تفسير سورة سورة التوبة
المراغي
مقدمة التفسير
سورة التوبة- سورة براءة
عدد آياتها ثلاثون ومائة وهي مدنية
ولها أسماء كثيرة : منها الفاضحة لما تضمنته من ذكر أسرار المنافقين وأنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، والمُدَمْدمة والمُخْزية.
وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وقد كان الاستعداد لها وقت القيظ زمن العسرة، وفي أثنائها ظهر من علامات نفاق المنافقين ما كان خفيّا من قبل.
وأولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا ليقرأها على المشركين في الموسم.
روى البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ( النساء : ١٧٦ ) وآخر سورة نزلت براءة.
ووجه المناسبة بينها وبين ما قبلها- أنها كالمتممة لها في معظم ما في أصول الدين وفروعه، وفي التشريع الذي جلُّه في أحكام القتال والاستعداد له، وأسباب النصر فيه، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي لذلك، وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض، والكافرين بعضهم مع بعض، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب، فما بُدِئ به في الأولى أُتم في الثانية.
وهاك أمثلة على ذلك :
تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب.
ذكر في الأولى صدّ المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه، وجاء في الثانية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ( التوبة : ١٧ ) إلى آخر الآيات.
ذكرت العهود في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها.
ذكر في سورة الأنفال الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء ذلك بأبلغ وجه في براءة.
جاء في الأولى ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض- وفصل ذلك في الثانية أتمّ تفصيل.
تنبيه : لم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها، لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة. وقيل لأنها جاءت لرفع الأمان والابتداء بالبسملة مذكورا فيها اسم الله موصوفا بالرحمة يوجبه.
عدد آياتها ثلاثون ومائة وهي مدنية
ولها أسماء كثيرة : منها الفاضحة لما تضمنته من ذكر أسرار المنافقين وأنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، والمُدَمْدمة والمُخْزية.
وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وقد كان الاستعداد لها وقت القيظ زمن العسرة، وفي أثنائها ظهر من علامات نفاق المنافقين ما كان خفيّا من قبل.
وأولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا ليقرأها على المشركين في الموسم.
روى البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ( النساء : ١٧٦ ) وآخر سورة نزلت براءة.
ووجه المناسبة بينها وبين ما قبلها- أنها كالمتممة لها في معظم ما في أصول الدين وفروعه، وفي التشريع الذي جلُّه في أحكام القتال والاستعداد له، وأسباب النصر فيه، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي لذلك، وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض، والكافرين بعضهم مع بعض، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب، فما بُدِئ به في الأولى أُتم في الثانية.
وهاك أمثلة على ذلك :
تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب.
ذكر في الأولى صدّ المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه، وجاء في الثانية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ( التوبة : ١٧ ) إلى آخر الآيات.
ذكرت العهود في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها.
ذكر في سورة الأنفال الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء ذلك بأبلغ وجه في براءة.
جاء في الأولى ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض- وفصل ذلك في الثانية أتمّ تفصيل.
تنبيه : لم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها، لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة. وقيل لأنها جاءت لرفع الأمان والابتداء بالبسملة مذكورا فيها اسم الله موصوفا بالرحمة يوجبه.
آية رقم ١
بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ( ١ ) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( ٢ ) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣ ) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( الأنفال : ١-٤ ).
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
آية رقم ٢
بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ( ١ ) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( ٢ ) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣ ) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( الأنفال : ١-٤ ).
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
تفسير المفردات :
والسياحة في الأرض : الانتقال والتجوال فيها، ويراد بها هنا حرية الانتقال مع الأمان مدة أربعة أشهر لا يَعْرِض المسلمون لها فيها بقتال، وقوله : غير معجزي الله، أي لا تفوتونه بالهرب والتحصن. والخزي : الذل والفضيحة بما فيه عار.
الإيضاح :
فسيحوا في الأرض أربعة أشهر هذا خطاب من الله للمؤمنين مبيّن لما يجب أن يقولوه للمشركين الذين برئ الله ورسوله من عهودهم، أي قولوا لهم : سيروا في الأرض، وأنتم آمنون لا يتعرض لكم أحد من المسلمين بقتال مدة أربعة أشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجة من سنة تسع للهجرة وهو يوم النحر الذي بُلّغوا فيه هذه الدعوة، وتنتهي في عاشر شهر ربيع الآخر من سنة عشر.
والحكمة في تحديد هذه المدة : أن يكون لديهم فسحة من الوقت للنظر والتفكر في عاقبة أمرهم، والتخير بين الإسلام والاستعداد للقتال، إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم، وهذا منتهى ما يكون من السجاحة والرحمة والإعذار إلى أعدى أعدائه المحاربين، حتى لا يقال إنه أخذهم على غرة.
واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين أي واعلموا أنكم لن تعجزوا الله ولن تفوتوه فتجدوا مَهْربا منه إذا أنتم أصررتم على شرككم وعدوانكم لله ورسوله، بل سيسلط المؤمنين عليكم ويؤيدكم بنصره الذي وعدهم به، والعاقبة للمتقين فقد جرت سنة الله بخزي الكافرين منكم ومن غيركم في معاداتهم وقتالهم لرسله في الدنيا والآخرة كما جاء في مشركي مكة ومن نحا نحوهم : كذب الذين من قبلهم فآتاهم العذاب من حيث لا يشعرون( ٢٥ ) فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ( الزمر : ٢٥-٢٦ ).
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
تفسير المفردات :
والسياحة في الأرض : الانتقال والتجوال فيها، ويراد بها هنا حرية الانتقال مع الأمان مدة أربعة أشهر لا يَعْرِض المسلمون لها فيها بقتال، وقوله : غير معجزي الله، أي لا تفوتونه بالهرب والتحصن. والخزي : الذل والفضيحة بما فيه عار.
الإيضاح :
فسيحوا في الأرض أربعة أشهر هذا خطاب من الله للمؤمنين مبيّن لما يجب أن يقولوه للمشركين الذين برئ الله ورسوله من عهودهم، أي قولوا لهم : سيروا في الأرض، وأنتم آمنون لا يتعرض لكم أحد من المسلمين بقتال مدة أربعة أشهر تبتدئ من عاشر ذي الحجة من سنة تسع للهجرة وهو يوم النحر الذي بُلّغوا فيه هذه الدعوة، وتنتهي في عاشر شهر ربيع الآخر من سنة عشر.
والحكمة في تحديد هذه المدة : أن يكون لديهم فسحة من الوقت للنظر والتفكر في عاقبة أمرهم، والتخير بين الإسلام والاستعداد للقتال، إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم، وهذا منتهى ما يكون من السجاحة والرحمة والإعذار إلى أعدى أعدائه المحاربين، حتى لا يقال إنه أخذهم على غرة.
واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين أي واعلموا أنكم لن تعجزوا الله ولن تفوتوه فتجدوا مَهْربا منه إذا أنتم أصررتم على شرككم وعدوانكم لله ورسوله، بل سيسلط المؤمنين عليكم ويؤيدكم بنصره الذي وعدهم به، والعاقبة للمتقين فقد جرت سنة الله بخزي الكافرين منكم ومن غيركم في معاداتهم وقتالهم لرسله في الدنيا والآخرة كما جاء في مشركي مكة ومن نحا نحوهم : كذب الذين من قبلهم فآتاهم العذاب من حيث لا يشعرون( ٢٥ ) فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ( الزمر : ٢٥-٢٦ ).
آية رقم ٣
بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ( ١ ) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( ٢ ) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣ ) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( الأنفال : ١-٤ ).
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
تفسير المفردات :
والآذان : الإعلان بما ينبغي أن يُعْلم. ويوم الحج الأكبر : هو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج ويجتمع فيه الحاج لإتمام مناسكهم.
الإيضاح :
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله أي هذا إعلام من الله ورسوله بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافات شركهم وضلالهم في وقت يسهل فيه ذلك التبليغ والإعلام، وهو يوم الحج الأكبر يوم النحر الذي فيه تنتهي فرائض الحج، ويجتمع الحجاج لإتمام مناسكهم وسننهم في منى.
ثم أكد ما يجب أن يبلَّغوه بلا تأخير بقوله :
فإن تبتم فهو خير لكم أي قولوا لهم : فإن تبتم ورجعتم عن شرككم وعن خيانتكم وغدركم بنقض العهد وقبلتم هدى الإسلام، فذلك خير لكم من الدنيا والآخرة، لأن في هدايته سعادتكم فيها.
وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي وإن أعرضتم عن إجابة الدعوة إلى التوبة فاعلموا أنكم غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه فلن تُفْلتوا من حكم سننه ووعده لرسله وللمؤمنين بالنصر والغلب كما قال : والعاقبة للمتقين ( الأعراف : ١٢٨ ).
وبشر الذين كفروا بعذاب أليم أي وبشر أيها الرسول الكريم من جحد رسالتك ولم يؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر بعذاب أليم في الآخرة.
وهذا من أنباء الغيب التي لا تعلم إلا بوحي من الله عز وجل، و استعمال البشارة فيما يسوء ويكره ضرب من التهكم كما لا يخفى.
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
تفسير المفردات :
والآذان : الإعلان بما ينبغي أن يُعْلم. ويوم الحج الأكبر : هو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج ويجتمع فيه الحاج لإتمام مناسكهم.
الإيضاح :
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله أي هذا إعلام من الله ورسوله بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافات شركهم وضلالهم في وقت يسهل فيه ذلك التبليغ والإعلام، وهو يوم الحج الأكبر يوم النحر الذي فيه تنتهي فرائض الحج، ويجتمع الحجاج لإتمام مناسكهم وسننهم في منى.
ثم أكد ما يجب أن يبلَّغوه بلا تأخير بقوله :
فإن تبتم فهو خير لكم أي قولوا لهم : فإن تبتم ورجعتم عن شرككم وعن خيانتكم وغدركم بنقض العهد وقبلتم هدى الإسلام، فذلك خير لكم من الدنيا والآخرة، لأن في هدايته سعادتكم فيها.
وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي وإن أعرضتم عن إجابة الدعوة إلى التوبة فاعلموا أنكم غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه فلن تُفْلتوا من حكم سننه ووعده لرسله وللمؤمنين بالنصر والغلب كما قال : والعاقبة للمتقين ( الأعراف : ١٢٨ ).
وبشر الذين كفروا بعذاب أليم أي وبشر أيها الرسول الكريم من جحد رسالتك ولم يؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر بعذاب أليم في الآخرة.
وهذا من أنباء الغيب التي لا تعلم إلا بوحي من الله عز وجل، و استعمال البشارة فيما يسوء ويكره ضرب من التهكم كما لا يخفى.
آية رقم ٤
بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ( ١ ) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( ٢ ) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣ ) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( الأنفال : ١-٤ ).
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
تفسير المفردات :
ثم لم ينقصوكم شيئا، أي من شروط الميثاق فلم يقتلوا أحدا منكم ولم يضروكم. ولم يظاهروا : أي لم يعاونوا.
الإيضاح :
إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم أي لا تمهلوا الناكثين للعهود فوق أربعة أشهر، إلا الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم، فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم بشرط ألا ينقصوا شيئا من شروط الميثاق ولا يضاروكم، ولا يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم، كما عدت بنو بكر على خزاعة في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهرتهم قريش بالسلاح.
وفي ذلك إيماء إلى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا، وإلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وإلى أن شروط وجوب الوفاء به محافظة العدو المعاهد لنا على ذلك العهد بحذافيره بنصه وفحواه، فإن نقص شيئا منه وأخلّ بغرض من أغراضه عدّ ناقضا له كما قال : ثم لم ينقصوكم شيئا ويدخل في الإخلال مظاهرة أحد من الأعداء على المسلمين، لأن المقصد من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر وحرية التعامل بينهما.
وإن الله يحب المتقين أي الذين يتقون نقض العهد وخَفْر الذمم وسائر المفاسد التي تخل بالنظام وتمنع جريان العدل بين الناس.
وفي ذلك إيماء إلى أن مراعاة حقوق العهد تدخل في حدود التقوى، وإلى أن التسوية بين الوفيّ والغادر منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا.
وقد ورد في تنفيذ أمر الله بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العلني- أحاديث في الصحاح أشهرها : أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعليّ كرم الله وجهه ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها، ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لنبذ العهود وما يتعلق لها من أول سورة براءة، وهي نحو أربعين آية.
وقد كان من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليّا اختص بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، وكان يساعده على ذلك بعض الصحابة كأبي هريرة.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
المعنى الجملي : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بالإسلام وأقام بناء دعوته على أساس البراهين المقنعة، ومنع الإكراه على الدخول فيه والحمل على قبوله بالقوة فقاومه المشركون وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، ولم يكن أحدا يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب إلا بتأمين حليف أو قريب، فهاجر منهم عدد كثير إلى بلاد الحبشة وإلى جهات كثيرة مرة بعد أخرى، ثم اشتد إيذاؤهم للرسول حتى ائتمروا في دار الندوة علنا على حبسه أو نفيه أو قتله، ورجحوا آخر الأمر قتله، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة وصار يتبعه من قدر عليها، وقد وجدوا بها أنصارا يحبون الله ورسوله، ويحبون من هاجر إليهم ويؤثرونهم على أنفسهم، كانت الحال بينهم وبين المشركين حال حرب بطبيعة الحال ومقتضى المألوف في ذلك العصر، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب من اليهود والنصارى على السلم والتعاون بينهم، فخانوا ونقضوا العهد وظاهروا المشركين عليه وعاهد المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط كانت منتهى السخاء عن قوة وعزة، لا عن ضعف وقلة، حبّا للسلم ونشر الدعوة بالإقناع والحجة فدخلت خزاعة في عهده صلى الله عليه وسلم كما دخلت بكر في عهد قريش، ثم عدت الثانية على الأولى وأعانتها قريش بالسلاح ناقضين العهد، فكان ذلك سبب عودة الحرب بينه وبينهم إلى أن كان فتح مكة، وبه خُضِدت شوكة الشرك وذل أهله، ولكنهم ما زالوا يحاربون حيث قدروا، ودلت التجارب أنه لا عهود لهم ولا يؤمن غدرهم في حالي القوة والضعف، ولا يستطيع المسلمون أن يعيشوا معهم بحكم المعاهدات ويأمن كل شر الآخر ما داموا على شركهم ولاسيما وقد سبقهم إلى نقض العهد من كانوا أجدر منهم بالوفاء وهم أهل الكتاب.
ومن جراء هذا : جاءت هذه السورة بنبذ عهودهم المطلقة وإتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام عليها، فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم له الغلب عليهم ومحا الشرك من جزيرة العرب ودانت كلها للإسلام : إن الدين عند الله الإسلام ( آل عمران : ١٩ ).
تفسير المفردات :
ثم لم ينقصوكم شيئا، أي من شروط الميثاق فلم يقتلوا أحدا منكم ولم يضروكم. ولم يظاهروا : أي لم يعاونوا.
الإيضاح :
إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم أي لا تمهلوا الناكثين للعهود فوق أربعة أشهر، إلا الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم، فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم بشرط ألا ينقصوا شيئا من شروط الميثاق ولا يضاروكم، ولا يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم، كما عدت بنو بكر على خزاعة في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهرتهم قريش بالسلاح.
وفي ذلك إيماء إلى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا، وإلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وإلى أن شروط وجوب الوفاء به محافظة العدو المعاهد لنا على ذلك العهد بحذافيره بنصه وفحواه، فإن نقص شيئا منه وأخلّ بغرض من أغراضه عدّ ناقضا له كما قال : ثم لم ينقصوكم شيئا ويدخل في الإخلال مظاهرة أحد من الأعداء على المسلمين، لأن المقصد من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر وحرية التعامل بينهما.
وإن الله يحب المتقين أي الذين يتقون نقض العهد وخَفْر الذمم وسائر المفاسد التي تخل بالنظام وتمنع جريان العدل بين الناس.
وفي ذلك إيماء إلى أن مراعاة حقوق العهد تدخل في حدود التقوى، وإلى أن التسوية بين الوفيّ والغادر منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا.
وقد ورد في تنفيذ أمر الله بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العلني- أحاديث في الصحاح أشهرها : أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعليّ كرم الله وجهه ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها، ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لنبذ العهود وما يتعلق لها من أول سورة براءة، وهي نحو أربعين آية.
وقد كان من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليّا اختص بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، وكان يساعده على ذلك بعض الصحابة كأبي هريرة.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
آية رقم ٥
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٥ ) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ( التوبة : ٥-٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه الأذان العام بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافاتهم وضلالاتهم على الوجه الذي سبق تفصيله، قفّى على ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون معهم حتى انقضاء الأجل المضروب لهم والأمان الذي أعطي لهم للضرب في الأرض.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه الأذان العام بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافاتهم وضلالاتهم على الوجه الذي سبق تفصيله، قفّى على ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون معهم حتى انقضاء الأجل المضروب لهم والأمان الذي أعطي لهم للضرب في الأرض.
آية رقم ٦
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٥ ) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ( التوبة : ٥-٦ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه الأذان العام بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافاتهم وضلالاتهم على الوجه الذي سبق تفصيله، قفّى على ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون معهم حتى انقضاء الأجل المضروب لهم والأمان الذي أعطي لهم للضرب في الأرض.
تفسير المفردات :
واستجاره : طلب جواره، أي حمايته وأمانه، وقد كان من عادات العرب حماية الجار والدفاع عنه حتى يسمّون النصير : جارا. وأجره : أي أمّنه. ومأمنه : أي مسكنه الذي يأمن فيه، وهو دار قومه، وقوله : لا يعلمون : أي ما الإسلام وما حقيقته، فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا الحق ولا يبقى لهم معذرة.
الإيضاح :
وإن أحدا من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه أي اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلا ما طلب منكم الأمان ليعلم ما أنزل الله وأمر به من دعوة الإسلام، فإن بعض المشركين لم تبلغهم الدعوة بلاغا مقنعا ولم يسمعوا شيئا من القرآن، أو لم يسمعوا منه ما تقوم به الحجة عليهم، فأعرضوا وعادَوا الداعي وقاتلوه، لأنه جاء بتفنيد ما هم عليه من الشرك، وتسفيه ما كان عليه آباؤهم منه.
والخلاصة : وإن استأمنك أيها الرسول أحد من المشركين لكي يسمع كلام الله ويعلم منه حقيقة ما تدعو إليه، أو ليلقاك وإن لم يذكر سببا- فأجِرْه وأمّنه على نفسه وأمواله لكي يسمع أو لكي يراك، فإن هذه فرصة للتبليغ والاستماع، فإن اهتدى وآمن عن علم واقتناع فذاك، وإلا فالواجب أن تبلغه المكان الذي يأمن به على نفسه ويكون حرا في عقيدته، حيث لا يكون للمسلمين سلطان عليه، وتعود حال الحرب إلى ما كانت عليه من غير غدر.
والمراد بالسماع : أن يسمع المقدار الذي تقوم به الحجة ويتبين به بطلان الشرك وحقيقة التوحيد والبعث وصدق الرسول في تبليغه عن الله، فإنه إذا ألقي إليه السمع لا يلبث أن يظهر له الحق إذا لم تصده العصبيّة والعدوان للداعي، فإن لم يفعل ذلك كان له شأنه وكانت له حريته، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الإسلام وهو على هذه الحال.
ذلك بأنهم قوم لا يعلمون أي إن ما ذكر من إجارة المستجير من المشركين إلى أن يسمع كلام الله من جراء أنهم قوم جاهلون لا يدرون ما الكتاب وما الإيمان، وما أعرضوا إلا عن جهل وعصبية واغترار بالقوة وإصرار على الجفوة. فإذا هم شعروا بضعفهم وصدق وعد الله بنصر المؤمنين عليهم، وأعدّهم ذلك للعلم بما كانوا يجهلون، وطلبوا الأمان لهذا السبب أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة وإسماعهم كلام الله- أجيبوا إلى ذلك لأن هذه الطريق المثلى لتعليمهم وهدايتهم، والرسول صلوات الله عليه إنما أُرسل مبشرا ونذيرا.
وفي الآية إيماء إلى أن التقليد في الدين غير كاف، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، لأنه لو كان كافيا لوجب ألا يهمل الكافر، بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك، فأمهلناه ليحصل له النظر والاستدلال فإن ظهر على المشرك علامات القبول للحق ببحثه عن الدليل والتفكير فيه أُمْهل وتُرِك، وإن ظهر أنه مُعْرض عن الحق لم يُلْتفت إليه ووجب تبليغه إلى مأمنه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه الأذان العام بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافاتهم وضلالاتهم على الوجه الذي سبق تفصيله، قفّى على ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون معهم حتى انقضاء الأجل المضروب لهم والأمان الذي أعطي لهم للضرب في الأرض.
تفسير المفردات :
واستجاره : طلب جواره، أي حمايته وأمانه، وقد كان من عادات العرب حماية الجار والدفاع عنه حتى يسمّون النصير : جارا. وأجره : أي أمّنه. ومأمنه : أي مسكنه الذي يأمن فيه، وهو دار قومه، وقوله : لا يعلمون : أي ما الإسلام وما حقيقته، فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا الحق ولا يبقى لهم معذرة.
الإيضاح :
وإن أحدا من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه أي اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلا ما طلب منكم الأمان ليعلم ما أنزل الله وأمر به من دعوة الإسلام، فإن بعض المشركين لم تبلغهم الدعوة بلاغا مقنعا ولم يسمعوا شيئا من القرآن، أو لم يسمعوا منه ما تقوم به الحجة عليهم، فأعرضوا وعادَوا الداعي وقاتلوه، لأنه جاء بتفنيد ما هم عليه من الشرك، وتسفيه ما كان عليه آباؤهم منه.
والخلاصة : وإن استأمنك أيها الرسول أحد من المشركين لكي يسمع كلام الله ويعلم منه حقيقة ما تدعو إليه، أو ليلقاك وإن لم يذكر سببا- فأجِرْه وأمّنه على نفسه وأمواله لكي يسمع أو لكي يراك، فإن هذه فرصة للتبليغ والاستماع، فإن اهتدى وآمن عن علم واقتناع فذاك، وإلا فالواجب أن تبلغه المكان الذي يأمن به على نفسه ويكون حرا في عقيدته، حيث لا يكون للمسلمين سلطان عليه، وتعود حال الحرب إلى ما كانت عليه من غير غدر.
والمراد بالسماع : أن يسمع المقدار الذي تقوم به الحجة ويتبين به بطلان الشرك وحقيقة التوحيد والبعث وصدق الرسول في تبليغه عن الله، فإنه إذا ألقي إليه السمع لا يلبث أن يظهر له الحق إذا لم تصده العصبيّة والعدوان للداعي، فإن لم يفعل ذلك كان له شأنه وكانت له حريته، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الإسلام وهو على هذه الحال.
ذلك بأنهم قوم لا يعلمون أي إن ما ذكر من إجارة المستجير من المشركين إلى أن يسمع كلام الله من جراء أنهم قوم جاهلون لا يدرون ما الكتاب وما الإيمان، وما أعرضوا إلا عن جهل وعصبية واغترار بالقوة وإصرار على الجفوة. فإذا هم شعروا بضعفهم وصدق وعد الله بنصر المؤمنين عليهم، وأعدّهم ذلك للعلم بما كانوا يجهلون، وطلبوا الأمان لهذا السبب أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة وإسماعهم كلام الله- أجيبوا إلى ذلك لأن هذه الطريق المثلى لتعليمهم وهدايتهم، والرسول صلوات الله عليه إنما أُرسل مبشرا ونذيرا.
وفي الآية إيماء إلى أن التقليد في الدين غير كاف، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، لأنه لو كان كافيا لوجب ألا يهمل الكافر، بل يقال له : إما أن تؤمن وإما أن نقتلك، فأمهلناه ليحصل له النظر والاستدلال فإن ظهر على المشرك علامات القبول للحق ببحثه عن الدليل والتفكير فيه أُمْهل وتُرِك، وإن ظهر أنه مُعْرض عن الحق لم يُلْتفت إليه ووجب تبليغه إلى مأمنه.
آية رقم ٧
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( ٧ ) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ( التوبة : ٧-٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر براءة الله ورسوله من المشركين وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا، ثم ذكر دعوتهم إلى التوبة من الشرك وإنذارهم سوء العاقبة، ثم أمر بما يترتب على النبذ وهو عود حال الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وُقِّتَت بها، بمناجزة المشركين بكل أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق الوصول عليهم، إلا من يستجير بالرسول ليسمع كلام الله فإنه يجار حتى يسمعه- قفّى على ذلك ببيان أن هذا النبذ وما يترتب عليه إنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنون أو دونه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر براءة الله ورسوله من المشركين وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا، ثم ذكر دعوتهم إلى التوبة من الشرك وإنذارهم سوء العاقبة، ثم أمر بما يترتب على النبذ وهو عود حال الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وُقِّتَت بها، بمناجزة المشركين بكل أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق الوصول عليهم، إلا من يستجير بالرسول ليسمع كلام الله فإنه يجار حتى يسمعه- قفّى على ذلك ببيان أن هذا النبذ وما يترتب عليه إنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنون أو دونه.
