تفسير سورة سورة الأنعام

إبراهيم القطان

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تيسير التفسير

إبراهيم القطان (ت 1404 هـ)

الحمد: الثناء الحق والذكر الجميل. الظلمة: الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه، والنور قسمان: حِسّي وهو ما يدرك بالبصر، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة.
الجَعل: الإنشاء والابتداع كالخلق، الا ان الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية، وبالتشريعي كما في قوله تعإلى: «وما جعل الله من بَحيرة ولا سائبة» الآية.
ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً، والظلمة إلا جمعاً. وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه، ومصادر ذلك كثيرة. وكذلك حال النور المعنوي، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة. فالحق واحد لا يتعدد، والباطل الذي يقابله كثير. والهدى واحد، والضلال المقابل له كثير. وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود، فقد وُحدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة. والى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو: «ان الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه نورُه اهتدى، ومن أخطأهُ ضل» رواه احمد والترمذي. ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾.
ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر، وغير الكسبيِّ منه الوحي، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
يعدلون: يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة، أيك يتخذون له أندادا. الأجَل: المدة المقدَّرة. تمترون: تشكّون في البعث.
﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾.
الثناء والذِكر الجميل لله، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه، وأوجد الظلمات والنور لمنتفة العباد. ثم مع هذه النعم الجلية يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة!!
بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي اشرنا إليها: الالوهية، الوحي والرسالة، وقضية البعث بعد الموت فقررت في أولاها ما يوجب النظَر في التوحيد، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره، وإهابات بالعقول أن تلتفت الى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء، لأن الله هو وحده المصدر، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس الى غيره، فما أضلَّ أولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق.
— 453 —
ففي الآية الكريمة إشارة إلى عظمة الخلق ووحدته، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله: فالسماوات بنجومها وكواكبها، والأرض وما عليها من حيوان ونبات، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء- كلها تدل على وحدانية الخالق. وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف.... كل هذا يدل على إبداع الخالق.
﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾.
هو الذي بدأ خلْقكم من طين هذه الأرض، ثم قدّر لحياة كل واحد منكم زمنا ينتهي بموته، واجلاً مسمّى عنده. وهذا يعني ان الله تعالى قضى لعباده أجلَين: أجَلاً لحياة الفرد قبل مماته، وأجلاً آخر محدداً عنده تعالى لبعث جميع الناس بعد النقاء عمر الدنيا. ثم أنتم إيها لتكافرون بعد هذا تجادلون في قدرة الله على البعث! ما دام الله هوا لذي خلق الإنسان من طين، وسخّر له ما في الأرض والسماوات ينتفع بما فيها، فكيف يشك اي إنسان في ان له حياة اخرى!!
﴿وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض﴾.
هو وحده المستحقُّ للعبادة في السماوات وفي الأرض، يعلم ما أخفيتموه وما أظهرتموه، ويعلم ما تكسبُون من الخير والشر فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به.
تقرر هذه الآية الكريمة خاصة الألوهية من العلم الشامل وعموم القدرة، وهما الأساسان في فهم الحق بالنسبة الى الألوهية، وبالنسبة الى البعث والجزاء، وبالنسبة الى الوحي والرسالة.
— 454 —
الآية: العلامة والعبرة والحجة، ومن القرآن جملة او جُمل. الأعراض: التولي عن الشيء. الحق: دين الله الذي جاء به خاتم رسله. الإنباء: الإخبار الذي جاء به القرآن الكريم من وعد ووعيد القرن: القوم المقترنون في زمن واحد، جمعُه قرون. مكّناهم في الأرض: جعلناهم يتصرفون فيها. أرسلنا عليهم السماء مدرارا: امطرنا عليهم مطرا غزيرا.
بعدان أرشد سبحانه وتعإلى في الآيات السالفة الى دلائل وحدانيته، وذكَر إنها على شدة وضوحها لم تمنع المشركين من أن يتجاهلون ذلك كله- جاءت هذه الآية تقرر أن الله آياتٍ يبعث بها أنبياءه إلى خلقه، وهي آيات الشرائع والاحكام، وآيات الخلق والفاتقان. لكن الناس مع وضوح هذه الآيات تأخذهم فتنة الحياة، فيُعرضون ويكذّبون. ثم توعّدهم ربهم على إعراضهم ذاك وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحق، ووجَّه أنظارهم الى ما حل بالأمم التي قبلهم لعلّم يرعوون.
﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
ولا تنزلُ عليهم آية من تلك الآيات الناطقة بتفصيل بدائع صنع الله إلا أعرضوا عنها استهزاءً وتكذيبا.
ولما بيّن تعالى أن شأنهم الإعراضُ عن الآيات قال: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ اي أنه بسببٍ من ذلك الإعراض عن النظر في الآيات كذّبوا بالحق الذي جاءهم به النبيّ عليه السلام، ولم يتأملوا ما فيه.
ثم هدّدهم وتوعدهم على تكذيب فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يستهزئون﴾ أي ان عاقبة لتكذيب أن تحل بهم العقوبات العاجلة، من نصر رسوله وأصحابه، وإظهار دينه على الدين كله. وقد حقق ذلك، وتم فتح مكة والنصر لدين الله.
وبعد ان توعدهم سبحانه بنزول العذاب بهم بيّن أنّ مما جرت به سُنّته في المكذبين قبلهم ليتّعظوا فقال:
﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ؟﴾
ألم يَعْلموا أنّنا أهلَكْنا أُمماً كثيرةً قبلَهُم، أعطَيْناهم مِن أسبابِ القُوّة والبقاءِ في الأرضِ ووسّعنا عليهم في الرزق والنعيم ما لم نُعْطِكم مثلَه إيها الكافرون.
ولما لم يشكروا هذه النِعم، أهلكناهم بسبب شركهم وكثرة ذنوبهم ﴿وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ اي أوجدنا أناساً غيرهم خيراً منهم.
وفي هذه الآية ردّ على كفار مكة وهدمٌ لغرورهم بقوتهم وثروتهم، قبالة ضعف أصحاب النبي ﷺ وفقرهم في ذلك الوقت. كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥].
الكتاب: الصحيفة المكتوبة، ومجموعة الصحف في موضوع واحد. القرطاس: الورق الذي يكتب فيه. اللمس: مسُّ الشيء باليد، وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء، يقال: لمسه والتمسه وتلمّسه. السحر: خداع وتمويه يُري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق لقُضي الأمر: لتم هلاكهم. لا ينظَرون: لا يمهلون. اللبس: الستر والتغطية.
بعد أن أرشد سبحانه في الآيات المتقدمة إلى ما دعا إليه الرسولُ الكريم من التوحيد والبعث، ثم ذكر أن قريشا نزعت إلى التكذيب، وانذرهم عاقبة ذلك طالباً اليهم أن يتعظوا من أمم غابرة- أورد هنا شُبهاتِ أولك الجاحدين المعاندين على الوحي وبعثة الرسول ﷺ منها لجوؤهم إلى رمي الحديث بالسحر. وتفسير الآية:
ولو انْزلنا عليك إيها النبي هذا القرآن مكتوبا في ورق ظاهر، كدليل على رسالتك، قرأوا بأعينهم وتأكدوا منه بلمسه بأيديهم لقالوا: ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر واضح ظاهر.
وكان كفار قريش وزعماؤهم يتعنّتون كثيراً ويطلبون من الرسول الكريم أشياء للتعجيز، وكان النبي يعجَب من كفر قومه به وبما انزل عليه، رغم وضوح برهانه - فبيّن الله تعالى أسباب ذلك، وان هذا قديم في طباع البشر وأخلاقهم.
وكان من تعنت قريش أنهم اقترحوا ان يُنزل على الرسول ملَك من السماء يسمعون كلامه ويرونه، ويكون معه رسالته من ربه. وقد رد الله تعالى إلاقتراحين بقوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ لولتا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾
قالوا: نطلب ان ينزل الله عليه ملَكاً يصدِّقه، ولو أنزلْنا كما أفتروحا لقُضي الأمر بإهلاكهم ثم لا يؤخَّرون ساعة. ولو جُعل الرسول ملَكاً لجُعل متمثّلاً في صورة بشرٍ، وذلك ليستطيعوا رؤيتَه، وسماعَ كلامه فالملائكة أزواح لطيفة لا تُرى، ولا يمكن ان يظهروا للعيان الا في صورة جسم بشري. ولو جاءهم ملك في صورة بشر لاعتقدوا انه بشر مثلهم، وحينئذٍ يقعون في اللَّبس والخطأ الذي يتخبطون فيه الآن.
وقد ذكر الإمام البخاري في تفسير «قضاء الأمر» عدةَ وجوه:
١- ان سنة الله قد جرت بأن أقوام الرسل إذا اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا بها بعد أن جاءتهم - عذّبهم الله عذاب الاستئصال. والله لا يريد ان يستأصل هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
٢- انهم لو شاهدوا الملَك بصورته الأصلية لماتوا من هول ما يشاهدون.
٣- انهم اقترحوا ما لا يتوقّف عليه الإيمان، فلو أُعطوه ولم يجدِ ذلك معهم نفعا - دلّ ذلك على منتهى العناد الذي يستدعي الإهلاك وعدم الإمهال...
الاستهزاء والهزؤ: السخرية والاحتقار. حاق به المركون: اخط به.
بعد ان ذكر سبحانه مقترحات كفار قريش السخيفة وتعنتهم، وخفّف عن الرسول ما يلاقيه منهم من سوء الأدب- بيّن له انه ليس أول رسول يلاقي ما يلاقيه.. فان كثيرا من الرسل قبله لاَقوا من أقوامهم مثل ما لاقى بل أشدّ ثم أمر هؤلاء المكذبين أن يسيروا في الأرض ليروا كيف كانت عاقبةُ الذين كذّبوا أنبياءه من قبلهم.
والتفسير: لقد استهزأ الكفار برسل كرام قبلك، فأحاط بالساخرين العذاب الذي أنذرهم به رسلهم جزاء على سوء صنيعهم. وفي الآية تسلية للرسول الكريم عن إيذاء قومه له، وتعليم له بسنُنِ الله في الأمم مع رسلهم، وبشارة له بحسن العاقبة، وما سيحل بالمستهزئين من الخزي والنّكال. كذل فيها تحدّ لهم: قُل يا محمد للمستهزئين بل من قومك: سيروا في الأرض، وتأملوا كيف كان الهلاك نهاية المكذبين لرسلهم، وكيف كانت عاقبتهم بما تشاهدون من آثارهم، ثم اعتبروا انتم بهذه النهاية، وذلك المصير.
كتب على نفسه الرحمة: أوجب على نفسه إيجاب فضل وكرم. سكن: من السكون، ضد الحركة، الولي: الناصر ومتولي الأمر. فاطر السموات والأرض: مبدعها على غير مثال. وهو يُطعم ولا يطعم: هو الرزاق ليغره ولا يرزقه احد. يصرف عنه: يبعد عنه.
في الآيات السابقة ذكرَ اللهُ تعإلى أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث والجزاء، ورسالة محمد، ثم ذك شبهات الكافرين الجاحدين وبيّن ما يدحضها، ثم أرشد الى سننه تعالى في أقوام الرسل المكذّبين وعاقبتهم. وهنا يرد ذِكر هذه الأصول الثلاثة بأسلوب آخر: أسلوب السؤال والجواب. ويسيرُ هذا الأسلوب في طريقين بارزين لا تكاد نجدهما بهذه الكثرة في غير هذه السورة. فهي تورد الأدلةَ المتعلقة بتوحيد الله، وتفرُّدِه بالمُلك والقدرة في صورة الشأن المسلَّم بالتقرير الذي لا يقبل الإنكار او الجدل ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ هذا الاسلوب.
أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب التلقين: تلقين الحجة والأمر بقذفها في وجه الخصم حتى تحيط به من جميع جوانبه فلا يستطيع التفلّت منها، ولا يجد بُدّاً من الاستسلام لها. ففي حجج التوحيد والقدرة:
﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة﴾
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
﴿قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾
وفي حجج الوحي وبيان مهمة الرسول، وأن الرسالة لا تنافي البشرية، وفي إيمان الرسول بدعوته، واعتماده على الله، وعدم اكتراثه بهم، او انتظار الأجر منهم:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً؟ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولتا أَعْلَمُ الغيب ولاا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ إلى آيات كثيرة.
وفي وعيدهم على التكذيب:
﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون﴾.
﴿قُلْ يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾.
﴿قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾.
وفي الرد عليهم في التحليل والتحريم من دون الله وتفنيدِ شبهتهم في الشرك وآثاره، وفي بيان ما حرم خاصة في الطعام، وعامة في نظام الله:
﴿قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين﴾.
{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً الآية...
— 458 —
}.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾.
﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
هذان الأسلوبان قد تناوبا معظم ما تضمنته هذه السورة العظيمة، والقرآن كله عظيم..
ويدل الاسلوبان على انهما صدرا في موقف واحد، وفي مقصد واحد، ولخصم واحد بَلَغ من الشدة والعتو مبلغاً استدعى من الله تزويد الرسول بعدةٍ وفية تتضافر في جملة شديدة يقذف بها في معسكر الاعداء، فتزلزل عمده، وتهد من بنيانه، فيخضع بالتسليم للحق.
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قل إيها الرسول لقومك الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن عدوتك: من هو مالك السماوات والأرض ومن فيهن؟ فان احجموا ولم يجيبوا، فقل الجواب الذي لا جواب غيره: إن مالكها هو الله وحده لا شريك له. لقد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه، فلا يعجل في عقوبتهم وأنما يقبل توبتهم. ومن مقتضى هذه الرحمة ان يجمعكم إلى يوم القيامة.
﴿الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
والذين ضّيعوا أنفسَهم، وعرَّضوها للعذاب في هذا اليوم هم الذين لا يؤمنوا بالله، ولم يصدقوا رسوله، ولا بيوم الحساب.
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار وَهُوَ السميع العليم﴾.
فلله ما في السماوات والأرض، وله كل ما فيهنّ من ساكن ومتحرك في كل مكان وزمان، وهو السميع المحيط علمه بكل شيء.
﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً؟ الآية...﴾.
قل أيها النبي، أنا لا اتخذ غير الله إلهاً وناصرا، وهو وحده منشئ السماوات والأرض على نظام لم يُسبق إليه. روى عن ابن عباس انه قال: ما عرفت معى فاضر السماوات والارش، حتى أتاني إعرابيان يختصمان في بئر، فقال احدهما: أنا فطرتها، اي ابتدعتها.
وهو الرزاق لعباده طعامَهم، ولي هو بحاجة الى من يرزقه ويطعمه. قل لهم يا محمد: بعد ان استبانت لكم الأدلة وجوب عبادة الله وحده، فأنا أُبلّغكم أنني قد أمرني ربي ان اكون أول من أسلم اليه، ونهاني عن ان اشرك معه غيره في العبادة. ذلك أني أخاف إن خالفتُ أمر ربي وعصيته، عذابَ يوم يتجلى فيه الرب على عباده ويحاسبهم على إعمالهم ويجازيهم بما يستحقون. إنه يوم شديد عند ذلك، فمن صرُف عنه العذاب ونجا من العقوبة، فقد C، فدخل الجنة، وفاز عظيما.
— 459 —
المس: أعمًّ من اللمس، يقال مسه السوء او الكِبَر او العذاب او التعب، أصابه.
الضر: الألم والحزن والخوف، القاهر: الغالب. الشهيد: الشاهد عن علم ويقين. الإنذار: التخويف.
قعد أن بين سبحانه وتعالى ان صَرْفَ العذاب والفوزَ بالنعيم هو من رحمته تعالى في الآخرة- بين هنا ان الأمر كذلك في الدنيا، وان التصرف فيها له وحده.
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾.
إن يُصبْك الله بأي نوع نم الألم والسوء والحزن وغيره فلا صارف يصرفه عنك الا الله وان يمنحك خيرا كصحة وغنى وقوة وجاه فلا رادّ لفضله، وهو القادر على حفظه عليك، لأن التقدير على كل شيء.
وبعد ان اثبت الله تعالى لنفسه كمال القدرة، اثبت لها كمال السلطان والقوة، مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الأمور، فقال:
﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحكيم الخبير﴾.
وهوا لغالب بقدرته، المتسلي على عباده، المتّصف بالحكمة في كل ما يفعل، هو المحيط علمه بما ظهر واستتر، والخبير بمصالح الاشياء، ومضارها، لا تَخفى عليه خوافي الامور.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
قل إيها النبي لِمَن يطلبون شهادة على رسالتك: أي شيء أعظمُ شهادةً وأحق التصديق؟ قل: ان الله اعظم شاهد بيني وبينكم على صدق ما جئتكم به، وقد أنزل عليّ هذا القرآن ليكون حجة لصدقي، لأحذركم به أنتم وكل من بلغه خبرُه.
واسألْهم: أأنتم الذين تقولون، معتقدين، إن مع الله آلهة غيره؟ ثم لهم: لا أشهد بذلك، ولا أُقركم عليه، وأنما المعبودُ بحق إلهٌ واحد هو الله ربي وربكمن، وأنا بريء مما تشركون به من الأصنام والأوثان.
افترى: كذب. تزعمون: تظنون، واكثر ما يستعمل الزعم فيما هو باطل. ضل: غاب، وخفِي.
بين الله تعالى في الآية السابقة ان شهادة الله على صحة نبوة رسوله كافية في تحقُّقها، وذكَر كذب أهل الكتاب في ادعائهم أنهم لا يعرفون محمداً ﷺ، فأورد أنهم يعرفون نبوّته كما يعرفون أبناءهم. وقد رُوي أن كفار قريش أرسلوا ليهودَ وسألوهم عن صفة النبي هل جاء في كتبهم عنا شيء، فأنكروا أن في التوراة والإنجيل شيئا من ذلك وقد كذبوا في ذاك، إن صفته في كتبهم واضِحة ظاهرة.
﴿الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
فهؤلاء قد ضيعوا أنفسهم لأنهم كذبوا، لوم يقرّوا بما عرفون، بل أصرّوا على إنكارهم الحقائق. وليس هناك من هو أشد ظلماً ممن افترى على الله كذِبا، كمن زعم ان له ولداً أو شريكا، ولا ممن كذّب بآياته المنزلة عل أنبيائه السابقين وأنكرها.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ؟﴾.
اذكر لهم إيها الرسول ما سيحصل لهم يوم نجمع الخلق كلّهم للحساب، ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره: أين الذين جعلتموهم شركاء لله، وزعمتم في الدنيا أنهم أولياؤكم من دونه؟
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
لن تكون نتيجة محنتهم الشديدة في هذا الموقف الحرج الا محاولة التخلص من شركهم السابق بالكذب، قائلين ما أشركنا في العبادة أحدا.
﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾.
انظر كيف سيغالطون انفسهم بهذا الكذب، كيف غاب ما كانوا يختلفونه من عبادة الاحجار، ويزعمونها شركاء لله.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «ثم لم يكن» بالياء والباقون «لم تكون» بالتاء. وقرأ بن كثير وابن عامر وحفص «فتنتهم» بالرفع، والباقون «فتنتهم» بنصب التاء. وقرأ حمزة وخلف والكسائي «والله ربنا» بنصب الباء، والباقون بكسرها.
الأكنة: الأغطية مفردها كنان. الوقر: الثقل في السمع، الصمم. الأساطير: مفردها أسطورة هنا ما يوجب اليأس من أيمان بعضهم مهمات توالت الآيات والنذر.
ومنهم من يستمع إليك حين تتلو القرآن، لا يلت فهموه وليهتدوا به، وأنما ليتلمسوا سبيلا للطعن فيه والسخرية منه. لذا فقد حرمناهم من إلانتفاع بعقولهم وأسماعهم، فباتوا وكأن عقولهم عليها أغطية تحجب عنهم الإدراك الصحيح، وكأن في آذانهم صمماً يحول دون سماع الآيات على صحة نبوتك وحتى لو رأوا كل دليل فإنهم لن يؤمنوا. وسيظلون إذا جاؤوك ليجادلوك بالباطل، قالوا مدفوعين بكفرهم: ما هذا الخرافات عن الأولين.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾.
وهم ينهون الناس عن الإيمان بالقرآن، ويبتعدون عنه بانفهسم، فلا ينتفعون ولا يَدعون غيرهم ينتفع به.
﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
الواقع انهم لا يضرون بذلك الا أنفسهم، وما يشعرون بقبح ما يفعلون.
روى ابن عباس: قال حضر عند النبي ﷺ أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث، والحارث بن عامر، وأبو جهل.... في جَمعٍ من كفار قريش، واستمعوا النبي وهو يقرأ القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعل الكعبة بيته ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولي مثل ما كنتُ أحدّثكم بهِ عن القرون الماضية (وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى) قال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقاً. فقال ابو جهل: طلا فأنزل الله الآية.... وهناك روايات اخرى.
وقفوا على النار: اطّلعوا عليها وعرفوها.
يبين الله تعإلى هنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، وبعض ما يكون من أمرِ الكفار عندما يُعرَضون على النار ويشاهدون هولها، عند ذاك ينتمون ان يعودوا الى الدنيا ليعملوا صالح الأعمال. وقد كذّبهم الله فيهما يقولون من أمر ذلك.
ولو ترى إيها النبي، هؤلاء الكفار وهم واقفون على النار يعانون أهوالها لرأيتَ أمارَ غريباً رهيباً، إذا يتمنّون الرجوع الى الدنيا، ويقولون يالتينا نُردّ إليها نُردّ إليها لنُصلح أعمالنا، ونكون من المؤمنين.
لكن قولهم هذا ليس إلا بهمة وتخلصاً، فقد جاء بعد أن ظهر لهم ما لا يمكن إخفاؤه والمكابرة فيه. ولو رُدوا الى الدنيا كما يتمنون، لعادوا الكفير الذي نهاهم الله عنه، اغتراراً منهم بزخرفها وإطاعة لأهوائهم. انهم لكاذبون في دعواهم الأيمان إذا ردوا الى الدنيا، فلو أُعيدوا الى الدنيا لقالوا: ليس لنا حياة إلا هذه، وما نحن بمبعوثين بعد ذلك.
