺ ثمانية رجال، فقال تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾. والتجارة من أموال التجارات. وفي اللهوها هنا أربعة أوجه: أحدها: يعني لعباً، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الطبل، قاله مجاهد. الثالث: أنه المزمار، قاله جابر. الرابع: الغناء. ﴿وتركوك قائماً﴾ يعني في خطبته، وروى عن النبي ﷺ أنه قال: والذي
— 11 —
نفسي بيده لو ابتدرتموها حتى لا يبقى معي أحد لسال الوادي بكم ناراً، وإنما قال تعالى: ﴿انفضوا إليها﴾ ولم يقل إليهما، لأن غالب انفضاضهم كان للتجارة دون اللهو. وقال الأخفش: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً، وكذلك قرأ ابن مسعود. وفي ﴿انفضوا﴾ وجهان: أحدهما: ذهبوا. الثاني: تفرقوا. فمن جعل معناه ذهبوا أراد التجارة، ومن جعل معناه تفرقوا أراد عن الخطبة وهذا أفصح الوجهين، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر:
﴿قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما عند الله من ثواب صلاتكم من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمت لكم خير مما أصبتموه بانفضاضكم من لهوكم وتجارتكم. ﴿والله خير الرازقين﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله سبحانه خير من رزق وأعطى. الثاني: ورزق الله خير الأرزاق.
| (انفض جمعهم عن كل نائرة | تبقى وتدنس عرض الواجم الشبم) |
— 12 —
سورة المنافقون
بسم الله الرحمن الرحيم
— 13 —
آية رقم ١٠
فإذا قضيت الصلاة يعني أُدّيتْ.
فانتشروا في الأرض حكي عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فرضيتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.
وابتغوا من فضل الله فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : الرزق من البيع والشراء، قاله مقاتل والضحاك.
الثاني : العمل في يوم السبت، قاله جعفر بن محمد.
الثالث : ما رواه أبو خلف عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، قال : ليس بطلب الدنيا لكن من عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله١. "
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما روى سالم عن جابر قال : أقبلت عر ونحن مع رسول الله ﷺ يعني في الخطبة فانتقل الناس إليها وما بقي غير اثنى عشر رجلا، فنزلت هذه الآية٢.
وذكر الكلبي أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره فنزل عند أحجار الزيت٣ وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، وكانوا في خطبة الجمعة، فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله ﷺ ثمانية رجال، فقال تعالى :" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ". والتجارة المعروف من أموال التجارات.
وفي اللهو هاهنا أربعة أوجه :( أحدها ) يعني لعبا، قاله ابن عباس. ( الثاني ) أنه الطبل، قاله مجاهد. ( الثالث ) أنه المزمار، قاله جابر. ( الرابع ) الغناء.
" وتركوك قائما " يعني في خطبته. وروى عن النبي ﷺ أنه قال : والذي نفسي بيده لو ابتدرتموها حتى لا يبقى معي أحد لسال الوادي بكم نارا٤. وإنما قال تعالى :" انفضوا إليها " ولم يقل إليهما "، لأن غالب انفضاضهم كان للتجارة دون اللهو.
وقال الأخفش : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا، وكذلك قرأ ابن مسعود.
وفي " انفضوا " وجهان :( أحدهما ) ذهبوا. ( الثاني ) تفرقوا. فمن جعل معناه ذهبوا أراد إلى تجارة، ومن جعل ومعناه تفرقوا أراد عن الخطبة وهذا أفصح الوجهين، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر :
انفض جمعهم عن كل نائرة٥ تبقى وتدنس عرض الواجم الشيم
قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة يحتمل وجهين :
أحدهما- ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهو كم وفائدة تجارتكم.
الثاني- ما عند الله من رزقكم الذي قسمت لكم خير مما أصبتموه بانفضاضكم من لهوكم وتجارتكم.
والله خير الرازقين يحتمل وجهين :( أحدهما ) إن الله سبحانه خير من رزق وأعطى. ( الثاني ) ورزق الله خير الأرزاق.
فانتشروا في الأرض حكي عن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فرضيتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.
وابتغوا من فضل الله فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : الرزق من البيع والشراء، قاله مقاتل والضحاك.
الثاني : العمل في يوم السبت، قاله جعفر بن محمد.
الثالث : ما رواه أبو خلف عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، قال : ليس بطلب الدنيا لكن من عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله١. "
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما روى سالم عن جابر قال : أقبلت عر ونحن مع رسول الله ﷺ يعني في الخطبة فانتقل الناس إليها وما بقي غير اثنى عشر رجلا، فنزلت هذه الآية٢.
وذكر الكلبي أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره فنزل عند أحجار الزيت٣ وضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، وكانوا في خطبة الجمعة، فانفضوا إليها، وبقي مع رسول الله ﷺ ثمانية رجال، فقال تعالى :" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ". والتجارة المعروف من أموال التجارات.
وفي اللهو هاهنا أربعة أوجه :( أحدها ) يعني لعبا، قاله ابن عباس. ( الثاني ) أنه الطبل، قاله مجاهد. ( الثالث ) أنه المزمار، قاله جابر. ( الرابع ) الغناء.
" وتركوك قائما " يعني في خطبته. وروى عن النبي ﷺ أنه قال : والذي نفسي بيده لو ابتدرتموها حتى لا يبقى معي أحد لسال الوادي بكم نارا٤. وإنما قال تعالى :" انفضوا إليها " ولم يقل إليهما "، لأن غالب انفضاضهم كان للتجارة دون اللهو.
وقال الأخفش : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا، وكذلك قرأ ابن مسعود.
وفي " انفضوا " وجهان :( أحدهما ) ذهبوا. ( الثاني ) تفرقوا. فمن جعل معناه ذهبوا أراد إلى تجارة، ومن جعل ومعناه تفرقوا أراد عن الخطبة وهذا أفصح الوجهين، قاله قطرب، ومنه قول الشاعر :
انفض جمعهم عن كل نائرة٥ تبقى وتدنس عرض الواجم الشيم
قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة يحتمل وجهين :
أحدهما- ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهو كم وفائدة تجارتكم.
الثاني- ما عند الله من رزقكم الذي قسمت لكم خير مما أصبتموه بانفضاضكم من لهوكم وتجارتكم.
والله خير الرازقين يحتمل وجهين :( أحدهما ) إن الله سبحانه خير من رزق وأعطى. ( الثاني ) ورزق الله خير الأرزاق.
١ هكذا جاء في ك على أنه حديث، والذي في تفسير القرطبي ١٠٩/ ١٨ أن القول الثالث هذا من كلام ابن عباس..
٢ هذا الخبر رواه مسلم في صحيحه، والبخاري والترمذي في التفسير..
٣ أحجار الزيت: مكان في سوق المدينة..
٤ جاء في حديث مرسل رواه أسد بن عمرو أن الذين بقوا مع رسول الله ﷺ هم اثنا عر رجلا العشرة المبشرون بالجنة وبلال وابن مسعود، وفي رواية أخرى وبلال وعمار بن ياسر..
٥ نائرة: شر..
٢ هذا الخبر رواه مسلم في صحيحه، والبخاري والترمذي في التفسير..
٣ أحجار الزيت: مكان في سوق المدينة..
٤ جاء في حديث مرسل رواه أسد بن عمرو أن الذين بقوا مع رسول الله ﷺ هم اثنا عر رجلا العشرة المبشرون بالجنة وبلال وابن مسعود، وفي رواية أخرى وبلال وعمار بن ياسر..
٥ نائرة: شر..
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
8 مقطع من التفسير