آية رقم ٨
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( ٧ ) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ( التوبة : ٧-٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر براءة الله ورسوله من المشركين وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا، ثم ذكر دعوتهم إلى التوبة من الشرك وإنذارهم سوء العاقبة، ثم أمر بما يترتب على النبذ وهو عود حال الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وُقِّتَت بها، بمناجزة المشركين بكل أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق الوصول عليهم، إلا من يستجير بالرسول ليسمع كلام الله فإنه يجار حتى يسمعه- قفّى على ذلك ببيان أن هذا النبذ وما يترتب عليه إنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنون أو دونه.
تفسير المفردات :
ظهر عليه : غلبه وظفر به، ورقب الشيء : رعاه وحاذره لأن الخائف يرْقُب العقاب ويتوقعه، ومنه فلان لا يرْقُب الله في أموره : أي لا ينظر إلى عقابه، فيركب رأسه في المعصية، والإل : القرابة. قال بن مُقبل :
والذمة والذمام : العهد الذي يلزم من ضيّعه الذمّ، وكان خَفر الذمام ونقض العهد عندهم من العار، فاسقون : أي خارجون من قيود العهود والمواثيق متجاوزون لحدود الصدق والوفاء، من قولهم : فسقت الرطْبة إذا خرجت من قشرتها.
الإيضاح :
كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة أي كيف يكون للمشركين غير هؤلاء الذين جربتم وفاءهم- عهد مشروع عند الله مرعيُّ الوفاء عند رسوله- وحالهم المعروفة من أخلاقهم وأعمالهم أنهم إن يظهروا عليكم في القُوّة والغَلَب، لا يرقبوا الله ولا القرابة في نقض العهد والميثاق.
والخلاصة : إنه لا عهد لمن كان له عهد وغدر فيه، وكذا من لا عهد له منهم لأنهم لشدة عداوتهم للمؤمنين لم يقيّدوا أنفسهم معهم بعهد سلم مطلق ولا مؤقت.
ثم بيّن ما تنطوي عليه جوانحهم من الضغينة للمؤمنين فقال :
يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون أي هم يخادعونكم حال الضعف بما يفوهون به من كلام معسول يرون أنه يرضيكم سواء أكان عهدا أم وعدا أم وأيمانا مؤكدة، وقلوبهم مملوءة ضغنا وحقدا يقولون بألسنتهم ما ليس بقلوبهم ( الفتح : ١١ ) فهم إن ظهروا عليكم نكثوا العهود وحنثوا بالإيمان وفتكوا بكم بقدر ما يستطيعون.
وإنما يفعلون ذلك لأن أكثرهم خارجون من قيود العهود والمواثيق متجاوزين لحدود الصدق والوفاء، فليس لهم مُروءة رادعة ولا عقيدة وازعة، ولا يتعفّفون عن الغدر وعما يجر إلى سوء الأحدوثة وَثَلم العرض.
وإنما وصف الأكثر، لأنهم هم الناكثون الناقضون لعهودهم، وأقلهم الموفُون الذين استثناهم الله تعالى وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر براءة الله ورسوله من المشركين وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا، ثم ذكر دعوتهم إلى التوبة من الشرك وإنذارهم سوء العاقبة، ثم أمر بما يترتب على النبذ وهو عود حال الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وُقِّتَت بها، بمناجزة المشركين بكل أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق الوصول عليهم، إلا من يستجير بالرسول ليسمع كلام الله فإنه يجار حتى يسمعه- قفّى على ذلك ببيان أن هذا النبذ وما يترتب عليه إنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنون أو دونه.
تفسير المفردات :
ظهر عليه : غلبه وظفر به، ورقب الشيء : رعاه وحاذره لأن الخائف يرْقُب العقاب ويتوقعه، ومنه فلان لا يرْقُب الله في أموره : أي لا ينظر إلى عقابه، فيركب رأسه في المعصية، والإل : القرابة. قال بن مُقبل :
| أفسد الناس خلوف خلفوا | قطعوا الإل وأعراق الرحم |
الإيضاح :
كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة أي كيف يكون للمشركين غير هؤلاء الذين جربتم وفاءهم- عهد مشروع عند الله مرعيُّ الوفاء عند رسوله- وحالهم المعروفة من أخلاقهم وأعمالهم أنهم إن يظهروا عليكم في القُوّة والغَلَب، لا يرقبوا الله ولا القرابة في نقض العهد والميثاق.
والخلاصة : إنه لا عهد لمن كان له عهد وغدر فيه، وكذا من لا عهد له منهم لأنهم لشدة عداوتهم للمؤمنين لم يقيّدوا أنفسهم معهم بعهد سلم مطلق ولا مؤقت.
ثم بيّن ما تنطوي عليه جوانحهم من الضغينة للمؤمنين فقال :
يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون أي هم يخادعونكم حال الضعف بما يفوهون به من كلام معسول يرون أنه يرضيكم سواء أكان عهدا أم وعدا أم وأيمانا مؤكدة، وقلوبهم مملوءة ضغنا وحقدا يقولون بألسنتهم ما ليس بقلوبهم ( الفتح : ١١ ) فهم إن ظهروا عليكم نكثوا العهود وحنثوا بالإيمان وفتكوا بكم بقدر ما يستطيعون.
وإنما يفعلون ذلك لأن أكثرهم خارجون من قيود العهود والمواثيق متجاوزين لحدود الصدق والوفاء، فليس لهم مُروءة رادعة ولا عقيدة وازعة، ولا يتعفّفون عن الغدر وعما يجر إلى سوء الأحدوثة وَثَلم العرض.
وإنما وصف الأكثر، لأنهم هم الناكثون الناقضون لعهودهم، وأقلهم الموفُون الذين استثناهم الله تعالى وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم.
آية رقم ٩
اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( ٩ ) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( التوبة : ٩-١٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر غلبة الفسق والخروج من الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء ونحوهما مما يُمْدح عندهم أردف ذلك بذكر السبب في هاتين الآيتين.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر غلبة الفسق والخروج من الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء ونحوهما مما يُمْدح عندهم أردف ذلك بذكر السبب في هاتين الآيتين.
آية رقم ١٠
اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( ٩ ) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( التوبة : ٩-١٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر غلبة الفسق والخروج من الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء ونحوهما مما يُمْدح عندهم أردف ذلك بذكر السبب في هاتين الآيتين.
الإيضاح :
لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة أي ومن أجل هذا الكفر لا يرعَوْن في مؤمن يقدرون على الفتك به قرابة تقتضي الود، ولا ذمة توجب الوفاء بالعهد ولا ربّا يحرّم الخيانة والغدر، فذنب المؤمن عندهم أنه لا ينقض عهدا ولا يستحل غدرا ولا يقطع رحما.
وأولئك هم المعتدون أي المتجاوزون لغاية القصوى من الظلم، والعلة في هذا رسوخهم في الشرك وكراهتهم للإيمان وأهله، فلا علاج لهم إلا الرجوع عن الكفر والاعتصام بالإيمان والتمسك بفضائل الأخلاق وما يقتضيه الإيمان من صالح الأعمال.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر غلبة الفسق والخروج من الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم حتى مراعاة القرابة والوفاء ونحوهما مما يُمْدح عندهم أردف ذلك بذكر السبب في هاتين الآيتين.
الإيضاح :
لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة أي ومن أجل هذا الكفر لا يرعَوْن في مؤمن يقدرون على الفتك به قرابة تقتضي الود، ولا ذمة توجب الوفاء بالعهد ولا ربّا يحرّم الخيانة والغدر، فذنب المؤمن عندهم أنه لا ينقض عهدا ولا يستحل غدرا ولا يقطع رحما.
وأولئك هم المعتدون أي المتجاوزون لغاية القصوى من الظلم، والعلة في هذا رسوخهم في الشرك وكراهتهم للإيمان وأهله، فلا علاج لهم إلا الرجوع عن الكفر والاعتصام بالإيمان والتمسك بفضائل الأخلاق وما يقتضيه الإيمان من صالح الأعمال.
آية رقم ١١
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( ١١ ) وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ( التوبة : ١١-١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه عداوة المشركين للمؤمنين أردف ذلك بما سيكون من أمرهم بعد ذلك، وهو لا يعدو أحد أمرين فصّلهما في هاتين الآيتين :
الإيضاح :
( ١ ) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين أي فإن رجع هؤلاء المشركين الذين أمرتكم بقتالهم عن شركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله وأنابوا إليه وأطاعوه، فأقاموا الصلاة أي أدَّوْها بشروطها وأركانها، وآتوا الزكاة المفروضة فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم به، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وبهذه الأخوّة يزول كل ما كان بينكم من إحن وعداوات، ولا تعارف أجمل من التعارف في المساجد لإقامة الصلوات وأداء الصدقات بمواساة الغني للفقير، وهذه المزية الدنيوية كانوا محرومون منها، إذ كان بعضهم حربا لبعض إلا ما كان من عهد أو جوار.
ونفصل الآيات لقوم يعلمون أي وإنا نبين حجج الله وأدلته على خلقه لقوم يعلمون ما نبين لهم بعد أن نشرحها مفصلة فيفقهونها، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه عداوة المشركين للمؤمنين أردف ذلك بما سيكون من أمرهم بعد ذلك، وهو لا يعدو أحد أمرين فصّلهما في هاتين الآيتين :
الإيضاح :
( ١ ) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين أي فإن رجع هؤلاء المشركين الذين أمرتكم بقتالهم عن شركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله وأنابوا إليه وأطاعوه، فأقاموا الصلاة أي أدَّوْها بشروطها وأركانها، وآتوا الزكاة المفروضة فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم به، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وبهذه الأخوّة يزول كل ما كان بينكم من إحن وعداوات، ولا تعارف أجمل من التعارف في المساجد لإقامة الصلوات وأداء الصدقات بمواساة الغني للفقير، وهذه المزية الدنيوية كانوا محرومون منها، إذ كان بعضهم حربا لبعض إلا ما كان من عهد أو جوار.
ونفصل الآيات لقوم يعلمون أي وإنا نبين حجج الله وأدلته على خلقه لقوم يعلمون ما نبين لهم بعد أن نشرحها مفصلة فيفقهونها، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.
آية رقم ١٢
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( ١١ ) وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ( التوبة : ١١-١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه عداوة المشركين للمؤمنين أردف ذلك بما سيكون من أمرهم بعد ذلك، وهو لا يعدو أحد أمرين فصّلهما في هاتين الآيتين :
الإيضاح :
( ١ ) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين أي فإن رجع هؤلاء المشركين الذين أمرتكم بقتالهم عن شركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله وأنابوا إليه وأطاعوه، فأقاموا الصلاة أي أدَّوْها بشروطها وأركانها، وآتوا الزكاة المفروضة فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم به، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وبهذه الأخوّة يزول كل ما كان بينكم من إحن وعداوات، ولا تعارف أجمل من التعارف في المساجد لإقامة الصلوات وأداء الصدقات بمواساة الغني للفقير، وهذه المزية الدنيوية كانوا محرومون منها، إذ كان بعضهم حربا لبعض إلا ما كان من عهد أو جوار.
ونفصل الآيات لقوم يعلمون أي وإنا نبين حجج الله وأدلته على خلقه لقوم يعلمون ما نبين لهم بعد أن نشرحها مفصلة فيفقهونها، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.
الإيضاح :
وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر يقال نكث الغزل والحبل : حلّ الخيوط التي تألف منها وأرجعها إلى أصلها، والإيمان العهود وقد كان كل من العاقِدْيَن للعهد يضع يمينه في يمين الآخر.
أي وإن نكث هؤلاء ما أبرمته أيمانهم من الوفاء بالعهد الذي عقدوه معكم، وعابوا دينكم واستهزءوا به وصدّوا الناس عنه، ومن ذلك الطعن في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل شعراؤهم الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم فقاتلوهم فهم أئمة الكفر وحملة لوائه المقدّمون على غيرهم بزعمهم، فهم الأجدر بالقتل والقتال.
إنهم لا أيمان لهم أي إن عهودهم لا قيمة لها. فهي مخادعة لسانية لا يقصد الوفاء بها كما قال سبحانه : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ( الفتح : ١١ ) فما أسرع ما تُنْقَض إذا وجدت الفرصة سانحة.
لعلهم ينتهون أي قاتلوهم رجاء أن ينتهوا بقتالكم إياهم عن الكفر ونكث الأيمان ونقض العهود والعودة إلى قتالكم كلما قدروا عليه.
وفي ذلك إيماء إلى أن القتال لا يكون إتباعا لهوى النفس، أو إرادة منافع الدنيا من السلب والنهب وإرادة الانتقام، وهذه ميزة الإسلام إذ جعل الحرب ضرورة لإرادة منع الباطل وتقرير الحق.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه عداوة المشركين للمؤمنين أردف ذلك بما سيكون من أمرهم بعد ذلك، وهو لا يعدو أحد أمرين فصّلهما في هاتين الآيتين :
الإيضاح :
( ١ ) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين أي فإن رجع هؤلاء المشركين الذين أمرتكم بقتالهم عن شركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله وأنابوا إليه وأطاعوه، فأقاموا الصلاة أي أدَّوْها بشروطها وأركانها، وآتوا الزكاة المفروضة فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم به، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وبهذه الأخوّة يزول كل ما كان بينكم من إحن وعداوات، ولا تعارف أجمل من التعارف في المساجد لإقامة الصلوات وأداء الصدقات بمواساة الغني للفقير، وهذه المزية الدنيوية كانوا محرومون منها، إذ كان بعضهم حربا لبعض إلا ما كان من عهد أو جوار.
ونفصل الآيات لقوم يعلمون أي وإنا نبين حجج الله وأدلته على خلقه لقوم يعلمون ما نبين لهم بعد أن نشرحها مفصلة فيفقهونها، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.
الإيضاح :
وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر يقال نكث الغزل والحبل : حلّ الخيوط التي تألف منها وأرجعها إلى أصلها، والإيمان العهود وقد كان كل من العاقِدْيَن للعهد يضع يمينه في يمين الآخر.
أي وإن نكث هؤلاء ما أبرمته أيمانهم من الوفاء بالعهد الذي عقدوه معكم، وعابوا دينكم واستهزءوا به وصدّوا الناس عنه، ومن ذلك الطعن في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يفعل شعراؤهم الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم فقاتلوهم فهم أئمة الكفر وحملة لوائه المقدّمون على غيرهم بزعمهم، فهم الأجدر بالقتل والقتال.
إنهم لا أيمان لهم أي إن عهودهم لا قيمة لها. فهي مخادعة لسانية لا يقصد الوفاء بها كما قال سبحانه : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ( الفتح : ١١ ) فما أسرع ما تُنْقَض إذا وجدت الفرصة سانحة.
لعلهم ينتهون أي قاتلوهم رجاء أن ينتهوا بقتالكم إياهم عن الكفر ونكث الأيمان ونقض العهود والعودة إلى قتالكم كلما قدروا عليه.
وفي ذلك إيماء إلى أن القتال لا يكون إتباعا لهوى النفس، أو إرادة منافع الدنيا من السلب والنهب وإرادة الانتقام، وهذه ميزة الإسلام إذ جعل الحرب ضرورة لإرادة منع الباطل وتقرير الحق.
آية رقم ١٣
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ( ١٣ ) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ( ١٤ ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٣-١٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بقتال أئمة الكفر- ذكر السبب الذي يبعث على قتالهم، ولعل الله قد علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنه يوجد من المنافقين من يزيّنون لهم ذلك، والله يريد أن تطهُر جزيرة العرب من خرافات الشرك وأدران الوثنية، ويمحّص المؤمنين من المنافق ومثالبه.
من جراء هذا أعاد الكرة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد المعتدين عليهم بالحرب الذين بدءوهم بالقتال وهمّوا بإخراج الرسول أو حبسه أو قتله.
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بقتال أئمة الكفر- ذكر السبب الذي يبعث على قتالهم، ولعل الله قد علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنه يوجد من المنافقين من يزيّنون لهم ذلك، والله يريد أن تطهُر جزيرة العرب من خرافات الشرك وأدران الوثنية، ويمحّص المؤمنين من المنافق ومثالبه.
من جراء هذا أعاد الكرة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد المعتدين عليهم بالحرب الذين بدءوهم بالقتال وهمّوا بإخراج الرسول أو حبسه أو قتله.
آية رقم ١٤
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ( ١٣ ) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ( ١٤ ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٣-١٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بقتال أئمة الكفر- ذكر السبب الذي يبعث على قتالهم، ولعل الله قد علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنه يوجد من المنافقين من يزيّنون لهم ذلك، والله يريد أن تطهُر جزيرة العرب من خرافات الشرك وأدران الوثنية، ويمحّص المؤمنين من المنافق ومثالبه.
من جراء هذا أعاد الكرة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد المعتدين عليهم بالحرب الذين بدءوهم بالقتال وهمّوا بإخراج الرسول أو حبسه أو قتله.
الإيضاح :
وبعد أن أقام الأدلة على وجوب قتالهم، وفنّد الشبه المانعة من ذلك أمرهم به أمرا صريحا مع وعده لهم بالنصر وإظهار المؤمنين عليهم، وهذه العِدَة من أخبار الغيب في وقعة معينة، وقد صدق الله وعده فقال :
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين أي قاتلوهم كما أمرتكم، فإنكم إن فعلتم ذلك يعذبهم الله بأيديكم ويمكنكم من رقابهم قتلا، ومن صدورهم ونحورهم طعنا، ويخزهم بذُلّ الأسر والقهر والفقر لمن لم يقتل منهم، وينصركم عليهم حتى لا تقوم لهم قائمة بعد هذا، فلا يعودون إلى قتالكم كما كان شأنهم بعد وقعة بدر، ويشف صدوركم ما نالوا منكم من الأذى ولم تكونوا تستطيعون دفعه- وقد كان في صدورهم من موجدة القهر والذل ما لا شفاء له إلا بهذا النصر عليهم- وهؤلاء المؤمنون هم الذين غدر بهم المشركون كخزاعة وغيرها ممن كانوا في دار الشرك عاجزين عن الهجرة. وروي عن ابن عباس أنهم بطون من اليمن وسبأ قدموا إلى مكة وأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال صلى الله عليه وسلم :( أبشروا فإن الفرج قريب ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بقتال أئمة الكفر- ذكر السبب الذي يبعث على قتالهم، ولعل الله قد علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنه يوجد من المنافقين من يزيّنون لهم ذلك، والله يريد أن تطهُر جزيرة العرب من خرافات الشرك وأدران الوثنية، ويمحّص المؤمنين من المنافق ومثالبه.
من جراء هذا أعاد الكرة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد المعتدين عليهم بالحرب الذين بدءوهم بالقتال وهمّوا بإخراج الرسول أو حبسه أو قتله.
الإيضاح :
وبعد أن أقام الأدلة على وجوب قتالهم، وفنّد الشبه المانعة من ذلك أمرهم به أمرا صريحا مع وعده لهم بالنصر وإظهار المؤمنين عليهم، وهذه العِدَة من أخبار الغيب في وقعة معينة، وقد صدق الله وعده فقال :
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين أي قاتلوهم كما أمرتكم، فإنكم إن فعلتم ذلك يعذبهم الله بأيديكم ويمكنكم من رقابهم قتلا، ومن صدورهم ونحورهم طعنا، ويخزهم بذُلّ الأسر والقهر والفقر لمن لم يقتل منهم، وينصركم عليهم حتى لا تقوم لهم قائمة بعد هذا، فلا يعودون إلى قتالكم كما كان شأنهم بعد وقعة بدر، ويشف صدوركم ما نالوا منكم من الأذى ولم تكونوا تستطيعون دفعه- وقد كان في صدورهم من موجدة القهر والذل ما لا شفاء له إلا بهذا النصر عليهم- وهؤلاء المؤمنون هم الذين غدر بهم المشركون كخزاعة وغيرها ممن كانوا في دار الشرك عاجزين عن الهجرة. وروي عن ابن عباس أنهم بطون من اليمن وسبأ قدموا إلى مكة وأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيرا، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال صلى الله عليه وسلم :( أبشروا فإن الفرج قريب ).
آية رقم ١٥
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ( ١٣ ) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ( ١٤ ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٣-١٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بقتال أئمة الكفر- ذكر السبب الذي يبعث على قتالهم، ولعل الله قد علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنه يوجد من المنافقين من يزيّنون لهم ذلك، والله يريد أن تطهُر جزيرة العرب من خرافات الشرك وأدران الوثنية، ويمحّص المؤمنين من المنافق ومثالبه.
من جراء هذا أعاد الكرة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد المعتدين عليهم بالحرب الذين بدءوهم بالقتال وهمّوا بإخراج الرسول أو حبسه أو قتله.
الإيضاح :
ويذهب غيظ قلوبهم الذي كان قد وقر فيها من غدر المشركين وظلمهم، ومن طال تأذيه من خصمه ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه وأكملها فإنه يعظم سروره ويصير ذلك سببا لقوة النفس وصدق العزيمة.
وهذا الخزي والتعذيب الذي سينزله بهم لا يعمهم، بل هو خاص بمن استحوذ عليهم الكفر، فلم يبق فيهم استعداد للإيمان.
ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم أي وأما غيرهم فسيتوب الله عليهم من شركهم ويوفقهم للإيمان ويتقبله منهم، وهو العليم بما لا تعلمون من استعدادهم في الحال والاستقبال، الحكيم فيما يشرع لهم من الأحكام لإقامة دينه وإظهاره على الدين كله.
ومن سننه تعالى تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابلية التحول من حال إلى حال بما يطرأ عليهم من الأسباب والمؤثرات بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونُظُم الاجتماع.
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بقتال أئمة الكفر- ذكر السبب الذي يبعث على قتالهم، ولعل الله قد علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنه يوجد من المنافقين من يزيّنون لهم ذلك، والله يريد أن تطهُر جزيرة العرب من خرافات الشرك وأدران الوثنية، ويمحّص المؤمنين من المنافق ومثالبه.
من جراء هذا أعاد الكرة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد المعتدين عليهم بالحرب الذين بدءوهم بالقتال وهمّوا بإخراج الرسول أو حبسه أو قتله.
الإيضاح :
ويذهب غيظ قلوبهم الذي كان قد وقر فيها من غدر المشركين وظلمهم، ومن طال تأذيه من خصمه ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه وأكملها فإنه يعظم سروره ويصير ذلك سببا لقوة النفس وصدق العزيمة.
وهذا الخزي والتعذيب الذي سينزله بهم لا يعمهم، بل هو خاص بمن استحوذ عليهم الكفر، فلم يبق فيهم استعداد للإيمان.
ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم أي وأما غيرهم فسيتوب الله عليهم من شركهم ويوفقهم للإيمان ويتقبله منهم، وهو العليم بما لا تعلمون من استعدادهم في الحال والاستقبال، الحكيم فيما يشرع لهم من الأحكام لإقامة دينه وإظهاره على الدين كله.
ومن سننه تعالى تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابلية التحول من حال إلى حال بما يطرأ عليهم من الأسباب والمؤثرات بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونُظُم الاجتماع.
آية رقم ١٦
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( التوبة : ١٦ ).
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات التي قبل هذه بيان حال المشركين من مواصلتهم ما بدؤوا به من قتال المؤمنين لأجل دينهم، وقتال المؤمنين لهم على الوجه الذي قامت به الحجج الناصعة على كون المؤمنين على الحق في هذا القتال، والكلام الآن في بيان حال جماعة المسلمين وشأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف على تمحيصهم من ضعف الإيمان والهوادة في حقوق الإسلام.
تفسير المفردات :
الوليجة : ما يلج في الأمر أو القوم مما ليس منه أو منهم كالدّخيلة، ويطلق على الواحد والكثير، ويراد بها هنا بطانة السوء من المنافقين والمشركين.
الإيضاح :
أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة الخطاب هنا لجماعة المسلمين الذين من بينهم منافقون ومرضى القلوب يثبّطون عن القتال.
والمعنى : هل جاهدتم المشركين حق الجهاد، وأمنتم عودتهم إلى قتالكم كما بدؤوكم أول مرة، وأمنتم نكث من عاهدتم منهم لأيمانهم كما نكثوا من قبل ؟ وهل علمتم أنهم تركوا الطعن في دينكم وصدّ الناس عنه كما هو دأبهم منذ ظهور الإسلام ؛ وهل نسيتم ما اعتذر به المنافقون الذي تخلّفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك من أعذار ملفّقة كاذبة، وما كان من تثبيط من خرج منهم معكم عن القتال ؟ أم حسبتم أن تتركوا وشأنكم بغير فتنة ولا امتحان، ولم يتبين الخّلص من المجاهدين منكم الذين لم يتخذوا لأنفسهم بطانة من المشركين الذين يحادون الله تعالى بالشرك به، ويحادون الرسول بالصد عن دعوته، ويقاتلون المؤمنين أنصار الله ورسوله- من المنافقين الذين يُطْلِعون أولئك الولائج على أسرار الملة ويقفونهم على سياسة الأمة كما يفعل المنافقون في كل زمان.
ونحو الآية قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دينكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ( آل عمران : ١١٨ ).
وقد عبر سبحانه عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين وتميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان- بعدم علمه بهم، لأن عدم علمه بالشيء دليل على عدم وجوده.
ولا يظهر هؤلاء الممتازون إلا بالابتلاء بالشدائد كما جاء في قوله : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون( ٢ ) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( العنكبوت : ٢-٣ ).