قراءات:
قرأ حمزة ويعقوب وحفص «لا نكذب بآيات ربنا ونكون» بالصهب فيها والباقون بالرفع. وقرأ ابن عامر «ونكون» بنصب النون.
الساعة: الزمن المعّين، والمراد به هنا يوم القيامة. بغتة فجأة. الحسرة: الغم والندم على ما فات. فرّطن: قصرنا الأوزار: جمع وزر وهو الحمل الثقيل، ومعناه هنا الإثم والذنب يبين الله هنا حال الكفار حين ينكشف لهم كل شيء يوم القيامة، ويجدون انفسهم في موقف حرج، فيتحسرون ويندمون على تفريطهم السابق في الدنيا، وغرورهم بمتاعها الزائل.
﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ﴾ ولو ترى يا محمد هؤلاء الظالمين المكذبين حين يقفون للحساب إمام ربهم، ويعرفون صدق ما أنزله على رسله لرأيت سوء حالهم اذ يقول اله لهم: أليس هذا تشاهدونه الآن هو الحق الذي أنكرتموه في دنياكم؟ فيقولون متذلّلين: بلى وربنا إنه الحق فيقول الله لهم بعد ذلك: ادخلوا النار بسبب ما كنتم حريصين عليه من الكفر.
يومذاك يكون الذي انكروا لقاء الله للحساب والجزاء يوم القيامة قد خسِروا كل شيء... حتى إذا فاجأتهم مشاهد يوم القيامة وهولها ندموا وقالوا: يا سحرتنا على إهمالنا اتّباعَ الحق وما فرطنا في الدنيا. إنهم هم يتحملون ذنوبهم ويرزحون تحت اعبائها، وما أسوأ تلك الاثقال!
الحقّ أقول لكم: ليست هذه الحياة الدنيا التي حسب الكفار أنه لا حياة غيرها إلا لهواً ولعباً لا نفع فيه، أما الدار الآخرة فهي الحياة الحقيقة. إن نعيم الآخرة لهو أنفع للذين يخافون الله فيمتثلون أمره فلا تعقلون هذا الأمر الواضح، وتفهمون ما يضركم ولا ينفعكم؟.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب «تعقلون» بالتاء والباقون «يعقلون» بالياء.
الجحود والجحد: الانكار، وعدم الاعتراف بالحق. كلمات الله: وعده ووعيده النبأ: الخبر ذو الشأن العظيم كبر الأمر: عظم، وشق وقْعه. الأعراض: لأتولى والانصراف عن الشيء رغبة عنه، او احتقاراً له. الابتغاء: طلبُ ما في طلبه مشقة. النفق: سرب في الأرض له مدخل ومخرج السلّم: المرقاة، مأخوذة من السلامة لأنه الذي يُسْلمك إلى المكان الذي تريد الجهل: ضد العلم ويُذَم الإنسان بجهل ما يجب عليه علمه.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ﴾.
إننا نعلم بتكذيبهم لرسالتك وحزنك واسفك عليهم، فلا تحزن من ذلك، فان منشأ هذا التكذيب هو العناد والجحود.
﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾.
إن الحقيقة أنهم لا يتهمونك يا محمد بالكذب، ولكنهم يظلمون أنفسهم مكابرة في الحق وعناداً له، فينكرون بألسنتهم دلائل صدقك، وعلامات نوبتك.
هناك روايات كثيرة وردت عن إقرار بعض زعماء قريش بصدق النبي ﷺ، ولكنْ سراً بينهم. فقد روى ابن جرير عن السُدّي ان الأخنَس ابن شريق وأبا جهل التقيا، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكَم اخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟
فانه ليس ها هنا أحد يمع كلامك غيري. قال أبو جهل: والله إن محمداً لَصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قومه بإلواء والسقاية والحجابة والندوة النبوءة فماذا يكون لسائر قريش؟! والزعامة الدنيوية والمصلحة هنا هما أساس إعراض أبي الحكَم، كما ترى.
وروى سفيان الثورِي عن عليّ كرم الله وجهه قال: قال ابو جهل للنبي ﷺ: إنّا لا نكذّبك ولكن نكذّب بما جئت به.
فهم يعلمون حق العلم ان الرسول صادق، وقد جرّبوه منذ نشأته وعرفوه، لكن خوفهم على مراكزهم جعلهم يصرّون على الكفر والجحود.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.
لقد قوبل رسل قبلك يا محمد بالتكذيب والإيذاء من أقوامهم كما تجد أنت الآن من قومك، فصبروا حتى نصرناهم، فاصبر انت مثلهم.
﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾.
اصبر وسيأتيك نصرنا، فلا مغّير لوعدِ الله بنصْرِ الصابرين.
﴿وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين﴾.
لقد قصصنا عليك من أخبار هؤلاء الرسل وتأييدنا لهم، ما فيه تسلية للك، ويقتضيه توجيه الرسالة نم تحمُّل الشدائد.
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾.
ان كان قد شق عليك انصرافهم عن دعوتك، فإن استطعت أن تتخذ طريقا في باطن الأرض، أو سلّما تصعد به إلى السماء، فتأتيهم بدليل على صدقك- فافعل. ليس في قدرتك ذلك يا محمد، فأرحْ نفسك واصبر لحكم الله. ولو شاء الله هدايتهم لحلهم جميعاً على الإيمان بما جئت به قسراً وقهراً. لكنه تركهم لاختبارهم، فلا تكونن من الذين لا يعلمون حكم اله وسنّته في الخلق.
قراءات:
قرأ نافع والكسائي «لا يُكْذِبونك» من اكذب والباقون «يُكَذِّبونك» وقرئ «ليُحْزِنك».
استجاب: أطاع في ما دُعي إليه، وأجاب الداعي واستجاب له: لبّاه وقام بما دعاه إليها. والاستجابة من الله يعبر بها في ألأموره التي تقع في المستقبل. استجاب الله فلاناً، ومنه، وله- قبل دعاءه وقضى حاجته الموتى: هنا الكفار يبعثهم الله: يحييهم.
بعد أن بيّن الله تعإلى أن حكمته اقتضت أن يكون البشر متقاو تفين في الاستعداد مختارين في ترفاتهم اعمالهم، فمنهم من يختارون الهدى ومنهم من يختارون الضلال- بيّن هنا أن الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ويفقهون ما يسمعون، وأن الآخرين لا يفقهون ولا يسمعون، فهم والأموات سواء.
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ﴾.
إنما يجب دعوةَ الحق مقبلين عليه، أولئك الذين يسمعون كلامَ الله سماع فهمٍ وتدبّر، أما الذين لا تُرجى استجابتهم فإنهم لا يسمعون السماع النافع، ولا نافعون بدعوتك، لأنهم في حكم الاموات، يُترك أمرهم الى الله، فهو سبعتهم يوم القيامة من القبور، ويرجعهم اليه فيحاسبهم على ما فعلوا.
﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾.
ذكر شيئا من تعنتهم وعنادهم الدال على عظيم جحودهم. إذا قالوا: إننا نطلب ان تُنزّل آية معجزة على محمد كدليل مادي من ربه تشهد بصدق دعوته.
﴿قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
قل لهم إيها الرسول: إن الله قادر على ان ينزل اي دليل تفترحونه، ولكن أكثرهم لا تعلمون حكمة الله في إنزال الآيات. إنها ليست تابعة لأهوائكم، ولو أجاب مقترحاتكم ثم كذبتم بعد ذلك لاهلككم، لكم أكثركم لا يعلمون نتائج أعمالهم.
الدابة: كل ما يدب على الأرض من الحيوان. الطائر كل ذي جناح الأمم: واحدها أُمة: وهي كل جماعة يجمعهم أمر واحد، كزمان أو مكان، أو صفات أو مصالح التقريط: القصر. الكتاب: اللوح المحفوظ يحشرون: يجمعون.
بعد ان بين سبحانه وتعإلى انه قادر على إنزال الآيات إذا رأيي من الحكمة والمصلحة إنزالها- ذكرننا ما هو كالدليل على ذلك، فأرشد الى عموم قدرته وشمول علمه وتدبيره في ما أوجد من مخلوقات على الأرض، أو في الفضاء.
ان أقوي دليلٍ على قدرة الله وحكمته، أنه خلَق كل شيء، وليس من حيوان يدب في ظاهر الأرض وباطنها، او طائر يسبح في الهواء- إلا خلقها الله جماعات تماثلكم أيها البشَر، وجعل لها خصائصها ومميزاتها ونظام حياتها. إنه لم يترك في الكتاب المحفوظ شيئاً إلا ذكره. وان كانوا قد كذّبوا، فسوف يُحشرون مع كل الأمم للحساب يوم القيامة.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
والذين لم يصدّقوا بآياتنا الواضحة الدالة على قدرتنا، لم ينتفعوا بحواسهم من معرفة الحق فتخبّطوا في ضلال الشرك ولعناد تخبُّط الأصم والأبكم في الظلمات الحالكة: ظلمة الوثنية، وظلمة الجاهلية، والكفر، والجحود. وهؤلاء لا نجاة لهم من الهلاك. ولو كان لديهم أي استعداد للخير لوفّقهم الله إليه. فانه سبحانه إذا أراد إضلال إنسان لفساد قصده، تركه وشأنه. وإذا أراد هدايته لسلامة قصده، يسّر له السير في طريق الأيمان الواضح المستقيم.
وهذه الآية الكريمة وأمثالها ترشدنا الى البحث في طباع الأحياء لنزا داد علماً بسنُن الله وأسراره في خلقه، ونزداد بآياته إيمانا، ونعتبر بحال من لم يستفيدوا مما فضلهم الله بِهِ على الحيوان، وهو بالعقل، ومما جاء به الرسول الكريم من هدى وارشاد، وهو القرآن.
أرأيتكم: أخبِروني، وهو أسلوب يُذكر للتعجيب والتنبيه إلى أن ما يُذكر بعده غريب عجيب. يكشف: يزيل ما تدعونه الى كشفه البأساء: المشقة، والعذاب الشديد. الضراء: الضُرّ ضد النفع يتضرعون: يظهرون الخضوع بتكلّف. مُبْلِسون: متحسرون، يائٍسون من النجاة. دابر القوم: آخرهم.
بعد أن بيّن الله تعالى للمشركين أن علمه محيد بالكون كله، وعنايته تعم كل ما فيه، وأن أمم الحيوان، كأمم الانسان، قد أوتيت نم الإلهام والغريزة ما تميز به بين ما يعنفها وما يرها- أمرَ نبيّه الكريم ان يوجّه الى الكفار هذا السؤال، ليعلموا ان متقلدوه من الشرك عارض يُفسد أذهانهم وقت الرخاء، حتى إذا جد الجد ونزول بهم مكروه دعوا الله مخلصين عار يُفسد أذهانهم وقت الرخاء، حتى إذا جد الجد ونزل بهم مكروه دعوا الله مخلصين له الدين. والسؤال هو: أخبروني أيها المكذّبون إن أتاكم عذاب كالذي نزل بمن قبلكم، او جاءتكم القيامةُ بأهلواها، الى من تتجهون!؟ ألغيرِ اله تضرَعون أن يكشف ما نزل بكم من البلاء؟ إن كنتم صادقين في عبادتكم لغير الله فيجب ان تتجهوا إليهم.
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾.
الواقع أنكم لا تتجهون إلا اليه، تدعونه ان يكشف عنكم البلاء ان شاء. إنكم في حال الشدة تنسون كل ما تجعلونه شركاء لله، فلماذا تفطنون لهم في الرخاء!!
وقد بين الله في اكثر من آية أن المشركين ينسون آلهتهم المزيفة عند الشدة والضيف، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٦٥].
ثم بين أن من سنّته تعالى أخْذَ عباده بالشدائد لعلّهم يثوبون الى رشدهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
فلا يشُق عليك أيها الرسول ما تلاقيه من قومك.. لقد بعثنا قبلك رسلاً إلى أمم كثيرة قبل أمتك فكذّبوهم، فعاقبناهم لعلّهم يرجعون الى الله.
لكنّ كثيراً من الناس يصلون الى حال من الشرك والفجور لا يغيّرها بأس ولا يُحَوّلها بؤس فلا تجدي معهم العبر والمواعظ، ومنهم تلك الأمم الذين أُرسل اليهم أولئك الأنبياء.
ولا تذهب بعيداً، وحالنا نحن العربَ شاهد ودليل... لقد نزل بنا أكبر الشدائد وهاجمنا في ديارنا ألأَمُ الناس وأخبثُهم، بل أخذوا قسما عزيزاً من بلادنا، ومع ذلك لم نتعظ ولم نغير من حالنا شيئا. إننا لا زِلنا سادرين في غرورنا، نتفاخر بماضينا، غافلين عن دونا الحاضر، ويقتل بعضنا بعضاً طمعاً في مناصب فصّلها لهم عدُّ الأمة وخصيم الإسلام.. لم نرجع ألى ديننا، ولم نتضرع الى ربنا، بل تضرعنا الى أعدائنا الألداء في أمريكا واوروبا، نطلب منهم النصر، غافلين متعمدين عن أن النصر من عند الله ومن عند انفسنا.
— 468 —
﴿فلولتا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ﴾.
هلاّ تضرّعوا إلينا خاشعين تائبين قبل أن جاءتهم مقدمات الغاب. إنهم لم يفعلوا، واستمرت قلوبهم على قسوتها، وزين لهم الشيطان ما هم عليه من الشرك والفجور.
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
فلما أعرضوا عن إلاتعاظ بما ابتليناهم من الفقر والمرصن وأصرّوا على كفرهم، ابتليناهم بعد ذلك بالرزق الوسع، وفتحنا عليهم أبواب رخاء العيش وصحة الانسجام والأمن على الانفس، حتى إذا فرحوا بكل ذلك ولم يشكروا الله عليه، جاءهم العذابُ بغتة، فإذا هم متحسّرون يائسون من النحاة لا يجدون إليها سبيلا.
والخلاصة أن الله تعإلى سلّط عليهم المكاره والشدائد ليعتبروا ويتعظوا، فلما تجدِ معهم شيئا نَقَلَهم الى حال هي ضدُّها، ففتح عليهم أبوبا الخيرات، وسهّل لهم سبل الرزق والرخاء فلم ينتفعوا به أيضاً. عند ذاك أذاقهم جزاءهم العادل.
وروى مسلم عن صُهيب عن النبي انه قال: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمْرَهُ كلّه خير، وليس لك لاحد الا للمؤمن، إن أصابتْه سراءُ شكَر فكان خيراً له، وان أصباته ضراءُ صبرَ فكان خيراً له»
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾.
لقد هلك أولئك القوم الظالمون وأبيدوا عن آخرهم.
والحمدُ... هنا إرشاد منا لله لعباده بتذكيرهم بما يجب عليهم من حمده على نصر المرسَلين المصلحين، وإيماءٌ الى وجوب ذكره في عاقبة كل أمر وخاتنو كل عمل، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾.
قراءات:
قرأ نافع أرأيتكم بتسهيل الهمزة، وقرأ الكسائي: أريتكم بحذف الهمزة. والباقون «أرأيتكم» بتحقيق الهمزة وحمزة يسهل الهمزة بالوقف.
— 469 —
نصرّف الآيات: نكررها على وجوه مختلفة. يصدفون: يعرضون. يمسهم العذاب: يصيبهم.
قل أيها الرسول لهؤلاء المكذبين بك وما جئت به من الهدى والحق: أخبروني ماذا يكون من أمركم مع آلهتكم الذين تدعونهم من دون الله إن أصمّكَم اللهُ فذهب بسمعكم، وأعماكم فذهب بأبصاركم، ثم طبع على قلوبكم بما يحجبها عن الإدراك... مَنْ غيرُ اللهِ تعإلى تأتيكم بكل ما أُخِذ منكم؟ أُنظر إيها النبي كيف نتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال على وجوه شتى ليعتبروا ويعودوا عن كفرهم، ولكنهم مع كل هذه البراهين يصرون على عنادهم وكفرهم.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون﴾.
وهذا تهديد. قل لهم أيها الرسول: أخبروني إن حلّ بكم عذاب الله فجأة دون توقع، أو جاءكم عياناً وأنتم تنظرون اليه، فمن الخاسرُ عند ذاك إلا الذين ظلموا انفسهم بالإصرار على الشرك والضلال؟.
﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾.
وهذه وظيفة الرسل. وما نرسل الأنبياء إلا ليبشّروا من يؤمن بالخير والثواب، وليحّذروا من يكفر من العذاب.
﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ولا حاجة الى تفسير.
﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العذاب بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾.
أما الذين كذّبوا بآياتنا الواضحة على صدق ما جاء به الرسل، فان لهم العذابَ جزاءً خروجهم عن الطاعة وعدم الإيمان.
قراءات:
أرأيتم، وأرأيتم، مثل ما تقدم، نافع يسهل الهمزة، والكسائي يحذفها، وحمزة يسهّلها بالوقف، والباقون يثبتونها «أرأيتكم» كما هي هنا في المصحف.
الخزائن: واحدها خِزانة، ما يُخزن فيه ما يراد حفظه ومنع التصرف فيه. الغيب: ما غيِّب علمه عن الناس. الأعمى والبصير: المراد به هنا الضال والمهتدي.
كان الكلام في الآيات السالفة في بيان إركان الدين وأصول العقائد ووظيفة الرسل، والجزاء، على الأعمال يوم الحساب، وهنا يبين لنا وظيفة الرسل العامة. قل إيها الرسول لهؤلاء الكفار المعاندين: أنا لا أقول لكم عندي خزائن الله أفملم التصرّف في أرزاق العباد، وشئون المخلوقات. كلا، ان التصرف المطلق من شأن الله وحده. وليس موضوع الرسالة ان يكون الرسول قادراً على ما لا يقدر عليه البشر، كتفجير الينابيع والأنهار في مكة، وإيجاد الجنات والبساتين، والإتيان بالله والملائكة وغير ذلك من التعجيز. وكان المشركون قد جعلوا ذلك شرْطاً للأيمان بالرسول.
كذلك لا أدّعي علم الغيب الذي لم يطلعني الله عليه، ولا أقول إني ملَك أستطيع الصعود إلى السماء اما قوله تعالى ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ فإن إظهار شيء خاص من عالم الغيب على يدي الرسل لهو من الأمور التي يخصّ بها الرسل ليؤيد بذلك دعوتَهم ورسالتهم. وهو لا يتعدى إلى حمل أقوال الرسل على المستقبل، فهم لا يعلمون الا ما علمهم الله به.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾.
إنما أنا بشر أتبع ما يوحيه الله تعالى إلي، فأمضي لوحيه واعمل بأمره.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾.
هنا وبخهم الله تعالى على ضلالهم، فأمر رسوله ان يسألهم ما إذا كانوا يعتقدون أن الضال والمهتدي ليسا سواء فقال: قل هل أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم، يَعْدِل ذا البصيرة المهتدي إليه؟ هل يليق بكم ان تعرضوا عن الهدى الذي أسوقه إليكم بعد هذا كله!! تعقلوا ايها القوم ما في القرآن من ضروب الهداية والعرفان.
الحشر: اجتماع الخلق يوم القيامة.
بعد أن أمر الله تعلى نبيّه الكريم بتبليغ الناس حقيقة رسالته، أمره بإنذار من يخافون الحساب والجزاء فقال:
أنِذر ما محمد بما يوحى إليك، وحذّر بما في هذا القرآن أولئك الذين يخافون أهوال يوم الحشر، حيث لا ناصر ولا شفيع إلا بإذن الله، لعلّهم يتقون فيبتعدون عما يُغضبه.
﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
ثم نهى الرسولَ أن يطيع المترفين من كفار قريش في شأن المستضعفين من المؤمنين.
فقالك لا تستجيب أيها النبي، لدعوة المتكبرين من المشركين، فتُعبد عنك المستضعفين من المؤمنين. إنهم هم الذين يعبدون ربهم طول الوقت لا يريدون إلا رضاه. لا تلتفت يا محمد لدسّ المشركين عليهم، فلست مسئولاً أمام الله عن شيء من أعمالهم، وليسوا مسئولين عن أعمالك، فإن استجبتَ وأبعدتَ المؤمنين، كنتَ من الظالمين.
كان زعماء المشركين وكبراؤهم- أمثال أبي جهل وعُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والحارث بن عامر، وقرظة بن عمرو وغيرهم - كثيراً ما يتضايقون من المؤمنين المتسضعَفين - مثل عمار بن ياسر، وبلال، وصهيب، وخَبَّاب، وسالم مولى أبي حذيف، وابن سنعود- وكانوا يطلبون من النبي ان يبعدهم عنه حتى يحضروا مجلسَه ويستمعوا إليه.
روى احمد، وابن جرير، والطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: «مر الملأ من قريش على النبي ﷺ وعنده صُهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيتَ بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء مَنّ الله عليهم من بيننا؟ انحن نكون تبعا لهؤلاء؟ أطردْهم عنك، فلعلّك ان طردتهم أن نتبعك.
فأنزل الله تعإلى فيهم القرآن: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ... إلى قوله أليس الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين-﴾.
﴿وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
تشير الآية الكريمة الى ما سبق وتفسيرها:
وبمثل هذا الابتلاء الذي جرت به سنتنا، امتحنّا المتكَبرين.. لقد سبقَهم الضعفاء الى الاسلام، ليقول المتكبرون مستنكرين ساخرين: هل هؤلاء الفقراء هم الذين أنعم الله عليهم من بيننا بالخير الذي يعد به محمد؟
وفي الآية إشارة الى أن ما اغتّر به الكبراء من النعيم لن يدوم، كما لن يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه.. لا ان ينعكس الحال، وتدول الدُّولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين وقد صدَق الله وعدَه.
قرأ ابن عامر:»
بالغُدوة «والباقون،» بالغَداة «.
السلام: البراءة والعافية من الآفات والعيوب، والسلام أيضا من أسماء الله تعالى.
وقد استُعمل السلام في التحية بمعى تأمين المسلَّم عليه من كل أذى من المسلِّم.
كتب: أوجَبَ الجهالة: السفَه والخفة والغفلة. تستبين: تتضح وتظهر.
بعد ان نهى الله تعالى نبيه عن طرد المستضعفين من حضرته أملاً في استمالة المشركين المتكبران من بني قومه- أمره أن يلقى الذين يدخلون في الإسلام بين حين وآخر، يعلّمهم ويبشّرهم برحمته تعالى ومغفرته.
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾.
إذا جاءك الذين تصدّقون بك وبرسالتك سائلين عما اذا كان لهم توبة عن ذنوبهم التي فرطت منهم، فقل لهم تكريماً لهم: سلام عليكم، إنني أبشركم برحمة اله الواسعة.. لقد أوجَبَها على ذاته تفضّلاً منه. وهي تقضي ان من تاب ورجع عن ذنبه نادماً ثم أصلح عمله - غفر الله له، وشمله بعطفه.
﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين﴾.
يبين سبحانه انه فصّل الحقائق للمؤمن حتى يبتعدوا عن سلوك المجرمين.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة «أنه من عمل منكم سوءا» والباقون بكسر الهمزة. وقرأ ابن عامر ويعقوب «فأنه غفور رحيم» بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. وقرأ نافع «لتستبين سبيلَ» بالنصب وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم بالرفع. والباقون بالياء، وبرفع سبيل.
وتدعون من دون الله: تعبدون البيّنة: الحجة الواضحة، وكلما يُتبين به الحق. يقُصّ الحق: يخبر به. خير الفاصلين: القاضين في الأمور.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾.
قل إيها النبي لهولا الكفار الذين يدعونك إلى الشِرك بالله، إن الله قد نهاني عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله، فلا أتبع أهواءكم، ولو فعلتُ ذلك واتبعتكم أكون قد انحرفتُ عن الحق، وسِرتُ على غير هدى.
ثم أمزه ان يقول لهم: إني على هدى من ربي فيما أّتبعه، فأنا على شريعة واضحة منزلة من ربي. أما أنتم فقد كذَّبتم القرآن الذي جاء بها، وليس في قدرتي أن أقدم ما تستعجلونه من العذاب، فذلك داخل في قدرة الله ومروهن بإرادته. ثم اكد ما سبق بقوله: ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ﴾ في هذا وفي غيره من شئون الأمم، إن شاء عجّل لكم العذاب وان شاء أخّر. وله في ذلك سنن حكيمة، وهو يقص على رسوله القصص في وعده ووعيده، إنه خير الفاصلين بيني وبينكم.
قل ايها الرسول لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] لو ان في قدرتي إنزال العذاب الذي تتعجلونه، لأنزلته عليكم غضباً لربي، لكن الأمر لله، وهو اعلم بما يستحقه الكافرون من العذاب العاجل او الآجل.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم «يقص» بالصاد من القصص والباقون «يقضي» من القضاء.
المفاتح: جمع مفتح بفتح الميم، ومفتاح. يتوفاكم بالليل: جعل النوم مثل الموت. توفّاه أخذه وافياً كاملا. جرحتم: عملتم. يبعثكم فيه: يرسلكم ويوقظكم من النوم في النهار. الأجل المسمى: مدة البقاء في الدنيا. الحفظة: الملائكة الكرام الكاتبون.
بعد أن أمر الله تعإلى الرسول ان يبين للمشركون انه على بينة من ربه فيما بلّغهم من الوحي، وان ما يستعجلونه من العذاب ليس عنده، وان الله تعالى يقضي الحق ويقصه على رسوله- عَمَد الى وصف حقيقة الألوهية في مجال عميق من مجالاتها الفذة، هو مجال الغيب المكنون. فيقول:
وعند الله علمُ جميع المغّيبات، لا يحيط بها علماً الا هو وحده، ومن أظهره هو على بعض العلم كما جاء في سورة الجن ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾.
والمغّيبات قسمان:
مغيبات مطلقة لا يمكن أن يصل إليها العقل الانساني، ومنها ما يقع للإنسان في المستقبل من حوادث تتعلق به.
ومغيبات نسبية، وهي ما يتعلق بأسرار الكون وما فيه، وتسخيره لخدمةالإنسان، فإن العلم بها قد يغب أجيالا ثم يظهر من بعد. ومفاتح هذه المغيبات أيضا بيد الله، ويوفّق إليها من يشاء من عباده الذين يتعمقون في دراسة الكون. ومن ذلك الاختراعاتُ التي نرى بعض الناس يصلون إليها بعد جهد جهيد بتوفيق الله.
روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه ان رسول الله ﷺ قال: «الغيْبِ خَمْس: إن الله عندَهُ عِلمُ الساعةِ، ويُنَزّلُ الغيْثَ، ويعلَمُ ما في الأرحامِ، ما تَدري نفسٌ ماذا تَكسِبُ غَداً، وما تَدرِي نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت، إن الله عَلِيمٌ خَبير».
ويحيط علم الله كذلك بجميع الموجودات في البر والبحر، ولا تسقط ورقة عن شجرةً إلا بعلمه، ولا حبة ما في باطن الارض، ولا شيء رطب ولا يابس، الا هو في اللوح المحفوظ عند الله.
والخلاصة، إن عند الله عِلمَ ما لا تعلمونه، وعنده علم ما يعلمه جميعهم، فهو يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن الى يوم القيامة.
وهو الذي يتوفى أنفسَكم في إثناء النوم، أي يُزيل إحساسها، ويوقظكم في النهار، ويعلم ما كسسبتم فيه... حتى ينتهي أجَل كل منكم، ثم ترجعون إليه يوم القيامة فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها.
﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾.
بعد ان بين الله أمر الموت والرجوع اليه للحساب، والجزاء، ذكره فهره لعباده وإرسال الحفظة لإحصاء اعمال البشر فقال: إن الله هو الغالب بقدرته، المستعلي بسلطانه على عباده، يرسل عليكم ملائكة يحصون إعمالكم الى ان تجيء نهاية كل منكم، فتقبض روحه ملائكتنا الذين نرسلهم لذلك وهم لا يقصّرون فيما يوكل اليهم.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان النبي ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكةُ بِالليل، وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلّون».
قراءات:
قرأ حمزة «توفاه رسلنا» بالألف الممالة، والباقون «توفته رسلنا».
ظلمات البر والبحر: حسيّة، كظلمة الليل وظلمة السحاب، ومعنوية، كظلمة الجهل بالمسالك، وظلمة الشدائد والأخطار. والعرب تقول لليوم الذي فيه شدة: يوم مظلم، ويوم ذو كواكب. وفي المثَل، رأي نجوم الظهر. التضرع: المبالغة في الدعاء. والخفية: بضم الخاء وكسرها الخفاء والاستتار. الكرب: الغم الشديد.
بعد أن أبان تعالى لعباده إحاطة علمه، وشمول قدرته، وانه القاهرة فوق عباده- ذكّرهم هنا بالدلائل الدالة على كمال قدرته الإلهية. فأمر رسوله ان يَسأل المشركين الغافلين عن انفسهم: من ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه فتحيّرتم أين تذهبون، ومن ظلمات البحر آذار ركبتموه فأظلم عليكم فلم تهتدوا؟ من يفعل ذلك غير الله الذي تلجأون إليه في خضوع، معلنين الدعاء تارة ومخفين إياه أخرى، مقْسِمين: لئن أنجيتَنا من هذه المخاطر لنكونن من الشاكرين لفضلك بالعبادة لك.
﴿قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
ان الله وحده هو الذي ينقذكم من هذه الاهوال، ومن كل شدة اخرى، وعلى ذلك فسرعان ما تَحنِثون بأقسامكم وتشركون مع في العبادة غيره.
قراءات:
قرأ يعقوب «قل من ينجيكم» بدون تشديد، والباقون «ينجيكم» بتشديد الجيم. وقرأ أبو بكر: «وخفية» بكسار لخاء والباقون بضمها وقرأ أهل الكوفة «انجانا» وأماله حمزة والكسائي وخلق. وقرأ الباقون «لئن أنجيتنا» وقرأ أهل الكوفة: «قل الله ينجيكم» بالتشديد، والباقون بالخفيف.
الشيع: واحدها شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر. او يلبسكم شيعا: يخلط أمركم خلط اضطراب فيجعلكم فرقاً مختلفة. بأس: شدة نصرف الآيات: نحولها من نوع إلى آخر من فنون الكلام. يفقهون: يفهمون. مستقر: وقت استقرار ووقوع.
بعد ان بيّن تعالى الدلائل على كمال القدرة الآلهية، ونهاية الرجة بعباده، ذكر هنا قدرته على عذيبهم إن عصوَه، وأبان ان عاقبة كفران النعم زوالها.
قل إيها الرسول لقومك الذين لا يشكرون نعمة الله ويشركون معه غيره في العبادة: ان الله وحده هو الذي يقدر على أن يرسل عليكم عذاباً يأتيكم من أعلاكم او من أسفلكم، او يجعل بعضكم لبعض عدوّاً، وتكونون طوائف مختلفة الأهواء متناكرة، يقتل بعضكم بعضا.
انطر ايها الرسول كيف دلّت الدلائل على قدرتنا واستحقاقنا وحدنا للعبادة، ومع هذا لا يؤمن قومك بذلك!! لا شك ان هذه الآية من معجزات القرآن الذي لا تفنى عجائبه، فإن فيها نبأ مَن كان قبل الإسلام، ومن كان زمن التنزيل، ومن سيأتي بعدهم.
فهذه الحروب التي تشبّ في عصرنا فيها من الأهوال ما لم يسبق له نظير، فقد ارسل الله على تلك الأمم المحاربة عذاباً من فوقها تقذفه الطائرات والصواريخ وعذاباً من تحتها تقذفه الغواصات من أعماق البحار، وتهلك به مختلف السفن، كما جعل أمم أوروبا شيعاً متعادية، ذاق بعضُها بأس بعض فحلّ بها من القتل والدمار والتخريب ما يشيب له الأطفال.
وادا نظرنا في أحوالنا نحن العرب والمسلمين، نجد أننا يعادي بعضنا بعضا ونحترب، فيما العدو مترّبص بنا يتزر لينقضّ علينا ويلتهم ما يستطيع من أراضينا وبلادنا. وما ذلك إلا لأننا بعُدنا عن ديننا، وغرّتْنا الحياة الدنيا، فاصبحنا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون.
روى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال «سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية» قُلْ هو القادِرُ الخ... «قال: أما إنّها كائنةٌ ولَمء يأتِ تأويلُها بعد....»
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾.
ثم ذكر الله تعالى ان قوم الرسول الكريم قد كذبوا بالقرآن على ما فيه من الآيات الواضحة البينة، وهو الحق الثابت، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثم أمر رسوله أن يبلغهم أن لا سبل له في أخبارهم على الأيمان به فقال: «قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل» لا أنا حفيظ ولا رقيب، وإنما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربي، ولا أملك القدرة على أخبار ألناء ان يؤمنوا.
ثم هددهم وتوعدهم على التكذيب به فقال:
﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لك خبر جاءَ به القرآن وقت يتحقق فيه، وسوف تعلمون صدق هذه الأخبار عند وقوعها.
يخوضون في آياتنا: يسترسلون في الحديث بتشوه تلك الآيات. ولكن هذا تذكير لهم. ان تبسل نفس: ان تحبس بما كسبت وتمنع. السبل: حبس الشيء ومنعه بالقهر، ومنه شجاع باسل اي مانع غيره. تَعْدِل: تفد كل فداء. الحميم: الشديد الحرارة. ألِيم: شديد الألَم.
بعد ان ذكرا لله تعإلى في الآيات السابقة تكذيب كفار قريش، وبيّن ان الرسول ﷺ مبلّغ للناس عن ربّه لا خالق للأيمان فيهم- جاءت هذه الآيات لبيّن كيف يعامل المؤمنُ من يتخذ دين الله هزواً ولعبا من الكفار الذين كانوا يستهزئون بالقرآن وبالرسول والمستضعَفين من أسحابه الكرام. وكذلك كيف يعامل المؤمن أهل الأهواء والبِدع في كل زمان ومكان. والمخاطَب في هذه الآيات هو الرسول ﷺ ومن كان معه من المؤمنين، ثم المؤمنين في كل زمان.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
إذا حضرتَ مجلس الكفار، او جاء المشركون ليستمعوا اليك، ووجدتهم يطعنون في آيات القرآن، او يستهزئون بها، فانصرِف عنهم يا محمد حتى ينتقلوا الى حديث آخر. وإن نسيتَ وجالستَهم وهم يخضون، ثم تذكَرت أمر الله بالبعد عنهم- فلا تبقَ معهم أبداً.
وسرُّ هذا النهي أن الإقبال على أولئك الخائضين والقعود معهم يغريهم في التمادي، ويدل على الرضا به والمشاركة فيه. وهذا خطر كبير لما فيه من سماع الكفر والسكوت عليه.
﴿وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾.
ثم بين الله تعالى ان المؤمنين اذا فعلوا ذلك فلن يشركوا الخائضين في الإثم، لكن عليهم أن يذكّروهم، لعلّهم يكّفون عن الباطل.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾.
واترك يا محمد، انت ومن اتبعك من المؤمنين، جميعَ الذين اتخذوا دينهم لعبا، فلقد خدعتهم الحياة الدنيا عن الآخرة، فآثروها واشتغلوا بلذائذها الفانية.
﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾.
وبعد ان أمرهم بترك المستهزئين بدينهم أمر بالتذكير بالقرآن فقال: ذكّر يا محمد دائما بالقرآن، وحذرهم هول يوم القيامة، يوم تُحبس فيه لك نفس بعلمها. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ لا ناصر يومذاك ولا معين غير الله.
﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾.
ثم أرشد الى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح الاعمال، فلا شفيع ولا وسيط، وكلُّ فِدية للنجاة من العذاب مرفوضة ولا ينفع النفسَ أي فدية تقدمها في ذلك اليوم.
ثم يبين الله أن هذا الإبسال كان بسوء صنِيعهِم، حيث اتخذوا دينهم هزواً ولعباً فحُرموا الثواب، وحُبسوا عن دار السعادة. لقد أحاطت بهم خطاياهم، فاستحقّوا ان يكون ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾، أي شراب من ماء شديد الحرارة، وعذاب شديد الألم بنار تشتعل في أبدانهم.
وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن، ولا يَغتَرُّ بلقب الإسلام فقط، ويعلم أن المسلم من اتخذ القرآن إمامه، وسنَّةَ رسوله طريقه، لا من اغتّر بالأماني وركن إلى شفاعة الشافعين.
وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن، ولا يَغتَرُّ بلقب الاسلام فقط، ويعلم ان المسلم من اتخذ القرآن إمامه، وسنَّةَ رسوله طريقه، من اغتّر بالأماني وركن إلى شافعة الشافعين.
الأعقاب: واحدها عقب، مؤخر الرِجل، نردّ على أعقابنا: نرجع إلى الشِرك.
استهوته الشياطين: ذهبت بعقله. الصور: القرن يُستعمل للفنخ، وقد استعمله الناس قدما. ويوم القيامة ينفخ في الصور، فيقوم الناس لرب العالمين. عالم الغيب والشهادة: الغيب ما غاب عنا، والشهادة ما نراه من خلقه. قال ابن عباس: هما السر والعلانية.
القرآن الكريم في جميع مراحله يعرض الخير والشر للناس، يرغّب في الخير واتّباعه، وحيدر من الشر وعواقبه، ويهدي الى الصرط المستقيم ومعنى الآيات:
قل أيها الرسول لهؤلاء الكفار: هل يصحّ أن نعبد غير الله مما لا يملك جَلْبَ نفعٍ ولا دفع ضر؟ وننتكِس فنُردَّ على أعقابنا بالعودة الى الضلال والشِرك بعد إذ هدانا الله الى الإسلام!!.
ثم ضرب اللهُ مثلا يصوّر المرتدّ في أقبح حالة تتخيلها العرب وهي:
﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾.
أي: الذي غرّرتْ به الشياطينُ وأضلّته في الأرض، فصار في حَيرة لا يهتدي معها الى الطريق المستقيم، وله رِفقة مهتدون يحاولون تخليص من الضلال، فهم ينادونه قائلين: ارجع الى طريقنا السوري، لكنه لا يستجيب لهم.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾.
أمر الله تعالى نبيّهُ الكريم أن يرغّب المشركون فيما يدعون إليه بلطف وأسلوب حكيم.
قل أيها النبي: ان الإسلام هو الهدى والرشاد، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا ما تدعون إليه من أهوائكم وأساطير آبائكم الأولين. وكل ما عدا هدى الله فهو ضلال لا فائدة منه. وقد أمَرَنا الله بالانقياد اليه، واتباع دينه القويم، فهو خالق العالمين.
كذلك أمرنا الله بالقامة الصلاة على اكمل وجه من الخضوع، وان نخاف الله ونتقيه حق تقاته، لأنه هو الذي تُجمَعون وتساقون الى لقائه يوم القيامة، فيحاسبكم على ما كسبتم.
وهو وحده الذي خلق السماوات والأرض، وأقام خلْقها على الحق والحكمة. وفي اي وقت تتجه إرادته الى إيجاد شيء فإنه يوجده بكلمة «كن» ان قوله هو الحق ولاصدق، وله وحده التصرف المطلق يوم القيامة، حين يُنفخ في الصور فيُبعث من في القبور. عندئذٍ يقف الخلق بين يديه، لا تملك نفس لنفس شيئا والأمُر يؤم لله. وهو سبحانه الذي يستوي في علمه الغائب والحاضر، والسر والعلانية. وهو الذي يتصرف بالحكمة في جميع افعاله، ويحيط علمُه ببواطن الأمور وطواهرها، «فلا تَدْعوا مَعَ اللهِ أحَداً».
إبراهيم: خليل الرحمن، أبو الأنبياء بعد نوح، وإلاسم أعجمي معناه أبو الجمهور العظيم، او أبو الأمة. أزر: ابو ابراهيم. قال البخاري: إبراهيم بن آزر، وهو في التوراة تارح والله سماه آزر. وقال كثير من المفسرين ان اسمه تارح، وآزر وصفّ له الضلال: العدول عن الطريق الحق. ملك الله وملكوته: سلطانه وعظمته جَنَّةُ الليل: ستره أفل: غاب بزغ القمر: طلع وجّهت وجهني: قصدت بعبادتي فطر السماوات: خلقها ومعنى فطر: شَقَّ الحنيف: المائل عن الضلال، المخلص في عبادته.
بعد ان بين الله لنا ان عبادة غيره عبث وضلال، وأمَرَنا أن نسلم اليه، لأننا سوف نُحشر يوم ينفخ في الصور - جاءت هذه الآيات لتشرح الموضوع الأساسي لهذه السورة، وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة الربوبية، ومنا بينهما من ارتباطات. لكنه يعالج ذلك في أسلوب من القصص اللطيف.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
اذكر إيها الرسول لهؤلاء المشركين، حين قال ابراهيم لأبيه آزر منكراً عليه عبادة غير الله: ما كان لك يا أبي ان تعبد الأصنام، وتتخذها آلهة وهي لا تضر ولا تنفع إني أراك وقومك في ضلال ظاهر.
﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض﴾.
وكما أرينا إبراهيم الحق في أمر أبيه وقومه فقد عمدنا إلى أن نريّه مُلكنا العظيم للسماوات والأرض- بما فيها من بديع النظام وغريب الصنع- ليقيم الحجة على المشركين، وليكون في خاصة نفسه من الراسخين في الأيمان.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي﴾
ثم فصّل سبحانه وتعالى كيف هداه الى الا يمان. فمال استنكر ابراهيم عبادة الأصنام طلب هداية الله، وأخذ يفكر في هذا الكون العظيم. وكان من أول أمره في ذلك انه لما أظلم عليه الليل، وهو يفكر في ملكوت الله - رأى كوكباً عظيما يقال إنه «المشتري» وكان قوم إبراهيم يعبدونه، فلما رآه قال: هذا ربي لكن النجم غاب فلما غرب قال إبراهيم مبطلاً لربوبية ذلك النجم: أنا لا أُحِب الآفلين، ولا اقبل عبادة الآلهة المتغّيرين. وفي هذا تعريض بجهل قومه في عبادتهم الكواكب.
﴿فَلَمَّآ رَأَى القمر بَازِغاً قَالَ هذا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين﴾.
وحين رأى إبراهيم القمر طالعاً بعد ذلك قال محدّثا نفسه: هذا ربي فلما أفَل القمر، شأن ساقه الكوكب- قال ابراهيم مسمِعاً من حوله من قومه، ليوجّه نفوسهم الى الهداية: أٌقسِم إن لم يوفقني ربي لإصابة الحق في توحيده لأكونن من القوم الضالّين.
﴿فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي هاذآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يا قوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
— 480 —
وفي هذه المرة الثالثة انتقل من التعريض إلى التصريح بالبراءة منهم، والتصريح بأنهم على شِركّ بيّن، فقد ظهر له الحق غاية الظهور.
ثم رأى إبراهيم الشمس طالعة بعد ذلك، فقال محدّثا نفسه: هذا ربّي، لأن اكبر مما يُرى من الكواكب قدراً، وأعظم ضياء ونوراً، فهو أجدر بالربوبية. بيد أنها أفلَت كما أفلَ غيرها. وعند ذاك صرح ابراهيم بما أراد التعريض به، وقال: يا قوم، إني بريء من هذه المعبودات التي تشركونها مع الله في العبادة.
وبعد ان تبرّأ من شِركهم بيَّن لهم عقيدته، وهي عقيدة التوحيد الخالص التي هداه الله إليها، فقال:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾.
إني جعلتُ توجُّهي في عبادتي لمن خلق السماواتِ والأرض مجانياً كلَّ سبيلٍ غير سبيله، ولستُ بعد الذي رأيت من دلائل التوحيد ممن يرضى ان يكون من المشركين.
قراءات:
قرأ يعقوب: آزرُ بالضم على انه منادى.