والله خبير بما تعملون الآن وبعد ذلك وقبله، محيط بكل شيء علما، وقد مضت سنته تعالى بأن التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحّص ما في القلوب ويطهّر السرائر بقدر ما فيها من حسن الاستعداد، ويبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء استعدادها.
وخلاصة المعنى : أظننتم أن تتركوا قبل أن يتم التمحيص والتمييز بين الصادقين في جهادهم والكاذبين فاسدي السريرة ومتّخذي الوليجة، وهو لم يعلم الصادقين في الجهاد لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وما لا يعلم الله وجوده فلا وجود له، إذ لا يخفى عليه شيء من أمركم، وهو الخبير بكل ما تعملون.
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات التي قبل هذه بيان حال المشركين من مواصلتهم ما بدؤوا به من قتال المؤمنين لأجل دينهم، وقتال المؤمنين لهم على الوجه الذي قامت به الحجج الناصعة على كون المؤمنين على الحق في هذا القتال، والكلام الآن في بيان حال جماعة المسلمين وشأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف على تمحيصهم من ضعف الإيمان والهوادة في حقوق الإسلام.
تفسير المفردات :
الوليجة : ما يلج في الأمر أو القوم مما ليس منه أو منهم كالدّخيلة، ويطلق على الواحد والكثير، ويراد بها هنا بطانة السوء من المنافقين والمشركين.
الإيضاح :
أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة الخطاب هنا لجماعة المسلمين الذين من بينهم منافقون ومرضى القلوب يثبّطون عن القتال.
والمعنى : هل جاهدتم المشركين حق الجهاد، وأمنتم عودتهم إلى قتالكم كما بدؤوكم أول مرة، وأمنتم نكث من عاهدتم منهم لأيمانهم كما نكثوا من قبل ؟ وهل علمتم أنهم تركوا الطعن في دينكم وصدّ الناس عنه كما هو دأبهم منذ ظهور الإسلام ؛ وهل نسيتم ما اعتذر به المنافقون الذي تخلّفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك من أعذار ملفّقة كاذبة، وما كان من تثبيط من خرج منهم معكم عن القتال ؟ أم حسبتم أن تتركوا وشأنكم بغير فتنة ولا امتحان، ولم يتبين الخّلص من المجاهدين منكم الذين لم يتخذوا لأنفسهم بطانة من المشركين الذين يحادون الله تعالى بالشرك به، ويحادون الرسول بالصد عن دعوته، ويقاتلون المؤمنين أنصار الله ورسوله- من المنافقين الذين يُطْلِعون أولئك الولائج على أسرار الملة ويقفونهم على سياسة الأمة كما يفعل المنافقون في كل زمان.
ونحو الآية قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دينكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ( آل عمران : ١١٨ ).
وقد عبر سبحانه عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين وتميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان- بعدم علمه بهم، لأن عدم علمه بالشيء دليل على عدم وجوده.
ولا يظهر هؤلاء الممتازون إلا بالابتلاء بالشدائد كما جاء في قوله : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون( ٢ ) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( العنكبوت : ٢-٣ ).
والله خبير بما تعملون الآن وبعد ذلك وقبله، محيط بكل شيء علما، وقد مضت سنته تعالى بأن التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحّص ما في القلوب ويطهّر السرائر بقدر ما فيها من حسن الاستعداد، ويبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء استعدادها.
وخلاصة المعنى : أظننتم أن تتركوا قبل أن يتم التمحيص والتمييز بين الصادقين في جهادهم والكاذبين فاسدي السريرة ومتّخذي الوليجة، وهو لم يعلم الصادقين في الجهاد لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وما لا يعلم الله وجوده فلا وجود له، إذ لا يخفى عليه شيء من أمركم، وهو الخبير بكل ما تعملون.
آية رقم ١٧
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ( ١٧ ) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( التوبة : ١٧-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن فتح المسلون مكة وأدال الله للتوحيد من الشرك وللحق من الباطل، وزالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام وطهّره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي عليه أن يطهره من العبادات الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه ويبين لهم أن المسلمين أحق به منهم، ومن ثم آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليّا أن يتلو عليهم أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، وكان مما يتضمنه هذا البلاغ العام أن يعملوا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام، فنادى عليّ وأعوانه في يوم النحر بمنى :( لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ).
وإنما أمهلهم هذا العام من قبل أن فيهم أرباب عهد مع المسلمين، وكان من شروطه ألا يمنع أحد الفريقين الآخر من دخول المسجد الحرام- إلا أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم بدون قتال في أرض الحرم، إذ لا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم ولا المعاهد من غيره إلى بعد وصولهم إلى البيت وشروعهم في الطواف فيه.
لهذا كله ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود وإعلام جماهيرهم به قبل تنفيذه بزمن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدّعونه ويفخرون به من حق عمارته، مع تيئيسهم من الاشتراك فيها، وهذا هو ما تضمنته الآيتان الكريمتان المذكورتان هنا.
روي عن ابن عباس أنه قال : لما أُسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ له علي في القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ! فقال عليّ كرّم الله وجهه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فأنزل الله : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله الآية.
المعنى الجملي : بعد أن فتح المسلون مكة وأدال الله للتوحيد من الشرك وللحق من الباطل، وزالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام وطهّره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي عليه أن يطهره من العبادات الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه ويبين لهم أن المسلمين أحق به منهم، ومن ثم آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليّا أن يتلو عليهم أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، وكان مما يتضمنه هذا البلاغ العام أن يعملوا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام، فنادى عليّ وأعوانه في يوم النحر بمنى :( لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ).
وإنما أمهلهم هذا العام من قبل أن فيهم أرباب عهد مع المسلمين، وكان من شروطه ألا يمنع أحد الفريقين الآخر من دخول المسجد الحرام- إلا أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم بدون قتال في أرض الحرم، إذ لا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم ولا المعاهد من غيره إلى بعد وصولهم إلى البيت وشروعهم في الطواف فيه.
لهذا كله ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود وإعلام جماهيرهم به قبل تنفيذه بزمن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدّعونه ويفخرون به من حق عمارته، مع تيئيسهم من الاشتراك فيها، وهذا هو ما تضمنته الآيتان الكريمتان المذكورتان هنا.
روي عن ابن عباس أنه قال : لما أُسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ له علي في القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ! فقال عليّ كرّم الله وجهه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فأنزل الله : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله الآية.
آية رقم ١٨
مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ( ١٧ ) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( التوبة : ١٧-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن فتح المسلون مكة وأدال الله للتوحيد من الشرك وللحق من الباطل، وزالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام وطهّره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي عليه أن يطهره من العبادات الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه ويبين لهم أن المسلمين أحق به منهم، ومن ثم آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليّا أن يتلو عليهم أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، وكان مما يتضمنه هذا البلاغ العام أن يعملوا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام، فنادى عليّ وأعوانه في يوم النحر بمنى :( لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ).
وإنما أمهلهم هذا العام من قبل أن فيهم أرباب عهد مع المسلمين، وكان من شروطه ألا يمنع أحد الفريقين الآخر من دخول المسجد الحرام- إلا أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم بدون قتال في أرض الحرم، إذ لا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم ولا المعاهد من غيره إلى بعد وصولهم إلى البيت وشروعهم في الطواف فيه.
لهذا كله ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود وإعلام جماهيرهم به قبل تنفيذه بزمن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدّعونه ويفخرون به من حق عمارته، مع تيئيسهم من الاشتراك فيها، وهذا هو ما تضمنته الآيتان الكريمتان المذكورتان هنا.
روي عن ابن عباس أنه قال : لما أُسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ له علي في القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ! فقال عليّ كرّم الله وجهه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فأنزل الله : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله الآية.
الإيضاح :
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله أي إن المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الذي بيّنه في كتابه من توحيده واختصاصه بالعبادة والتوكل عليه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده ويجزي كل نفس مع كسبت، مع إقامة الصلاة المفروضة على وجه جامع أركانها وآدابها، وتدبر تلاوتها وأذكارها، وبذا تُكسب من يقيمها مراقبة ربه وخشيته والخشوع إليه، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، وخشية الله دون غيره مما لا ينفع ولا يضر كالأصنام وغيرها مما عبد من دون الله خوفا من ضرره أو رجاء نفسه.
فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين أي فأولئك الذين يجمعون بين الأركان الهامة من أركان الإسلام هم الذين يرجون أن يكونوا من المهتدين إلى ما يحب الله ويرضيه من عمارة المساجد حسا ومعنى بحسب سننه تعالى في أعمال البشر وتأثيرها في نفوسهم، وبذا يستحقون عليها الجزاء في جنات النعيم، لا أولئك المشركون الذين يجمعون بين أضدادها من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام.
هذا : وقد ورد في عمارة المساجد أحاديث كثيرة، فقد روى الشيخان والترمذي عن عثمان رضي الله عنه أنه لما بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة ).
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا :( من بنى لله مسجدا ولو كمَفْحَص- الموضع الذي تفحص التراب عنه وتكشفه لتبيض فيه- قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة ).
وروى الشيخان وأبو داود وابن ماجة : أن امرأة كانت تقُمُّ المسجد- تكنسه- فماتت، فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له ماتت، فقال :( أفلا كنتم آذنتموني بها لأصلي عليها دُلوني على قبرها ) فأتى قبرها فصلى عليها.
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) وتلا إنما يعمر مساجد الله الآية.
المعنى الجملي : بعد أن فتح المسلون مكة وأدال الله للتوحيد من الشرك وللحق من الباطل، وزالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام وطهّره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي عليه أن يطهره من العبادات الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه ويبين لهم أن المسلمين أحق به منهم، ومن ثم آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليّا أن يتلو عليهم أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، وكان مما يتضمنه هذا البلاغ العام أن يعملوا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام، فنادى عليّ وأعوانه في يوم النحر بمنى :( لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ).
وإنما أمهلهم هذا العام من قبل أن فيهم أرباب عهد مع المسلمين، وكان من شروطه ألا يمنع أحد الفريقين الآخر من دخول المسجد الحرام- إلا أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم بدون قتال في أرض الحرم، إذ لا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم ولا المعاهد من غيره إلى بعد وصولهم إلى البيت وشروعهم في الطواف فيه.
لهذا كله ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود وإعلام جماهيرهم به قبل تنفيذه بزمن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدّعونه ويفخرون به من حق عمارته، مع تيئيسهم من الاشتراك فيها، وهذا هو ما تضمنته الآيتان الكريمتان المذكورتان هنا.
روي عن ابن عباس أنه قال : لما أُسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ له علي في القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ! فقال عليّ كرّم الله وجهه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فأنزل الله : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله الآية.
الإيضاح :
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله أي إن المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الذي بيّنه في كتابه من توحيده واختصاصه بالعبادة والتوكل عليه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده ويجزي كل نفس مع كسبت، مع إقامة الصلاة المفروضة على وجه جامع أركانها وآدابها، وتدبر تلاوتها وأذكارها، وبذا تُكسب من يقيمها مراقبة ربه وخشيته والخشوع إليه، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، وخشية الله دون غيره مما لا ينفع ولا يضر كالأصنام وغيرها مما عبد من دون الله خوفا من ضرره أو رجاء نفسه.
فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين أي فأولئك الذين يجمعون بين الأركان الهامة من أركان الإسلام هم الذين يرجون أن يكونوا من المهتدين إلى ما يحب الله ويرضيه من عمارة المساجد حسا ومعنى بحسب سننه تعالى في أعمال البشر وتأثيرها في نفوسهم، وبذا يستحقون عليها الجزاء في جنات النعيم، لا أولئك المشركون الذين يجمعون بين أضدادها من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام.
هذا : وقد ورد في عمارة المساجد أحاديث كثيرة، فقد روى الشيخان والترمذي عن عثمان رضي الله عنه أنه لما بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة ).
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا :( من بنى لله مسجدا ولو كمَفْحَص- الموضع الذي تفحص التراب عنه وتكشفه لتبيض فيه- قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة ).
وروى الشيخان وأبو داود وابن ماجة : أن امرأة كانت تقُمُّ المسجد- تكنسه- فماتت، فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له ماتت، فقال :( أفلا كنتم آذنتموني بها لأصلي عليها دُلوني على قبرها ) فأتى قبرها فصلى عليها.
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) وتلا إنما يعمر مساجد الله الآية.
آية رقم ١٩
*أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( ١٩ ) الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( ٢٠ ) يبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ( ٢١ ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( التوبة : ١٩- ٢٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات مكملة لما قبلها مبينة أن عمارة المسجد الحرام للمسلمين دون المشركين، وأن إسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه.
روى مسلم وأبو داود عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين .
المعنى الجملي : هذه الآيات مكملة لما قبلها مبينة أن عمارة المسجد الحرام للمسلمين دون المشركين، وأن إسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه.
روى مسلم وأبو داود عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين .
آية رقم ٢٠
*أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( ١٩ ) الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( ٢٠ ) يبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ( ٢١ ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( التوبة : ١٩- ٢٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات مكملة لما قبلها مبينة أن عمارة المسجد الحرام للمسلمين دون المشركين، وأن إسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه.
روى مسلم وأبو داود عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين .
الإيضاح :
ثم بيّن سبحانه مراتب فضلهم إثر بيان عدم استوائهم هم والمشركين الظالمين فقال :
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله أي هم أعظم درجة وأعلى مقاما في مراتب الفضل والكمال في حكم الله وأكبر مثوبة من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الذين رأى بعض المسلمين أن عملهم إياهما من أفضل القُرُبات بعد الإسلام.
فالذين نالوا فضل الهجرة والجهاد بنوعيه النفسي والمالي أعلى مرتبة وأعظم كرامة ممن لم يتصف بهما كائنا من كان، ويدخل في ذلك أهل السقاية والعمارة.
وأولئك هم الفائزون أي وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله وكرامته دون من لم يكن مستجمعا لهذه الصفات الثلاث وإن سقى الحاج وَعَمَر المسجد الحرام، فإن ثواب المؤمن على هذين العملين دون ثوابه على الهجرة والجهاد، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة، فإن الكفر بالله ورسله واليوم الآخر يُحْبِط الأعمال البدنية وإن فرض فيها حسن النية.
ثم فصل سبحانه ذلك الفوز العظيم وبينه بقوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم* خالدين فيها أبدا .
المعنى الجملي : هذه الآيات مكملة لما قبلها مبينة أن عمارة المسجد الحرام للمسلمين دون المشركين، وأن إسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه.
روى مسلم وأبو داود عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين .
الإيضاح :
ثم بيّن سبحانه مراتب فضلهم إثر بيان عدم استوائهم هم والمشركين الظالمين فقال :
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله أي هم أعظم درجة وأعلى مقاما في مراتب الفضل والكمال في حكم الله وأكبر مثوبة من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الذين رأى بعض المسلمين أن عملهم إياهما من أفضل القُرُبات بعد الإسلام.
فالذين نالوا فضل الهجرة والجهاد بنوعيه النفسي والمالي أعلى مرتبة وأعظم كرامة ممن لم يتصف بهما كائنا من كان، ويدخل في ذلك أهل السقاية والعمارة.
وأولئك هم الفائزون أي وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله وكرامته دون من لم يكن مستجمعا لهذه الصفات الثلاث وإن سقى الحاج وَعَمَر المسجد الحرام، فإن ثواب المؤمن على هذين العملين دون ثوابه على الهجرة والجهاد، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة، فإن الكفر بالله ورسله واليوم الآخر يُحْبِط الأعمال البدنية وإن فرض فيها حسن النية.
ثم فصل سبحانه ذلك الفوز العظيم وبينه بقوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم* خالدين فيها أبدا .
آية رقم ٢١
*أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( ١٩ ) الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( ٢٠ ) يبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ( ٢١ ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( التوبة : ١٩- ٢٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات مكملة لما قبلها مبينة أن عمارة المسجد الحرام للمسلمين دون المشركين، وأن إسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه.
روى مسلم وأبو داود عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين .
الإيضاح :
يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم* خالدين فيها أبدا أي يبشرهم ربهم في كتابه على لسان رسوله، وعلى لسان ملائكته حين الموت، برحمة منه ورضوان كامل من لدنه لا يشوبه سخط، وجنات تجري من تحتها الأنهار، ولهم فيها نعيم مقيم لا يزول على عُظْمه وكماله حال كونهم خالدين فيها أبدا.
المعنى الجملي : هذه الآيات مكملة لما قبلها مبينة أن عمارة المسجد الحرام للمسلمين دون المشركين، وأن إسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فيه.
روى مسلم وأبو داود عن النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل لله بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه فأنزل الله : أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين .
الإيضاح :
يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم* خالدين فيها أبدا أي يبشرهم ربهم في كتابه على لسان رسوله، وعلى لسان ملائكته حين الموت، برحمة منه ورضوان كامل من لدنه لا يشوبه سخط، وجنات تجري من تحتها الأنهار، ولهم فيها نعيم مقيم لا يزول على عُظْمه وكماله حال كونهم خالدين فيها أبدا.
آية رقم ٢٢
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢١:م١٩
الإيضاح :
يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم* خالدين فيها أبدا أي يبشرهم ربهم في كتابه على لسان رسوله، وعلى لسان ملائكته حين الموت، برحمة منه ورضوان كامل من لدنه لا يشوبه سخط، وجنات تجري من تحتها الأنهار، ولهم فيها نعيم مقيم لا يزول على عُظْمه وكماله حال كونهم خالدين فيها أبدا.
الإيضاح :
إن الله عنده أجر عظيم أي إن ما عند الله من الأجر على الإيمان وصالح العمل الذي من أشقه الهجرة والجهاد عظيم لا يقدِر قدره إلا الله الذي تفضل به ومنحه لعباده المكرمين، ولاسيما على الإيمان الكامل الباعث على هجر الوطن ومفارقة الأهل والسكن، وعلى إنفاق المال الذي هو أحب شيء إلى النفس، وعلى بذل النفس التي هي أعز شيء على الإنسان.
فما أجدرهم أن يبشرهم بأنواع من الأجر والجزاء ما بين روحي وجسماني ؛ فالأول : الرحمة والرضوان. والرضوان هو نهاية الإحسان وهو أعلى النعيم وأكمل الجزاء كما يدل على ذلك قوله : وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ( التوبة : ٧٢ ).
وما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ؟ فيقولون، لبيك ربنا وسعديك، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون ربّنا وأيّ شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ).
والثاني : هو النعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا.
الإيضاح :
يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم* خالدين فيها أبدا أي يبشرهم ربهم في كتابه على لسان رسوله، وعلى لسان ملائكته حين الموت، برحمة منه ورضوان كامل من لدنه لا يشوبه سخط، وجنات تجري من تحتها الأنهار، ولهم فيها نعيم مقيم لا يزول على عُظْمه وكماله حال كونهم خالدين فيها أبدا.
الإيضاح :
إن الله عنده أجر عظيم أي إن ما عند الله من الأجر على الإيمان وصالح العمل الذي من أشقه الهجرة والجهاد عظيم لا يقدِر قدره إلا الله الذي تفضل به ومنحه لعباده المكرمين، ولاسيما على الإيمان الكامل الباعث على هجر الوطن ومفارقة الأهل والسكن، وعلى إنفاق المال الذي هو أحب شيء إلى النفس، وعلى بذل النفس التي هي أعز شيء على الإنسان.
فما أجدرهم أن يبشرهم بأنواع من الأجر والجزاء ما بين روحي وجسماني ؛ فالأول : الرحمة والرضوان. والرضوان هو نهاية الإحسان وهو أعلى النعيم وأكمل الجزاء كما يدل على ذلك قوله : وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ( التوبة : ٧٢ ).
وما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ؟ فيقولون، لبيك ربنا وسعديك، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون ربّنا وأيّ شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ).
والثاني : هو النعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا.
آية رقم ٢٣
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ٢٣ ) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأبناؤكم وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( التوبة : ٢٣- ٢٤ ).
المعنى الجملي : لما أعلن الله براءته وبراءة رسوله من المشركين وآذنهم بنبذ عهودهم بعد أن ثبت أنه لا عهد لهم- عزّ ذلك على بعض المسلمين، وتبرّم به ضعفاء الإيمان وكان أكثرهم من الطُّلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وكان موضع الضعف نصرة القرابة وعصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قرابة من المشركين يكرهون قتالهم ويتمنّوْن إيمانهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان وليجة وبطانة منهم.
من أجل هذا بيّن الله في هاتين الآيتين أن فضل الإيمان والهجرة والجهاد ونيل ما بشر الله به أهله من رحمته ورضوانه ودخول جناته لا يكمل إلا بترك ولاية الكافرين وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
المعنى الجملي : لما أعلن الله براءته وبراءة رسوله من المشركين وآذنهم بنبذ عهودهم بعد أن ثبت أنه لا عهد لهم- عزّ ذلك على بعض المسلمين، وتبرّم به ضعفاء الإيمان وكان أكثرهم من الطُّلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وكان موضع الضعف نصرة القرابة وعصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قرابة من المشركين يكرهون قتالهم ويتمنّوْن إيمانهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان وليجة وبطانة منهم.
من أجل هذا بيّن الله في هاتين الآيتين أن فضل الإيمان والهجرة والجهاد ونيل ما بشر الله به أهله من رحمته ورضوانه ودخول جناته لا يكمل إلا بترك ولاية الكافرين وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
آية رقم ٢٤
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( ٢٣ ) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأبناؤكم وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( التوبة : ٢٣- ٢٤ ).
المعنى الجملي : لما أعلن الله براءته وبراءة رسوله من المشركين وآذنهم بنبذ عهودهم بعد أن ثبت أنه لا عهد لهم- عزّ ذلك على بعض المسلمين، وتبرّم به ضعفاء الإيمان وكان أكثرهم من الطُّلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وكان موضع الضعف نصرة القرابة وعصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قرابة من المشركين يكرهون قتالهم ويتمنّوْن إيمانهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان وليجة وبطانة منهم.
من أجل هذا بيّن الله في هاتين الآيتين أن فضل الإيمان والهجرة والجهاد ونيل ما بشر الله به أهله من رحمته ورضوانه ودخول جناته لا يكمل إلا بترك ولاية الكافرين وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
تفسير المفردات :
العشيرة : ذوو القربة الأدنَوْن الذين من شأنهم التعاون والتناصر. والاقتراف : الاكتساب، وكساد التجارة : ضد رواجها. والتربص : الانتظار. وأمره : عقوبته إن عاجلا أو آجلا.
الإيضاح :
وبعد أن بيّن ما وصل إليه حالهم من الإخلال بالإيمان انتقل إلى بيان سبب ذلك فقال :
قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره أي قل لهم وإن كنتم تفضّلون حظوظ الدنيا وشهواتها من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله الذي وُعدتم عليه أنواع السعادة الأبدية في الآخرة، فانتظروا حتى يأتي أمر الله : أي عقوبته التي تحل بكم عاجلا أو آجلا.
وقد ذكر سبحانه الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار وحصرها في أربعة :
مخالطة الأقارب وذكر منهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، ثم ذكر الباقي بلفظ العشيرة.
الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة.
الرغبة في تحصيل الأموال وتثميرها بالتجارة.
الرغبة في الأوطان والدور التي بنيت للسكنى.
وخلاصة ذلك : إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندكم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيله، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بعقوبة من عنده عاجلة أو آجلة.
ولا يخفى ما في ذلك من الوعيد والتهديد، ومن الإيماء إلى أنه إذا وقع التعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم نبذ الثانية وإلقاؤها وراءه ظهريا.
وبتفصيل ما تقدم في الآية نجد أنها حوت أمورا ثمانية من أفضل ما يحب :
حب الأبناء للآباء : وهو غريزي في النفوس فالولد بَضْعة من أبيه يرث بعض صفاته وطبائعه من جسمية وخلقية، وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج كما قال تعالى حاثا على ذكره : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ( البقرة : ٢٠٠ ).
حب الآباء للأبناء : وهو غريزي أيضا، وحب الوالد للولد أقوى وأبقى من عكسه، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد، ويحرم نفسه كثرا من الطيبات إيثارا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال ويركب الصعاب، ويقوم بتربيته وتعليمه، إذ هو مناط الآمال وزينة الحياة كما قال تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا ( الكهف : ٤٦ ).
حب الإخوة : وهو يلي في المرتبة حب البنوة والأبوة، وهو حب يقتضيه التناصر والتعاون في الكفاح في الحياة، والبيوت التي سلمت فطرة أهلها وكرمت أخلاقهم يحبون إخوتهم كأنفسهم وأولادهم، ويوقّرون كبيرهم، ويرحمون صغيرهم، ويكفلون من يتركه أبوه صغيرا فيتربى مع أولادهم كأحدهم.
حب الزوجة : وبالزوجية يتحد بشران يتمم وجود كل منهما وجود الآخر وَيُنْتِجان بشرا مثلهما، ومن تم امتن الله علينا به فقال : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ( الروم : ٢١ ).
( ه ) حب العشيرة : وهو حب عصبية وتعاون وولاية ونصر في مواطن القتال والنزال والذَّوْد عن الحِمى والحَرِيم، وهو يكون على أشده في أهل البداوة ومن على مقربة منهم من أهل الحضر.
حب الأموال المقترفة : أي المكتسبة، وهو أقوى من حب الأموال الموروثة، لأن عناء النفس في جمعها يجعل لها في قبله منزلة لا تكون لما يجيء من المال عفوا.
( ز ) حب التجارة : التي يخشى كسادها في حال الحرب، وقد كان لبعض المسلمين من أهل مكة يخشون كسادها في ذلك الحين، لأن أكثر مستهلكيها كانوا من المشركين، وكانت أسواقها تنصب في موسم الحج، وقد منع منه المشركون بنص الآيات السابقة واللاحقة.
( ح ) حب المساكن : الطيبة المرضية، وقد كان لبعض المسلمين دور حسنة في مكة كانوا يتمتعون فيها بالإقامة والسكنى لما فيها من المرافق وأسباب الراحة.
فهذه الثمانية الأنواع من الحب تجعل القتال مكروها مبغوضا لدى النفوس فوق ما له من بغض بمقتضى ذاته كما قال تعالى : كتب عليكم القتال وهو كرة لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ( البقرة : ٢١٦ ).
أما حبه تعالى فيجب أن يكون فوق هذه الأنواع لفضله وإحسانه بالإيجاد والإعدام وتسخير منافع الدنيا للناس، وهو يتفاوت بتفاوت معارف الإنسان في آلاء الله في خلقه وإدراك ما فيها من الإبداع والإتقان : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ( آل عمران : ٣١ ).
وكذلك حب رسوله يجب أن يكون فوق هذه أيضا، فإنه صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى في أخلاقه وآدابه، وقد أرسله الله هداية للعالمين إلى يوم الدين.
والله لا يهدي القوم الفاسقين أي الخارجين من حدود الدين والشريعة ومن سلامة الفطرة فساد الطباع، ومن نور العقل إلى ظلمه الجهل والتقليد.
وقد جرت سنته تعالى أن يكون الفاسقون محرومين من الهداية الفطرية التي يهتدي إلى معرفتها الإنسان بالعقل السليم والوجدان الصحيح، ومن ثم فهم يؤثرون حب القرابة والمنفعة الطارئة كالمال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.
هذا وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل حب الله ورسوله، منها ما رواه الشيخان من حديث أنس مرفوعا :( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) وعنه أيضا :( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين ) وما رواه البخاري عن عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر : لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبيّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبُّ إليك من نفسك التي بين جنبيك ). فقال عمر : فإنه الآن، والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :( الآن يا عمر ).
والوسيلة إلى هذه المعرفة والحب كثرة الذكر والفكر وتدبر القرآن والتزام أحكام الشرع.
والذكر الحق هو ذكر القلب مع حسن النية وصحة القصد وتأمل سنن الله وآياته في الخلق وأن تذكر حين رؤية كل شيء من صنع الله، وسماع كل صوت من مخلوقات الله، أنه يسبح بحمده تعالى ويدل على قدرته وحكمته ورحمته.
ومن أقام فرائض الله كما أمر، وترك معاصيه كما نهى، فإنه يصل بفضل الله إلى المقام الذي أشار إليه في الحديث القدسي :( وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ) رواه البخاري.
المعنى الجملي : لما أعلن الله براءته وبراءة رسوله من المشركين وآذنهم بنبذ عهودهم بعد أن ثبت أنه لا عهد لهم- عزّ ذلك على بعض المسلمين، وتبرّم به ضعفاء الإيمان وكان أكثرهم من الطُّلقاء الذين أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وكان موضع الضعف نصرة القرابة وعصبية النسب، إذ كان لا يزال لكثير منهم أولو قرابة من المشركين يكرهون قتالهم ويتمنّوْن إيمانهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان وليجة وبطانة منهم.
من أجل هذا بيّن الله في هاتين الآيتين أن فضل الإيمان والهجرة والجهاد ونيل ما بشر الله به أهله من رحمته ورضوانه ودخول جناته لا يكمل إلا بترك ولاية الكافرين وإيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
تفسير المفردات :
العشيرة : ذوو القربة الأدنَوْن الذين من شأنهم التعاون والتناصر. والاقتراف : الاكتساب، وكساد التجارة : ضد رواجها. والتربص : الانتظار. وأمره : عقوبته إن عاجلا أو آجلا.
الإيضاح :
وبعد أن بيّن ما وصل إليه حالهم من الإخلال بالإيمان انتقل إلى بيان سبب ذلك فقال :
قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره أي قل لهم وإن كنتم تفضّلون حظوظ الدنيا وشهواتها من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله الذي وُعدتم عليه أنواع السعادة الأبدية في الآخرة، فانتظروا حتى يأتي أمر الله : أي عقوبته التي تحل بكم عاجلا أو آجلا.
وقد ذكر سبحانه الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار وحصرها في أربعة :
مخالطة الأقارب وذكر منهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، ثم ذكر الباقي بلفظ العشيرة.
الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة.
الرغبة في تحصيل الأموال وتثميرها بالتجارة.
الرغبة في الأوطان والدور التي بنيت للسكنى.
وخلاصة ذلك : إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندكم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيله، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بعقوبة من عنده عاجلة أو آجلة.
ولا يخفى ما في ذلك من الوعيد والتهديد، ومن الإيماء إلى أنه إذا وقع التعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم نبذ الثانية وإلقاؤها وراءه ظهريا.
وبتفصيل ما تقدم في الآية نجد أنها حوت أمورا ثمانية من أفضل ما يحب :
حب الأبناء للآباء : وهو غريزي في النفوس فالولد بَضْعة من أبيه يرث بعض صفاته وطبائعه من جسمية وخلقية، وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج كما قال تعالى حاثا على ذكره : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ( البقرة : ٢٠٠ ).
حب الآباء للأبناء : وهو غريزي أيضا، وحب الوالد للولد أقوى وأبقى من عكسه، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد، ويحرم نفسه كثرا من الطيبات إيثارا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال ويركب الصعاب، ويقوم بتربيته وتعليمه، إذ هو مناط الآمال وزينة الحياة كما قال تعالى : المال والبنون زينة الحياة الدنيا ( الكهف : ٤٦ ).
حب الإخوة : وهو يلي في المرتبة حب البنوة والأبوة، وهو حب يقتضيه التناصر والتعاون في الكفاح في الحياة، والبيوت التي سلمت فطرة أهلها وكرمت أخلاقهم يحبون إخوتهم كأنفسهم وأولادهم، ويوقّرون كبيرهم، ويرحمون صغيرهم، ويكفلون من يتركه أبوه صغيرا فيتربى مع أولادهم كأحدهم.
حب الزوجة : وبالزوجية يتحد بشران يتمم وجود كل منهما وجود الآخر وَيُنْتِجان بشرا مثلهما، ومن تم امتن الله علينا به فقال : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ( الروم : ٢١ ).
( ه ) حب العشيرة : وهو حب عصبية وتعاون وولاية ونصر في مواطن القتال والنزال والذَّوْد عن الحِمى والحَرِيم، وهو يكون على أشده في أهل البداوة ومن على مقربة منهم من أهل الحضر.
حب الأموال المقترفة : أي المكتسبة، وهو أقوى من حب الأموال الموروثة، لأن عناء النفس في جمعها يجعل لها في قبله منزلة لا تكون لما يجيء من المال عفوا.
( ز ) حب التجارة : التي يخشى كسادها في حال الحرب، وقد كان لبعض المسلمين من أهل مكة يخشون كسادها في ذلك الحين، لأن أكثر مستهلكيها كانوا من المشركين، وكانت أسواقها تنصب في موسم الحج، وقد منع منه المشركون بنص الآيات السابقة واللاحقة.
( ح ) حب المساكن : الطيبة المرضية، وقد كان لبعض المسلمين دور حسنة في مكة كانوا يتمتعون فيها بالإقامة والسكنى لما فيها من المرافق وأسباب الراحة.
فهذه الثمانية الأنواع من الحب تجعل القتال مكروها مبغوضا لدى النفوس فوق ما له من بغض بمقتضى ذاته كما قال تعالى : كتب عليكم القتال وهو كرة لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ( البقرة : ٢١٦ ).
أما حبه تعالى فيجب أن يكون فوق هذه الأنواع لفضله وإحسانه بالإيجاد والإعدام وتسخير منافع الدنيا للناس، وهو يتفاوت بتفاوت معارف الإنسان في آلاء الله في خلقه وإدراك ما فيها من الإبداع والإتقان : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ( آل عمران : ٣١ ).
وكذلك حب رسوله يجب أن يكون فوق هذه أيضا، فإنه صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى في أخلاقه وآدابه، وقد أرسله الله هداية للعالمين إلى يوم الدين.
والله لا يهدي القوم الفاسقين أي الخارجين من حدود الدين والشريعة ومن سلامة الفطرة فساد الطباع، ومن نور العقل إلى ظلمه الجهل والتقليد.
وقد جرت سنته تعالى أن يكون الفاسقون محرومين من الهداية الفطرية التي يهتدي إلى معرفتها الإنسان بالعقل السليم والوجدان الصحيح، ومن ثم فهم يؤثرون حب القرابة والمنفعة الطارئة كالمال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.
هذا وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل حب الله ورسوله، منها ما رواه الشيخان من حديث أنس مرفوعا :( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) وعنه أيضا :( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين ) وما رواه البخاري عن عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر : لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبيّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبُّ إليك من نفسك التي بين جنبيك ). فقال عمر : فإنه الآن، والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :( الآن يا عمر ).
والوسيلة إلى هذه المعرفة والحب كثرة الذكر والفكر وتدبر القرآن والتزام أحكام الشرع.
والذكر الحق هو ذكر القلب مع حسن النية وصحة القصد وتأمل سنن الله وآياته في الخلق وأن تذكر حين رؤية كل شيء من صنع الله، وسماع كل صوت من مخلوقات الله، أنه يسبح بحمده تعالى ويدل على قدرته وحكمته ورحمته.
ومن أقام فرائض الله كما أمر، وترك معاصيه كما نهى، فإنه يصل بفضل الله إلى المقام الذي أشار إليه في الحديث القدسي :( وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ) رواه البخاري.
آية رقم ٢٥
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ( ٢٥ ) ثمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ( ٢٦ ) ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٢٥-٢٧ ).
المعنى الجملي : جاءت في هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهي والوعيد وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وهي في إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يُشْتًرى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عُجْبِهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق لها.
المعنى الجملي : جاءت في هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهي والوعيد وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وهي في إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يُشْتًرى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عُجْبِهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق لها.
آية رقم ٢٦
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ( ٢٥ ) ثمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ( ٢٦ ) ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٢٥-٢٧ ).
المعنى الجملي : جاءت في هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهي والوعيد وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وهي في إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يُشْتًرى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عُجْبِهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق لها.
تفسير المفردات :
والسكينة : الهيئة النفسية التي تحصل من سكون النفس واطمئنانها، وهي ضد الانزعاج، وقد تطلق الرزانة والوقار.
الإيضاح :
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين أي ثم أفرغ الله سكينة من لدنه على رسوله بعد أن عرض له الأسف والحزن على أصحابه حين وقوع الهزيمة لهم، فما ازداد إلا ثباتا وشجاعة وإقداما- وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه وأحاطوا ببغلته الشهباء- وعلى سائر المؤمنين الصادقين فأذهب رَوْعهم وأزال حَيْرتهم وأعاد إليهم ما كان قد زلزل من ثباتهم وشجاعتهم، وخصوصا حين سمعوا نداءه ونداء عمه العباس إذ دعاهم بأمره- وأنزل مع هذه السكينة جنودا من الملائكة لم تروها بأبصاركم، بل وجدتم أثرها في قلوبكم بما عاد إليها من رباطة الجأش وشدة البأس- وعذب الذين كفروا بالقتل والسبي والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدنيا ما داموا يستحبون الكفر على الإيمان ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه.
ونحو الآية قوله : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ( التوبة : ١٤ ).
المعنى الجملي : جاءت في هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهي والوعيد وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وهي في إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يُشْتًرى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عُجْبِهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق لها.
تفسير المفردات :
والسكينة : الهيئة النفسية التي تحصل من سكون النفس واطمئنانها، وهي ضد الانزعاج، وقد تطلق الرزانة والوقار.
الإيضاح :
ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين أي ثم أفرغ الله سكينة من لدنه على رسوله بعد أن عرض له الأسف والحزن على أصحابه حين وقوع الهزيمة لهم، فما ازداد إلا ثباتا وشجاعة وإقداما- وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه وأحاطوا ببغلته الشهباء- وعلى سائر المؤمنين الصادقين فأذهب رَوْعهم وأزال حَيْرتهم وأعاد إليهم ما كان قد زلزل من ثباتهم وشجاعتهم، وخصوصا حين سمعوا نداءه ونداء عمه العباس إذ دعاهم بأمره- وأنزل مع هذه السكينة جنودا من الملائكة لم تروها بأبصاركم، بل وجدتم أثرها في قلوبكم بما عاد إليها من رباطة الجأش وشدة البأس- وعذب الذين كفروا بالقتل والسبي والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدنيا ما داموا يستحبون الكفر على الإيمان ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه.
ونحو الآية قوله : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ( التوبة : ١٤ ).
آية رقم ٢٧
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ( ٢٥ ) ثمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ( ٢٦ ) ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٢٥-٢٧ ).
المعنى الجملي : جاءت في هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهي والوعيد وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وهي في إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يُشْتًرى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عُجْبِهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق لها.
الإيضاح :
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم أي يثوب الله بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام إذا لم تحط بهم خطيئات الشرك وخرافاته، ولم يختم على قلوبهم بالإصرار على الجحود والتكذيب، وهو غفور لهم يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي، رحيم بهم يتفضل عليهم ويثيبهم بالأجر والجزاء.
وفد هوازن وإسلامهم وغنائمهم : روى البخاري عن المِسْوَر بن مَخْرَمة أن ناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وقالوا : يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّ الناس وقد سُبِي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا، وقد سبى يومئذ ستة آلاف وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى فقال عليه الصلاة والسلام :( إن عندي من ترون، إنّ خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم ) قالوا : ما كنا نعْدِل بالأحساب شيئا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( هؤلاء جاؤونا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده شيء وطابت به نفسه أن يرده فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه )، قالوا : رضينا وسلّمنا، فقال صلى الله عليه وسلم :( إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا، فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضُوا ).
المعنى الجملي : جاءت في هذه الآيات لإقامة الحجة على صدق ما قبلها من النهي والوعيد وأن الخير والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وهي في إيثار حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها مما يحب إذ أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة لم يكن بقوة العصبية ولا بقوة المال ولا بما يُشْتًرى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وأن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين كان ابتلاء لهم على عُجْبِهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية لا بالكثرة العددية وما يتعلق لها.
الإيضاح :
ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم أي يثوب الله بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام إذا لم تحط بهم خطيئات الشرك وخرافاته، ولم يختم على قلوبهم بالإصرار على الجحود والتكذيب، وهو غفور لهم يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي، رحيم بهم يتفضل عليهم ويثيبهم بالأجر والجزاء.
وفد هوازن وإسلامهم وغنائمهم : روى البخاري عن المِسْوَر بن مَخْرَمة أن ناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وقالوا : يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّ الناس وقد سُبِي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا، وقد سبى يومئذ ستة آلاف وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى فقال عليه الصلاة والسلام :( إن عندي من ترون، إنّ خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم ) قالوا : ما كنا نعْدِل بالأحساب شيئا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( هؤلاء جاؤونا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده شيء وطابت به نفسه أن يرده فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه )، قالوا : رضينا وسلّمنا، فقال صلى الله عليه وسلم :( إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا، فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضُوا ).
آية رقم ٢٨
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ٢٨ ).
المعنى الجملي : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر حين أمّره على الحج سنة تسع من الهجرة أن يبلّغ الناس أنه لا يحج بعد هذا العام مشرك، ثم أمر عليا أن يتبع أبا بكر فيقرأ على الناس أول سورة براءة في يوم الحج الأكبر وينبذ إليهم عهدهم، وأن الله بريء من المشركين ورسوله- قال ناس : يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحَمولات فنزلت هذه الآية لدفع تلك الشبهة فقال سبحانه : وإن خفتم عبلة فسوف يغنيكم الله من فضله .
قال ابن عباس : كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم، بالطعام يتّجرون فيه، فلما نُهُوا أن يأتوا البيت قال المسلمون : فمن أين لنا الطعام ؟ فأنزل الله وإن خفتم عيلة الآية. قال : فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم في حين ذهب المشركون عنهم، وأسلم أهل اليمن وجاءهم الناس من كل فجّ.
تفسير المفردات : النجس : من نَجِس الشيء إذا كان قذرا غير نظيف والاسم النجاسة، وقال الراغب النجاسة : القذارة، وهي ضربان : ضرب يدرك بالحاسة، وضرب يدرك بالبصيرة، وهذا ما وصف الله به المشركين فقال إنما المشركين نجس، ويقال نجّسه، إذا جعله نجسا، ونجّسه : أزال نجسه من تنجيس العرب، وهو شيء كانوا يفعلونه من تعليق عوذة على الصبي ليدفعوا عنه نجاسة الشيطان، والناجس النجيس : داء خبيث لا دواء له ا ه.
والعيلة : الفقر، يقال عال الرجل يعيل عيلا وعيلة إذا افتقر فهو عائل، وأعال : كثر عياله، وهو يَعُول عيالا كثيرين : أي يَمونهم ويكفيهم أمر معاشهم. والفضل : العطاء والتفضل.
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي إن المشركين أنجاس فاسدو الاعتقاد يشركون بالله ما لا يضر ولا ينفع، فيعبدون الرجس من الأوثان، والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ويأكلون الميتة والدم وهي أقذار حسية ويستحلون القمار والزنا ويستبيحون الأشهر الحرم وهي أرجاس معنوية- من أجل هذا لا تمكنوهم بعد هذا العام أن يدخلوا المسجد الحرام بدخول أرض الحرم، فضلا عن دخول البيت نفسه وطوافهم فيه عراة يشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا لم تكن صلاتهم إلا مُكَاء وتَصْدية.
وبلاد الإسلام في حق الكفار أقسام ثلاثة :
الحرم، ولا يجوز لكافر أن يدخله بحال لظاهر الآية، وبذلك قال الشافعي وأحمد ومالك : فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم لا يأذن له في دخوله بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وأبو حنيفة- يجيز للمعاهد دخول الحرم بإذن الخليفة أو نائبه.
الحجاز : وهو ما بين عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جُدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا، ويجوز للكافر دخولها بالإذن. ولكن لا يقيمون فيها أكثر من ثلاثة أيام.
روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما ) وفي رواية لمسلم، وأوصى فقال :( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) فلم يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم عمر في خلافته، وأخرج مالك في الموطأ :( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ).
وعن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ).
سائر بلاد الإسلام، ويجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم.
وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء أي وإن خفتم فقرأ بسبب قلة جلب الأقوات، وضروب التجارات التي كان يجلبها المشركون من أرباب المزارع في الشعاب والوديان من البلاد ذات البساتين والمزارع كالطائف وأرباب المتاجر فسوف يغنيكم الله من فضله، وفضله كثير، فقد صاروا بعد الإسلام ومنع المشركين من الحرم أغنى مما كانوا قبل ذلك، فقد تعددت وسائل الغني فيما بعد، وصدق الله وعده فأسلم أهل اليمن وصاروا يجلبون لهم الطعام، وأسلم أولئك المشركون ولم يبق أحد منهم يمنع من الحرم، ثم جاءتهم الثروة من كل جانب بما فتح الله عليهم من البلاد فكثرت الغنائم وتوجه إليهم الناس من كل فج، ومهد الله لهم سبل الرزق من إمارة وتجارة وزراعة وصناعة، وكان نصيب مكة من ذلك عظيما بكثرة الحاج وأمن طرق التجارة.
وقيد هذا الغنى بمشيئته التي لا يشك مؤمن في حصول ما تتعلق به، لتقوية إيمانهم بربهم واتكالهم عليه دون كسبهم وحده وإن كانوا مأمورين به، لأنه من سننه في خلقه، ولكن لا يجوز أن ينْسَوْا توفيقه وتأييده لهم فهو الذي نصرهم وأغناهم وسيزيدهم نصرا وغنى.
إن الله عليم حكيم أي إنه عليم بما يكون من مستقبل أمركم في الغنى والفقر، حكيم فيما يشرعه لكم من أمر ونهي كأمركم بقتال المشركين بعد انقضاء عهودهم، ونهيكم عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد هذا العام، ونهيكم عن اتخاذ آبائكم وإخوانكم منهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان.
المعنى الجملي : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر حين أمّره على الحج سنة تسع من الهجرة أن يبلّغ الناس أنه لا يحج بعد هذا العام مشرك، ثم أمر عليا أن يتبع أبا بكر فيقرأ على الناس أول سورة براءة في يوم الحج الأكبر وينبذ إليهم عهدهم، وأن الله بريء من المشركين ورسوله- قال ناس : يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحَمولات فنزلت هذه الآية لدفع تلك الشبهة فقال سبحانه : وإن خفتم عبلة فسوف يغنيكم الله من فضله .
قال ابن عباس : كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم، بالطعام يتّجرون فيه، فلما نُهُوا أن يأتوا البيت قال المسلمون : فمن أين لنا الطعام ؟ فأنزل الله وإن خفتم عيلة الآية. قال : فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم في حين ذهب المشركون عنهم، وأسلم أهل اليمن وجاءهم الناس من كل فجّ.
تفسير المفردات : النجس : من نَجِس الشيء إذا كان قذرا غير نظيف والاسم النجاسة، وقال الراغب النجاسة : القذارة، وهي ضربان : ضرب يدرك بالحاسة، وضرب يدرك بالبصيرة، وهذا ما وصف الله به المشركين فقال إنما المشركين نجس، ويقال نجّسه، إذا جعله نجسا، ونجّسه : أزال نجسه من تنجيس العرب، وهو شيء كانوا يفعلونه من تعليق عوذة على الصبي ليدفعوا عنه نجاسة الشيطان، والناجس النجيس : داء خبيث لا دواء له ا ه.
والعيلة : الفقر، يقال عال الرجل يعيل عيلا وعيلة إذا افتقر فهو عائل، وأعال : كثر عياله، وهو يَعُول عيالا كثيرين : أي يَمونهم ويكفيهم أمر معاشهم. والفضل : العطاء والتفضل.
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي إن المشركين أنجاس فاسدو الاعتقاد يشركون بالله ما لا يضر ولا ينفع، فيعبدون الرجس من الأوثان، والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ويأكلون الميتة والدم وهي أقذار حسية ويستحلون القمار والزنا ويستبيحون الأشهر الحرم وهي أرجاس معنوية- من أجل هذا لا تمكنوهم بعد هذا العام أن يدخلوا المسجد الحرام بدخول أرض الحرم، فضلا عن دخول البيت نفسه وطوافهم فيه عراة يشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا لم تكن صلاتهم إلا مُكَاء وتَصْدية.
وبلاد الإسلام في حق الكفار أقسام ثلاثة :
الحرم، ولا يجوز لكافر أن يدخله بحال لظاهر الآية، وبذلك قال الشافعي وأحمد ومالك : فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم لا يأذن له في دخوله بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وأبو حنيفة- يجيز للمعاهد دخول الحرم بإذن الخليفة أو نائبه.
الحجاز : وهو ما بين عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جُدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا، ويجوز للكافر دخولها بالإذن. ولكن لا يقيمون فيها أكثر من ثلاثة أيام.
روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما ) وفي رواية لمسلم، وأوصى فقال :( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) فلم يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم عمر في خلافته، وأخرج مالك في الموطأ :( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ).
وعن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ).
سائر بلاد الإسلام، ويجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم.
وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء أي وإن خفتم فقرأ بسبب قلة جلب الأقوات، وضروب التجارات التي كان يجلبها المشركون من أرباب المزارع في الشعاب والوديان من البلاد ذات البساتين والمزارع كالطائف وأرباب المتاجر فسوف يغنيكم الله من فضله، وفضله كثير، فقد صاروا بعد الإسلام ومنع المشركين من الحرم أغنى مما كانوا قبل ذلك، فقد تعددت وسائل الغني فيما بعد، وصدق الله وعده فأسلم أهل اليمن وصاروا يجلبون لهم الطعام، وأسلم أولئك المشركون ولم يبق أحد منهم يمنع من الحرم، ثم جاءتهم الثروة من كل جانب بما فتح الله عليهم من البلاد فكثرت الغنائم وتوجه إليهم الناس من كل فج، ومهد الله لهم سبل الرزق من إمارة وتجارة وزراعة وصناعة، وكان نصيب مكة من ذلك عظيما بكثرة الحاج وأمن طرق التجارة.
وقيد هذا الغنى بمشيئته التي لا يشك مؤمن في حصول ما تتعلق به، لتقوية إيمانهم بربهم واتكالهم عليه دون كسبهم وحده وإن كانوا مأمورين به، لأنه من سننه في خلقه، ولكن لا يجوز أن ينْسَوْا توفيقه وتأييده لهم فهو الذي نصرهم وأغناهم وسيزيدهم نصرا وغنى.
إن الله عليم حكيم أي إنه عليم بما يكون من مستقبل أمركم في الغنى والفقر، حكيم فيما يشرعه لكم من أمر ونهي كأمركم بقتال المشركين بعد انقضاء عهودهم، ونهيكم عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد هذا العام، ونهيكم عن اتخاذ آبائكم وإخوانكم منهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان.