— 481 —
حاجّهُ: جادله. السلطان: الحدة والبرهان. لم يلبسوا: لم يخلطوا الظلم هنا: الشرك في العقيدة او العبادة.
بعد ان اطمأن قلب إبراهيم الايمان، جاء قومه يجادلونه فيما انتهى إليه من يقين، ليخوّفوه آلهتهم التي تنكّر لها. فظل صامداً يواجههم بيقين حازم، واعتمادٍ على ربه وخالقه الذي هداه.
﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقَدْ هَدَانِ...﴾.
وجادله قومه في توحيد الله وخوفوه من غضب آلهتهم، فقال: لهم ما كان لكن ان تجادلوني في التوحيد بعد ان هداني الله إلى الحق. أما آلهتكم التي تدْعونها فلا أخشاها، بل إنها لا تضر ولا تنفع. لكن إذا شاء ربّي شيئا من الضر وقع ذلك، لأنه وحده القادر على كل شيء. ثم أتى إبراهيم بما هو كالعلة لما قبله فقال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وأحاط بكل شيء.
﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ؟﴾.
أتُعْرضون أيها الناس عن قولي بعدما أوضحته لكم من أنَّ ألهتمكم ليس بيدها نفع ولا ضر، وتغفلون عن أن العاجز الجاهل لا يتحف ان يُعبد؟.
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾.
إنه لمن العجب أن أخاف ألهتكم الباطلة ولا تخافون أنكم عبدتم مع الله، الذي لا إله إلا هو، آلهةً باطلة!؟
﴿فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
فأيّ فريق- أنا أم أنتم- في هذه الحال أحق بالطمأنية، واجدر بالأمن على نفسه من عاقبة عقيدته وعبادته ان كنتم تعلمن الحق وتدركونه!؟
﴿الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾.
هنا يأتي الجواب. وهو لا شكَ في ان الذين آمنوا بالله تعالى، ولم يخلطوا إمانهم بظلم عظيم، كعبادة احد سواه، هم الأكثر أمناً، كما انهم هم المهتدون الى طريق الحق والخير.
روى ابن جرير قال ما نزلت هذه الآية: ﴿الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقّ على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ «فقال: رسول الله:» ليس كما تظنُون، وإنما هو كما قال لقمان لابنه: «لا تُشرِك بالله إنّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم».
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتيناها إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
هذه هي الحجة لاتي أعطينانها ابراهيم لقيمها على قومه، فارتفع بها عليهم، وسينّتُنا في عبادنا ان نرفع بالعلم والحكمة من نريد منهم درجات، ان ربك يا محمد حكيمٌ يضع الشيء في موضعه، عليم بمن يستحق الرفعة ومن لا يستحقها.
وهب: اعطى بغير عوض. هدينا. أرشدنا. احسن: فعَلَ ما هو حسن. اجتبينا: اصطفينا حبط علمه: بطل.
بعد ان حكى الله تعإلى أنَّ أبزاهيهم اظهر حجة الله في التوحيد، وعدد وجوه نعمه واخسأنه اليه، ذكر هنا انه جعله عزيزاً في الدنيا، وابقي له هذه الكرامة الى يوم القيامة.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا﴾.
ووهبنا لإبراهيم إسحاق نبيّاً، ثم جعلنا من ذريته يعقوب وغيره من الأنبياء والمرسلين.
وأنما ذكر إسحاق هنا دون اسما عيل لأنه هو الذي وهبه الله تعالى لإبراهيم بعد كبر سنه وعقم امرأته سارة، جزاءَ ام ظهر من إيمانه في قصة ذبح ولده إسماعيل، ولم يكن له ولد سواه.
﴿وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾.
ووقفنا من قبلهم نوحاً الى مثل ما هدينا إبراهيم وذريته. وقد ذُكر نوح هنا إيماءً الى شرف نسب ابراهيم.
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وموسى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين (*) وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصالحين وَإِسْمَاعِيلَ واليسع وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين﴾.
ومن ذريّة أبرايهم تناسل هؤلاء الأنبياء فقد ذكر في هذه الآيات سبعة عشر نبيّاً. وستأتي الإشارة إلى آخرين من ذرياتهم وآبائهم وإخوانهم.. كل هذا ليدل على فضل إبراهيم ونوح عليها السلام، حيث جعل الله الكتاب والنبوة في نسلهما.
وقد جاء في سورة الحديد، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب﴾ وهدينا من ذريته (إبراهيم) كلاً من داود وسليمان وغيرهما. فداود وسليمان وأيّوب وموسى وهارون، آتاهم الله الإمارة والملك مع النبوة والرسالة. وأيّوب كان أيمارً غنياً محسنا ويوسف كان وزيراً عظيما وحاكماً متصرفا وموسى وهارون كانا حاكمَين ولم يكونا ملكين.
وزكريا ويحيى وعيسى والياء، كانت لهم ميزة الزهد والأعراض عن لذات الدينا ومن ثم خصّهم بوصف الصالحين.
واسما عيل وإليسع ويونس ولوط، وهؤلاء لم يكن لهم من ملك الدنيا ما كان للقسم الأول، ولا من المبالغة في الزهد ما كان للقسم الثاني.
﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾.
وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم واخوانهم واصطفيناهم، فسلكوا طريق الخير والصراط الذي لا اعوجاج فيه.
﴿ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
إن ذلك التوفيق العظيم الذي نالته هذه النخبة الكرام لهو توفيق من عند الله يُكرم به من يشاء من عباده.
﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
ولو أشرك هؤلاء النخبة المختارة، لضاعت كل إعمال الخير التي عملوها، فلم يكن عليها ثواب.
﴿أولئك الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب والحكم والنبوة فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
أولئك الذين آتيناهم الكتُب المنزلة والعلم النافع، وشرفَ النبوة، كما آتيناهم الحُكم، والقضاء بين الناس.
— 483 —
فإن يكفر المشركون من أهل المكة بالكتاب والحكم والنبوة، فقد وفقنا للإيمان بها وتولِّي نصر الداعي إليها قوماً كراماً لن يكفروا، وهؤلاء هم مسلمو مكة، ثم الأنصار في المدينة، ومن أسلم بعد الهجرة. وحُكْمُ هذه الآية مستمر وباق إلى الأبد ما دامت السماوات والأرض.
﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾.
أولئك الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في الآيات السالفة، هم الذين وفقهم الله وهداهم، فاتّبعهم أيها النبي أنت ومن معك واقتدِ بهم.
﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذكرى لِلْعَالَمِينَ﴾.
قل إيها الرسول لقومك، كما قال الانبياء لأقوامهم: إنني لا أسألكم على هذا القرآن أجراً من مال أو منصب، وما هو الا تذكير للعالمين، كل غاية من تبليغه ان ينتفع به البشر جميعا ويهتدوا بهديه.
قراءات:
قرأ ابن ذكروان، وحمزة والكسائي وخلق ويحيى، «رأى» بكسر الراء وإمالة الهمزة. وقرأ أبو عمرو بفتح الراء وامالة الهمزة والباقون «رأى» بفتح الراء والهمزة. وقرأ أهل المدينة وابن ذكوان «أتحاجوني» بتخفيف النون والباقون «اتحاجوني» بتشديدها. وقرأ الكسائي «وقد هداني» بالإمالة.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف «اللَّيْسع» بتشديد اللام وفتحها وسكون الياء. والباقون «إلْيَسع» بسكون اللام وفتح الياء.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب، بحذف الهاء في «اقتده» في الوصل، واثباتها في الوقف، والباقون بالثبات الهاء في الوصل والوقف.
— 484 —
ما قدره الله حق قدره: ما عرفوه حق معرفته والقدر والمقدرا: القوة أيضا. والقدر الغِنَى والشرف. قراطيسك واحدها قرطاس، وهو ما يُكتب فيه من ورق أو جلد او غيرها ذرهم: اتركهم خوضهم: كلامهم بالباطل، وتصرّفهم الشائن، أم القرى: مكة المكرمة، لأنها قبله الناس، وفيها أول بيت وُضع للناس، فهي تعظَّم كالأم.
بعد ان ذكر الله ما تفضل به على إبراهيم والأنبياء الذين ذكرهم، وانه اجتباهم وهداهم إلى الصراط المستقيم، وأمر الرسول ﷺ أن يهتدي بهُداهم- جاء في هذه الآيات يندّد بمنكِري الرسالات، ويصفهم بانهم لا يقدّرون الله كما يجب، ولا يعرفون حكمته ورحمته وعدله. ومن ثم يقرّر أن الرسالة الأخيرة التي جاء بها محمد ﷺ تجري على سنّة الرسالات قبلها، فالقرآن الكريم مصدّق لما سبقه من المكتب، وكلُّ من عند الله.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
ما قَدّر هؤلاء الكفار الله حق التقدير، إذ أنكروا أن تنزل رسالتُه على أحد من البشر. فقل أيها النبي للمشركين ومن يشايعهم على ذلك من اليهود: إذنْ من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، نوراً يضيء، وهدى يرشد؟ إنكم إيها اليهود تجعلون كتابه في أجزاء متفرقة... تُظهرون منها ما يتفق وأهواءكم، وتُخفون ما يٌلجئكم الى الإيمان بالقرآن والنبي. هكذا مع أنكم علمتم منه ما لم تكونوا تعلمون، لا انتم ولا آباؤكم.
وبعد ان بيّن سبحان إنكار المنكرين للوحي بعبارة تدل على جهلهم، قال لرسوله: تولَّ إذن أيها النبي الجوابَ وقل لهم: إن الله هو الذي أنزل التوابة. ثمّ دعْهم بعد هذا فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم.
ومن المؤسف ان هذا القول الذي قاله مشركو مكة في جاهليتهم إنما يقوله أَمثالهم في كل زمان بل منهم من يقولونه الآن، ممن يزعمون ان الأديان من صنع البشر، قد تطوّرت وترقت بتطور البشر في أحوالهم. وكثير من هؤلاء المثقفين على ايدي الأجانب، وكثير منهم يحتلّ مراكز كبيرة في الدول العربية والاستلامية غرّتهم الحياة الدنيا، وغرهم الغرور.
﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾.
وهذا القرآن كتاب عظيما لقدر أنزلناه على خاتم رسلنا كما أنزلنا من قبله التوراة على موسى. وقد باركنا فيه فجعلناه كثير الخير، دائم البركة، يبشر بالثواب والمغفرة، مصدّقاً لما تقدّمه من كتب الأنبياء، ومنذراً لأهل مكة من عذاب الله. فمن كان يؤمن بالقيامة فإنه يؤمن بهذا الكتاب. والمؤمنون به يحافظون على صلاتهم، فيؤدونها في أوقاتها كاملة مستوفاة. وقد خُصت الصلاة بالذِكر ههنا، لأنها عماد الدين.
قراءات:
قرأ أبو عمرو وابن كثير: «يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون» بالياء، والباقون «بالتاء» وقرأ أبو بكر عن عصام «لينذر» بالياء، والباقون «لتنذر» بالتاء.
الافتراء: اختلاف الكذب. غمرات: واحدها غمرة، الشدة. اليوم: المراد به يوم القيامة عذاب الهون: الذل الهوان. فرادى: واحدهم فرد. خولناكم: أعطيناكم. وراء ظهوركم: لم تنتفعوا به تقطّع بينكم: انقطع ما بينكم من صلات ضل: غاب.
بعد ان بين سبحانه أن القرآن كتاب من عند الله، وبذلك رد على الذين أنكروا إنزاله على محمد- قَفَّى هنا على ذلك بوعيد من كذَب على الله أو ادعى النبوة.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾.
ليس امرؤ أشدّ ظُلماً ممن كذب على الله، او قال تلقيّت وحياً من عند الله كذبا وبهتاناً، كما فعل مسيلمة الكذّاب والأسوَد العنسي فيما بعد.
﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله﴾.
كذلك ليس أحد اشدّ ظلماً ممن قال: سآتي بكلام مثل هذا القرآن. وكان النضر ابن حارث بن كلدة، أحد كفار قريش، يقول: ان القرآن أساطير الأولين، وهو شعر لو نشاء لقنا مثله. كما كان يجمع الناس بمكة ويقول لهم: تعالوا: أحدّثكم بأحسن من حديث محمد. وقد أُسر النضر يوم بدرٍ وقُتل بعد ان انتهت المعركة، وجاءت أخته قتيلة، ويقال إنها بنته إلى النبي ﷺ بقصيدة ترثي أخاها وتعاتب الرسول الكريم منها:
يا راكباً ان الأُثَيْل مظنة من صبح خامسة وانت موفق
أمحدٌ يا خير ضِنْءِ كريمة في قومها والفحلُ فحل مُعْرِق
ما كان ضرَّك لو مننتَ وربما منّ الفتى وهو المَغيظُ المحنّق
الأثيل: بالتصغير موضع قرب المدينة. ضنء: نسل.
قال ابن هشام في السيرة: ان النبي عليه السلام عند سماعها «قال: لو بلغَني هذا الشعر قبل قله لمننتُ عليه».
﴿وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ أخرجوا أَنْفُسَكُمُ﴾.
الخطاب للرسول الكريم، ثم لكم من سمعه أو قرأ ومعناه: لو تُبصر إذ يكون الظالمون في شدائد الموت، تحيط بهم كا تحيط غمرات الماء بالغرقى- رأيتَ ما لا قدرة للبيان على وصفه. ادنْ لرأيتَ الملائكة ينزعون أرواحهم من إجسادهم في قسوة وعنف.
ثم حكمى سبحانه أمر الملائكة لهم على سبيل التكَم ولتوبيخ حين بسطوا أيديهم لقبض أرواحهم «اَخرِجُوا أنفُسَكُم».
﴿اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
يومئذ يقال لهم: الآن تبدأ مجازاتكم بالعذاب المذلّ المهين، جزاء ما كنتم تقولون على الله غير الحق (كقول بعضهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، وقول بعض آخر: إنه أوحي اليه، وما أشبهَ ذلك من الكفر والعناد)، وجزاء استكباركم عن النظر والتدبر في آيات الله الكونية والقرآنية.
ثم ذكر الله تعالى ما يقوله لهم الله يوم القيامة بعد ذلك ما تقول لهم ملائكته فقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
لقد تأكدتم الآن أنكم بُعثتم أحياء من قبوركم، كما خلقناكم اول مرة، وجئتم إلينا منفردين عن المال والولد، تاركين وراءكم في الدنيا كل شيء كنتم تغترّون به. إننا لا نرى معكم اليوم أولئك الشفعاء الذين زعمتم انهم ينصرونكم عند الله، لأنهم شركاء له في العبادة... لقد تقطّعتْ بينكم وبينهم كل الروابط، وخابت آمالكم في كل ما زعمتم، فلا فداء ولا شفاعة، ولا يغني عنكم من عذاب الله من شيء.
الفلق: الشق. الحب: الحنطة، وكل أنواع الحرون. النوى: واحدها نواة وهي بزرة التمرة والزبيبة. الصابح: الصحب جعل الليل كسمنا: ليسكُن الإنسان فيه ويستقر. الحسبان: الحساب والتوقيت. المستقر: موضع القرار والإقامة. المتودع: موضع الوديعة. خضرا: نباتا غضا اخضر. متراكبا: بعضه فوق بعض. الطلع: أول ما يظهر من زهر النخل قبل ان يشق عنه الغلاف. القنوان: واحدها قنو: العذِق وهو مثل العنقود من العنب. دانية: قريبة التناول. ينعه: حين ينضج: تؤفكون: تضلون، تصرفون.
بعد ان أثبت الله سبحانه أمر التوحيد وثبّته، ثم أردف أمر النبوية والبعث، وردّ على منكري الوحي، وأوعدهم يوم الجزاء شراً- جاء هنا ليطلع الناس على آياته العظمى في هذا الكون العجيب.
﴿إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحيان الله فَالِقُ الحب والنوى يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾.
ان دلائل قدرة الله على البعث، واستحقاقه وحده للعبادة، متوافرة متنوعة. فهو وحده الذي يشق الحب ويخرج منه النبات، ويشق النوى ويخرج منه الشجر. انه هو الذي يخرج الحي من الميت، كالا نسان من التراب، والميتَ من الحي، كاللبن من الحيوان.
ولقد اقترنت (فالقُ الحب والنوى) بآية (فالق الإصابح) وهي تدل على وجود الضوء والضلام، وان الضوء مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو النبات والأشجار. ذلك أن الحب والنوى بعد ان تُفلق نباتاً إنما تحتاج إلى غذاء... وهذا الغذاء يتكون من عناصر الأرض الخِصبة، ومن ضوء الشمس، فجذور النبات تتغذى من الارض، وأغصانه وأوارقه تتغذى من حرارة الشمس التي يؤذن بها الصباح.
وهذه من قدرة الله وحده، فلا يقدر إلا الله أن يجهّز الكائن الحي بالقدرة على إحالة الذرات الميتة الى خلايا حية، او تحويل الخلايا الحية مرة اخرى الى دارت ميتة.
يقول الدكتور اير فننج وليام في ماقل عنوانه: المادية وحدها لا تكفي، في كتاب «الله يتجلى في عصر العلم».
«ان العلوم لا تستطع ان تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي تتكون منها جميع المواد. كما لا تستطيع ان تفسر لنا، بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها، كيف تجع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكوّن الحياة. ولا شك ان النظرية التي تدّعي ان جميع صور الحياة الراقية قد وصلت الى حالتها الراهنة من الرقي، بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن، نظريةٌ لا يمكن الأخذ بها الا عن طريق التسلمي فهي لا تقوم على أساس من المنطق والاقتناع».
ويقول الدكتور البرت ماكوب ونشستر، التخصص في علم الاحياء، في مقال: العلوم تدعم إيماني بالله، من كتاب «الله يتجلى في عصر العلم».
— 487 —
«لقد اشتغلت بدراسة علم الآحياء، وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدارسة الحية وليس بين مخلوقات الله اروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون.
انظر إلى نبات برسيم ضئيل، وقد نما على احد جوانب الطريق. هل تستطيع ان تجد له تطيراً في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟ انه آلة حيّة تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار، بالآف من التفاعلات الكيماوية والطبيعية. ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم، وهي المادة التي تدخل في تركيب الكائنات الحية.
فمن أين جاءت هذه الآلةُ المعقدة؟ ان الله لم يصنعها هكذا وحدها، ولكنه خلَق الحياة، وجعلها قادرة على صيانة نفسها، وعلى الاستمرار من جيل الى جيل، مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بني نبات وآخر. ان دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أورع دراسات علم الاحياء، واكثرها اطهارا لقدرة الله. ان الخلية التناسلية التي يتح عنها النبات الجديد، تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث يصعب مشاهدتها الا باستخدام المجهر. ومن العجيب ان كل صفة من صفات النبات، كل عرق، وكل شُعَيْرة، وكل فرع على ساق، وكل جذر أو ورقة- يتم تكوينها تحت إشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغا كبيرا، فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي نشأ منها النبات!! تلك الفئة نم المهندسين هي فئة الكروموسومات (ناقلات الوراثة) ولك ذلك يتم بإذن الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وبقدر الله الذي تتم به كل حركة في الوجود كله»
.
﴿ذلكم الله﴾ ربُّكم مبدعُ المعجزة المتكررة ذات السر العجيب ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ ؟ فكيف تُصرفون عن هذا الحق الواضح للعقول والعيون! كيف تشركون به من لا يقدر على شيء من ذلك!؟.
ويجيء ذكر معجزة انبثاق الحياة من الموت كثيرا في القرآن الكريم كما يجيء ذكر خلق الكون ابتداءً - في معرض التوجيه الى حقيقة الالوهية، وآثارها الدالة على وحدة الخالق وقدرته. ويهدف ذلك الى تقويم تصور البشر بإعطائهم العقيدة الصحيحة.
﴿فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الليل سَكَناً والشمس والقمر حُسْبَاناً ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾.
هو الذي يجلو غبش الصبح بضوء النهار ليسعى الاحياء الى تحصيل أسباب حياتهم ومعاشهم، وجعل الله الليل سَكَناً يستريح المتعَب فيه من العمل بالنهار، وتسكن فيه نفسُه. وأكثر الأحياء من الإنسان والحيوان تترك العمل والسعي في الليل، وتأوي الى مساكنها للراحة.
كما سيّر الشمس والقمر بنظام دقيق يعرف به الناس مواقيتَ عبادتهم ومعاملاتهم، وهذا النظام المحكم تدبيرُ من الله المسيطر على الكون، المحيط علمه بكل شيء، البعيد المدى في الأبداع والاتقان، والذي قال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
قراءات:
قرأ أهل الكوفة «جعل الليل سكنا» وقرأ الباقون «جاعل الليل».
— 488 —
جعل: خلق النجوم: جمع نجم وهي الأجرام السماوية التي نرى كثيرا منها بالعين المجردة. والمراد بالظلمات ظلمة الليل، في إسفارنا برا وبحرا.
ان الله هو الذي خلق لكم النجوم إيها الناس تستدلّون بها على الطريق فتسلكونها وتنجون من الأخطار في البر والبحر. فالله سبحانه وتعإلى يذكّرها ببعض فضله علينا في تسخير هذه النيرات التي نراها صغيرة، لبعدها عنا، بعد ان سبق وذكَرنا ببعض فضله في الشمس والقمر اللّذين يبدوان كبيرين في أعين الناس لقربهما.
وأقرب كوكب منا هو القمر، يبعد عن الأرض بنحو مائتين وأربعين الف ميل، وهو يدور حول الأرض ويكمل دورته في ساعة وعشرين يوما ونصف يوم. وتبعد أرضنا عن الشمس ثلاثة وتسعين مليون ميل، وهي تدور حول محورها بسرعة الف ميل في الساعة، وتدور حول الشمس في دائرة مساحتها مائة وتسعون مليون ميل، وتستكمل دورتها في هذه الدائرة مرة واحد في سنة كاملة. وتوجد تسعة كواكب مع الارض هي: عطارد والزهرة والمّريخ وزحَل والمشتري واورانونس ونبتون وبلوتو، وكلها تدور حول الشمس بسرعة فائقة، بعضها يكلم دورة كاملة في ثمانية يوماً وهو عطار، اقرب الكواكب الى الشمس؛ وبعضها يكمل دورة كاملة في مدة مائتين وثمان وأربعين سنة وهو بلوتو، أبعد الكواكب من الشمس. وهو يذرو في دائره مساحتُها سبعةُ بلايين وخمسمائة مليون ميل. وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمراً أخرى. وتوجد غير هذه الكواكب حلقة من ثلاثين ألفا من «النجيمات» وآلاف المذنبات، وشهب لا حصر لها ولكها تدور حول ذلك السيّار العملاق الذي نسميه الشمس، التي يبلغ قطرها: ثمانمائة وخمسة وستين الف ميل. وهي اكبر من الارض بمليون وربع يملون مرة.
ولا تشكّل هذه الشمس وما حولها من الكواكب المذكورة، والاقمار، والنجيمات، والشهب التي تشغل هذا المجال الواسع- ذرةً صغيرة في هذا المكان الواسع الذي لا يدركه عقل ولا بصر. ثم إن هذه الشمس ليست بثابتة او واقفة في مكان ما، وأنما هي بدورها، ومع كل هذه الاجرام التي ذكرناها- تدور في النظام الرائع البديع بسرعة ٦٠٠. ٠٠٠ الف ميل في الساعة وفي هذا الكون الفسيح العجيب آلاف الأنظمة غير نظامنا الشمسي يتكون منها ذلكم النظام الذي نسمّيه «المجرّات» او مجاميع النجوم، وكأنها جميعها طبق عظيم تذرو عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة، كما يدور الخذروف «البلبل» حين يعلب الأطفال.
ومجرّات النجوم هذه تتحرك بدورها ايضا، فالجرّة التي يقع فيها نظامنا الشمسي تدور حول محورها بحيث تكمل دورةً واحدة كل مائتي بليون سنة ضوئية ٢٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ وهذا شيء مذهل ومحيِّر لا تتصوره العقول.
ويقدّر علماء الفلك أن هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون من المجرات، في كل منها «مائة لميان» من النجوم، او اكثر او اقل.
— 489 —
ويقدّرون ان أقرب مجموعة من النجوم، وهي التي نراها في الليل كخيوط بيضاء دقيقة والتي نسميها درب التبّانة، تضم حَيّزاً مداه ألف سنة ضوئية. وسرعة الضن ٣٠٠. ٠٠٠ الف كيلو متر في الثانية. وبمعرفة هذه الحقيقة يتبين لنا اتساع السنة الضوئية ومقدار زمنها، وكم تكون مسافة الف سنة ضوئية. إنها شيء مذهل حقا، فوق تفكير البشر وطاقته.
ونبعد نحن سكان الأرض عن مركز هذه المجموعة بمقدار ثلاثين الف سنة ضوئية، وهذه المجموعة جزء من مجموعة كبيرة تتألف من سبع عشرة مجرة. وقطرة هذه المجموعة الكبيرة (ذات السبع عشرة) مليونان من السنين الضوئية.
والحديث في هذا الموضوع طويل جدا، ومحيّر ومذهل. وحين ينظر العقل إلى هذا النظام العجيب، والتنظيم الدقيق الغريب المدهش لا يلبث ان يحكم باستحالة ان يكون هذا كله قائما بنفسه، بل ان هنالك طاقة غير عادية هي التي تقيم هذا النظام العظيم، وتهين عليه.
ولما في عالم السماوات وهذا الكون الذي بينا لمحة موجزة عنه- من بديع الصنع والنظام- ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله:
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
أي أنّا بينّا دلائل رحمتنا وقدرتَنا لقوم ينفعون بالعلم. فهو يوجّهنا إلى هذا الكون، وما فيه من حقائق مذهلة، تدفعنا الى التدبر والتذكّر. الله اجعلنا ممن ينتفعون بالعلم والمعرفة، وثّبت قلوبنا بالإيمان الصادق.
وبعد ان بيّن لنا تعالى بعض آياته في هذا الكون العجيب ليذكّرنا بذلك، وبنبّه الناس من غفلتهم، عطف الحديث ليذكّرنا بآياته العجيبة في انفسنا. ذلك لأن الإنسان هو أعظم شيء في الوجود.
﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.
الإنشاء: أيجاد الشيء وتربيته. النفس: تطلق على الروح وعلى الشخص المركّب من روح وبدن.
والنفس البشرية الأولى هي آدم، والله تعالى هو الذي أوجدَكم من أصل واحد هو أب البشر آدم. وتبدأ الحياة من حيوان صغير لا يُرى بالعين المجردة، فالنفس هي مستودع لهذه الخلية في صلب الرجل، وهي مستقر لها في رحم الأنثى. ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار في هذه الارض التي هي مكان استقراركم في حياتكم، ومستودعٌ لكم، بعد موتكم. هكذا فصّلنا الآياتِ لقوم يفقهون، وبيّنا دلائل قدرتنا لقوم يفقهون ما يُتلى عليهم، ويدركون الأشياء على وجهها فالفقه هنا، وهو اغمق الفهم، ضروريٌ لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة التي يخرُج منها أشكال وألوان، فيهب الله لمن يشاء اناثا، ويهب لمن يشاء الذكور.
قراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: فمستقِر بكسر القاف والباقون بفتح القاف.
﴿وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾.
خضراً: أخضر قنوان: جمع قنو وهو الفرع الصغير في النخلة، ويسمى العذق والعِرجون وهو الذي يحمل الثمر.
— 490 —
دانية: قريبة متدلية ينعهِ: نضجه.
ثم ينقلنا إلى مشاهد الحياة المتفتحة في جنبات الارض، فيذكر آية اخرى من آيات التكوين ويبين لنا دور الماء الظاهر في إنبات كل شيء.
وهو الذي أنزل من السحاب ماءً فأخرج به نبات كل صنف، جاء بعضه غضّاً طريا، يخرج منه حبٌّ كثير بعضه فوق بعض. ون غبار طلع النخل تخرج عراجين محمّلة بالثمار قريبة سهلة التناول. كذلك أخرجنا بفضل الماء جناتٍ من الأعناب والزيتون والرمان، منها ما هو متشابه الثمر حين يثمر، والى نضجه كيف تم بعد أطوار مختلفة. ثم وازنوا بين صفاته في كل من الحالين، يتبين لكمن لطف الله وقدرته. أليس في ذلك دلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم ينشدون الحق؟!
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: ثمره بضم الثاء والميم، جمع ثمرة والباقون: ثمره بفتح الثاء والميم.
بعد هذا العرض الواضح لدلائل وجود الله ووحدانيته وقدرته يبين لنا الله تعالى شِرك المشركين وأوهامهم وسخفهم، فيعقّب على ذلك كلّه بالاستنكار فيقول:
وجعلوا لله شركاء...
— 491 —
خلق الكلمة، واختلقها، وخرقها، واخترقها: ابتدعها كذباً، والخلقُ فعلُ الشيء بتدبير ورفق بديع السماوات: خالقها ومنشئتها، والبديع من أسماء الله تعإلى لإبداعه الأشياء الإدراك: الوصول الى الشيء، يقال: تبعه حتى أدركه البصر: حاسة الرؤية اللطيف: ضد الكثيف، واللطف في العمل: الرفق فيه.
بعد ان ذكر سبحانه البراهين الدالة على توحيده بالخلق والتدبير في هذا الكون - ذكر هنا بعض أنواع الشِرك التي كانت منتشرة عند العرب وكثير من الأمم، وهي اتخاذ شركاء لله من علام الجِن المستتر عن العيون. وهم لا يعرفون من هم الجن، ولكنها الوثنية هذا كما اختروا لله نسلاً من البنين والبنات... لقد قالوا ان الملائكة والشياطين شركاء لله، وقد خلقهم الله جيمعا، فإذا كان هو الذي خلقكم فكيف يكونون شركاء له في الألوية والربوبية!!
﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾.
فقد قال مشركو العرب: ان الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عُزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله كل هذه الادعاءات لا تقوم على أساس من علم، بل هي الجهل المطبِق.
﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
تنزّه الله تعالى عن كل نقص ينافي انفراده بالخلق والتدبير.
قراءات:
قرأ نافع وأهل المدينة «خرقوا» بتشديد الراء.
﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾.
هنا يواجه كذبهم واختلاقهم بالحقيقة الإلهية ويكشف لهم جهلهم وأوهامهم، فيقول: ان الله هو الذي انشأ السماوات والأرض على غير مثال سبق، فكيف يكون له ولد، كما يزعم هؤلاء، مع انه لم تكن له زوجة، ولقد خلق جميع الأشياء بما فيها هؤلاء الذين اتخذوهم شركاء له، فكيف يخلقهم ويشاركون في القدرة على الخلق؟ انه هو عالم بكل شيء يحصي عليهم ما يقولون وما يفعلون.
﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ﴾.
ذلكم الله المنزَّه عن كل ما يصفونه به، المتصف بصفات الكمال، لا إله غيره، خالق كل شيء مما كان ومما سيكون، فهو وحده المستحق للعبادة. فاعبدوه وحده. وهو مع تلك الصفات الجليلة الشأن متوّلٍ جميع الأمور، يدبّر ملكه بعلمه وحكمته، فيرزق عباده، ويكلؤهم بالليل والنهار.
﴿ (*) لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾.
أي لا تُبصر ذاتَه العيون، لكنه يعلم الأبصار والبصائر، وهو الرفيق بعباده والخبير بخلقه فلا يخفى عليه شيء من أمرهم.
البصائر: جمع بصيرة، لها عدة معان: العبرة، والمعرفة الثابتة باليقين، والشاهد للأمر والحجّو، والقوة التي تدرَك بها الحقائق العلمية، وعقيدة القلب.
أما البصَر فهو الذي تدرَك به الأشياء الحسية.
والمراد بالبصائر هنا الآيات الواردة في هذه السورة أو القرآن كله بعد ان أقام الله الأدلة والبراهين الواضحة على توحيده وكمال قدرته وعلمه، قرّر هنا أمر الدعوة والرسالة، وحدود تبليغ النبي ﷺ لأوامر ربه، قل إيها النبي للناس: مِن خالقكم جاءتكم هذه الآيات البينات كدلائل تتبصرّون فيها من الحجج الكونية والبراهين العقلية، كيما تثبت لكم عقائد الحق اليقنية التي تلهيا مدار سعادتكم في دنياكم وآخرتكم وأنتم أحرار بعد ذلك فمن أبصر فلنفسه قدّم الخير وبلغ السعادة، ومن عمي عن الحق، وأعرض عن سبيله، فعلى نفسه جنى إنني لست عليكم بمحافظ ولا رقيب.
نصرّف الآيات: نأتي بها متواترة حالا بعد حال، مفسرين لها في كل مقام بما يناسبه. درس الكتابَ والعلم يدرسه درسا ودراسة ومدارسة: قرأه وتعلمه.
يتجه الخطاب هنا إلى الرسول الكريم، فيتحدث عن تصريف الآيات على مستوى لا يمكن ان يأتي به النبي الأُمّيّ من عنده. وفي ذلك إشارة الى أن المشركين يعلمون حق العلم ان النبيّ محمداً عاش بينهم ولم يدخل مدرسة، ولم يجلس إلى معلم، ومع هذا فهم يعاندون فيقولون: إن محمداً درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب.
كيف هذا وما كان شيء من حياتك يا محمد خافياً عليهم، لا قبل الرسالة ولا بعدها! وكيف هذا وليس مِن أهل الكتاب من يعلم شياً على هذا المستوى! ان كتب أ÷لا لكتاب موجودة قائمة، والمسافة شاسعة بين ما فيها وما فيه هذا القرآن الكريم.
ولا نريد ان نقول في هذه الكتب التي بين ايديهم شيئا، لكن علماءهم وكتابهم انتقدوها وبيّنوا كثيرا من زيفها وتحريفها. وقد صدر حديثا كتاب لعالم وطبيب فرنسي كبير هو الدكتور «موريس بوكاي» جعل اسمَه «القرآن والتوراة والإنجيل والعلم» وفيه بيّن هذا العالم الكبير عبد دراسته ألتحليله ان القرآن لا يتناقض مع الحقائق العلمية والتاريخية، خلافاً للتوابة والانجيل. وهو يقول: «لقد اعتبر الإسلام دائماً أن هناك اتفاقاً بين معطيات كتابه المقدس والواقع العلمي. ولم تكشف دارسه نص القرآن في العصر الحديث عن الحاجة الى أعادة النظر في هذا. وسوف نرى فيما بعد ان القرآن يثير وقائع ذات صفة علمية. وهي وقائع كثيرة جدا، خلافاً لقلّتها في التوراة. وليس هناك أي وجه للمقارنة بين القليل جداً لما أثارته التوراة من الأمور ذات الصفة العلمية، وبين تعدّد الموضوعات ذات السمة العلمية وكثرتها في القرآن.
وعلى سبيل المثال، نحن نجهل التاريخ التقريبي لظهور الإنسان على الأرض... لكنّنا لا نستطيع علمياً قبول صحة نص سفر التكوين الذي يورد أنساباً وتواريخ تحدّد أصل ظهور الانسان (خلق آدم) بحوالي ٣٧ قرنا قبل المسيح... هذا فيما نستطيع ان نطمئن إلى أنه لن يمكن أبداً إثبات أن الإنسان قد ظهر على الارض منذ ٥٧٣٦ سنة كما يقول التاريخ العبري في ١٩٧٥. وبناء على ذلك فإن معطيات التوراة الخاصة بقدم الانسان غير صحيحة.
وان الدارسة التي نقدمها الآن تختص بما تُنبئنا به الكتب المقدسة فيما يتعلق بالظاهرات الطبيعية المتنوعة الكثيرة، والتي تحيطها تلك الكتب بقليل او بكثير من التعليقات والشروح. ولا بد من الملاحظة ان الوحي القرآني غني جداً في تعدُّد هذه المواضيع، وذلك على خلاف ندرتها في العهدّين القديم والجديد.
لقد قمتُ أولاً بدارسة القرآن الكريم، وكان ذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث.
— 494 —
وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات- ان القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة ارتت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في لأعصر الحديث.
وبنفس الموضوعية قمتُ بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل: أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سِفر التكوين، حيث وجدت مقولاتٍ لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا.
وأما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة انساب المسيح. ذلك أن نص إنجيل متهت يناقض بشكل جلي إنجيلَ لوقا. اذ أن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدَم الإنسان على الأرض. غير ان وجود هذه الأمور المتناقضة وتلك التي لا يحتملها التصديق، وتلك الأخرى التي لا تتفق والعلم- لا يبدو لي أنها تستطيع أن تضعِف الأيمان بالله. ولا تقع المسألية فيها إلا على البشر. ولا يستطيع أحدا أن يقول كيف كانت النصوص الاصلية، وما نصيب الخيال والهوى في عملية تحريرها، او ما نصيب التحريف المقصود من قِبَل كتبةِ هذه النصوص، او ما نصب التعديلات غير الواعية التي أدخلت على الكتب المقدسة.
ان ما يصدمنا حقاً في أيامنا هذه ان نرى المتخصصين في دراسة النصوص يتجاهلون ذلك التناقض والتعارض مع الحقائق العلمية الثابة، او نراهم يكشفون عن بعض نقاط الضعف ليحاولوا التستّر عليها، مستعيني في ذلك ببهلوانيات جدلية.
وسنقدم في هذا الكتاب أمثلة لاستخدام وسائل التستّر على التناقض او على أمر بعيد التصديق، مما يسمونه «صعوبةً» استحياءً منهم، وأنه كان ناجحا في كثير من الأحيان. وهذا ما يفسر لنا كيف ان كثيراً من المسيحيين ظلوا يجهلون نقاط الضعف الخطيرة في كثير من المقاطع في العهد القديم وفي الأناجيل وسيجد القارئ في الجزأين الأول والثاني من هذا الكتاب أمثلة صحيحة في ذلك.
اما الجزء الثالث فسيد فيه القارئ أمثلة توضحي حية لتطبيق العلم على دارسة أحد الكتب المقدسة، وهو تطبيق لم يكن يتوقعه الانسان. كما سيجد القارئ في ذلك بياناً لما قد جاء به العلم الحديث الذي هو في متناول كل يد، من اجل فهمٍ أكملَ لبعض الآيات القرآنية التي ظلت حتى الآن مستغلقة او غير مفهومة. ولا عجب في هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما ان الدين والعلم توأمان متلازمان.
— 495 —
فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءاً لا يتجزأ من الواجبات التي أمر بها الإسلام. والواقع أن تطبيق هذا الأمر هو الذي أدى إلى ذلك إلازدهار العظيم للعلوم في عصر الحضارة الإسلامية. تلك الحضارة التي أفتان منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة في أوربا. ان التقدم الذي تمّ اليوم، بفضل المعارف العلمية، في شرح بعض ما لم يكن مفهوما، أو بعض ما قد أسيء تفسيره حتى الآن، من آيات القرآن- ليشكّل قمةَ المواجهة بين العلم والكتب المقدسة «.
هذه مقتطفات مختصرة جداً من مقدمة هذا الكتاب الرائع الذي يقدّم لنا شهادة صادقة صادرة عن دراسة وبحثٍ بأمانة وحياد وشجاعة بدون تحيز ولا تعصب.
﴿وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وبمثل هذا التنويع في عرض الدلائل الكونية، نعرض آياتنا في القرآن منّوعة مفصّلة، لنقيم الحجة بها على الجاحدين، فلا يَجِدوا الا أخلاق الكذب، فيهتمنك بأنك تعلّمت من الناس لا من الله.
قراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو»
دارست «وابن عامر ويعقوب» درستْ «بصيغة الماضي.
هكذا بين سبحانه لرسوله ان الناس في شأن القرآن فريقان: فريق فسدت فطرتهم ولم يبقَ لديهم استعداد لهدية، ولا للعلم بما فيه من تصريف الآيات، ومن ثم كان نَصيبهم منه الجحود والأنكار. وفريق آخر اهتدى به وعمل بما فيه.. من ثَم أمر رسوله ان يتبع ما أوحي إليه من ربه، وان يُعرض عن المشركين، ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم.
﴿اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾.
اتّبعْ أيها النبي ما جاءك به الوحي من الله، هو المعبود الواحد الذي لا شريك له فالتزم طاعته، ولا تبالِ بعناد المشركين وإصرارهم على الشرك.
﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾.
ولو شاء الله ان يُلزمهم الهدى لهداهم، ولكنه تركهم لاختيارهم، فلقد خلق تعالى النّاسَ بهذا الاستعداد للهدى والضلال، ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وما جعلناك يا محمد رقيباً تحصي عليهم اعمالهم، ولا أنت بمكلف أن تقوم عنهم بتدبير شئونهم وإصلاح أمرهم.
— 496 —
عدْواً: ظلما.
بعد أن أمر الله تعإلى رسوله الكريم بتبليغ وحيه قولاً وعملاً، وبالإعراض عن المشركين، وبيّن له أن سنة الله في البشر ان لا يتفقوا على دين واحد، لاختلاف استعدادهم وتفاوتهم في درجات الفهم والفكر- وجّه الحديث هنا الى المؤمنين طالباً منهم أن يقابلوا المشركين والمخالفين بأدب، فلا يسبّوا آلهتهم مخافة ان يحملوا المشركين على سبّ الله سبحانه. فقال: لا تسبوا الله تعدّياً وسفَهاً، كذلك زينّا لكل أمة عملَهم، كفراً وايماناً، حسب استعدادهم، ثم يرجع الجميع إلينا يوم القيامة ونجازيهم على أعمالهم بما يستحقون.
قراءات:
قرأيعقوب «عُدُوّاً» بضم العين والدال وتشديد الواو، والباقون «عدوا» بفتح العين وسكون الدال. والمعنى واحد.
الطغيان: مجاوزة الحدود. يعمهون: يترددون في الضلال، والعمَهُ للبصيرة كالعمى للبصر.
وأقسموا بالله بأقصى أيمانهم أنْ لو ظهرت لهم معجزة مادّية يرونها بأعينهم لآمنوا، فقل لهم إيها النبي: إن الله يُظهر الآيات متى شاء لا حسب رغباتكم بل ما يدرك أنهم لن يؤمنوا حتى لو ظهرت! هكذا فعل أسلافهم.
ونقلّب قلوبهم وعيونهم فلا يعقلونها، ولا يبصرونها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمن آباؤهم بالحق أول مرة، وندعهم في ظلمهم وطغيانهم يترددون.
هنا انتهى الجز السابع، والحمد لله الذي هدانا لهذا، اللهم ثبت أفئدتنا وأبصارنا على الحق واحفظنا واهدنا الصراط المستقيم.
قُبُلاً: مواجهة ومعانية، وبعضهم قال: قبلا جمع قبيل، يعني قبيلا قبيلا. الشيطان: المتمرد العاتي من الجن والأنس. يوحي: يعلم بطريق خفي. الزخرف: الزينة، وكل ما يَصْرِف ألساع عن الحقائق إلى الأوهام. الغرور: الخداع بالباطل. تصغى: تميل الفعل الماضي صَغِي يصغى. اقترف الذنب: ارتكبه، واقترف المال اكتسبه. العدو: ضد الصديق، يطلق على الجمع والمفرد.
بعد ان بين سبحانه في الآيات السابقة ان مقترحي الآيات الكونية أقسموا بالله لو جاءتهم آية ليؤمنن بها، وان المؤمنين ودُّوا لو أجيبَ اقتراحهم، وبيّن المخادعة في ذلك الاقتراح- فصّل هنا ما أجملَه في قوله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة.. الآية﴾.
وهذه الآيةُ متعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على الرسول منا لخوارق فيكون المعنى: ان أولئك الذين أقسموا ان يمؤ منوا إذا جاءتهم أيةٌ قومٌ كاذبون. فحتى لو نَزّلنا إليهم الملائكة يرونهم رأي العين، وكلّهم الموتى بعد إحيائهم وأخراجهم من قبورهم، وجمعنا لهم كل شيء مواجهةً وعياناً- لظلّوا على كُفْرهم، ما لم يشأ الله تعالى أن يؤمنوا. إن اكثر هؤلاء المشركين يا محمد يجهلون الحق، قد امتلأت قلوبهم بالحقد والعناد.