آية رقم ٢٩
قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( التوبة : ٢٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحكام المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي إظهار البراءة منهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم وإبعادهم عن المسجد الحرام- قفّى على ذلك بحكم قتال أهل الكتاب وبيان الغاية منه، وفي ذلك توطئة للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب والخروج إليها في زمن العُسْرة والقَيْظ، وما يتعلق بها في فضيحة المنافقين وهتك حُجُب كفرهم وتمحيص المؤمنين، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل فيها الروم لما سيأتي بعد.
روى ابن المنذر عن ابن شهاب قال : أنزلت في كفار قريش والعرب : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( الأنفال : ٣٩ ) ونزلت في أهل الكتاب : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله حتى يعطوا الجزية فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.
روى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال :( قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام لم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد على هذه الآية في شأن الكتاب قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية. وعلى الجملة فالقتال الواجب في الإسلام إنما شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، ومن ثم اشترط أن تقدم عليه الدعوة إلى الإسلام.
والناظر إلى غزواته صلى الله عليه وسلم يرى أنها كلها كانت دفاعا عن الدعوة، وكذلك كانت حروب الصحابة في الصدر الأول ثم كان القتال بعد ذلك ضرورة من ضرورات الملك والدولة، ومع ذلك فقد كان الإسلام فيها مثال الرأفة والرحمة والعدل.
تفسير المفردات :
يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينا وعقيدة، ودين الحق : هو الدين الذي أنزله الله على أنبيائه، والجزية : ضرب من الخراج يُضْرب على الأشخاص لا على الأرض، وجمعها جزّى بالكسر. واليد : السعة والقدرة. والصّغار والصِغَر : ضد الكبر ويكون في الأمور الحسية والمعنوية، والمراد به هنا الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته التي بها تصغر أنفسهم لديهم بفقد الملك وعجزهم عن مقاومة الحكم.
الإيضاح :
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب أي قاتلوا أهل الكتاب، إذ هم جمعوا أربع صفات : هي العلة في عداوتهم للإسلام، ووجوب خضوعهم لحكمه ما داموا في داره إذ لو أجيز لهم حمل السلاح لأفضى ذلك إلى قتال المسلمين في دارهم ومساعدة من يهاجمهم فيها كان فعل يهود المدينة وما حولها بعد تأمين النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وجعلهم حلفاء له، وأجار لهم الحكم فيما بينهم بشرعهم، وسمح لهم بالعبادة على النحو الذي يريدون، وكذلك فعل مع نصارى الروم في حدود البلاد العربية.
وهذه الأمور الأربعة التي أسند إليهم تركها في أصول كل دين إلهي ومن ثم أمر بقتال الذين لا يقيمونها وهي :
إنهم لا يؤمنون بالله، وقد شهد القرآن بأن اليهود والنصارى فقدوه بهدم أساسه وهو التوحيد، إذ هم قد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، يشَرّعون لهم العبادات ويحرمون ويحللون فيتبعونهم، وبذا أشركوهم في الربوبية، ومنهم من أشرك به في الألوهية كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا : المسيح ابن الله، أو هو الله.
إنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، إذ هم يقولون إن حياة الآخرة حياة روحانية محضة يكون فيها الناس كالملائكة، لكنا نؤمن بأن الإنسان لا تنقلب حقيقته، بل يبقى مؤلفا من جسد وروح، ويتمتع بنعيم الأرواح والأجساد.
ولا يوجد فيما بين أيدي اليهود والنصارى من التوراة نصوص صريحة في البعث والجزاء بعد الموت، بل فيها إشارات غير صريحة في ذلك.
إنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، فاليهود لا يحرمون ما حرم في شرعهم الذي جاء به موسى ونسخ بعضه عيسى، ولا يلتزمون العمل بما حُرِّم فقد استحلوا أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، واتبعوا عادات المشركين في القتال والنفي ومفاداة الأسرى، والنصارى استباحوا ما حُرِّم عليهم في التوراة مما لم ينسخه الإنجيل، فأباحوا جميع محرمات الطعام والشراب إلا ما ذبح للأصنام، فقد ثبت في كتبهم أن الله حرم عليهم الشحوم فأذابوها وباعوا وأكلوا أثمانها، وحرَّم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها.
إنهم لا يدينون دين الحق، إذ ما يتقلدونه إنما هو دين تقليدي وضعه لهم أساقفتهم وأحبارهم بآرائهم الاجتهادية وأهوائهم المذهبية لا دين الحق الذي أوحاه الله إلى عيسى وموسى عليهما السلام.
فاليهود لم يحفظوا ما استحْفِظوا من التوراة التي كتبها موسى وكان يحكم بها هو والنبيون من بعده، إلى أن عقابهم الله بتسليط البابليين عليهم فجاسوا خلال الديار وأحرقوا الهيكل وما فيه من الأسفار وسبَوِا بقية السيف منهم وأجلَوْهم عن وطنهم إلى أرض من استعبدهم فدانوا لشريعة غير شريعتهم.
ولما عادوهم إلى أوطانهم كانوا قد فقدوا نصوص التوراة وحفظوا بعضها دون بعض- كتبوا ما حفظوا من شريعة الرب ممزوجا بما دانوا به من شريعة ملك بابل كما أمرهم كاهنهم عزرا ( عزير ) ثم هم بعد ذلك حرَّفوا وبدلوا ولم يقيموها كما أمِروا، والنصارى لم يحفظوا كل ما بلّغهم عيسى عليه السلام من العقائد والوصايا والأحكام القليلة الناسخة لبعض أحكام التوراة الشديدة، وذلك هو دين الله الحق.
وكتب كثير منهم تواريخ أودعوا فيها ما عرفوه من ذلك ومن غيره، وجاءت المجامع الرسمية بعد ثلاثة قرون فاعتمدت أربعة أناجيل من نحو نيّف وسبعين إنجيلا رفضتها وجعلتها غير قانونية.
وإلى ما تقدم في أهل الملتين الإشارة بقوله : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( ١٣ ) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ( المائدة : ١٣-١٤ ).
من هذا النص : يعلم أن كلا من اليهود والنصارى نسي حظا مما ذكرهم به نبيهم، ولم يعملوا بالبعض الآخر، فأكثر عباداتهم من وضع أحبارهم.
ولقب أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب- وإن كان عاما- خص به اليهود والنصارى، لأنهم هم الذين كانوا مخالطين ومجاورين للأمة العربية ومعروفين لديها كما قال تعالى مخاطبا مشركي العرب : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا من دراستهم لغافلين ( الأنعام : ١٥٦ ).
حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أي قاتلوا من ذكروا حين وجود ما يقتضي القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد منكم وسلامتكم كما فعل بكم الروم وكان ذلك سببا لغزوة تبوك- على أن تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية بشرط أن تكون صادرة عن يد أي من قدرة واسعة فلا يُظَْلموا ولا يُرْهقوا، وأن يخضعوا لسيادتكم وحكمكم، وبذا يسهل السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما يشاهدون من عدلكم وفضائلكم التي يرونها رأي العين.
فإن أسلموا عمّ الهدى والعدل، وإن لم يُسْلِموا وأعطَوا الجزية وجب تأمينهم وحمايتهم والدفاع عنهم وإعطاؤهم حريتهم في دينهم ومعاملتهم بالعدل والمساواة كالمسلمين ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ).
ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون، ويُسَمّوْن حينئذ أهل الذمة، إذ كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله.
أما الذين يُعَْقَد بيننا وبينهم صلح بعهد وميثاق يعترف به الطوفان فيُسَمَّوْن المعاهَدين أو أهل العهد.
وأول من سن الجزية كسرى أنو شَرْوان، قال أبو حنيفة الدّينَوَري : إنه وظّف الجزية على أربع طبقات وأسقطها من أهل البيوتات والمرازبة والأساورة والكتّاب ومن كان في خدمة الملك، ولم يبق يلزم أحدا لم تأت له عشرون سنة أو جاوز الخمسين.
وقد اقتدى به عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس ولم يكن هو بأول واضع لها.
وهاك عهدا كتبه أحد قواد عمر بن الخطاب لرُزْبان وأهل دَهِسْتان :
( هذا كتاب من سويد بن مقرّن لرزبان صول بن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان، إن لكم الذمة وعلينا المنعَة. على أن عليكم من الجزاء في كل سنة قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضا عن جزائه، ولكم الأمان على أنفسكم وأموالكم ومللكم وشرائعكم ولا يُغَيّر شيء من ذلك. شهد بذلك سواد ابن قُطْبة وهند بن عمر وسماك بن مَخْرَمة وعُتيبة بن النهاس ).
وكتب عتبة بن فرقد أحد عمال عمر ابن الخطاب قال :( هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين لأهل أذربيجان سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ومن حُشِر منهم من سنة ( أرسل لميدان القتال ) وُضِع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك ).
والجزية التي وضعها عمر على الفقراء من أهل الذمة اثنا عشر درهما، وعلى الأوساط أربعة وعشرون، وعلى أهل الثروة ثمان وأربعون.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحكام المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي إظهار البراءة منهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم وإبعادهم عن المسجد الحرام- قفّى على ذلك بحكم قتال أهل الكتاب وبيان الغاية منه، وفي ذلك توطئة للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب والخروج إليها في زمن العُسْرة والقَيْظ، وما يتعلق بها في فضيحة المنافقين وهتك حُجُب كفرهم وتمحيص المؤمنين، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل فيها الروم لما سيأتي بعد.
روى ابن المنذر عن ابن شهاب قال : أنزلت في كفار قريش والعرب : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( الأنفال : ٣٩ ) ونزلت في أهل الكتاب : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله حتى يعطوا الجزية فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.
روى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال :( قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام لم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد على هذه الآية في شأن الكتاب قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية. وعلى الجملة فالقتال الواجب في الإسلام إنما شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، ومن ثم اشترط أن تقدم عليه الدعوة إلى الإسلام.
والناظر إلى غزواته صلى الله عليه وسلم يرى أنها كلها كانت دفاعا عن الدعوة، وكذلك كانت حروب الصحابة في الصدر الأول ثم كان القتال بعد ذلك ضرورة من ضرورات الملك والدولة، ومع ذلك فقد كان الإسلام فيها مثال الرأفة والرحمة والعدل.
تفسير المفردات :
يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينا وعقيدة، ودين الحق : هو الدين الذي أنزله الله على أنبيائه، والجزية : ضرب من الخراج يُضْرب على الأشخاص لا على الأرض، وجمعها جزّى بالكسر. واليد : السعة والقدرة. والصّغار والصِغَر : ضد الكبر ويكون في الأمور الحسية والمعنوية، والمراد به هنا الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته التي بها تصغر أنفسهم لديهم بفقد الملك وعجزهم عن مقاومة الحكم.
الإيضاح :
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب أي قاتلوا أهل الكتاب، إذ هم جمعوا أربع صفات : هي العلة في عداوتهم للإسلام، ووجوب خضوعهم لحكمه ما داموا في داره إذ لو أجيز لهم حمل السلاح لأفضى ذلك إلى قتال المسلمين في دارهم ومساعدة من يهاجمهم فيها كان فعل يهود المدينة وما حولها بعد تأمين النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وجعلهم حلفاء له، وأجار لهم الحكم فيما بينهم بشرعهم، وسمح لهم بالعبادة على النحو الذي يريدون، وكذلك فعل مع نصارى الروم في حدود البلاد العربية.
وهذه الأمور الأربعة التي أسند إليهم تركها في أصول كل دين إلهي ومن ثم أمر بقتال الذين لا يقيمونها وهي :
إنهم لا يؤمنون بالله، وقد شهد القرآن بأن اليهود والنصارى فقدوه بهدم أساسه وهو التوحيد، إذ هم قد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، يشَرّعون لهم العبادات ويحرمون ويحللون فيتبعونهم، وبذا أشركوهم في الربوبية، ومنهم من أشرك به في الألوهية كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا : المسيح ابن الله، أو هو الله.
إنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، إذ هم يقولون إن حياة الآخرة حياة روحانية محضة يكون فيها الناس كالملائكة، لكنا نؤمن بأن الإنسان لا تنقلب حقيقته، بل يبقى مؤلفا من جسد وروح، ويتمتع بنعيم الأرواح والأجساد.
ولا يوجد فيما بين أيدي اليهود والنصارى من التوراة نصوص صريحة في البعث والجزاء بعد الموت، بل فيها إشارات غير صريحة في ذلك.
إنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، فاليهود لا يحرمون ما حرم في شرعهم الذي جاء به موسى ونسخ بعضه عيسى، ولا يلتزمون العمل بما حُرِّم فقد استحلوا أكل أموال الناس بالباطل كالربا وغيره، واتبعوا عادات المشركين في القتال والنفي ومفاداة الأسرى، والنصارى استباحوا ما حُرِّم عليهم في التوراة مما لم ينسخه الإنجيل، فأباحوا جميع محرمات الطعام والشراب إلا ما ذبح للأصنام، فقد ثبت في كتبهم أن الله حرم عليهم الشحوم فأذابوها وباعوا وأكلوا أثمانها، وحرَّم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها.
إنهم لا يدينون دين الحق، إذ ما يتقلدونه إنما هو دين تقليدي وضعه لهم أساقفتهم وأحبارهم بآرائهم الاجتهادية وأهوائهم المذهبية لا دين الحق الذي أوحاه الله إلى عيسى وموسى عليهما السلام.
فاليهود لم يحفظوا ما استحْفِظوا من التوراة التي كتبها موسى وكان يحكم بها هو والنبيون من بعده، إلى أن عقابهم الله بتسليط البابليين عليهم فجاسوا خلال الديار وأحرقوا الهيكل وما فيه من الأسفار وسبَوِا بقية السيف منهم وأجلَوْهم عن وطنهم إلى أرض من استعبدهم فدانوا لشريعة غير شريعتهم.
ولما عادوهم إلى أوطانهم كانوا قد فقدوا نصوص التوراة وحفظوا بعضها دون بعض- كتبوا ما حفظوا من شريعة الرب ممزوجا بما دانوا به من شريعة ملك بابل كما أمرهم كاهنهم عزرا ( عزير ) ثم هم بعد ذلك حرَّفوا وبدلوا ولم يقيموها كما أمِروا، والنصارى لم يحفظوا كل ما بلّغهم عيسى عليه السلام من العقائد والوصايا والأحكام القليلة الناسخة لبعض أحكام التوراة الشديدة، وذلك هو دين الله الحق.
وكتب كثير منهم تواريخ أودعوا فيها ما عرفوه من ذلك ومن غيره، وجاءت المجامع الرسمية بعد ثلاثة قرون فاعتمدت أربعة أناجيل من نحو نيّف وسبعين إنجيلا رفضتها وجعلتها غير قانونية.
وإلى ما تقدم في أهل الملتين الإشارة بقوله : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( ١٣ ) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ( المائدة : ١٣-١٤ ).
من هذا النص : يعلم أن كلا من اليهود والنصارى نسي حظا مما ذكرهم به نبيهم، ولم يعملوا بالبعض الآخر، فأكثر عباداتهم من وضع أحبارهم.
ولقب أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب- وإن كان عاما- خص به اليهود والنصارى، لأنهم هم الذين كانوا مخالطين ومجاورين للأمة العربية ومعروفين لديها كما قال تعالى مخاطبا مشركي العرب : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا من دراستهم لغافلين ( الأنعام : ١٥٦ ).
حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أي قاتلوا من ذكروا حين وجود ما يقتضي القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد منكم وسلامتكم كما فعل بكم الروم وكان ذلك سببا لغزوة تبوك- على أن تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية بشرط أن تكون صادرة عن يد أي من قدرة واسعة فلا يُظَْلموا ولا يُرْهقوا، وأن يخضعوا لسيادتكم وحكمكم، وبذا يسهل السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما يشاهدون من عدلكم وفضائلكم التي يرونها رأي العين.
فإن أسلموا عمّ الهدى والعدل، وإن لم يُسْلِموا وأعطَوا الجزية وجب تأمينهم وحمايتهم والدفاع عنهم وإعطاؤهم حريتهم في دينهم ومعاملتهم بالعدل والمساواة كالمسلمين ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ).
ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون، ويُسَمّوْن حينئذ أهل الذمة، إذ كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله.
أما الذين يُعَْقَد بيننا وبينهم صلح بعهد وميثاق يعترف به الطوفان فيُسَمَّوْن المعاهَدين أو أهل العهد.
وأول من سن الجزية كسرى أنو شَرْوان، قال أبو حنيفة الدّينَوَري : إنه وظّف الجزية على أربع طبقات وأسقطها من أهل البيوتات والمرازبة والأساورة والكتّاب ومن كان في خدمة الملك، ولم يبق يلزم أحدا لم تأت له عشرون سنة أو جاوز الخمسين.
وقد اقتدى به عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس ولم يكن هو بأول واضع لها.
وهاك عهدا كتبه أحد قواد عمر بن الخطاب لرُزْبان وأهل دَهِسْتان :
( هذا كتاب من سويد بن مقرّن لرزبان صول بن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان، إن لكم الذمة وعلينا المنعَة. على أن عليكم من الجزاء في كل سنة قدر طاقتكم على كل حالم، ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضا عن جزائه، ولكم الأمان على أنفسكم وأموالكم ومللكم وشرائعكم ولا يُغَيّر شيء من ذلك. شهد بذلك سواد ابن قُطْبة وهند بن عمر وسماك بن مَخْرَمة وعُتيبة بن النهاس ).
وكتب عتبة بن فرقد أحد عمال عمر ابن الخطاب قال :( هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين لأهل أذربيجان سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ومن حُشِر منهم من سنة ( أرسل لميدان القتال ) وُضِع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك ).
والجزية التي وضعها عمر على الفقراء من أهل الذمة اثنا عشر درهما، وعلى الأوساط أربعة وعشرون، وعلى أهل الثروة ثمان وأربعون.
آية رقم ٣٠
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ ) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٣١ ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( ٣٢ ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( التوبة : ٣٠-٣٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
آية رقم ٣١
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ ) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٣١ ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( ٣٢ ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( التوبة : ٣٠-٣٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
تفسير المفردات :
والأحبار : واحدهم حبر بالفتح والكسر وهو العالم من أهل الكتاب، والرهبان : واحدهم راهب، وهو لغة الخائف وعند النصارى هو المتبتل المنقطع للعبادة.
الإيضاح :
ثم فصل قوله قبل يضاهئون قول الذين كفروا من قبل بقوله :
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم أي اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أربابا، فاليهود اتخذوا أحبارهم وهم علماء الدين أربابا بما أعطوهم من حق التشريع فيهم وإطاعتهم فيه، والنصارى اتخذوا قساوستهم ورهبانهم : أي عبّادهم الذين يخضع لهم العوام أربابا كذلك.
والرهبان عند النصارى أدنى طبقات رجال الدين، فاتخاذهم أربابا يقتضي بالأولى أن يتخذوا من فوقهم من الأساقفة والمطارنة والبطاركة، إذ الرهبان يخضعون لتشريع هؤلاء الرؤساء مدونا كان أو غير مدون، والعوام يخضعون لتشريع الرهبان ولو غير مدون، سواء قالوه تبعا لمن فوقهم أو من تلقاء أنفسهم لثقتهم بدينهم.
وانفرد النصارى باتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه، ومنهم من يعبد أمه عبادة حقيقية ويصرحون بذلك، وجميع الكاثوليك والأرثوذكس يعبدون تلاميذه ورسله وغيرهم من القديسين في عرفهم، ويتوسلون بهم، ويتخذون لهم الصور والتماثيل في كنائسهم، ولكنهم لا يسمون هذا عبادة.
واليهود لم يقتصروا دينهم على أحكام التوراة، بل أضافوا إليها من الشرائع ما سمعوه من رؤسائهم من قبل أن يدوّنوه في المَشْنة والتُلْمود ثم دونوه فكان هو الشرع العام وعليه العمل عندهم.
والنصارى غير رؤساؤهم جميع أحكام التوراة الدينية والدنيوية واستبدلوا بها شرائع أخرى في العبادات والمعاملات جميعا، وزادوا حق مغفرة الذنوب لمن شاءوا وحرمان من شاءوا من رحمة الله وملكوته، والله يقول : ومن يغفر الذنوب إلى الله ( آل عمران : ١٣٥ ) وزادوا القول بعصمة البابا في تفسير الكتب الإلهية، ووجوب طاعته في كل ما يأمر به من الطاعات، وينهى عنه من المحرمات.
روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فرّ إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قوم ثم منّ رسول الله عليها وأعطاها فرجعت إلى أخيها ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي المدينة وكان رئيسا في قومه طيء وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال فقلت : إنهم لم يعبدوهم فقال :( بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا عديّ ما تقول ؟ أيضرك أن يقال الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؛ ما يضرك ؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم إلها غير الله ؟ ) ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق فقال فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال :( إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ).
وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا أي اتخذوا رؤساءهم أربابا من دون الله، والربوبية تستلزم الألوهية، إذ الرب هو الذي يجب أن يعبد وحده، والحال : أنهم ما أمروا على لسان موسى وعيسى ومن اتبعهما فيما جاءا به من عند الله، إلا أن يعبدوا ويطيعوا في الدين إلها واحدا بما شرعه لهم وهو ربهم ورب كل شيء ومليكه.
ثم علل الأمر بعبادة إله واحد فقال :
لا إله إلا هو أي لا إله غيره في حكم الشرع وفي نظر العقل، وإنما اتخذ المشركون آلهة من دونه بالرأي والهوى جهلا بصفات الألوهية، إذ ظنوا أن لبعض المخلوقات سلطانا غيبيا وقدرة على الضر والنفع من غير طريق الأسباب المسخرة للخلق مثل ما لله إما بالذات وإما بالوساطة والشفاعة لديه.
سبحانه عما يشركون أي تنزيها له عن شركهم في ألوهيته بدعاء غيره معه أو من دونه، وفي ربوبيته بطاعة الرؤساء في التشريع الديني بدون إذنه.
وأمره تعالى بعبادته وحده على لسان موسى عليه السلام جاء في مواضع من التوراة، منها أول الوصايا العشر التي جاءت في سفر الخروج : أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورا مما في السماء من فوق ولا مما في الأرض من تحت، ولا مما في الماء تحت الأرض، لا تسجد لهن، ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك له غيور الخ.
وأمره بعبادته وعلى لسان عيسى كثيرا أيضا، من ذلك ما رواه يوحنا في إنجيله : وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
تفسير المفردات :
والأحبار : واحدهم حبر بالفتح والكسر وهو العالم من أهل الكتاب، والرهبان : واحدهم راهب، وهو لغة الخائف وعند النصارى هو المتبتل المنقطع للعبادة.
الإيضاح :
ثم فصل قوله قبل يضاهئون قول الذين كفروا من قبل بقوله :
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم أي اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أربابا، فاليهود اتخذوا أحبارهم وهم علماء الدين أربابا بما أعطوهم من حق التشريع فيهم وإطاعتهم فيه، والنصارى اتخذوا قساوستهم ورهبانهم : أي عبّادهم الذين يخضع لهم العوام أربابا كذلك.
والرهبان عند النصارى أدنى طبقات رجال الدين، فاتخاذهم أربابا يقتضي بالأولى أن يتخذوا من فوقهم من الأساقفة والمطارنة والبطاركة، إذ الرهبان يخضعون لتشريع هؤلاء الرؤساء مدونا كان أو غير مدون، والعوام يخضعون لتشريع الرهبان ولو غير مدون، سواء قالوه تبعا لمن فوقهم أو من تلقاء أنفسهم لثقتهم بدينهم.
وانفرد النصارى باتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه، ومنهم من يعبد أمه عبادة حقيقية ويصرحون بذلك، وجميع الكاثوليك والأرثوذكس يعبدون تلاميذه ورسله وغيرهم من القديسين في عرفهم، ويتوسلون بهم، ويتخذون لهم الصور والتماثيل في كنائسهم، ولكنهم لا يسمون هذا عبادة.
واليهود لم يقتصروا دينهم على أحكام التوراة، بل أضافوا إليها من الشرائع ما سمعوه من رؤسائهم من قبل أن يدوّنوه في المَشْنة والتُلْمود ثم دونوه فكان هو الشرع العام وعليه العمل عندهم.
والنصارى غير رؤساؤهم جميع أحكام التوراة الدينية والدنيوية واستبدلوا بها شرائع أخرى في العبادات والمعاملات جميعا، وزادوا حق مغفرة الذنوب لمن شاءوا وحرمان من شاءوا من رحمة الله وملكوته، والله يقول : ومن يغفر الذنوب إلى الله ( آل عمران : ١٣٥ ) وزادوا القول بعصمة البابا في تفسير الكتب الإلهية، ووجوب طاعته في كل ما يأمر به من الطاعات، وينهى عنه من المحرمات.
روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فرّ إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قوم ثم منّ رسول الله عليها وأعطاها فرجعت إلى أخيها ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي المدينة وكان رئيسا في قومه طيء وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال فقلت : إنهم لم يعبدوهم فقال :( بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا عديّ ما تقول ؟ أيضرك أن يقال الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؛ ما يضرك ؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم إلها غير الله ؟ ) ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق فقال فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال :( إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ).
وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا أي اتخذوا رؤساءهم أربابا من دون الله، والربوبية تستلزم الألوهية، إذ الرب هو الذي يجب أن يعبد وحده، والحال : أنهم ما أمروا على لسان موسى وعيسى ومن اتبعهما فيما جاءا به من عند الله، إلا أن يعبدوا ويطيعوا في الدين إلها واحدا بما شرعه لهم وهو ربهم ورب كل شيء ومليكه.
ثم علل الأمر بعبادة إله واحد فقال :
لا إله إلا هو أي لا إله غيره في حكم الشرع وفي نظر العقل، وإنما اتخذ المشركون آلهة من دونه بالرأي والهوى جهلا بصفات الألوهية، إذ ظنوا أن لبعض المخلوقات سلطانا غيبيا وقدرة على الضر والنفع من غير طريق الأسباب المسخرة للخلق مثل ما لله إما بالذات وإما بالوساطة والشفاعة لديه.
سبحانه عما يشركون أي تنزيها له عن شركهم في ألوهيته بدعاء غيره معه أو من دونه، وفي ربوبيته بطاعة الرؤساء في التشريع الديني بدون إذنه.
وأمره تعالى بعبادته وحده على لسان موسى عليه السلام جاء في مواضع من التوراة، منها أول الوصايا العشر التي جاءت في سفر الخروج : أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورا مما في السماء من فوق ولا مما في الأرض من تحت، ولا مما في الماء تحت الأرض، لا تسجد لهن، ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك له غيور الخ.
وأمره بعبادته وعلى لسان عيسى كثيرا أيضا، من ذلك ما رواه يوحنا في إنجيله : وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.
آية رقم ٣٢
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ ) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٣١ ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( ٣٢ ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( التوبة : ٣٠-٣٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
تفسير المفردات :
والإرادة : القصد إلى الشيء، وقد تطلق على ما يفضي إليه وإن لم يرده فاعله فيقال في الرجل المسرف المبذّر : يريد أن يخرب بيته أي أن تبذيره يفضي على ذلك فكأنه يقصده، لأن فعله فعل من يقصد ذلك. ونور الله : هو دين الإسلام.
الإيضاح :
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم أي يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور الله وهو دين الإسلام الذي أرسل به جميع رسله، وأفاضه على البشر بما أوحاه على موسى وعيسى وغيرهما من رسله، وأتمه وأكمله ببعثه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم- بالطعن في الإسلام والصد عنه بالباطل بمثل تلك الأقوال في عزير والمسيح، وبما ابتدعه لهم الرؤساء من التشريع حتى صار التوحيد الذي به وهو محض الشرك عندهم، وصار المربوب ربا على تفاوت بين فرقهم في ذلك.
وهكذا عادى أهل الكتاب الإسلام منذ البعثة المحمدية، وقصدوا إبطاله والقضاء عليه بالحرب والقتال ناحية، وبالطعن وإفساد العقائد من ناحية أخرى، وكل من الأمرين أرادوه لإطفاء نوره.
ويأبى الله إلا أن يتم نوره ببعثة محمد خاتم النبيين الذي أرسله إلى الخلق أجمعين وجعل آيته الكبرى وهي القرآن علمية عقلية وكفل حفظها إلى آخر الزمان، وبين لهم فيه ما يحتاجون إليه من عقائد يؤيدها البرهان، وتبطل بها عبادة الإنسان للإنسان، فضلا عن الأصنام والأوثان، وعبادات تتزكى بها النفس وتطهر من كل رجس، وتجعل كفاية الأغنياء للفقراء حقوقا إلهية ويُبْطل ثوابها المنُّ والأذى، وآداب تطبع في الأنفس الفضائل، وتشريع يجمع بين الرحمة والعدل والمساواة بين جميع الناس في الحق.
وخلاصة ما سلف : إنهم يريدون أن يطفئوا نور الله الذي شرعه لهداية عباده وركنه الركنين، وأساسه المتين توحيد الربوبية والألوهية، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية، والله لا يريد إلا أن يتم هذا النور الذي هو كنور القمر فيجعله بدرا كاملا يعم نوره الأرض كلها.
ولو كره الكافرون ذلك بعد تمامه كما كانوا يكرهونه من قبل حين بدء ظهوره، فهم يكيدون له ويفترون عليه ويطعنون فيه، وفيمن جاء به ويحاولون إخفاءه.
أما اليهود فكانوا في أول الإسلام أشد الناس عداوة لأهله، فهم في ذلك كمشركي العرب سواء.
ولما عجزوا عن إطفاء نوره بمساعدة المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم قصدوا إطفاء نوره ببثّ البدع فيه وتفريق كلمة أهله كما فعل عبد الله بن سبأ من ابتداع التشيّع لعلي كرّم الله وجهه والغلوّ في ذلك وإلقاء الشقاق بين المسلمين، ثم في الفتنة بين عليّ ومعاوية، ولولا ذلك لما قتل أولئك الألوف من صناديد المسلمين، ثم ما كان من منافقيهم من الإسرائيليات الكاذبة التي لا تزال مبثوثة في تضاعيف كتب التفسير والحديث والتاريخ.
وأما النصارى فقد كان الحبشة منهم أول من أظهر المودة لهم، وأكرم النجاشي من لجأ إليه من مهاجريهم، ومنعهم من تعدي المشركين عليهم، ثم انقلب الأمر بعد انتشار الإسلام وراء جزيرة العرب، فتودد اليهود للمسلمين لأنهم أنقذوهم من ظلم النصارى واستعبادهم، وصار نصارى أوروبا المستعمرون للممالك الشرقية هم الذين يقاتلون المسلمين ويعادونهم دون نصارى هذه البلاد، لأنهم رأوا من عدل المسلمين ما فضّلوهم به على الروم الذين كانوا يظلمونهم ويحتقرونهم- إلى أن جاءت الحروب الصليبية فغلا نصارى أوربا في عداوة المسلمين ولا يزال الأمر كذلك في هذا العصر كما هو مشاهد معروف.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
تفسير المفردات :
والإرادة : القصد إلى الشيء، وقد تطلق على ما يفضي إليه وإن لم يرده فاعله فيقال في الرجل المسرف المبذّر : يريد أن يخرب بيته أي أن تبذيره يفضي على ذلك فكأنه يقصده، لأن فعله فعل من يقصد ذلك. ونور الله : هو دين الإسلام.
الإيضاح :
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم أي يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور الله وهو دين الإسلام الذي أرسل به جميع رسله، وأفاضه على البشر بما أوحاه على موسى وعيسى وغيرهما من رسله، وأتمه وأكمله ببعثه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم- بالطعن في الإسلام والصد عنه بالباطل بمثل تلك الأقوال في عزير والمسيح، وبما ابتدعه لهم الرؤساء من التشريع حتى صار التوحيد الذي به وهو محض الشرك عندهم، وصار المربوب ربا على تفاوت بين فرقهم في ذلك.
وهكذا عادى أهل الكتاب الإسلام منذ البعثة المحمدية، وقصدوا إبطاله والقضاء عليه بالحرب والقتال ناحية، وبالطعن وإفساد العقائد من ناحية أخرى، وكل من الأمرين أرادوه لإطفاء نوره.
ويأبى الله إلا أن يتم نوره ببعثة محمد خاتم النبيين الذي أرسله إلى الخلق أجمعين وجعل آيته الكبرى وهي القرآن علمية عقلية وكفل حفظها إلى آخر الزمان، وبين لهم فيه ما يحتاجون إليه من عقائد يؤيدها البرهان، وتبطل بها عبادة الإنسان للإنسان، فضلا عن الأصنام والأوثان، وعبادات تتزكى بها النفس وتطهر من كل رجس، وتجعل كفاية الأغنياء للفقراء حقوقا إلهية ويُبْطل ثوابها المنُّ والأذى، وآداب تطبع في الأنفس الفضائل، وتشريع يجمع بين الرحمة والعدل والمساواة بين جميع الناس في الحق.
وخلاصة ما سلف : إنهم يريدون أن يطفئوا نور الله الذي شرعه لهداية عباده وركنه الركنين، وأساسه المتين توحيد الربوبية والألوهية، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية، والله لا يريد إلا أن يتم هذا النور الذي هو كنور القمر فيجعله بدرا كاملا يعم نوره الأرض كلها.
ولو كره الكافرون ذلك بعد تمامه كما كانوا يكرهونه من قبل حين بدء ظهوره، فهم يكيدون له ويفترون عليه ويطعنون فيه، وفيمن جاء به ويحاولون إخفاءه.
أما اليهود فكانوا في أول الإسلام أشد الناس عداوة لأهله، فهم في ذلك كمشركي العرب سواء.
ولما عجزوا عن إطفاء نوره بمساعدة المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم قصدوا إطفاء نوره ببثّ البدع فيه وتفريق كلمة أهله كما فعل عبد الله بن سبأ من ابتداع التشيّع لعلي كرّم الله وجهه والغلوّ في ذلك وإلقاء الشقاق بين المسلمين، ثم في الفتنة بين عليّ ومعاوية، ولولا ذلك لما قتل أولئك الألوف من صناديد المسلمين، ثم ما كان من منافقيهم من الإسرائيليات الكاذبة التي لا تزال مبثوثة في تضاعيف كتب التفسير والحديث والتاريخ.
وأما النصارى فقد كان الحبشة منهم أول من أظهر المودة لهم، وأكرم النجاشي من لجأ إليه من مهاجريهم، ومنعهم من تعدي المشركين عليهم، ثم انقلب الأمر بعد انتشار الإسلام وراء جزيرة العرب، فتودد اليهود للمسلمين لأنهم أنقذوهم من ظلم النصارى واستعبادهم، وصار نصارى أوروبا المستعمرون للممالك الشرقية هم الذين يقاتلون المسلمين ويعادونهم دون نصارى هذه البلاد، لأنهم رأوا من عدل المسلمين ما فضّلوهم به على الروم الذين كانوا يظلمونهم ويحتقرونهم- إلى أن جاءت الحروب الصليبية فغلا نصارى أوربا في عداوة المسلمين ولا يزال الأمر كذلك في هذا العصر كما هو مشاهد معروف.
آية رقم ٣٣
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ ) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٣١ ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( ٣٢ ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( التوبة : ٣٠-٣٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
تفسير المفردات :
وأظهره على الشيء : جعله فوقه مستعليا عليه.
الإيضاح :
ثم بيّن إتمام نوره فقال :
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق أي إنه تعالى كفل إتمام هذا النور بإرسال رسوله الأكمل بالهدى والدين الحق لا يغيّره دين آخر ولا يبطله شيء آخر.
ثم ذكر الغاية من إرسال محمد خاتم النبيين بدين الحق فقال :
ليظهره على الدين كله أي ليعلي هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان، والهداية والعرفان، والسيادة والسلطان، ولم يكن لدين من الأديان مثل ما للإسلام من التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعي والسياسي.
روى أحمد عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( يا عدي أسْلم تَسْلم ). قلت : إني من أهل دين، قال :( أنا أعلم بدينك منك ). فقلت : أنت أعلم بديني مني ؟ قال ( نعم، ألست من الرّكوسية- دين بين الصائبة والنصرانية- وأنت تأكل مرباع قومك ) - والمرباع ما قال كان يأخذه رئيس القوم من الغنائم وهو من عادات الجاهلية-. قلت : بلى : قال :( فإن هذا لا يحل بذلك في دينك ). قال : فلم يعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال :( أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام ؟ تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة ؟ ) قلت : لم أرها ولكن سمعت بها. قال :( فوالذي نفسي بيده ليتمّن الله هذا الدين حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز ). قلت : كسرى ابن هرمز ؟ قال :( نعم كسرى ابن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد ).
قال عديّ : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها.
ولو كره المشركون ذلك بالإظهار، وقد وصفهم بالشرك بعد أن وصفهم بالكفر للدلالة على أنهم جمعوا بين الكفر بالرسول وتكذيبه والشرك بالله.
وفي الجملتين إخبار بأن إتمام الله لدينه وإظهاره وجميع الأديان سيكون بالرغم من جميع الكفار المشركين منهم وغير المشركين.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
تفسير المفردات :
وأظهره على الشيء : جعله فوقه مستعليا عليه.
الإيضاح :
ثم بيّن إتمام نوره فقال :
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق أي إنه تعالى كفل إتمام هذا النور بإرسال رسوله الأكمل بالهدى والدين الحق لا يغيّره دين آخر ولا يبطله شيء آخر.
ثم ذكر الغاية من إرسال محمد خاتم النبيين بدين الحق فقال :
ليظهره على الدين كله أي ليعلي هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان، والهداية والعرفان، والسيادة والسلطان، ولم يكن لدين من الأديان مثل ما للإسلام من التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعي والسياسي.
روى أحمد عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( يا عدي أسْلم تَسْلم ). قلت : إني من أهل دين، قال :( أنا أعلم بدينك منك ). فقلت : أنت أعلم بديني مني ؟ قال ( نعم، ألست من الرّكوسية- دين بين الصائبة والنصرانية- وأنت تأكل مرباع قومك ) - والمرباع ما قال كان يأخذه رئيس القوم من الغنائم وهو من عادات الجاهلية-. قلت : بلى : قال :( فإن هذا لا يحل بذلك في دينك ). قال : فلم يعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال :( أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام ؟ تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة ؟ ) قلت : لم أرها ولكن سمعت بها. قال :( فوالذي نفسي بيده ليتمّن الله هذا الدين حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز ). قلت : كسرى ابن هرمز ؟ قال :( نعم كسرى ابن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد ).
قال عديّ : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها.
ولو كره المشركون ذلك بالإظهار، وقد وصفهم بالشرك بعد أن وصفهم بالكفر للدلالة على أنهم جمعوا بين الكفر بالرسول وتكذيبه والشرك بالله.
وفي الجملتين إخبار بأن إتمام الله لدينه وإظهاره وجميع الأديان سيكون بالرغم من جميع الكفار المشركين منهم وغير المشركين.
آية رقم ٣٤
*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( ٣٤ ) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ( التوبة : ٣٤-٣٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه في الآيات السالفة أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأنهم ما أمِروا إلا ليعبدوا إلها واحدا فعبدوا غيره من دونه- قفّى على ذلك بذكر سيرة جمهرة هؤلاء الرؤساء الدينيين في معاملاتهم مع الناس، ليعرف المسلمون حقيقة أحوالهم والدواعي التي تحملهم على إطفاء نور الله، ببيان أن أكثرهم عباد شهوات وأرباب أهواء وذوو أطماع وحرص على أموال الناس بالباطل، وأنه ما حملهم على مقاومة الإسلام إلا خوف ضياع تلك اللذات، وفوات تلك الشهوات. ثم أوعد الباخلين الذين يكنزون الذهب والفضة في صناديقهم ولا ينفقونها في سبل البر والخير- بالعذاب الأليم في نار جهنم يوم يحمي على تلك الأموال المكنوزة فتصير كالنار التهابا ثم تكوى بها الجباه والجنوب والظهور ويقال لهم : هذا جزاء صنيعكم في الدنيا، منعتموه البائس الفقير لتتمتعوا به فكان جزاؤكم أن صار وبالا عليكم وميسما تَكْتَوون به على جنوبكم وظهوركم فلم تنتفعوا به في دين ولا دنيا.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه في الآيات السالفة أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأنهم ما أمِروا إلا ليعبدوا إلها واحدا فعبدوا غيره من دونه- قفّى على ذلك بذكر سيرة جمهرة هؤلاء الرؤساء الدينيين في معاملاتهم مع الناس، ليعرف المسلمون حقيقة أحوالهم والدواعي التي تحملهم على إطفاء نور الله، ببيان أن أكثرهم عباد شهوات وأرباب أهواء وذوو أطماع وحرص على أموال الناس بالباطل، وأنه ما حملهم على مقاومة الإسلام إلا خوف ضياع تلك اللذات، وفوات تلك الشهوات. ثم أوعد الباخلين الذين يكنزون الذهب والفضة في صناديقهم ولا ينفقونها في سبل البر والخير- بالعذاب الأليم في نار جهنم يوم يحمي على تلك الأموال المكنوزة فتصير كالنار التهابا ثم تكوى بها الجباه والجنوب والظهور ويقال لهم : هذا جزاء صنيعكم في الدنيا، منعتموه البائس الفقير لتتمتعوا به فكان جزاؤكم أن صار وبالا عليكم وميسما تَكْتَوون به على جنوبكم وظهوركم فلم تنتفعوا به في دين ولا دنيا.
آية رقم ٣٥
*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( ٣٤ ) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ( التوبة : ٣٤-٣٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه في الآيات السالفة أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأنهم ما أمِروا إلا ليعبدوا إلها واحدا فعبدوا غيره من دونه- قفّى على ذلك بذكر سيرة جمهرة هؤلاء الرؤساء الدينيين في معاملاتهم مع الناس، ليعرف المسلمون حقيقة أحوالهم والدواعي التي تحملهم على إطفاء نور الله، ببيان أن أكثرهم عباد شهوات وأرباب أهواء وذوو أطماع وحرص على أموال الناس بالباطل، وأنه ما حملهم على مقاومة الإسلام إلا خوف ضياع تلك اللذات، وفوات تلك الشهوات. ثم أوعد الباخلين الذين يكنزون الذهب والفضة في صناديقهم ولا ينفقونها في سبل البر والخير- بالعذاب الأليم في نار جهنم يوم يحمي على تلك الأموال المكنوزة فتصير كالنار التهابا ثم تكوى بها الجباه والجنوب والظهور ويقال لهم : هذا جزاء صنيعكم في الدنيا، منعتموه البائس الفقير لتتمتعوا به فكان جزاؤكم أن صار وبالا عليكم وميسما تَكْتَوون به على جنوبكم وظهوركم فلم تنتفعوا به في دين ولا دنيا.
تفسير المفردات :
ويحمى عليها : أي تضرم عليها النار الحامية حتى تصير مثلها.
الإيضاح :
يوم يحمى عليها في نار جهنم أي أخبرهم بعذاب أليم يصيبهم في ذلك اليوم الذي يحمى فيه تلك الأموال المكنوزة في نار جهنم، أي بأن توضع وتضرم عليها النار الحامية حتى تصير مثلها.
وفي الآية إيماء إلى أنه يحمى عليها بأعيانها، والله قادر على إعادتها وأمور الآخرة من عالم الغيب فلا ندرك كنهها ولا صفتها، فنفوض الأمر فيها إلى عالم الغيب وعلينا الاعتبار بما فيها من إصلاح النفس وتهذيب الأخلاق.
روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا :( ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جُعِل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره ) وروي عنه :( من آتاه مالا فلم يؤدّ زكاته مثل له شجاع -ذكر الحيات- أقرع له زبيبتان يُطَوّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه- العظمان الناتئان تحت الأذن- يقول : أنا مالك وأنا كنزك )، ثم تلا صلى الله عليه وسلم : سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ( آل عمران : ١٨٠ ).
فتكوى بها جباههم وظهورهم وخصت هذه الأعضاء دون بقية الجسد، لأنهم بالوجوه يستقبلون الناس وأساريرهم منبسطة غبطة لعظم الثروة، ويستقبلون الفقراء، ووجوههم منقبضة من العُبوس، لينْفِروا ويُحْجِموا عن السؤال ولأن الجنوب والظهور كانوا يتقبلون به على سرر النعمة اضطجاعا واستلقاء ويُعْرضون بها عن لقاء المساكين وطلاب الحاجات، فلا يكون لهم في جهنم استراحة فيما سوى الوقوف إلا بالانكباب على الوجوه كما قال تعالى : يوم يسحبون في النار وعلى وجوههم ذوقوا مس سقر ( القمر : ٤٨ ).
هذا ما كنزتم لأنفسكم أي تقول لهم ملائكة العذاب الذين يتولون كيهم : هذا ما كنزتم لمنفعة أنفسكم فكان سبب مضرتها وتعذيبها، أو هذا الميسم الذي تُكْوَوْن به هو المال الذي كنزتموه لأنفسكم لتنفردوا بالتمتع به.
فذوقوا ما كنتم تكنزون أي فذوقوا وبال كنزكم له وإمساككم إياه عن النفقة في سبيل الله.
وخلاصة هذا : إن ما كنتم تظنونه من منفعة كنزه لأنفسكم لا يشارككم فيها أحد، قد كان لكم ضرا وعليكم ضدا، فقد صار في الدنيا لغيركم، وعذابه في الآخرة لأحقابكم.
وإن من أكبر أسباب الضعف الظاهر الذي نراه في المسلمين عامة حتى تمكن أعداؤهم من سلب ملكهم ويحاولون صدهم عن دينهم- بُخْل أغنيائهم، إذ لو وجهوا همهم لإنشاء المدارس والمصانع والمعامل لتعليم النشء والعلوم الدينية والدنيوية من فنون الحرب وصنع الأسلحة لأمكنهم أن يخرجوا للأمة رجلا يحفظون الدين والملك ويعيدون إليها مجدها الزائل، ويجذبون المعتدين عليها إلى الإسلام ويدخلونهم فيه أفواجا أفواجا.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه في الآيات السالفة أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأنهم ما أمِروا إلا ليعبدوا إلها واحدا فعبدوا غيره من دونه- قفّى على ذلك بذكر سيرة جمهرة هؤلاء الرؤساء الدينيين في معاملاتهم مع الناس، ليعرف المسلمون حقيقة أحوالهم والدواعي التي تحملهم على إطفاء نور الله، ببيان أن أكثرهم عباد شهوات وأرباب أهواء وذوو أطماع وحرص على أموال الناس بالباطل، وأنه ما حملهم على مقاومة الإسلام إلا خوف ضياع تلك اللذات، وفوات تلك الشهوات. ثم أوعد الباخلين الذين يكنزون الذهب والفضة في صناديقهم ولا ينفقونها في سبل البر والخير- بالعذاب الأليم في نار جهنم يوم يحمي على تلك الأموال المكنوزة فتصير كالنار التهابا ثم تكوى بها الجباه والجنوب والظهور ويقال لهم : هذا جزاء صنيعكم في الدنيا، منعتموه البائس الفقير لتتمتعوا به فكان جزاؤكم أن صار وبالا عليكم وميسما تَكْتَوون به على جنوبكم وظهوركم فلم تنتفعوا به في دين ولا دنيا.
تفسير المفردات :
ويحمى عليها : أي تضرم عليها النار الحامية حتى تصير مثلها.
الإيضاح :
يوم يحمى عليها في نار جهنم أي أخبرهم بعذاب أليم يصيبهم في ذلك اليوم الذي يحمى فيه تلك الأموال المكنوزة في نار جهنم، أي بأن توضع وتضرم عليها النار الحامية حتى تصير مثلها.
وفي الآية إيماء إلى أنه يحمى عليها بأعيانها، والله قادر على إعادتها وأمور الآخرة من عالم الغيب فلا ندرك كنهها ولا صفتها، فنفوض الأمر فيها إلى عالم الغيب وعلينا الاعتبار بما فيها من إصلاح النفس وتهذيب الأخلاق.
روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعا :( ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جُعِل له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره ) وروي عنه :( من آتاه مالا فلم يؤدّ زكاته مثل له شجاع -ذكر الحيات- أقرع له زبيبتان يُطَوّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه- العظمان الناتئان تحت الأذن- يقول : أنا مالك وأنا كنزك )، ثم تلا صلى الله عليه وسلم : سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ( آل عمران : ١٨٠ ).
فتكوى بها جباههم وظهورهم وخصت هذه الأعضاء دون بقية الجسد، لأنهم بالوجوه يستقبلون الناس وأساريرهم منبسطة غبطة لعظم الثروة، ويستقبلون الفقراء، ووجوههم منقبضة من العُبوس، لينْفِروا ويُحْجِموا عن السؤال ولأن الجنوب والظهور كانوا يتقبلون به على سرر النعمة اضطجاعا واستلقاء ويُعْرضون بها عن لقاء المساكين وطلاب الحاجات، فلا يكون لهم في جهنم استراحة فيما سوى الوقوف إلا بالانكباب على الوجوه كما قال تعالى : يوم يسحبون في النار وعلى وجوههم ذوقوا مس سقر ( القمر : ٤٨ ).
هذا ما كنزتم لأنفسكم أي تقول لهم ملائكة العذاب الذين يتولون كيهم : هذا ما كنزتم لمنفعة أنفسكم فكان سبب مضرتها وتعذيبها، أو هذا الميسم الذي تُكْوَوْن به هو المال الذي كنزتموه لأنفسكم لتنفردوا بالتمتع به.
فذوقوا ما كنتم تكنزون أي فذوقوا وبال كنزكم له وإمساككم إياه عن النفقة في سبيل الله.
وخلاصة هذا : إن ما كنتم تظنونه من منفعة كنزه لأنفسكم لا يشارككم فيها أحد، قد كان لكم ضرا وعليكم ضدا، فقد صار في الدنيا لغيركم، وعذابه في الآخرة لأحقابكم.
وإن من أكبر أسباب الضعف الظاهر الذي نراه في المسلمين عامة حتى تمكن أعداؤهم من سلب ملكهم ويحاولون صدهم عن دينهم- بُخْل أغنيائهم، إذ لو وجهوا همهم لإنشاء المدارس والمصانع والمعامل لتعليم النشء والعلوم الدينية والدنيوية من فنون الحرب وصنع الأسلحة لأمكنهم أن يخرجوا للأمة رجلا يحفظون الدين والملك ويعيدون إليها مجدها الزائل، ويجذبون المعتدين عليها إلى الإسلام ويدخلونهم فيه أفواجا أفواجا.