فراءت
قرأ نافع وابن عامر «قِبَلاً» بكسر القاف وفتح الباء، والباقون «قبلا» بالضم.
قال ابن عباس: كان المستهزئون بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاصي ابن وائل السهمي، والأسودَ بن يغوث الزُّهري، والأَسود بن المطلب، والحارث بن حنظلة: أتوا رسول الله في رهط من أهل مكة وقالوا: أرِنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله، او ابعثْ بعض موتانا حتى نسألهم: أحقُّ ما تقول أم باطل؟ او ائتنا بالله والملائكة قبيلا.
فالآية ترد عليهم باطَلهم وتعنتهم.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ﴾.
ومثلما أن هؤلاء عادَوك يا محمد وعاندوك رغم أنك تريد هدايتهم فقد واجه كل نبي جاء قبلك أعداء مثلهم. وكانوا من الإنس والجن، يوسوس بعضهم لبعض بكلام مزخرف لا حقيقة فيه، فيشحنونهم بالغرور والباطل. وكانوا يفعلون ذلك بطرق خفيّة لا يفطن الى باطلها إلا قليل. ولو شاء الله ما فعلوه، لكن ذلك كله بتقدير الله ومشيئته، لتمحيص قلوب المؤمنين. فاترك يا محمد الضالين وما يفترون من كذب، وامضِ لشأنك، فالنصرُ لك آخر الأمر.
﴿ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾.
ان قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لَتستمع الى ذلك الخداع والقول المموَّه بالباطل فهؤلاء يحصُرون همَّهم كلّه في الدينا، ويعتقدون أن الحياة هي الدنيا فقط، وينالون أبتاع النبي بالأذى.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾.
يعني: تميل أفئدة المشركين الى الباطل وترضاه وتخضع للشياطين، ومعجبين بزخرفهم الباطل، فليرتكبوا من هذه الدسائس ما هم مرتكبون فانهم لن يضروك بشيء.
الحكم: من يتحاكم الناس إليه. مفصّلا: مبينّاً فيه الحلال وكل ما يحتاجه البشر من الأحكام. الممترين: الشاكّين. كلمة ربك: القرآن الكريم. تمام الشيء: انتهاؤه إلى حد لا يحتاج الى شيء خارج عنه وتمامها هنا كافية وافية... والصدق في الإخبار ومنها المواعيد، والعدل يكون في الأحكام لا مبدّل لكلماته: لا يتغير فيها.
ذَكَر الله هنا المبدأ الإسلامي الأول وهو مبدأ حق الحاكمية المطلقة لله وحده، وتجريد البشر من ادّعاء هذا الحق او مزاولته في أي صورة من الصور، كما بيّن أنه أنزل القرآن الكريم، وهو الآية الكبرى، وأقوى الأدلة على رسالة نبيّه، وهو الذين يجب الرجوع اليه في أمر الرسالة واتباع حكمه فيها.
﴿أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً﴾.
قل لهم إيها النبي: ليس لي أن أتعدّى حُكم الله، ولا أن أطلب حكَماً غيره يفصل بيني وبيمنكم. لقد أنزل القرآن الكريم مفصّلاً واضحاً ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وبيّن في المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة، كما تضمَن أحكاماً تفصيلية والعلمية.
وبهذا وذاك كان في القرآن غَنَاء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة. ويَعلم الذين أوتوا الكتاب أن القرآن منزل من عند الله مشتملاً على الحق، كما بشّرت به كتبهم، لكنهم يحاولون إخفاء ذلك وكتمانه، فلا تكونّن يا محمد انت ومن اتّبعك من الذين يشكون في الحق بعد ان بينّاه.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾.
ان حكم الله قد صدر، فتمت كلمات ربك الصادقة العادلة فيما وعدك به من نصر، وأوعد المستهزئين بالقرى، من خذلان. وليس في قدرة أحد أن يغّير كلمات الله وكتابَه، وهو سميع لك ما يقال عليم بكل شيء.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: «منزل» بالتشديد. والباقون «منزل» بالتخفيف. وقرأ الكوفيون ويعقوب «كلمة ربك» والباقون «كلمات» بالجمع.
يخرصون: يقولون بالظن، ويكذبون سبيله: طريقه، وهو دين الله القويم.
بعد أن أجاب الله تعإلى عن شبهات المشركين- قرر هنا أنه لا ينبغي للنبيّ إلالتفات الى ما يقوله أولئك الضالّون، لأنهم يريدون أن يُضلوا المؤمنين. وهم لا يتبعون في كلامهم الا الكذب والظن الفاسد.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾.
وادا كان الله تعالى هو الحكم العدل الذي يُرجع الى كتابه في طلب الحق ومعرفته، فلا تتبع أيها النبي أنت ومن معك أحدا يخالق قوله الحقَّ، ولو كانوا عدداً كثيراً. إنك إن تفعل، يبعدوك عن طريق الحق المستقيم، لأنهم لا يسيرون الا وراء الظنون والأوهام.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
ان ربك هو العليم بالّذين بعدوا عن طريق الحق، وبمن هو من المهتدين.
بعد أن بين الله ضلال مشركي العرب ومن على شاكلتهم في عقائدهم، لأنهم خراصون ضالون- أردف ذلك بيان مسألة هامة لها خطرها هي مسألة الذبائح لغير الله.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
وادا كان الله تعإلى هو الذي يعلم المهتدين من الضالين، فلا تلتفتوا أيها المؤمنين الى ضلال المشركين في تحريم بعض الأنعام. كلوا منها، فقد رزقكم الله إياها، وجعلها حلالاً لكم، واذكروا اسم الله تعالى عليها عند ذبحها إن كنتم مؤمنين.
وكان مشركو العرب وغيرهم من الوثنين وأرباب الملل المختلفة يجعلون الذبائح من أمور العبادات، ويقرنونها بأصول الدين والاعتقادات، فيتعبدون بذبحها لآلهتهم ولمن قدّسوا من رجال دينهم، وهذا شِرك بالله.
﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ﴾.
ليس لكم أي مبرر او دليل يمنعكم ان تأكلوا مما يُذكر اسم الله عليه عند ذبحه من الأنعام ولقد بيّن سبحانه وتعالى المحرَّم في غير حال الاضطرار، كالميتة والدم، بيدَ أن كثيراً من الناس يُضلون غيرهم بأهوائهم الزائفة من غير علم او برهان.
قراءات ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «فصل» بضم الفاء، والباقون «فصل» بفتح الفاء وقرأ نافع ويعقوب وحفص: «حرم عليكم» بفتح الحاء، والباقون: «حرم» بضم الحاء.
وقرأ الكوفيون: «ليضلون» بضم الياء، والباقون «يضلون» بفتح الياء.
ذروا: اتركوا. الإثم: كل ما حرمه الله ظاهر الاثم ما تعلق بالجوارح من الأعمال، والباطل ما تعلق بأعمال القلوب، كالكبر والحسد وتدبير المكايد الضارة بالناس.
يقترفون: يكتسبون.
اتركوا أيها المؤمنون جميع الاعمال المحرمة وابتعدوا عنها، فالتقوى الحقيقة هي في ترك الاثم ظاهره وباطنه، أما الذين يكسبون الإثم فسيُجزَون بما اقترفوا من سيئات.
وإذا كانت الأنعام حلالاً لكم بذبحها، فلا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله تعالى عليه عند ذبحه. إن ذلك فسقٌ وخروج عن حكم الله، وإن المفسدين من شياطين الإنس والجن ليُوَسْوِسون في عقول من استولوا عليهم ليجادلوكم بالباطل، علّهم يُقنعونكم بأكل الذبائح التي يذكرون عليهم اسم آلهتهم، او ينحرونها للميسر. ومثل ذلك شأن الميتة، فقد كان المشركون يجادلون المسلمين في تحريمها، ويقولون إن الله ذبحها، فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم، ولا يأكلون مما ذبح الله؟ ان هذا من السخف، فإن قبلتموه وأطعتموهم كنتم مثلهم في الشرك بالله.
ونجد الأئمة رحمهم الله قد اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
فبعهم يقول: ان لك ذبيحة لم يُذكر اسم الله عليها او سهواً لا يحِلُّ أكلها مطلقا. وهذا القول مرويُّ عن ابنِ عُمَرَ ومولاه نافع، ورواية عن مالك، وعن احمد بن حنبل ومذهب إبي ثور، وداود الظاهري.
والقول الثاني: ان التسمية على الذبيحة ليست شرطاً بل هي مستحبة... فإن تركَها عمداً أو نسياناً لا يضر. وهذا مذهب الإمام الشافعي وجميع أصحابه. وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة، وعطاء بن رباح، وقالوا: إن النهي كان عن الذبائح التي تذبحها قريش لآلهتهم، أما ترك التسمية فلا يضر.
والقول الثالث: إن تَرَكَ التسمية سهواً لا يضر، وان تركها عمداً لم تحل. وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة واصحابه، وهو مروي عن سيدنا عليّ وابن عباس والحسن البصري وغيرهم.
قال ابن جرير في تفسيره: اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل نُسخ من حكمها شيء ام لا؟ فقال بعضهم: إنها مُحكَمة ولم يُنسخ منها شيء، وقال بعضهم: إنها نُسخت بقوله تعالى: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ﴾.
ثم قال ابن جرير: والصواب: انه لا تعارض بين حِل طعام أهل الكتاب وبين تحريم ما يُذكر اسم الله عليه. وهذا هو الصحيح.
وبعض العلماء يرى أن ما يُذبح عند استقبال مَلِك او أمير حرامٌ، ولا يجوز أكلُه وفي هذا تشديد وتزمُّت، فإن مثل هذه الذبائح حلال، وليست محرّمة، لأن الناس لا يعبدون هؤلاء الذين ذبحوا لهم عند قدومهم. وليس هذا الاستبشار بقدومهم إلا كذبح العقيقةِ للمولود وغير ذلك....
المِثل والمَثل (بفتح الميم وكسرها) الشبهُ والنظير. الأكابر: الرؤساء إصحاب النفوذ. المجرم: فاعل الفساد والضرر. القرية: البلد المكر: الخديعة، وصرف المرء عن مقصده إلى غيره بالحيلة.
هنا مقارنة فبعد ان بين الله تعالى ان اكثر الناس ضالّون يتّبعون الظن، وأن كثيراً منهم يًضلون غيرهم بغير علم، وكيف أن من الشياطين متمردين على أمر ربهم، يظلّون يوسوسون الى أوليائهم، ويحاولون ان يزعزعا أيمان المؤمنين، كما بيّن الفرق بين المؤمنين المهتدين حتى يقتدي الناس به، والكافرين الضالّين للنفير من طاعتهم والحذَر من غوايتهم- أراد هنا ان يقارن بين الفائتين فصوَّر لنا ثروة تمثيلية بديعة ملخّصها:
أفمَن كان ميتاً بالكفر والجهل فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نوراً يسر على هديه في علاقاته بالناس، ويكون به على بصيرة، أمر دينه وآدابه- هو في حلا مثل حال ذلك الذي يعيش في ظلام الجهل والكفر، والتقليد الأعمى وفساد الفطرة!! كما زيّن الإيمان في قلوب المؤمنين، زين الشيطان الشِرك في نفوس الظالمين الجاحدين.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾.
لا تعجب أيها النبيُّ إذا رأيتَ أكابر المجرمين في مكة يدبّرون الشر ويتفنّنون فيه. إن سنّة الله في الاجتماع البشري قد قضت أن يكون في كل مجتمع زعماء مجرمون يمكُرون بالرسل والمصلحين، لكن عاقبة هذا المكر والإجرام لاحقة بهم، منصّبه عليهم.
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وإن كانوا لا يشعرون بذلك.
الصِّغار: الذل والهوان.
يبين الله تعإلى هنا تعنُّت المشركين وعنادَهم وحسدهم للنبي ﷺ فيقول: إن هؤلاء الكبارَ من المجرمين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من علم ونبوة وهدايته، فإذا جاءتهم حجّةٌ قاطعة تتضمن صدقَ الرسول الكريم لا يذعنون لها. بل يقولون: لن نؤمن بها حتى ينزل علينا الوحيُ كما ينزِلُ على الرسل.
هكذا قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقاً لكنتُ أَولى بها من محمد، فأنا أكبر منه سنّاً، واكثر منه مإلاً وولدا.
وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبدا، الا ان يأتينا وحي كما يأتيه.
وقد رد الله عليهم جهالتهم وبين لهم خطأهم بقوله:
﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
فالله تعالى وحده هو الذين يعلم من يستحق الرسالة، وهي فضلٌ من الله يمنحه من يشاء، لا ينالها أحد يكسْب، ولا يتّصل إليها بسبب ولا نسب وهي أمرٌ لا يورث حتى ينتقل من والدها الى ولد، ولا فضل لقرابة او اشتراك في الدم. وقد جعلها سبحانه حيث عِلِم، واختار لها اكرم خلقه وأخلصهم، محمدا خير الخلق وخاتم النبيين.
ثم أوعد الله المكابرين وبين سوء عاقبتهم لعدم استعدادهم للإيمان فقال:
﴿سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ الله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾.
إذا كان هؤلاء يطلبون الرياسة بهذا العناد، فسينالهم الصغار والذل في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، جزاء مكرهم وتدبيرهم السيئ. وقد عذّب الله أكبر مجرمي مكة الذين تصدَّوا لإيذاء النبي عليه الصلاة ولاسلام، فقُتل منهم من قتل في بدر، ولحق الصغارُ والهوانُ بالباقين، وسينالهم العذبا الشديد في الآخرة، والعاقبة للمتقين.
قراءات:
قرأ ابن كثير وحفص (رسالته)، والباقون (رسالاته) بالجمع.
شرح الصدر: توسيعه، ويراد به جعل النفس مهيأة لتقبل الحق. الضيق والضَّيْق (بالتشديد والتخفيف) ضد الواسع. الحرج: شدة الضيق. الحرجة: الشجر الكثير الملتف بعضه ببعض بحيث يصعب الدخول فيه يصعد في السماء: يرتفع إلى أعلى فيضيق نفسه الرجس: كل ما يُستقذر، واللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. يوازن الله تعالى في هذه الآية بين الضالِّين المستكبرين، وبين المستعدّين للأيمان بما جاء به الرسول الكريم. فيقول: إذا كان أولئك الأشرار قد ضلّوا واهتديتم، فبإرادة الله تعالى وقضائه، فمن يكتُب له الهداية يتسع صدرهُ لنور الاسلام، ويستقبله في يسر ورغبة. ومن يكتُب عليه الضلال يجعل صدره ضيّقا شديد الضيق، كأنه من شدة الضيق كمن يصعد الى مكان شديد الانتفاع فتنقشع أنفاسه. بهذا يكتب الله الخذلان على الذين لم يهتدوا.
وقد أتتب الدارسات العلمية أنه كلّما ارتفع الإنسان أخذ التنفس يضعُف ويضيق لقلّة الأوكسجين في الهواء. وذلك أن الطبقات العليا من الهواء اقل كثافةً من الطبقات التي هي أدنى منها. ولذلك نرى الطائرات الحديثة الآن مكيفةً ومجهّزة بأحدث الأجهزة لوقاية الركاب فيها. ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
قراءات:
قرأ ابن كثير: «ضَيْقاً» والباقون: «ضّيِقاً» بالتشديد. وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: «حرجا» بكسر الراء، والباقون «حرجا» بفتح الحاء والراء. وقرأ ابن كثير «يصْعَد» بسكون الصاد وفتح العين بدون تشديد، وابو بكر عن عاصم: «يصاعد» بمعى يتصاعد.
صراط ربك: طريقه الذي ارتضاه، ودينه القويم المستقيم: الذي لا اعوجاج فيه ولا زيغ. دار السلام: الجنة. وليّهم: متولّي أمورهم، وكافيهم كل ما ما يهمهم.
ان هذا الذي بينّاه هو طريق الحق المستقيم، هو الإسلام الذي يشرح له صدر من يريد هدايته، ولقد فصّلناه ووضّحناه للناس، كي ينتفع به الذين من شأنهم التذكر وطلب الهداية. ولهولا السالكين صار ربهم دارُ السلام وهي الجنة، حيث يظلّون في ولاية الله ومحبته، بسبب ما عملوا في الدنيا من خير.
المعشر: النفر والقوم. الرهط: الجمع من الرجال. استكثر الشيءَ: اخذذ منه الكثير أولياؤهم: الذين تولوهم اي أطاغوهم في وسوستهم. إلاستمتاع بالشيء: الانتفاع به طويلا. بلغنا اجلنا: وصلنا يوم البعث والجزاء. المثوى: مكان الإقامة. الخلود: المكث الطويل غير المحدود.
في الآيات السابقة بين الله حال الذين سلكوا صراطه المستقيم، وان الله شرح صدورهم، وجزاؤهم الجنّة، فهم في كفالة ربهم ناعمون. وهنا يعرض سبحانه وتعإلى حالَ الذين سلكوا طريق الشيطان. وهو يعرض يوم الحشر في القيامة وما فيه من هول، في مشهد حيّ حافل بالحوار، فيقول:
﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا معشر الجن قَدِ استكثرتم...﴾.
يوم يحشر الله تعالى الخلق جميعا من إنس وجنّ، ويقول جل جلالُه: يا معشر الجن، قد أكثرتُم من إغراء الأنس حتى تَبعكم منهم عدد كثير. فيقول الذين أتبغوهم من الانس ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ ربنا، لقد انتفع بعضُنا ببعض، واستمتعنا بالشهوات، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذّة والانغماس في الشهوات، ﴿وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ ثم إننا قد وصلنا الى الأجل الذي حدّدته لنا، وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكُم فينا بما تشاء.
وما هذا الاعتراف الا من نوع الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا.
فيقول جل جلاله:
﴿قَالَ النار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾.
ان النار منزلكم ومقركم خالدين فيها الا ما شاء الله ان ينقذهم، فكل شيء بمشيئته واختياره، فله السلطان الكامل، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ وهو حكيم فيما يفعل ويختار، عليم بما يستحقه كل من الفريقين.
وفي قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ فسحةٌ كبيرة وبشرى عظيمة بسعةِ حلمه ورحمته، انه غفور رحيم.
﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾.
ومثلُ ذلك الذي ذُكر من استمتاع الياء الانس والجن بعضهم ببعض، نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب ما كانوا يكسِبون من الكبائر والجرائم.
روى أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً﴾ قال: معناه كما سمعتُ من أشياخي: «إذا فسد الناس أُمِّرَ عليهم شِرارهم. وذلك ان الحكّام يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالّة تَصَرُّفَ رعاة السوءِ في الأنعام السائمة».
ولذلك تفرَّد الإسلام بوضع هذا الدستورالعظيم، جعل أمر الأُمة بين أهل الحلّ والعقد، وأمَر الرسولَ بالمشاروة، لئلا يتفرّد بالحكم طاغية يتحلل من الرقابة.
وأنما يولّي الله الناسَ بأعمالهم، فالمؤمن وليُّ المؤمن من إين كان وحيثما كان، والكافر وليُّ الكافر من اين كان وحيثما كان. وهذا ما نشاهده الآن من تجمُّع اولياء الشياطين من الكفار من صليبيّين وصهيونيين وغيرهم.
— 8 —
وكلهم في صفِّ واحد ضد الإسلام والمسلمين، وهم يدعمون اليهود ويساعدونهم لك ما لديهم من قوة وسلاح كما تفعل أمريكا في الوقت الحاضر، وبريطانينا قبلها، ليحاربوا المسلمين ويسلبوا وطنهم ومالهم. إنه تجمُّع يتجلّى فيه قولُه سبحانه: ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾.
والله سبحانه وتعالى غالبٌ على أمره، وقد بشّرنا بقوله:
﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
ونحن نأمل في أن تتجمَّع قوى المسلمين على قلب واحد، لهدف واحد هو تخليص أرضنا المقدسة، فلسطين، من براثن الأعداء.
قراءات:
قرأ فحصل عن عاصم، وروح عن يعقوب: «يحشرهم» بالياء، كما هو في مصحفنا. وقرأ الباقون «نحشرهم» بالنون.
— 9 —
الخطاب هنا موجه إلى الجنّ والإنس معا، فهل ارسل الله الى الجن رسلا منهم كما ارسل الى الإنس؟ يقول جمهور العلماء: ان الرسل كلهم من الإنس كما يدل عليه ظاهر الآيات الأخرى. اما عالم الجن فهو غيبّي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص. وقد دل القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة على ان النبي علي الصلاة والسلام قد أُرسل إليهم أيضا في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالوا أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ... الآيات﴾ من سورة الأحقاق. فهذا يدل على ان الرسل من الإنس وحدهم، وان الجن كانوا يستمعون لهم وينذرون أقوامهم.
فالله تعالى يقول لهم يوم القيامة: يا أيها الإنس والجن، لقد جاءتكم الرسل يذكُرون لكم الحجج والبينات، ويتلون عليكم الآياتِ المبينَة لأصول الايمان، والفصِّلة لأحكام الشرائع، وينذرونكم لقاء الله في هذا اليوم العصيب، فكيف تكذبون؟
فأجابوا: قد أقررنا وشهِدنا على أنفسنا بما ارتكبنا ولكنهم:
﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ قد خدعتهم الحياة في الدنيا ومتاعها من الشهوات والأموال والاولاد، وحبُّ التسلط على الناس. بذلك أقرّوا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا جاحدين كافرين بالآيات والنذر.
ثم يلتفت سبحانه وتعالى بالخطاب الى الرسول الكريم والمؤمنين، والى الناس أجمعين فيقول:
﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.
وهذا من رحمة ربنا تعالى بنا جميعا، فهو لا يؤاخذ الناس حتى على الشِرك والكفر حتى يرسل اليهم الرسل، كما بين ذلك في عدد من الآيات منها: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾.
فالله سبحانه ليهلك القرى بظلمهم وأهلها غافلون عن الحق، بل يبهُهُم على يدِ رُسله أولاً، فإن تمادَوا نالوا جزاءهم.