آية رقم ٣٦
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( ٣٦ ) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( التوبة : ٣٦-٣٧ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات عود على بدء إلى الكلام في أحوال المشركين، وقد كان الكلام في قتال أهل الكتاب حيث يعطوا الجزية من قبيل الاستطراد اقتضاه ما قبله، وهو حكم قتال المشركين ومعاملتهم.
المعنى الجملي : هذه الآيات عود على بدء إلى الكلام في أحوال المشركين، وقد كان الكلام في قتال أهل الكتاب حيث يعطوا الجزية من قبيل الاستطراد اقتضاه ما قبله، وهو حكم قتال المشركين ومعاملتهم.
آية رقم ٣٧
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( ٣٦ ) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( التوبة : ٣٦-٣٧ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات عود على بدء إلى الكلام في أحوال المشركين، وقد كان الكلام في قتال أهل الكتاب حيث يعطوا الجزية من قبيل الاستطراد اقتضاه ما قبله، وهو حكم قتال المشركين ومعاملتهم.
تفسير المفردات :
والنسيء : من نسأ الشيء ينسؤه نسأ ومنسأة : إذا أخره، أي الشهر الذي أنسئ تحريمه : أي أخر عن موضعه.
الإيضاح :
إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله المراد بالنسيء تأخير حرمة شهر إلى آخر.
بيان هذا : أن العرب ورثت من ملة إبراهيم وإسماعيل تحريم القتال في الأشهر الحرم لتأمين الحج وطرقه، ولما طال عليهم الأمد غيروا وبدلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر ولا سيما المحرم، إذ كان يشق عليهم ترك القتال وشن الغارة ثلاثة أشهر متواليات فأحلوا شهر المحرم وأنسئوا تحريمه إلى صفر لتبقى الأشهر الحرم أربعة كما كانت، وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم.
وقد كان من عادتهم في ذلك أن يقوم رجل من كنانة في أيام منى حيث يجتمع الحجيج فيقول : أنا الذي لا يُرَدّ لي قضاء، فيقولون صدقت، فأخِّرْ عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم، وبذلك يجعل الشهر الحرام حلالا، ثم صاروا ينسئون غير المحرم ويسمون النسيء باسم الأصل، فتتغير أسماء الشهور كلها.
وبذلك يعلم أن النسيء تشريع ديني ملتزم غيَّروا به ملة إبراهيم إتباعا للهوى وسوء التأويل، ومن ثم سماه الله زيادة في الكفر، أي إنه كفر بشرع دين لم يأذن به الله زائد على شركهم بالله وكفرهم به، إذ حق التشريع له وحده، فمنازعته في ذلك شرك في ربوبيته، وهم يضلون به سائر الكفار الذين يتبعونهم فيه ويظنون أنهم لم يخرجوا به عن ملة إبراهيم، إذ واطئوا عدة ما حرم الله من الشهور في ملته ولم يزيدوا ولم ينقصوا وإن قدموا وأخروا مع أن المقصد في ذلك العدد والتخصيص لا مجرد العدد، وإذ لم يفعلوا ذلك فقد استحلوا ما حرم الله.
زين لهم سوء أعمالهم أي زين لهم الشيطان أعمالهم بهذه الشبهة الباطلة، إذ اكتفوا بالعدد ولم ينقصوا منه شيئا ولم يدركوا حكمة التخصيص بالأشهر المعينة.
والله لا يهدي القوم الكافرين إلى الحكمة في أحكام شرعه وجعلها مبنية على مصالح الناس في دينهم ودنياهم أفرادا وجماعات، فالهداية الموصلة إلى سعادة الدارين من آثار الإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم الله بإيمانهم ( يونس : ٩ ).
وأما الكافرون فيتبعون أهواءهم وما يوسوس لهم به الشيطان فيوقعهم في الشقاء والخسران.
المعنى الجملي : هذه الآيات عود على بدء إلى الكلام في أحوال المشركين، وقد كان الكلام في قتال أهل الكتاب حيث يعطوا الجزية من قبيل الاستطراد اقتضاه ما قبله، وهو حكم قتال المشركين ومعاملتهم.
تفسير المفردات :
والنسيء : من نسأ الشيء ينسؤه نسأ ومنسأة : إذا أخره، أي الشهر الذي أنسئ تحريمه : أي أخر عن موضعه.
الإيضاح :
إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله المراد بالنسيء تأخير حرمة شهر إلى آخر.
بيان هذا : أن العرب ورثت من ملة إبراهيم وإسماعيل تحريم القتال في الأشهر الحرم لتأمين الحج وطرقه، ولما طال عليهم الأمد غيروا وبدلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر ولا سيما المحرم، إذ كان يشق عليهم ترك القتال وشن الغارة ثلاثة أشهر متواليات فأحلوا شهر المحرم وأنسئوا تحريمه إلى صفر لتبقى الأشهر الحرم أربعة كما كانت، وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم.
وقد كان من عادتهم في ذلك أن يقوم رجل من كنانة في أيام منى حيث يجتمع الحجيج فيقول : أنا الذي لا يُرَدّ لي قضاء، فيقولون صدقت، فأخِّرْ عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحل لهم المحرم، وبذلك يجعل الشهر الحرام حلالا، ثم صاروا ينسئون غير المحرم ويسمون النسيء باسم الأصل، فتتغير أسماء الشهور كلها.
وبذلك يعلم أن النسيء تشريع ديني ملتزم غيَّروا به ملة إبراهيم إتباعا للهوى وسوء التأويل، ومن ثم سماه الله زيادة في الكفر، أي إنه كفر بشرع دين لم يأذن به الله زائد على شركهم بالله وكفرهم به، إذ حق التشريع له وحده، فمنازعته في ذلك شرك في ربوبيته، وهم يضلون به سائر الكفار الذين يتبعونهم فيه ويظنون أنهم لم يخرجوا به عن ملة إبراهيم، إذ واطئوا عدة ما حرم الله من الشهور في ملته ولم يزيدوا ولم ينقصوا وإن قدموا وأخروا مع أن المقصد في ذلك العدد والتخصيص لا مجرد العدد، وإذ لم يفعلوا ذلك فقد استحلوا ما حرم الله.
زين لهم سوء أعمالهم أي زين لهم الشيطان أعمالهم بهذه الشبهة الباطلة، إذ اكتفوا بالعدد ولم ينقصوا منه شيئا ولم يدركوا حكمة التخصيص بالأشهر المعينة.
والله لا يهدي القوم الكافرين إلى الحكمة في أحكام شرعه وجعلها مبنية على مصالح الناس في دينهم ودنياهم أفرادا وجماعات، فالهداية الموصلة إلى سعادة الدارين من آثار الإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم الله بإيمانهم ( يونس : ٩ ).
وأما الكافرون فيتبعون أهواءهم وما يوسوس لهم به الشيطان فيوقعهم في الشقاء والخسران.
آية رقم ٣٨
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( ٣٨ ) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( ٣٩ ) ِإلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ٣٨-٤٠ ).
المعنى الجملي : الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك وما لابسها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين جاءتا في آخرها وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
ومناسبة الآيات لما قبلها أن الكلام السابق كان في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك والمراد بها قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن الأولى ٦١٠ كلم وعن الثانية ٦٩٢ كلم وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعا معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب حتى وصلت طلائعهم إلى البلقان بإمرة قائد عظيم منهم يدعي قباذ وعدد جنده أربعون ألفا، فندب النبي صلى الله عليه وسلم للخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزونها.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال : يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية من الفضة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يضر عثمان ما عمل بعدها ) ثم خرج لمقابلتهم، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان كذلك في رجب سنة تسع.
المعنى الجملي : الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك وما لابسها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين جاءتا في آخرها وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
ومناسبة الآيات لما قبلها أن الكلام السابق كان في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك والمراد بها قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن الأولى ٦١٠ كلم وعن الثانية ٦٩٢ كلم وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعا معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب حتى وصلت طلائعهم إلى البلقان بإمرة قائد عظيم منهم يدعي قباذ وعدد جنده أربعون ألفا، فندب النبي صلى الله عليه وسلم للخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزونها.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال : يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية من الفضة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يضر عثمان ما عمل بعدها ) ثم خرج لمقابلتهم، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان كذلك في رجب سنة تسع.
آية رقم ٣٩
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( ٣٨ ) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( ٣٩ ) ِإلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ٣٨-٤٠ ).
المعنى الجملي : الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك وما لابسها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين جاءتا في آخرها وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
ومناسبة الآيات لما قبلها أن الكلام السابق كان في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك والمراد بها قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن الأولى ٦١٠ كلم وعن الثانية ٦٩٢ كلم وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعا معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب حتى وصلت طلائعهم إلى البلقان بإمرة قائد عظيم منهم يدعي قباذ وعدد جنده أربعون ألفا، فندب النبي صلى الله عليه وسلم للخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزونها.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال : يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية من الفضة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يضر عثمان ما عمل بعدها ) ثم خرج لمقابلتهم، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان كذلك في رجب سنة تسع.
الإيضاح :
إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم أي إن لم تخرجوا إلى ما دعاكم الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج إليه- يعذبكم عذابا أليما في الدنيا يهلككم به كقحط وغلبة عدو، ويستبدل بكم قوما غيركم يطيعونه ويطيعون رسله، لأنه قد وعد بنصره، وإظهار دينه على الدين كله ولن يخلف الله وعده ( الحج : ٤٧ ).
وقد جرت سنته بأن الأمم التي لا تدافع عن نفسها ولا تحمي ذمارها، لا بقاء لها، وتكون طعاما للآكلين، وغذاء شهيا للمستعمرين.
ولا تضروه شيئا أي ولا تضروا الله شيئا من الضرر في تثاقلكم عن طاعته ونصرة دينه، فهو الغني عنكم في كل أمر، وهو القاهر فوق عباده، وكل من في السماوات والأرض مسخرا بأمره، ولكن قد جعل للبشر شيئا من الاختيار ليكون حجة عليهم فيما سيلقون من الجزاء على أعمالهم.
والله على كل شيء قدير أي والله قادر على كل شيء، فهو يقدر على إهلاككم والإتيان بغيركم- إن أصررتم على عصيان رسوله وتثاقلتم عن الدفاع عن حوزة دينه- ممن يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ولا يخشون في الحق لومة اللائمين كما قال : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ( محمد : ٣٨ ).
المعنى الجملي : الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك وما لابسها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين جاءتا في آخرها وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
ومناسبة الآيات لما قبلها أن الكلام السابق كان في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك والمراد بها قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن الأولى ٦١٠ كلم وعن الثانية ٦٩٢ كلم وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعا معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب حتى وصلت طلائعهم إلى البلقان بإمرة قائد عظيم منهم يدعي قباذ وعدد جنده أربعون ألفا، فندب النبي صلى الله عليه وسلم للخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزونها.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال : يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية من الفضة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يضر عثمان ما عمل بعدها ) ثم خرج لمقابلتهم، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان كذلك في رجب سنة تسع.
الإيضاح :
إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم أي إن لم تخرجوا إلى ما دعاكم الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج إليه- يعذبكم عذابا أليما في الدنيا يهلككم به كقحط وغلبة عدو، ويستبدل بكم قوما غيركم يطيعونه ويطيعون رسله، لأنه قد وعد بنصره، وإظهار دينه على الدين كله ولن يخلف الله وعده ( الحج : ٤٧ ).
وقد جرت سنته بأن الأمم التي لا تدافع عن نفسها ولا تحمي ذمارها، لا بقاء لها، وتكون طعاما للآكلين، وغذاء شهيا للمستعمرين.
ولا تضروه شيئا أي ولا تضروا الله شيئا من الضرر في تثاقلكم عن طاعته ونصرة دينه، فهو الغني عنكم في كل أمر، وهو القاهر فوق عباده، وكل من في السماوات والأرض مسخرا بأمره، ولكن قد جعل للبشر شيئا من الاختيار ليكون حجة عليهم فيما سيلقون من الجزاء على أعمالهم.
والله على كل شيء قدير أي والله قادر على كل شيء، فهو يقدر على إهلاككم والإتيان بغيركم- إن أصررتم على عصيان رسوله وتثاقلتم عن الدفاع عن حوزة دينه- ممن يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ولا يخشون في الحق لومة اللائمين كما قال : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ( محمد : ٣٨ ).
آية رقم ٤٠
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ( ٣٨ ) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( ٣٩ ) ِإلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ٣٨-٤٠ ).
المعنى الجملي : الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك وما لابسها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين جاءتا في آخرها وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
ومناسبة الآيات لما قبلها أن الكلام السابق كان في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك والمراد بها قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن الأولى ٦١٠ كلم وعن الثانية ٦٩٢ كلم وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعا معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب حتى وصلت طلائعهم إلى البلقان بإمرة قائد عظيم منهم يدعي قباذ وعدد جنده أربعون ألفا، فندب النبي صلى الله عليه وسلم للخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزونها.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال : يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية من الفضة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يضر عثمان ما عمل بعدها ) ثم خرج لمقابلتهم، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان كذلك في رجب سنة تسع.
تفسير المفردات :
والغار : النقب العظيم في الجبل والمراد به هنا غار جبل ثور. والصاحب : هو أبو بكر رضي الله عنه. والسكينة : سكون النفس واطمئنانها وهو ضد الانزعاج والاضطراب. وكلمة الله : هي التوحيد. وكلمة الذين كفروا : هي الشرك والكفر.
الإيضاح :
ثم رغبهم ثانية في الجهاد فأبان لهم أنه تعالى المتوكل بنصره- على أعداء دينه- أعانوه أو لم يعينوه وهو قد فعل ذلك به وهو في قلة من العدد والعدو في كثرة، فكيف وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة فقال :
إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا أي إن لم تنصروا الرسول الذي استنصركم في سبيل الله على من أرادوا قتاله من أعداء الله وأعداء رسوله فسينصره الله بقدرته وتأييده. كما نصره حين أجمع المشركون على الفتك به واضطروه إلى الخروج والهجرة حال كونه أحد اثنين وثانيهما أبو بكر في غار جبل ثور حين كان يقول لصاحبه إذ رأى منه أمارة الحزن : ولا تخف ولا تحزن إن الله معنا بنصره ومعونته وحفظه وتأييده فلن يعلم بنا المشركون ولن يصلوا إلينا.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس قال : حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين، فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه، فقال عليه الصلاة والسلام :( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ).
وخلاصة ذلك : إلا تنصروه بالنّفر لما استنفركم له، فإن الله قد ضمن له النصر فهو ينصره كما نصره في الوقت الذي اضطره المشركون إلى الهجرة، حين كان ثاني اثنين في الغاز وكان صاحبه قد ساوره في الحزن فقال له : لا تحزن إن الله معنا، ونحن لا نكلّف أكثر مما فعلنا من الاستخفاء.
فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها أي فأنزل الله طمأنينته التي يسكن عندها القلب على رسوله وقوّاه بجنود من عنده وهم الملائكة الذين أنزلهم يوم بدر والأحزاب واحد، وقيل بل هم ملائكة أيده بهم في حال الهجرة يسترونه هو وصاحبه عن أعين الكفار ويصرفونها عنهما، فقد خرج والشبان المتواطؤون على قتله وقوف ولم ينظروه.
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا أي وجعل كلمة الشرك والكفر هي السفلى، وكلمة الله وهي دينه المبني على أساس توحيده تعالى والمشتمل على الأحكام والآداب الفاضلة، والخالي من شوائب الشرك وخرافات الوثنية- هي العليا بظهور نور الإسلام وإزالة سيادة المشركين في تلك الجزيرة بعد كفاح طويل دارت فيه الدائرة عليهم : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ( الأنعام : ١١٥ ).
والله عزيز حكيم أي والله غالب على أمره، حكيم إذ يضع الأشياء في مواضعها وقد نصر رسوله بعزته وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته، وأذل من ناوأه من المشركين.
المعنى الجملي : الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك وما لابسها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق، إلا آيتين جاءتا في آخرها وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
ومناسبة الآيات لما قبلها أن الكلام السابق كان في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك والمراد بها قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن الأولى ٦١٠ كلم وعن الثانية ٦٩٢ كلم وكان السبب في هذه الغزوة ما بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة من أن الروم جمعت جموعا معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب حتى وصلت طلائعهم إلى البلقان بإمرة قائد عظيم منهم يدعي قباذ وعدد جنده أربعون ألفا، فندب النبي صلى الله عليه وسلم للخروج لقتالهم وأعلمهم الجهة التي يغزونها.
وكان عثمان قد جهز عيرا إلى الشام للتجارة، فقال : يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية من الفضة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يضر عثمان ما عمل بعدها ) ثم خرج لمقابلتهم، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان كذلك في رجب سنة تسع.
تفسير المفردات :
والغار : النقب العظيم في الجبل والمراد به هنا غار جبل ثور. والصاحب : هو أبو بكر رضي الله عنه. والسكينة : سكون النفس واطمئنانها وهو ضد الانزعاج والاضطراب. وكلمة الله : هي التوحيد. وكلمة الذين كفروا : هي الشرك والكفر.
الإيضاح :
ثم رغبهم ثانية في الجهاد فأبان لهم أنه تعالى المتوكل بنصره- على أعداء دينه- أعانوه أو لم يعينوه وهو قد فعل ذلك به وهو في قلة من العدد والعدو في كثرة، فكيف وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة فقال :
إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا أي إن لم تنصروا الرسول الذي استنصركم في سبيل الله على من أرادوا قتاله من أعداء الله وأعداء رسوله فسينصره الله بقدرته وتأييده. كما نصره حين أجمع المشركون على الفتك به واضطروه إلى الخروج والهجرة حال كونه أحد اثنين وثانيهما أبو بكر في غار جبل ثور حين كان يقول لصاحبه إذ رأى منه أمارة الحزن : ولا تخف ولا تحزن إن الله معنا بنصره ومعونته وحفظه وتأييده فلن يعلم بنا المشركون ولن يصلوا إلينا.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس قال : حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين، فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه، فقال عليه الصلاة والسلام :( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ).
وخلاصة ذلك : إلا تنصروه بالنّفر لما استنفركم له، فإن الله قد ضمن له النصر فهو ينصره كما نصره في الوقت الذي اضطره المشركون إلى الهجرة، حين كان ثاني اثنين في الغاز وكان صاحبه قد ساوره في الحزن فقال له : لا تحزن إن الله معنا، ونحن لا نكلّف أكثر مما فعلنا من الاستخفاء.
فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها أي فأنزل الله طمأنينته التي يسكن عندها القلب على رسوله وقوّاه بجنود من عنده وهم الملائكة الذين أنزلهم يوم بدر والأحزاب واحد، وقيل بل هم ملائكة أيده بهم في حال الهجرة يسترونه هو وصاحبه عن أعين الكفار ويصرفونها عنهما، فقد خرج والشبان المتواطؤون على قتله وقوف ولم ينظروه.
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا أي وجعل كلمة الشرك والكفر هي السفلى، وكلمة الله وهي دينه المبني على أساس توحيده تعالى والمشتمل على الأحكام والآداب الفاضلة، والخالي من شوائب الشرك وخرافات الوثنية- هي العليا بظهور نور الإسلام وإزالة سيادة المشركين في تلك الجزيرة بعد كفاح طويل دارت فيه الدائرة عليهم : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ( الأنعام : ١١٥ ).
والله عزيز حكيم أي والله غالب على أمره، حكيم إذ يضع الأشياء في مواضعها وقد نصر رسوله بعزته وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته، وأذل من ناوأه من المشركين.
آية رقم ٤١
انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( التوبة : ٤١ ).
المعنى الجملي : بعد أن توعد من لم ينفروا مع الرسول وتثاقلوا حين استنفرهم- أتبعه بالأمر الجزم الذي لا هوادة فيه، فأوجب النفير العام على كل فرد، فلا عذر لأحد في التخلف وترك الطاعة.
الإيضاح :
انفروا خفافا وثقالا الخفاف واحدها خفيف، والثقال واحدها ثقيل، وهما يكونان في الأجسام وصفاتها من صحة ومرض ونحافة وسمن ونشاط وكسل، وشباب وكبر، ويكونان في الأسباب والأحوال كالقلة والكثرة في المال، ووجود الراحة وعدم وجودها الراحلة وجودها، ووجود الشواغل أو انتفائها.
أي انفروا على كل حال من يسر أو عسر وصحة أو مرض وغنى أو فقر وقلة العيال أو كثرتهم أو غير ذلك مما ينتظم في مساعدة الأسباب أو عدم مساعدتها بعد الإمكان والقدرة في الجملة.
فإذا أُعْلن النفير العام وجب الامتثال إلى حال العجز التام، وهو ما بينه الله تعالى في قوله : لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ ( التوبة : ٩١ ).
ويؤيد هذا التعميم في عموم الأحوال قول أبي أيوب الأنصاري وقد شهد المشاهد كلها إلا غزاة واحدة : قال الله : انفروا خفافا وثقالا فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا، وروي عن أبي راشد الحرّاني قال : وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحِمْص- وقد فضل عنها من عُظْمِه- يريد الغزو، فقلت قد أعذر الله إليك، فقال أبت علينا سورة البعوث يريد براءة انفروا خفافا وثقالا .
وقد فهم سلفنا الصالح القرآن على هدى النبي وعمله ففتحوا البلاد وسادوا العباد، لكن بعد أن انحرفوا عن هديه وتدبر معانيه واكتفوا بتلاوته والتغني بألفاظه ذلوا وضعفوا واستكانوا وسادتهم الشعوب الأخرى وتقوض ملكهم من أطرافه وأصبحوا من المستضعفين وصاروا عبيدا لأعدائهم.
وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله أي وجاهدوا أعداءكم الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت ويفسدون في الأرض، وابذلوا أموالكم وأنفسكم في إقامة ميزان العدل وإعلاء كلمة الحق.
فمن استطاع منكم الجهاد بماله ونفسه وجب عليه ذلك، ومن قدر على أحدهما وجب عليه ما كان في مقدرته.
وقد كان المسلمون في الصدر الأول ينفقون على أنفسهم من أموال ويبذلونها لغيرهم إن استطاعوا كما فعل عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة في هذه الغزوة، وكما فعل غيره من ذوي اليسار من الصحابة.
ولما أصبح في بيت المال فضلة من المال بكثرة الغنائم صار الملوك والسلاطين يجهزون الجيوش من بيت المال، وكذلك تفعل الآن الدول المتمدنة، فتخصص جزءا من المال كل عام للنفقات الحربية من برية وبحرية، ويزداد هذا المال إذا دعت الحاجة إلى زيادته، بل قد يجعلون أموال الدولة كلها ومرافقها وقفا على المصالح الحربية، وقد كان المسلمون أحق منهم بذلك وأجدر.
ذلكم خير لكم أي ذلكم الذي أمرتم به من النفر والجهاد الذي هو الوسيلة في حفظ كيان الأمم وعلو كلمتها- خير لكم في دينكم ودنياكم ؛ أما في الدين فلا سعادة إلا لمن ينصر الحق ويقيم العدل بإتباع هدى الدين والعمل بالشرع الحكيم.
وأما في الدنيا فإنه لا عز للأمم ولا سيادة لها إلا بالقوة الحربية التي هي وسيلة لدفاع العدو وكبح جماحه.
إن كنتم تعلمون أي إن كنتم تعلمون ذلك علما يبعث على العمل، فانفروا وجاهدوا، وقد علم فضل ذلك المؤمنون الصادقون فامتثلوا أمره واهتدوا بهديه.
المعنى الجملي : بعد أن توعد من لم ينفروا مع الرسول وتثاقلوا حين استنفرهم- أتبعه بالأمر الجزم الذي لا هوادة فيه، فأوجب النفير العام على كل فرد، فلا عذر لأحد في التخلف وترك الطاعة.
الإيضاح :
انفروا خفافا وثقالا الخفاف واحدها خفيف، والثقال واحدها ثقيل، وهما يكونان في الأجسام وصفاتها من صحة ومرض ونحافة وسمن ونشاط وكسل، وشباب وكبر، ويكونان في الأسباب والأحوال كالقلة والكثرة في المال، ووجود الراحة وعدم وجودها الراحلة وجودها، ووجود الشواغل أو انتفائها.
أي انفروا على كل حال من يسر أو عسر وصحة أو مرض وغنى أو فقر وقلة العيال أو كثرتهم أو غير ذلك مما ينتظم في مساعدة الأسباب أو عدم مساعدتها بعد الإمكان والقدرة في الجملة.
فإذا أُعْلن النفير العام وجب الامتثال إلى حال العجز التام، وهو ما بينه الله تعالى في قوله : لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ ( التوبة : ٩١ ).
ويؤيد هذا التعميم في عموم الأحوال قول أبي أيوب الأنصاري وقد شهد المشاهد كلها إلا غزاة واحدة : قال الله : انفروا خفافا وثقالا فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا، وروي عن أبي راشد الحرّاني قال : وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحِمْص- وقد فضل عنها من عُظْمِه- يريد الغزو، فقلت قد أعذر الله إليك، فقال أبت علينا سورة البعوث يريد براءة انفروا خفافا وثقالا .