وعلاوة على ان هذه الآيات تصوّر رحمة الله بالا نسان وفضله عليه، فإنها أيضاً تقرر ان العقل والمدارك وحدها لا تكفي، ولا تعصم من الضلال، ما لم تساندْها العقيدة ويَضبطْها الدين.
ثم يختم بتقرير لطيف في شأن الجزاء، للمؤمنين وغيرهم على السواء، فيقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
أي أن لكل عامل خيرٍ أو شرِ درجاته من جزاء ما يعمله... ان خيرا فخير، وان شرا فشر، والله تعالى غير غافل عما يعملون، بل ان عملهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
يذهبكم: يهلككم. يستخلف: يأتي بغيركم، وينشأ نسلاً جديداً غيركم. بمعجزين: لا تعجزونني. المكانة الحال التي هي عليها. عاقبة الدار: عاقبة الدنيا.
عبد أن قرر تعالى في الآيات السابقة حجة الله على المكلفّين بعد إرساله الرسل إليهم بيّن أنَّهم يشهدون على انفسهم يوم القيامة انهم كانواا كافرين، وأوضح أنه لا يعذب أحدا ظلماً وعدوأناً - بيّن أنه تعالى غنّي عن العباد وعن إيمانهم به. من ثم فإنهم إذا أحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم. بل ان رحمته للتجلي في الإبقاء على الناس، وان كانو عصاة مشركين ظالمين، مع انه قادر على ان يهلكهم، وينشئ غيرهم ليخلفهم.
﴿وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة﴾.
انه هو الغني عن العباد والعبادة، وصاحب الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء.
بعد كل ما سبق اكد الله للناس ان ما وعد حق، وهو تعقيب فيه تهديد شديد.
فقال: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾.
اي ان الذي ينذركم الله به من عقاب، او يبشركم، به من ثواب عد البعث والحشر والحساب- آتٍ لا محالة، فلا تظنوه بعيدا. إنكم لن تُعجزوا من يطلبكم يومئذ، وليس لكم ملجأ تهربون اليه من دون الله.
وتنتهي التعقيبات بتهديد عميق الإيحاء والتأثير في القلوب، إذا يأمر الله رسوله الكريم ان ينذرهم بقوله:
﴿قُلْ يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾.
اي قل لهم يا محمد مهددا: اعملوا على النحو الذي اخترتموه بكل ما في قدرتكم، أما انا فسأعمل على طريقتي التي ربّاني عليها ربي، وسوف تعلمون حتماً من تكون له العاقبة الحسنة في هذا الدار الآخرة. ان الله تعالى لم يكتب الفوز للظالمين، فهم لا يفلحون ابدأ.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «نم يكون له عاقبة الدار» بالياء، وقرأ الباقون «تكون» بالتاء كما هو في المصحف.
الحرث: الزرع. شركاؤنا: الأوثان التي كانوا يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وشركاؤهم سدنةُ الاوثان وخدمها. ساء ما يحكمون: ما أسوأ حكمهم وقسمتهم.
بعد ان حاجّ الله تعالى المشركين وسائر العر ب في كثير من أصول الدين، وكان آخرهم البعث والجزاء- أخذ هنا يفنّد أفعالهم وخرافاتهم في الحرث والزرع والانعام، وفي التحليل والتحريم حسب الأهواء.
لقد أوضح ان المشركين الذين يعبدون الأوثان في أوهام مستمرة، فهم يجعلون بعض الزرع والإبل والبقر والغنم من نصيب الله تعالى بأن ينفقهوه على الضيوف والمحتاجين، ويجعلون البعض الآخر من نصيب الاوثان وينفقونه في خدمتها. ومعنى ذلك انهم جعلوها شركاء لله تعالى. ثم يزعمون ان منا يجعلونه للأوثان يصل إليهم وما يجعلونه لله تعالى ليصل إليه، بل يأخذه الأضياف والفقراء «ساءَ ما يَحْكُمون» فما اسوأ حُكمهم الظالم: لقد جعلوا الاوثان نظرا لله وسبحانه الخالق الأوحد، كما انهم أساءانا حين انفقوا ما جعلوه لله في غير مصارفه.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «من يكون له عاقبة الدار» بالياء، والباقون «من تكون» بالتاء. وقرأ الكسائي: «بزعمهم» بضم الزاي، والباقون «بزعمهم» بفتح الزاي.
شركاؤهم: سدنة الآلهة التي يعبدونها من الأوثان. لِيُرْدوهم: ليهلكوهم. ليلبسوا: ليخلطوا عليهم. حجر: محجور ممنوع. سيجزيهم: سيعاقبهم الله على هذه المنكرات.
كما زيّنتْ لهم أوهامهم تلك القسمة الظالمة التي مر ذكرها في الآية السابقة من الحرث والإبل ولأبقر وغيرها- زيّنت لهم أوهامهم وتضليلُ شركائهم من خدّام إلاوثان وشياطين الأنس ان يقتلوا أولادهم. وكان ذلك يتم إما تديُّناً وتقرباً لآلهتهم في الجاهلية، او بسبب من الفقر، كما جاء في بعض الآيات. ومنهم من كان يئد البنات، اي يدفن في التراب، خوفا من العار الذي يمكن ان يُلحقنه به.
وكان نَذْر قتل بعض الأولاد جاريا في دينهم، ومن ذلك نذْرُ عبد المطلب ان يقتل آخر اولاده ان وُلد له عشرة ذكور فكان العاشر عبد الله. وفداه بمئة من الإبل كما أفتاه بذلك بعض الكهان.
﴿لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾.
لقد يزنوا لهم هذه الخرافات المنكرة ليلوكهم بالاغواء، ويفسدوا عليهم فِطرتهم، حين تنقلب عواطف الوالدين من رحمة ورأفة إلى قسوة ووحشية. من ثَمَّ ينحر الوالدُ ولده، ويدفن بنتَه الضعيفة وهي حية.
﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
تلك مشيئة الله في خلقه بما ينتحلونه من شرائع وما يفترون عليه من كذب، فاتركهم إيها الرسول. ان عليك ان تقوم بما أُمرت به من التبليغ، والله هو الذي يتولى أمرهم، وله سُنن فيه هداية خلقه لا تتغير ولا تتبدل.
ثم ذكر الله تعالى ثالثا من آرائهم وديانتهم الفاسدة فقال:
﴿وَقَالُواْ هذه أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ﴾.
يعني: ومن أوهام انهم قسموا أنعامهم وزعهم أقساما ثلاثة:
١- أنعام وأقوات وحبوب وغيرها ممنوعة، تُجعل لمعبوداتهم، لا يأكلها أحد الا من يشاؤون من خَدَمة الاوثان، ويقولون هي «حِجْر» يا محجورة للآلهة لا تعطى لغيرهم.
٢- أنعام حَرُمت ظهروها، فلا تُركب ولا يُحمل عليها، كما جاء في قوله تعالى بسورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.
٣- أنعام لا يذكرون اسم الله تعالى عليها عند الذبح، بل يُهدونها لألهتهم وحدها وذلك لكذبهم على لله تعالى بشِركهم.
ان الله تعالى سيجزيهم بالعذاب في الآخرة، بسبب افترائهم عليه وتحريمهم ما لم يحرمه هو.
ثم ذرك نوعاً آخر من أحكامهم في التحريم بيّن فيه سخفهم وكذبهم على الله فقال: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ...﴾.
ومن ديانتهم الباطلة أنهم يقولون: ان ما في بطون الأنعام التي لا تُذبح ولا تُركب هو للذكور خاصة، ويحرُم على النساء.
— 13 —
لكن لك الجنين إذا سقط ميتا اشترك في أكل لحمه الذكور والإناث فكيف يجوز ذلك! ان الله سيجزيهم على كذبهم الذي وصفوا به فعلهم، اذا ادعوا ان هذا التحريم من عند الله وهو من عند أنفسهم. إن الله عليه بكل شيء، حكيم تسير جميع أفعاله على مقتضى الحكمة.
﴿قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله افترآء عَلَى الله قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾.
لقد خسر أولئك قتلوا أولادهم، وَوَأَدُوا بناتهم سَفَهاً وحُمقاً، فالولد نعمةٌ من الله على العبد، ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ فأذأ سعى العبد في زوال هذه النعمة خسر خسرانا عظيما، واستحق الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة.
كذلك أولئك الذين حرموا على انفسهم ما رزقهم الله من زرع وحيوان.... لقد ضلُّوا وبعُدوا عن الحق، فهم لا يتّصفون بالهداية بحالٍ من الأحوال.
قراءات:
قرأ ابن عامر: «وكذلك زُيّن لكثيرٍ، المشركين قتلُ اولادَهم شركائِهم بنصب أولادهم وجرّ شركائهم، وهنا فصل بين المضاف والمضاف إليه. وقرأ الباقون» زَيَّن لكثيرٍ من المشركين قتلَ اولاَدِهم شركاؤُّهم «وقرأ ابن كثير وابن عامر:» قد خسر الذين قَتَّلوا «بالتشديد.
— 14 —
أنشأ: خلق الجنات: الحدائق والبساتين والكروم الملتفة الأشجار لأنها تجُنُّ الأرض وتسترها. معروشات: محمولات على العرائش. غير معروشات: الاشجار التي تقوم عل سوقها ولا تحتاج إلى دعائم. الأكُل (بضم الهمزة والكاف) : ما يؤكل متشابهاً في النظر وغير متشابه في الطعم.
ان أصول الدين التي عُني بها القرآن الكريم واهتم ببيانها وكررها كثيرا هي: التوحيد، ولقد شدَد عليه لانتشار الوثنية في الجاهلية وتعدد الآلهة، والنبوة والبعث والقضاء والقدر.
وقد شدد سبحانه وتعالى في تقرير هذه الاصول، وسفّه أراءَ المشركين وبيّن سُخفهم وجهلهم، وجاء هنا ليبيّن عظمة الخالق، والحث على توحيد وإفراده بالعبادة. وأنه خالقُ كل شيء.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾.
الله وحدَه هو الذي خلق حدائق منها ما يغُرس ويُرفع على دعائم كالعنب وما شابهه، ومنها ما يقوم على ساقِه من مختلِف الأشجار. كذلك خلق النخلَ والزرع الذي يُخرجٍ ثمراً مختلفا في الون والطعم والشكل والرائحة وغير ذلك، كما خلق الزيتون والرمّان متشابهاً في المنظر، وغير متشابه في الطعم، مع ان التربة قد تكون واحدة وتُسقى بماءٍ واحد. فكُلوا إيها الناس من ثمر ما خلق لكم إذا نضِج وطاب. وأخرِجوا الصدقة منه وقت حصاده، ولا تٌسرفوا في الأكل فَتَضُرُّوا أنفسكم. إن الله لا ير ضى عن المسرِفين في تصرُّفاتهم وأعمالهم.
فالله سبحانه بعد ان أعلم بأنه هو الذي انشأ لهم ما في الارض من الشجر والنبات الذي يستعملون منه أقواتهم، أعلَمَهم بأنه أباح لهم ذلك كلَّه، فليس لأحد غيره أن يُحرِّم شيئا منه عليهم، لأن التحريم حق الله وحده. فمن ادّعاه لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى، كما ان من اذعن التحريم غير الله أشرك معه بعض ما خلق.
قراءات:
قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم: «حصاده» بفتح الحاء، والباقون بكسر الحاء وهما لغتان.
الحمولة: الكبيرة من الإبل والبقر الذي يحمل الناس عليه الاثقال. والفرش: هو ما يتخذ من صوف الحيوان ووبره وشعره. الخطوات (واحدها خطوة بضم الخاء) : المسافة بين القدمين في المشي.
ولقد خلق الله لكم من الانعام، وهي الابل والبقر والضأن والماعز، ما يحمل أثقالكم، وما تتخذون من أصوابها وأوبارها وأشعارها فراشا لكم. وهي رزقٌ من الله لكم، فكلوا ما أحلّ الله منها ولا تتّبعوا الشيطان وأولياءه في افتراء التحليل والتحريم، كما كان يفعل أهل الجاهلية... ان الشيطان لا يردي لكم الخير لأنه عدوُّ لكم ظاهر مبين.
ثمانية أزواج: يعين أن الأنعام أربعة أنواع هي: الضأن والماعز، والإبل والبقر، وكل نوع منه زوج... ذكر وانثي ما اشتملت عليه الأرحام: الأجنّة.
بعد ان ذكر الله تعالى أن الأنعام إما حمولة وإما فَرش، فصّلها وقسمها ثمانية ازواج. فالحمولة هي الإبل والبقر، والعرش من الضأن والماعز، وكل من الأقسام الأربعة إما ذكرٌ وإما انثي. وكل هذا التفصيل ليبطِل ما تقوَّله المشركون على الله تعالى بالتحريم والتحليل.
قل يا محمد للمشركين منكراً عليهم تحريمَ ما حرّموا من هذا: ما علّةُ تحريم هذه الأزواج كما تزعمون؟ أهي كونها ذكورا؟ ليس كذلك، لأنكم تُحلُّون الذكور أحيانا. أهي كونها اناثا؟ لي كذلك، لأنكم تحلّون الإناث أحيانا. أم هي التي في بطونها «ما اشتملت عليه الارحام» ؟ وليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحرّمون الأجنَة على الدوام.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
تخبروني بمستندٍ صحيح يُعتمد عليه، ان كنتم صادقين فيما تزعمون في التحليل والتحريم.
قراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب «المعز» بفتح العين، والباقون بسكونها.
وخلق الله من الابل زوجين، ومن البقر زوجين، قل لهم يا محمد منكراً عليهم: ما علة التحريم لما حرمتم من هذه الازواج كما تزعمون؟ اهي كونها ذكورا؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الذكور احيانا أم هي كونها إناثا؟ ليس كذلك، لأنكم تحلون الإناث احيانا. ام هي التي في بطونا؟ ليس كذلك ايضاً، لأنكم لا تحَرمون الأجنة على الدوام. وتزعمون ان هذا التحريم من عند الله.
﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ الله بهذا﴾.
أكنتم حاضرين حين وجّه الله إليكم هذا التحريمَ فسمعتم نهيه؟ لم يكن ذلك قطعا، فانتهوا عما أنتم فيه. إنه ظلم، وليس هناك أظلم ممّن كذّب على الله فنسب أليهما لم يصدر عنه.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
إن مثل هذا الأفّاك إنما يريد إضلال الناس من غير علم يستند عليه.
﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾.
إن الله لا يوفق للرشاد من افترى عليه الكذب، وقال عليه الزور والبهتان.
الطاعُم: الآكِلُ. المتيهة: البهيمة ماتت بدون ذبح. المسفوح: السائل: كالدم الذي يجري من المذبوح رجس: قذر. أُهِل لغير الله: ذبح باسم الأصنام غير باغ: غير طالب لذلك قاصدٍ له ولا عاد: ولا متجاوز قدر الضرورة.
بعد ان بين الله تعإلى أنه لي لأحد ان يحرّم شيئا من الطعام ولا غيره الا بوحي من ربه على لسان رسُله الكرام، وإلا كان افتراءً من عنده؛ وأبان ان من هذا الافتراء ما حرمته العرب في الجاهلية من الأنعام والحرث- عطَف هنا ليبّين ما حرمه الله على عباده من الطعام على لسان خاتم المرسلين، فقال:
قل إيها النبي لهؤلاء المفترين على الله الكذب، ولغيرهم من الناس: لا احد فيما أوحاه الله اليّ طعاماً محرّما على آكلٍ الا ان يكون ميتةً لم تُذبح ذبحاً شرعيا، او دماً مسفوحاً سائلا، (فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال، فقد ورد في الحديث: «أُحلّت لنا ميتتان: السمك والجراد، ودَمان: الكبد والطحال» أو يكون لحمَ خنزيرٍ. ان ذلك كله خبيث ليجوز أكله.
﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾.
وان لا يكون هذا الشيء المحرم فيه خروج عن العقيدة الصحيحة، كأَنْ ذُكر عند ذبحه اسم غيرِ الله، كصنم او معبود آخر. ومع هذا فإن من دعته الضرورة الى أكل شيء من هذه المحرمات غيرَ طالب اللذّة في الطعام، وغير متجاوز قدر الضرورة- فلا حرج عليه. إن الله يقدّر المصلحة وهو غفور رحيم.
قراءات:
قرأ ابن كثير وحمزة «تكون ميتة» بالتاء. وقرأ ابن عامر «تكون ميتة» بالتاء وبرفع ميتة، وقرأ الباقون «يكون ميتة» بالياء وبنصب ميتة.
الذين هادوا: اليهود. الظفر للإنسان غيره مما لا يصيد، والمخلب والناب لما يصيد. الشحم: ما يكون على الأمعاء والكرش والكلى من المادة الدهنية. حملت ظهورها: اي علقت بها الحوايا: الأمعاء والمصارين بأسه: عذابه.
فيه هذه الآية بيان لما حرمه الله على بني إسرائيل خاصّة، عقوبةً لهم، لا على أنه من أصول شرعه.
ولقد حرّمنا على اليهود أكل اللحم والشحم وغيرها من كل ما له ظفر من الحيوانات كالإبل والسباع. كما حرّمنا عليهم البقر والغنم شحومها فقط، الا الشحوم التي حملتها ظهروها، او التي توجد على الأمعاء، او التي اختلطت بعظم... قد جاء هذا التحريم عقاباً لهم على ظلمهم، لأنه خبيث في ذاته.
فإن كذّبك المكذِّبون من اليهود والمشركين فيما أوحيتُ إليك يا محمد، فقل لهم محذِّراً: ان ربكم الذي يجب ان تؤمنوا به وحده ذو رحمة واسعة لمن إطاعة ولمن عصاه أيضا: لذلك لا يعاجلُكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتّروا به وبسعة رحمته، فإن عذابه لا بدّ وقاع بالمجرمين.
يخرُصون: يحزرون، يخّمون، وهو هنا بمعنى الكذب الحجة البالغة: الدلال المبينة للقصد المستقيم. هلّم. احضُروا بربهم يعدلون: يتّخذون له عديلاً ومثيلا.
سيقول المشركن اعتذاراً عن شِركهم، وتحريم ما أحلّ الله من المطاعم وتكذيباً لما أبلغتَهم من مقتِ الله لما عليه: إن الإشراك منّا، وتحريمَ الحلال- كانا بمشيئة الله ورضاه ولو شاء عدم ذلك، وكرِه منّا ما نحنُ عليه، ما أشركنا نحنُ ولا أسلاُفنا، ولا حرّمنا شيئاً مما أحلّه لنا.
ولقد كذَّب الذين من قبلهم رسُلَهم، كما كذّبك هؤلاء، واستمروا في تكذيبهم حتى نزل بهم عذابُنا. فقل إيها الرسول لهؤلاء المكذّبين: هل عندكم فيما تقولونه هذا علم تعتمدون عليه وتحتجون به؟ أظهِروه لنا إذا كان عندكم ذلك. إننا نود أن نفهمه ونوازنَ بينه وبن ما جئناكم به من الآيات الواضحة.
ثم يُبَيّن حقيقة حالهم بقوله تعالى:
﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾.
أي إنكم لستم على شيء من العلم، وما تتبعون فيما تقولون إلا الظنَّ الذي لا يُغني من الحق شيئا.
وبعد ان نفى سبحانه وتعالى عنهم حقيقة العلم- أثبت لذاته الحجةَ البالغة التي لا تعلوها حجة فقال:
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قل أيها النبي لهؤلاء الجاهلين: إن لِلّهِ الحجةَ الواضحة على كذبكم وادّعائكم أن الله قد رضيَ بعلمكم، ولا حجةَ لكم فيما تزعمون من الشِرك والتحليل والتحريم وغيرهما، ولو شاء الله أن يَهديكم بغير هذه الطريقة التي أقام أمر البشر عليها (وهي التعليم والإرشاد بطريق النظر والاستدلال) - لهداكم اجمعين، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة، ولجعل الطاعة فيكم بغير شعور منكم ولا أرادة... وحينئذ لا تكونون من نوع الإنسان الذي قضت الحكمة وسبق العلم بخلقه مستعدّاً لمل الخير والشر، الحق والباطل.
وبعد أن نفى عنهم العلم وسجّل عليهم اتّباع الهوى- أمَر رسوله الكريم ان يطالب المشركين بإحضار من عساهم يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات ما أدعوه فقال:
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا﴾.
هاتوا أنصاركم الذين يشهدون لكم ان الله حرم هذا الذي زعمتم انه حرام. فان حضروا وشهدوا، فلا تصدِّقهم يا محمد، لأنهم كاذبون وإياك أن تتّبع أهواء هؤلاء الذين كذّبوا بالأدلة الكونية والقرآن المتلُو، والذين لا يؤمنون بالآخرة، كما شركون بالله، ويتخذون له مثيلاً يشاركه في قدرته.
الإملاق: الفقر. الفواحش: مفردها فاحشة، وهي كل ما قبح من الأقوال والانفعال. يبلغ أشُده: تكتمل قواه العقلية والجسمية ببلوغ سن الرشد. القسط: العدل. لا تتبعوا السُبل: لا تحيدوا عن تعاليم الإسلام فتخسروا.
بعد ان بين الله بعاده جميع ما حرّم عليهم من الطعام، وذكر حجته البالغة على المشركين، لتحريمهم ما لم يحرّمه الله، ثم دحض شُبهتهم التي اتجهوا بها على شِركهم بربهم- جاء بهذه الآيات الثلاث فيها بيان أصول المحرمات في الاقوال والافعال، وأصول الفضائل وأنواع البر. وقد عبر عنها بعض المفسرين بالوصايا العشر.
قل لهم إيها النبي: تعالوا أبيّن لكن المحرمات لاتي ينبغي ان تهتموا بها وتبتعدوا عنها:
١- لا تجعلوا لله شريكاً ما، بأي نوعٍ كان من أنواع الشرك.
٢- وأحسنِوا إلى الوالدين غاية الإحسان والبر.
٣- ولا تقتلوا أولادكم بسبب فقرٍ نزل بكم، فلستم، انتم الرازقين، بل نحن الذين نرزقكم ونرزقهم.
٤- وابتعِدوا عن كل ما عظم قُبحه من الأعمال. وقد جاءت كلمات فاحشة وفحشاء وفواحش في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. ﴿يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ فكل عمل قبيح هو فاحشة. وقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا أحدٌ أَغْيرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش: ما ظَهر منها وما بطَن».
٥- ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾، يعني إذا استحق القاتل ذلك. وفي الحديث الشريف «فايحل دم امرئ مسلم الا بأمور ثلاثة: كفرٌ بعد ايمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق».
﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
أمركم الله تعالى أمراً مؤكّدا باجتناب هذه المنهيات لتعقلوا ذلك.
٦- ولا تتصرفوا في مال اليتيم الا بأحسنِ تصرُّف يحفظه وينميه، فاحفظوا مال اليتيم، وثمّروه، وأنفقوا منه على تربيته وتعليمه ما يصلُح به معاشه واستمرّوا على ذلك حتى يبلغ رُشده، ويستطيع ان يستغل ماله بالتصرف السليم. فإذا بلغ فسلِّموه إليه كم قال تعالى في آية اخرى. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
٧- وأتِمّوا الكيل إذا كِلتم للناس، او اكتلتم لأنفسكم. وافو الميزانَ إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون، او لغيركم فيما تبيعون ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.
﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فالله تعالى لا يكلّف نفساً الا ما تستطيعه دون حرج.
— 21 —
وهذا الأمر وقع في الأُمم التي قبلَنا قديماً كما حكى الله تعإلى عن قوم شعيب بقوله: ﴿ويا قوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾.
وقال ﷺ لصحاب الكيل والميزان: «إنكم وُلِّيتم أمراً هلكتْ فيه الأمم السالفةُ قَبلكم». ولا يزال ذلك يقع من كثي من ضعاف النفوس.
٨- ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى﴾ إذا قلتم قولاً في حكمٍ او شهادة او خير او نحو ذلك، فلا تميلوا عن العدل والصدق، دون مراعاة لصِلة القرابة او المصاهرة او الجنس. فبالعدل والصدق تصلح شئون الأمم والافراد، فلا يحلُّ لأحد ان يحابي أحداً لقرابة او غيرها ﴿يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط﴾
و٩- ﴿وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ﴾ وأوفوا بعهد الله، فلا تنقُضوا عهده الذي أخذه عليكم بالكاليف، ولا ؟ تأخذونها بينكم، فيما يتلع بالمصالح المشروعة ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾. فمن آمن فقد عاهد الله حين الإيمان به ان يمتثل أوامره ونواهيه، وما شرعه لناس ووّصاهم به.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمران ان النبي ﷺ قال: «أربعٌ من كنّ فيه كان نفاقاً خلاصا، ومن كانت فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النِفاق حتى يدَعَها: اذا حدَّث كذَب، وادا وعَد أخلف، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر».
﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ان ذلك الذي تلوتُه عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء ان يذكره بعضكم لبعض مثل قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾.
﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
وان هذا القرآن الذي أدعوكم إليه، وادعوكم به الى ما يحييكم، هو صراطي ومنهاجي الذي اسلكه الى مرضاة الله، لا يَضِلُّ سالكه، ولا يهتدي تاركه.
١٠- لا تتعبوا الطرق الباطلة المضلّة التي نهاكم الله عنها، حتى لا تتفرقوا شيعا واحزابا، وتبعد واعن صراط الله المستقيم، كما هو حاصلٌ اليوم. فنحن لنا في كل خِربةٍ دولةٌ ذات مجد!! هدانا الله وتجاوز عما نحن فهي من مخادعة!
اخرج الامام احمد والنسائي وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال:
«خطّ رسول الله خطاً بيده، ثم قالك سبيلُ الله مسقيما، ثم خط خطوماً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذِه السبُل ليس منها سبيل الا عليه شيطان يدعو اليه» ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
وقد جعل الله تعالى المستقيم واحدا والسبلَ المخالفة متعددة، لأن الحق واحدٌ والباطل كثير. ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق فيه يجمع الكلمة ويعز أهل الحق، كان التفرق فيه سبب الضَّعف وذلك التفرقين وضياع حقهم.
— 22 —
﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لقد أوصاكم باتباع صراط الحق المستقيم ونهاكم عن سبل الضلالات والأباطيل ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة.
وقد وردت أحاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا، من ذلك ما أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّكم يبايعني على هؤلاء الآيات االثلاث؟ ثم تلا: قل تَعالوا أتلُ ما حرّم ربُّكم عليكم... ثم قال فَمن وفى بهنّ فأجرُه على الله، ومن انتقص منهنّ شيئاً فأدركه الله في الدُّنيا كانت عقوبتُه، من أخّر إلى الآخرة كان أمرُه إلى الله، إن شاء أخذه وان شاء عفا عنه».
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «وإن هذا طرطي» بكسر همزة إن. وقرأ ابن عأمر ويعقوب «وأنْ هذا صرايط» بفتح همزة أَن وبتخفيف النون وقرأ ابن عامر «صراطيَ» بفتح الياء والباقون بتسكين الياء. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: وأنَّ، بفتح الهمزة وتشديد النون.
لقد رسمتْ هذه الآيات للإنسان طريق علاقته بربه الذي يرجع إليه الإحسان والفضل في كل شيء: «ألاّ تُشرِكوا به شيئا»، ووضعت الأساس المتين الذي يُبنى عليه صرح الأُسَر التي تكوِّن الأمةَ القوية الناجحة في الحية: «وبالوالدَين إحسانا»، وسدّت منافذ الشر الذي يصب الإنسان من الانسان في الأنفُس والأعراض والاموال، وهي عناصر لا بدّ لسلامة الأُمة من سلامتها: «ولا تقتلوا أولادَكم»، «ولا تقتلوا النفسَ» «ولا تقربوا مال اليتيم» ثم ذكرتْ أهمّ المبادئ التي تسمو الحياة الاجتماعيةُ بالتزامِها والمحافظة عليها: «وأوفوا الكيلَ والميزان» «وادا قُلتم فاعِدلوا» «وبعهدِ الله أَوفوا» وخَتمت بأن هذه التكاليف، وتلك المبادئ، هي الصِراط المستقيم، بُعِث به محمد ﷺ، كما بعث به جميع الرسل السابقين.
وقد اطلق العلماء على ما جاء في هذه الآيات الثلاث «الوصايا العشر» نظرا لتذييل آياتها الثلاث بقولِ الله: «ذلكُم وصّاكم به» وقد روي عن عبد الله بن مسعود انه قال: «مَن سرَّه أن ينظر الى وصيّةِ محمد التي عليها خاتَمُه فليقرأْ هذه الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ... إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهـ، قال:
لما امر الله نبيّه ﷺ ان يَعرِض نفسه على قبائل العرب خرج الى مِنَى وأنا وأبو بكرٍ معه. فوقف رسول الله على منازل القوم ومضاربهم، فسلَّم عليهم وردّوا السلام. وكان في القوم مفروقُ بن عمرو، وهانئ بن قَبيصة، والمثنّى بنُ حارثة والنعمانُ بن شَريك.
— 23 —
وكان مفروق أغلبَ القوم لساناً وأوضَحهم بياناً، فالتفتَ إلى رسول الله وقال له: إلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فقال النبي ﷺ: «أدعوكم إلى شهادة ان لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، وأَنّي رسولُ الله، وان تُؤوُني وتنصروني وتمنعوني حتى أوْدّيَ حقّ اللهِ الذي أمرني به، فن قريشاً قد تظاهرتْ على أمر الله، وكذّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد».
فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ: «قل تعالوا تل ما حرّم ربكم عليكم.. الآيات الثلاث».
فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسولُ الله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فقال مفروق: دعوتَ واللهِ يا قرشِيُّ إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاعمال، وقد أفِكَ قوم كذّبوك وظاهروا عليك.
وقاله هانئ بن قبيصة: قد سمعتُ مقالتك واستحسنتُ قولك يا أخا قريش ويعجبن ما تكلّمت به. فبشّرهم الرسول- إن آمنوا- بأرضِ فارسَ وانهارِ كسرى. فقال النعمان: اللهمُّ وإنّ ذلك يا أخا قريش؟ فتى رسول الله قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ ثم نهض رسول الله وتركَهم وكلًّهم يعجَب من هذه الفصاحة، وتلك المعاني السامية، والفضائل العليا.
هذه مكانة الآيات الثلاث من ذلك الكتاب العظيم، وهذا مبلغ تأثيرها في نفوس العرب، أهلِ الجاهلية! وكيف لا تكون لها تلك المكانةُ وقد جمعتْ بأسلوبها الآخذِ بالقلوب أصولَ الفضائل، وعُمُدَ الحياة الطيبة التي تنبع من الفطرة السليمة!!
وبعد، فأين المسلمون اليوم حينما يسمعون هذه الآيات، ثم ينظرون إلى ما هم فيه من تفرُّق في الآراء والأحكام، ومجافاةٍ لأحكام الله، وبُغضٍ لما لا يتفق وأهواءهم منها، ومن الارتماء في أحضان أعدائهم المستعمرين، قدامى وجُدُد!!
نسأل الله تعالى ان يجمعنا على كتابه الكريم ويهدينا الصراط المستقيم.
— 24 —
تماما على الذي احسن: تماما للنعمة على المحسنين. الدارسة: القراءة والعلم. صَدَفَ عنها: اعرض عنها.
ولقد أنزلنا التوراة على موسى استكمالاً للإنعام على من احسن القيام بأمر الدين، وأنزلناه مفصِّلاً لكل شيء من التعاليم المناسبة لقومه، وهدى إلى الطريق السويّ، ورحمةً لمن اهتدى به... وذلك ليؤمن بنو إسرائيل بلقاء ربهم يوم القيامة.
وقعد ان وصف التوراة بتلك الصفات وصف القرآن الكريم فقال: وهذا القرآنُ كتابٌ أنزلناه، مبارَك مشتمِلٌ على الخير الإلهي، والمنافع الدينية والدنيوية، وجامع لأسباب الهداية الدائمة، فاتّبعوا يا أيها الناس ما هداكم إليه، واتّقوا ما نهاكم عنه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
وأنزلنا إليك إيها النبيّ هذا الكتاب المرشدَ الى توحيد الله وطريق طاعته، حتى لا يعتذر من تبلّغهم إيّاه ويقولوا يوم القيامة: إنما أُنزل الكتاب على طائفتين من قَبْلِنا، إليهود والنصارى، وكّنا عن تلاوتهما ذلك الكتاب غافلين. بل نحن لا ندري ما هي التوراة ولا الإنجيل لعدم فهمنا ما يقول أهلهما، إذا كانا بلسان غير لساننا.
﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّآ أهدى مِنْهُمْ﴾.
كذلك نزلنا هذا القرآن حتى لا قتولو: لو انزل علينا الوحيُ الذي نزل عليهم، لكنّا اكثر منهم هداية وأحسنَ حالا، لسعةِ عقولنا وطيب استعدادنا.
وهنا ردّ الله عليهم بجواب قاطع لكل حجة، دافع لكل اعتذار، فقال: ﴿فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.
فلا حجة لكم بعد اليوم على عصيانكم، ولا محلَّ لقولكم هذا. لقد جاءكم القرآن علامةً واضحة عل صدق محمد ﷺ ومبيّناً كل ما تحتاجون اليه في دينكم ودنياكم.
وبعد ان بيّن سبحانه وتعالى عظيم قدرِ هذا الكتاب بيِّن سوءَ عاقبة من كذّب به فقال:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا﴾.
ان هذه الآيات مشتملة على الهداية الكاملة، والرحمة الشاملة، هل هناك أحدٌ أظلمُ ممن كذّب بها واعرض عنها!؟.
﴿سَنَجْزِي الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سواء العذاب بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾.
وسنعاقب الذين يُعرضون عن آياتنا ولا يتدبّرون ما فيها بالعذاب البالغ غايته في الإيلام، جزاء إعراضهم وعدم تدبرهم.
بعد أن بين الله تعإلى انه إنما انزل الكتاب إزالةً للعذر، وهدى ورحمة للناس، بيّن هنا انه لا أمل في إيمان هؤلاء المعانِدين. ماذا ينتظرون؟ لقد قامت الحُجَّة على وجوب الأيمان ولم يفعلوا! فماذا ينتظرون!!
هل ينتظرون ان تأتيهم الملائكة رُسلاً بدل البشَر؟ او ينتظرون شاهدين على صدقك؟ او ان يأتيهم ربك ليروه عيأنا، او يشهد بصدقك؟ او ان تأتيهم بعض علامات ربك لنفس الغرض؟
ثم يشير الى تماديهم في تكذيب آيات الله، وعدم أتعدادهم بها، وانه لا أمل في إيمانهم البتة.
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً..﴾.
وعندما تأتي علامات ربك ما تُلجئهم الى الايمان لن ينفعهم إيمانهم حينئذٍ، اذ يكون قد فات الأوان، وانتهت مرحلة التكليف، فلا ينفع العاصي ان يتوب.
قل لهؤلاء المعرضين المكذبين: انتظروا احد هذه الأمور الثلاثة، واستمروا على تكذيبكم، انا منتظرون حكم الله فيكم.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «يأتيهم الملائكة» بالياء والباقون «تأتيهم» بالتاء.
فرّقوا دينهم: غيروا فيه وحلوه أديانا. شيعا: فِرقا وأحزابا.
بعد ان وصى الله تعالى هذه الأمة على لسان رسوله باتّباع صراطه المستقيم ونهى عن اتّباع غيره من السبُل الضالة، ثم ذكر شريعة التوراة الأصلية ووصاياها- جاء يذكّر رسوله الكريم بان هذه الأمم التي قبله بدّلوا وغيّروا وتفرقوا. أما هو وأُمته الإسلامية فليسوا منهم، والله سبحانه سيُعْلم يوم القيامة بكل ما فعلوا.
لستَ يا محمد من الذين فرّقوا الدين الحق الواحد بالعقائد الزائفة والتشريعات الباطلة، ولا تؤاخذ بتفرقهم وعصيانهم، فأنت لا تملك هدايتهم. ما عليك إلا البلاغ، والله وحده هو الذي يملك امرهم، ثم يخبرهم يوم القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «فارقوا دينهم» والباقون «فرقوا دينهم» والمعنى واحد.
بعد ان بين الله في هذه السورة العظيمة أصول الايمان، وأقام عليها البراهين، وفنّد ما يورده الكفار من الشبهات، ثم ذكر في الوصايا العشر أصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الإسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش- انتقل هنا ليبيّن الجزاء العام على الحسنا: كيف يزيد الله لمن يعلمها إضعافا، فيما يجزي من يعمل السيئة سيئة مثلها فقط وهذا فضل عظيم من رب رحيم.
من عملَ صالحاً يضاعَف له عند ثوابه إلى عشرة أمثاله فضلاً وكرما. وقد جاء في بعض الآيات ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ ووعد في بعضها بالمضاعفة الى سبعمائة ضعف كما في قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ والعشرة تُعطى لمن أتى بالحسنَة، أما المضاعفة فوق ذلك فتختلف بحسب ما يكون البذْلُ والعطاء والمنفعلة والمصلحة.
أما من عملَ سيئا فإنه سوف يعاقب بمقدار عصيانه فقط، ذلك عدلٌ من الله، وليس هناك ظلمٌ بنقصِ ثواب، ولا زيادة عقاب.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عن النبي ﷺ انه قال: «ان الله تعالى كتَبَ الحسنات والسيئات، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعلها كتبها الله عنده عشرَ حسناتٍ الى سبعمائة ضعف إلى اضعاف كثيرة. ومن همّ بيئةٍ فلم يعملْها كتبها الله حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعلَمها كتبها الله سيئةً واحدة».
قراءات:
قرأ يعقوب «عشرةٌ إمثالها» برفع عشرة منونة، وأمثالها أيضا مرفوعة، الباقون «عشر امثالها».
دينا قيما: دين يقوم به أمر الناس في معاشهم. وفي قراءة: «قيما» بفتح القاف وتشديد الياء: ومعناه أيضا: مستقيم، ومنه قوله تعإلى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ يعني دين الأمة المستقيمة. حنيفا: مخلصا لعبادة الله نسكي: عبادتي محياي ومماتي: كل ما آتيه في حياتي، وما أموت عهلي من الأيمان والعمل الصالح. ابغي: اطلب. الوزر: الحمل الثقيل والإثم ومعنى «لا تزر وازرة وِزْرَ اخرى» لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره خلائف: خلفاء، مفرده خليفة ليبلوكم: ليختبركم.
لما كانت هذه السورة أجمعَ السور لأصولِ الدين، مع اقامة الحجج عليها ودفع الشبهة عنها، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم- جاءت هذه الخاتمة بقول جامعٍ لجملة ما فُصّل فيها. وهو أن الدين القيّم والصراطَ المستقيم هم ملةُ إبراهيم دون ما يدّعيه المشركون، وما حرّفه أهلُ الكتاب. وان النبي ﷺ مستمسكٌ به، معتصِمٌ بحَبْله، يدعو إليه قولاً وعملا وأنه هو الذي أكل الدينَ بعد ان انحرفت الأمم السابقة عنه.
ثم بيّن الجزاء عند الله على الأعمال، لا يؤاخَذ أحدٌ بذنْب غيره، وأن المرجعَ إلى الله، فهو الذي يستخلف في الأرض من يشاء ويختبر البشر بالنِعم والنِقَم، يتولّى عقاب المسيئين ورحمةَ المحسنين، فلا واسطة بينه وبين عباده.
قل إيها النبي لقومك ولسائر البشر: إن ربّي أرشدّني الى طريق مستقيمٍ بلغ نهاية الكمال وكان هو الدينَ الذي اتّبعه إبراهيم مخلصاً في عبادة الله وحده، مائلاً عن العقائد الباطلة، فلم يعبد مع الله إلهاً آخر كما يزعم المشركون.
ثم قل: إن صلاتي وجميع عبادتي، وما آتيه حالَ حياتي من الأعمال الصالحة، وما أموت عليه من الايمان - كله خالص لوجه الله، أذي لا ينبغي ان تكون العبادة إلاَّ له، فهو رب العباد وخالقهم، فاستحقّ أن يُعبد وحده ويُطاع.
إنه لا شريك له في الخلق، ولا في استحقاق العبادة، وقد أمرني بالإخلاص في التوحيد والعمل، وأنا أول المنقادين الى امتثال اوامره، وترك ما نهى عنه.
قل يا محمد منكِراً على المشركين دعوتهم إياك لموافقتهم في شركهم: أأطلب بالعبادة ربّاً غير الله، مع انه خالقُ كل شيء؟ وقل لهم: لا تكسِب كلُّ نفسٍ إثماً الا كان عليها جزاؤه دون غيرها، ولا تؤاخذ نفس بأخطاء غيرها «وأن ليس للإنسان الا ما سعى» ثم تُبعثون يوم الحشر إلى ربكم، فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه من أمر أديانكم وعقائدكم ويجازيكم عليها.
ليس للإنسان إلا ما عمل من عمل صالح، وفي الحديث الصحيح فيما رواه مسلم وأبو داود والنَّائي عن أبي هريرة ان النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدّقةٍ جارية، أوعلم يُنتفع به، او ولدٍ صالحٍ يدعو له».
— 29 —
إن ربكم، الذي هو رب كل شيء، هو الذي جعلكم خلفاء للأمم السابقة في عمارة الكون، ورفعَ بعضَكم فوق بعض درجات في الكمال المادّيّ والعنويّ، ليتبركم فيما أعطاكم من النعم كيف تشكرونها، وفيما آتاكم من الشرائع كيف تعملون بها. لكنه سريع العقاب للمخالفين العاصين.
وهو سبحانه على سرعة عقابه وشديد عذابه للمشركين المخالفين، غفورٌ للتوابين رحيم بالمؤمنين المحسنين، فلقد سبقت رحمتُه غضبَه، ووسعتْ كل شيء.
خلاصة ما اشتملت عليه وسورة الأنعام من العقائد والأحكام:
١- العقائد وأدلتها، بأسلوب يجمع بين الإقناع والتأثير، كبيان صفات الله بذكر أفعاله وسُنته في الخلق، وآياتهِ في الأنفس والآفاق، وتأثير العقائد في الأعمال، مع إيراد الحقائق بطريق الجدَل والمناظرة، او على طريق السؤال والجواب، وفي أثناءِ ذلك يأتي الردّ على شبهات المشركين.
٢- الرسالة والوحي وتندي مكابرة المشركين للرسول ﷺ، والزمهم الحجة بآية الله الكبرى، وهي القرآن.
٣- البعث والجزاء والوعد الوعيد، بذِكر ما يقع يوم القيامة من العذاب للمجرمين، والبشارة للمتقين بالفوز والنعمين. هذا مع ذكر علام الغيب من الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار. وقد كان العرب كغيرهم من الأمم يؤمنون بالملائكة وبوجود الجن، ويعتقدون أنهم يظهرون لهم أحياناً في صورة الغِيلان فيسمعون اصواتهم، وأنهم يُلقون الشعرَ في هواجس الشعراء.
٤- أصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب، والنهي عن الرذائل، وأن دين الله واحد، لكنه تم تفريقُه بالمذاهب والأهواء، وان سعادة الناس وشقاءهم من إعمالهم النفسيّة والبدنية، وان الجزاء على الأعمال يكون بحسب تأثيرها في الانس، فالجزاء على السيئة سيئة مثلها، وعلى الحسنة عشرة امثالها، ولا يحمل أحد ذنْب غيره. ثم يأتي الترغيب في معرفة الكون والإرشاد إلى معرفة سنُن الله فيه، وآياته الكثيرة الدالّة على علمه وقدرته، وان التوبة الصحيحة مع ما يلزمها منا لعمل الصالح موجبة لمغفرة الذنوب وابتلاء الناس بعضهم ببعض، ليتنافسوا في العلوم والأعمال النافعة، وأعلاء كلمة الحق.
— 30 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

61 مقطع من التفسير