وقد فهم سلفنا الصالح القرآن على هدى النبي وعمله ففتحوا البلاد وسادوا العباد، لكن بعد أن انحرفوا عن هديه وتدبر معانيه واكتفوا بتلاوته والتغني بألفاظه ذلوا وضعفوا واستكانوا وسادتهم الشعوب الأخرى وتقوض ملكهم من أطرافه وأصبحوا من المستضعفين وصاروا عبيدا لأعدائهم.
وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله أي وجاهدوا أعداءكم الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت ويفسدون في الأرض، وابذلوا أموالكم وأنفسكم في إقامة ميزان العدل وإعلاء كلمة الحق.
فمن استطاع منكم الجهاد بماله ونفسه وجب عليه ذلك، ومن قدر على أحدهما وجب عليه ما كان في مقدرته.
وقد كان المسلمون في الصدر الأول ينفقون على أنفسهم من أموال ويبذلونها لغيرهم إن استطاعوا كما فعل عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة في هذه الغزوة، وكما فعل غيره من ذوي اليسار من الصحابة.
ولما أصبح في بيت المال فضلة من المال بكثرة الغنائم صار الملوك والسلاطين يجهزون الجيوش من بيت المال، وكذلك تفعل الآن الدول المتمدنة، فتخصص جزءا من المال كل عام للنفقات الحربية من برية وبحرية، ويزداد هذا المال إذا دعت الحاجة إلى زيادته، بل قد يجعلون أموال الدولة كلها ومرافقها وقفا على المصالح الحربية، وقد كان المسلمون أحق منهم بذلك وأجدر.
ذلكم خير لكم أي ذلكم الذي أمرتم به من النفر والجهاد الذي هو الوسيلة في حفظ كيان الأمم وعلو كلمتها- خير لكم في دينكم ودنياكم ؛ أما في الدين فلا سعادة إلا لمن ينصر الحق ويقيم العدل بإتباع هدى الدين والعمل بالشرع الحكيم.
وأما في الدنيا فإنه لا عز للأمم ولا سيادة لها إلا بالقوة الحربية التي هي وسيلة لدفاع العدو وكبح جماحه.
إن كنتم تعلمون أي إن كنتم تعلمون ذلك علما يبعث على العمل، فانفروا وجاهدوا، وقد علم فضل ذلك المؤمنون الصادقون فامتثلوا أمره واهتدوا بهديه.
آية رقم ٤٢
ولما أمرهم بالنفر تخلف بعض المنافقين لأعذار ضعيفة، وتخلف ناس آخرون من المؤمنين فأنزل الله في أثناء السفر قوله :
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ٤٢ ) عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( التوبة : ٤٢-٤٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن رغبهم سبحانه في الجهاد في سبيل الله، وبين أن فريقا منهم تباطؤوا وتثاقلوا قفّى على ذلك ببيان أن فريقا منهم تخلفوا عنه مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف ليأذن لهم.
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ٤٢ ) عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( التوبة : ٤٢-٤٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن رغبهم سبحانه في الجهاد في سبيل الله، وبين أن فريقا منهم تباطؤوا وتثاقلوا قفّى على ذلك ببيان أن فريقا منهم تخلفوا عنه مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف ليأذن لهم.
آية رقم ٤٣
ولما أمرهم بالنفر تخلف بعض المنافقين لأعذار ضعيفة، وتخلف ناس آخرون من المؤمنين فأنزل الله في أثناء السفر قوله :
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ٤٢ ) عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( التوبة : ٤٢-٤٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن رغبهم سبحانه في الجهاد في سبيل الله، وبين أن فريقا منهم تباطؤوا وتثاقلوا قفّى على ذلك ببيان أن فريقا منهم تخلفوا عنه مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف ليأذن لهم.
تفسير المفردات :
والعفو : التجاوز عن التقصير وترك المؤاخذة عليه.
الإيضاح :
ثم عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن تخلف عنه من المنافقين حين شخص إلى تبوك لغزو الروم فقال :
عفا الله عنك أي عفا عنك ما أدى إليه اجتهادك من الإذن لهم حين استأذنوك وكذبوا عليك في الاعتذار.
لم أذنت لهم أي لأي شيء أذنت لهم بالقعود والتخلف كما أرادوا، وهلا تريثت في الإذن لهم وتوقفت عنه حتى ينجلي أمرهم وينكشف حالهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله :
حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين أي حتى يتبين لك الفريقان، فتعامل كلاّ بما ينبغي أن يعامل به، فإن الكاذبين لا يخرجون، أذنت لهم أو لم تأذن، فكان من الأجدر بك أن تتلبّث في الإذن أو تمسك عنه اختبارا لحالهم.
روي عن مجاهد في قوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم هم ناس قالوا استأذنوا رسول الله، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. وعن قتادة في قوله : والله يعلم إنهم لكاذبون لقد كانوا يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد.
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ٤٢ ) عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ( التوبة : ٤٢-٤٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن رغبهم سبحانه في الجهاد في سبيل الله، وبين أن فريقا منهم تباطؤوا وتثاقلوا قفّى على ذلك ببيان أن فريقا منهم تخلفوا عنه مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنونه صلى الله عليه وسلم في القعود والتخلف ليأذن لهم.
تفسير المفردات :
والعفو : التجاوز عن التقصير وترك المؤاخذة عليه.
الإيضاح :
ثم عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن تخلف عنه من المنافقين حين شخص إلى تبوك لغزو الروم فقال :
عفا الله عنك أي عفا عنك ما أدى إليه اجتهادك من الإذن لهم حين استأذنوك وكذبوا عليك في الاعتذار.
لم أذنت لهم أي لأي شيء أذنت لهم بالقعود والتخلف كما أرادوا، وهلا تريثت في الإذن لهم وتوقفت عنه حتى ينجلي أمرهم وينكشف حالهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله :
حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين أي حتى يتبين لك الفريقان، فتعامل كلاّ بما ينبغي أن يعامل به، فإن الكاذبين لا يخرجون، أذنت لهم أو لم تأذن، فكان من الأجدر بك أن تتلبّث في الإذن أو تمسك عنه اختبارا لحالهم.
روي عن مجاهد في قوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم هم ناس قالوا استأذنوا رسول الله، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. وعن قتادة في قوله : والله يعلم إنهم لكاذبون لقد كانوا يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد.
آية رقم ٤٤
لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( ٤٤ ) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( ٤٥ ) *وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ( التوبة : ٤٤-٤٦ ).
المعنى الجملي : تقدم أن قلنا إن هذه السورة تسمى الفاضحة، لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين، ومن ثم نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى نزلت.
وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال.
المعنى الجملي : تقدم أن قلنا إن هذه السورة تسمى الفاضحة، لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين، ومن ثم نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى نزلت.
وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال.
آية رقم ٤٥
لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( ٤٤ ) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( ٤٥ ) *وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ( التوبة : ٤٤-٤٦ ).
المعنى الجملي : تقدم أن قلنا إن هذه السورة تسمى الفاضحة، لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين، ومن ثم نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى نزلت.
وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال.
الإيضاح :
ثم صرح بما فهم من الكلام السابق زيادة في التوكيد والتقرير فقال :
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون أي إنما يستأذنك في التخلف عن الجهاد معك في غير عذر من لا يصدقون بالله ولا يقرّون بتوحيده ولا باليوم الآخر، فهؤلاء يرون بذل المال مَغْرَما يفوّت عليهم بعض المنافع، وهم لا يرجون ثوابا عليه كما يرجو المؤمنون، ويرون الجهاد بالنفس آلاما ومتاعب، وقد وقع لهم الريب والشك في الدين من قبل، فلم تطمئن به قلوبهم، ولم تذعن له نفوسهم، فهم متحيّرون في أمرهم مذبذبون في عملهم، يوافقون المؤمنين فيما يسهل أداؤه من عبادات الإسلام من صلاة وصيام، ويلتمسون الخلاص فيما يشق عليهم من تكاليفه، ويعتذرون بالمعاذير الكاذبة للهرب من القيام بشيء منها.
وقد جاء في بعض الروايات أن عدد هؤلاء كان تسعة وثلاثين رجلا.
المعنى الجملي : تقدم أن قلنا إن هذه السورة تسمى الفاضحة، لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين، ومن ثم نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى نزلت.
وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال.
الإيضاح :
ثم صرح بما فهم من الكلام السابق زيادة في التوكيد والتقرير فقال :
إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون أي إنما يستأذنك في التخلف عن الجهاد معك في غير عذر من لا يصدقون بالله ولا يقرّون بتوحيده ولا باليوم الآخر، فهؤلاء يرون بذل المال مَغْرَما يفوّت عليهم بعض المنافع، وهم لا يرجون ثوابا عليه كما يرجو المؤمنون، ويرون الجهاد بالنفس آلاما ومتاعب، وقد وقع لهم الريب والشك في الدين من قبل، فلم تطمئن به قلوبهم، ولم تذعن له نفوسهم، فهم متحيّرون في أمرهم مذبذبون في عملهم، يوافقون المؤمنين فيما يسهل أداؤه من عبادات الإسلام من صلاة وصيام، ويلتمسون الخلاص فيما يشق عليهم من تكاليفه، ويعتذرون بالمعاذير الكاذبة للهرب من القيام بشيء منها.
وقد جاء في بعض الروايات أن عدد هؤلاء كان تسعة وثلاثين رجلا.
آية رقم ٤٦
لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( ٤٤ ) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( ٤٥ ) *وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ( التوبة : ٤٤-٤٦ ).
المعنى الجملي : تقدم أن قلنا إن هذه السورة تسمى الفاضحة، لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين، ومن ثم نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى نزلت.
وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال.
الإيضاح :
ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدة أي ولو صحت نيتهم للخروج لاستعدوا له وأخذوا الأهبة من زاد وراحلة ونحو ذلك مما يحتاج إليه المسافر لمثل هذا السفر البعيد وقد كانوا مستطيعين لذلك ولم يفعلوا.
ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم الانبعاث : توجيه الإنسان أو الحيوان إلى الشيء بقوة كبعث الرسل وبعث الموتى، والتثبيط : التعويق عن الأمر والمنع منه.
أي كره الله نَفْرهم وخروجهم مع المؤمنين لما فيه من الضرر العائق لهم عما أحبه من نصرهم، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من المخاوف التي هي مقتضى سننه من تأثير النفاق فيها، ومن ثم لم يُعِدّوا للخروج عدته، لأنهم لم يريدوه، وإنما أرادوا بالاستئذان ستر ما عزموا عليه من المخالفة والعصيان.
وقيل اقعدوا مع القاعدين أي وقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بعبارة تدل على السخط لا على الرضا، أي اقعدوا مع الأطفال والزّمْنَى والعجزة والنساء وهم قد حملوه على ظاهره لموافقته لما يريدون.
المعنى الجملي : تقدم أن قلنا إن هذه السورة تسمى الفاضحة، لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين، ومن ثم نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى نزلت.
وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال.
الإيضاح :
ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدة أي ولو صحت نيتهم للخروج لاستعدوا له وأخذوا الأهبة من زاد وراحلة ونحو ذلك مما يحتاج إليه المسافر لمثل هذا السفر البعيد وقد كانوا مستطيعين لذلك ولم يفعلوا.
ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم الانبعاث : توجيه الإنسان أو الحيوان إلى الشيء بقوة كبعث الرسل وبعث الموتى، والتثبيط : التعويق عن الأمر والمنع منه.
أي كره الله نَفْرهم وخروجهم مع المؤمنين لما فيه من الضرر العائق لهم عما أحبه من نصرهم، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من المخاوف التي هي مقتضى سننه من تأثير النفاق فيها، ومن ثم لم يُعِدّوا للخروج عدته، لأنهم لم يريدوه، وإنما أرادوا بالاستئذان ستر ما عزموا عليه من المخالفة والعصيان.
وقيل اقعدوا مع القاعدين أي وقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بعبارة تدل على السخط لا على الرضا، أي اقعدوا مع الأطفال والزّمْنَى والعجزة والنساء وهم قد حملوه على ظاهره لموافقته لما يريدون.
آية رقم ٤٧
لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( ٤٧ ) لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ( التوبة : ٤٧-٤٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أن استئذانهم في التخلف عن القتال إنما كان سترا لنفاقهم وتغطية لعصيانهم- قفّى على ذلك ببيان المفاسد التي كانت تنجُم من خروجهم لو خرجوا، وحصرها في أمور ثلاثة :
الاضطراب في الرأي وفساد النظام.
تفريق الكلمة بالسعي فيما بينكم بالنميمة.
إن فيكم ناسا من ضعفاء الإيمان يسمعون كلامهم ويقبلون قولهم.
تفسير المفردات :
الخبال : الاضطراب في الرأي والفساد في العمل، كضعف القتال والخلل في النظام، ويقال وضع الرجل إذا عدا مسرعا وأوضع راحلته إذا حملها على الإسراع. وخلال الأشياء : ما يفصل بينها من فروج ونحوها. والفتنة : التشكيك في الدين والتخويف من الأعداء. وسماعون لهم : أي ضعفاء العزيمة يسمعون
الإيضاح :
( ١ ) ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا أي لو خرج هؤلاء المنافقون المستأذنون في القعود معكم، ما زادوكم قوة ومَنَعة وإقداما كما هو الشأن في القوى المتحدة في العقيدة والمصلحة، بل زادوكم اضطرابا في الرأي وضعفا في القتال ومفسدة للنظام، كما حدث مثل ذلك في غزوة حنين، فقد ولّى المنافقون الأدبار في أول المعركة وولى على إثرهم ضعفاء الإيمان من طلقاء فتح مكة، ومن ثم اضطرب نظام الجيش، فولّى أكثر المؤمنين معهم بلا تدبر ولا تفكير كما هو الشأن في مثل هذه الأحوال.
( ٢ ) ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة أي ولأسرعوا في الدخول فيما بينكم سعيا في النميمة وتفريق الكلمة، يبغون بذلك تثبيطكم عن القتال وتهويل أمر العدو وإيقاع الرعب في قلوبكم.
( ٣ ) وفيكم سماعون لهم أي وفيكم ناس من ضعفاء الإيمان أو ضعفاء العزم يسمعون كلامهم، فإذا ألقوا إليهم شيئا مما يوجب ضعف العزائم قبلوه وفتروا بسببه عن القيام بأمر الجهاد ما ينبغي.
ووجه العتاب على الإذن في قعودهم مع ما قص الله تعالى من المفاسد التي تترتب على خروجهم- أنهم لو قعدوا بغير إذن منه لظهر نفاقهم بين المسلمين بادئ ذي بدء، فلم يستطيعوا مخالطتهم ولا السعي فيما بينهم من الأراجيف وقالة السوء التي يقبح أثرها، وتسوء عاقبتها.
والله عليم بالظالمين علما يحيط بظواهرهم وبواطنهم وأعمالهم ما تقدم منها وما تأخر، وبما هم مستعدون له في كل حال مما وقع ومما لم يقع، فأحكامه فيهم على علم تام لا ظن فيه ولا اجتهاد كاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الإذن لهم، والذي تثبت هذه الآية أنه شر لا خير فيه وهو ضعف لا قوة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم أنهم لا يخرجون إذا لم يأذن لهم، فهذا من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وهو لم يعلمه قبل نزول هذه الآيات.
وقد كان من حكمة الله في تربية رسوله وتكميله أن يبين له بعض الحقائق بعد اجتهاده فيها لتكون أوقع في نفسه ونفس أتباعه فيحرصوا على العمل بها، ولا يحَكموا أهواءهم فيها، وكذلك كان السلف الصالح يسيرون على نهجه، ويهتدون بهديه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أن استئذانهم في التخلف عن القتال إنما كان سترا لنفاقهم وتغطية لعصيانهم- قفّى على ذلك ببيان المفاسد التي كانت تنجُم من خروجهم لو خرجوا، وحصرها في أمور ثلاثة :
الاضطراب في الرأي وفساد النظام.
تفريق الكلمة بالسعي فيما بينكم بالنميمة.
إن فيكم ناسا من ضعفاء الإيمان يسمعون كلامهم ويقبلون قولهم.
تفسير المفردات :
الخبال : الاضطراب في الرأي والفساد في العمل، كضعف القتال والخلل في النظام، ويقال وضع الرجل إذا عدا مسرعا وأوضع راحلته إذا حملها على الإسراع. وخلال الأشياء : ما يفصل بينها من فروج ونحوها. والفتنة : التشكيك في الدين والتخويف من الأعداء. وسماعون لهم : أي ضعفاء العزيمة يسمعون
الإيضاح :
( ١ ) ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا أي لو خرج هؤلاء المنافقون المستأذنون في القعود معكم، ما زادوكم قوة ومَنَعة وإقداما كما هو الشأن في القوى المتحدة في العقيدة والمصلحة، بل زادوكم اضطرابا في الرأي وضعفا في القتال ومفسدة للنظام، كما حدث مثل ذلك في غزوة حنين، فقد ولّى المنافقون الأدبار في أول المعركة وولى على إثرهم ضعفاء الإيمان من طلقاء فتح مكة، ومن ثم اضطرب نظام الجيش، فولّى أكثر المؤمنين معهم بلا تدبر ولا تفكير كما هو الشأن في مثل هذه الأحوال.
( ٢ ) ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة أي ولأسرعوا في الدخول فيما بينكم سعيا في النميمة وتفريق الكلمة، يبغون بذلك تثبيطكم عن القتال وتهويل أمر العدو وإيقاع الرعب في قلوبكم.
( ٣ ) وفيكم سماعون لهم أي وفيكم ناس من ضعفاء الإيمان أو ضعفاء العزم يسمعون كلامهم، فإذا ألقوا إليهم شيئا مما يوجب ضعف العزائم قبلوه وفتروا بسببه عن القيام بأمر الجهاد ما ينبغي.
ووجه العتاب على الإذن في قعودهم مع ما قص الله تعالى من المفاسد التي تترتب على خروجهم- أنهم لو قعدوا بغير إذن منه لظهر نفاقهم بين المسلمين بادئ ذي بدء، فلم يستطيعوا مخالطتهم ولا السعي فيما بينهم من الأراجيف وقالة السوء التي يقبح أثرها، وتسوء عاقبتها.
والله عليم بالظالمين علما يحيط بظواهرهم وبواطنهم وأعمالهم ما تقدم منها وما تأخر، وبما هم مستعدون له في كل حال مما وقع ومما لم يقع، فأحكامه فيهم على علم تام لا ظن فيه ولا اجتهاد كاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الإذن لهم، والذي تثبت هذه الآية أنه شر لا خير فيه وهو ضعف لا قوة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم أنهم لا يخرجون إذا لم يأذن لهم، فهذا من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وهو لم يعلمه قبل نزول هذه الآيات.
وقد كان من حكمة الله في تربية رسوله وتكميله أن يبين له بعض الحقائق بعد اجتهاده فيها لتكون أوقع في نفسه ونفس أتباعه فيحرصوا على العمل بها، ولا يحَكموا أهواءهم فيها، وكذلك كان السلف الصالح يسيرون على نهجه، ويهتدون بهديه.
آية رقم ٤٨
سورة التوبة- سورة براءة
عدد آياتها ثلاثون ومائة وهي مدنية
ولها أسماء كثيرة : منها الفاضحة لما تضمنته من ذكر أسرار المنافقين وأنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، والمُدَمْدمة والمُخْزية.
وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وقد كان الاستعداد لها وقت القيظ زمن العسرة، وفي أثنائها ظهر من علامات نفاق المنافقين ما كان خفيّا من قبل.
وأولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا ليقرأها على المشركين في الموسم.
روى البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ( النساء : ١٧٦ ) وآخر سورة نزلت براءة.
ووجه المناسبة بينها وبين ما قبلها- أنها كالمتممة لها في معظم ما في أصول الدين وفروعه، وفي التشريع الذي جلُّه في أحكام القتال والاستعداد له، وأسباب النصر فيه، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي لذلك، وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض، والكافرين بعضهم مع بعض، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب، فما بُدِئ به في الأولى أُتم في الثانية.
وهاك أمثلة على ذلك :
تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب.
ذكر في الأولى صدّ المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه، وجاء في الثانية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ( التوبة : ١٧ ) إلى آخر الآيات.
ذكرت العهود في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها.
ذكر في سورة الأنفال الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء ذلك بأبلغ وجه في براءة.
جاء في الأولى ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض- وفصل ذلك في الثانية أتمّ تفصيل.
تنبيه : لم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها، لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة. وقيل لأنها جاءت لرفع الأمان والابتداء بالبسملة مذكورا فيها اسم الله موصوفا بالرحمة يوجبه.
تفسير المفردات :
قولهم. وتقليب الشيء : تصريفه في كل وجه وجوهه والنظر في كل ناحية من أنحائه ؛ والمراد : أنهم دبروا الحيل والمكايد ودوّروا الآراء في كل وجه لإبطال دينك.
الإيضاح :
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون أي ولقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين وتفريق شملهم من قبل هذه الغزوة في غزوة أحد حين اعتزلهم عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين بثلث الجيش في موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحد، وطفق يقول للناس : أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا ؟ وكان من رأيه عدم الخروج إلى أحد فرجع بمن اتبعه من المنافقين، وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة فيرجعون ولكن عصمهما الله من الفتنة.
وكان دأب المنافقين أن يدبروا له الحيل والمكايد ليبطلوا أمره، فكان لهم ضَلْع مع اليهود وضلع مع المشركين في كل ما فعلا من عداوته وقتال المؤمنين- حتى جاء النصر الذي وعده ربه وظهر دين الله وعلا شرعه بالتنكيل باليهود الغادرين الناكثين للعهود، والنصر على المشركين بفتح مكة ودخول الناس في الإسلام أفواجا وهم كارهون لذلك، حتى لقد كانوا يُمنون أنفسهم بظهور المشركين على المؤمنين في حنين وعودة الشرك إلى قوته.
وفي الآيتين تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المنافقين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله، وفيه هتك أستارهم وإزاحة أعذارهم.
عدد آياتها ثلاثون ومائة وهي مدنية
ولها أسماء كثيرة : منها الفاضحة لما تضمنته من ذكر أسرار المنافقين وأنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، والمُدَمْدمة والمُخْزية.
وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك، وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وقد كان الاستعداد لها وقت القيظ زمن العسرة، وفي أثنائها ظهر من علامات نفاق المنافقين ما كان خفيّا من قبل.
وأولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا ليقرأها على المشركين في الموسم.
روى البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ( النساء : ١٧٦ ) وآخر سورة نزلت براءة.
ووجه المناسبة بينها وبين ما قبلها- أنها كالمتممة لها في معظم ما في أصول الدين وفروعه، وفي التشريع الذي جلُّه في أحكام القتال والاستعداد له، وأسباب النصر فيه، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي لذلك، وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض، والكافرين بعضهم مع بعض، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب، فما بُدِئ به في الأولى أُتم في الثانية.
وهاك أمثلة على ذلك :
تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب.
ذكر في الأولى صدّ المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه، وجاء في الثانية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ( التوبة : ١٧ ) إلى آخر الآيات.
ذكرت العهود في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها.
ذكر في سورة الأنفال الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء ذلك بأبلغ وجه في براءة.
جاء في الأولى ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض- وفصل ذلك في الثانية أتمّ تفصيل.
تنبيه : لم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها، لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة. وقيل لأنها جاءت لرفع الأمان والابتداء بالبسملة مذكورا فيها اسم الله موصوفا بالرحمة يوجبه.
تفسير المفردات :
قولهم. وتقليب الشيء : تصريفه في كل وجه وجوهه والنظر في كل ناحية من أنحائه ؛ والمراد : أنهم دبروا الحيل والمكايد ودوّروا الآراء في كل وجه لإبطال دينك.
الإيضاح :
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون أي ولقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين وتفريق شملهم من قبل هذه الغزوة في غزوة أحد حين اعتزلهم عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين بثلث الجيش في موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحد، وطفق يقول للناس : أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا ؟ وكان من رأيه عدم الخروج إلى أحد فرجع بمن اتبعه من المنافقين، وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة فيرجعون ولكن عصمهما الله من الفتنة.
وكان دأب المنافقين أن يدبروا له الحيل والمكايد ليبطلوا أمره، فكان لهم ضَلْع مع اليهود وضلع مع المشركين في كل ما فعلا من عداوته وقتال المؤمنين- حتى جاء النصر الذي وعده ربه وظهر دين الله وعلا شرعه بالتنكيل باليهود الغادرين الناكثين للعهود، والنصر على المشركين بفتح مكة ودخول الناس في الإسلام أفواجا وهم كارهون لذلك، حتى لقد كانوا يُمنون أنفسهم بظهور المشركين على المؤمنين في حنين وعودة الشرك إلى قوته.
وفي الآيتين تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المنافقين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله، وفيه هتك أستارهم وإزاحة أعذارهم.
آية رقم ٤٩
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ( ٤٩ ) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ( ٥٠ ) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( ٥١ ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ( التوبة : ٤٩-٥٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
آية رقم ٥٠
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ( ٤٩ ) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ( ٥٠ ) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( ٥١ ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ( التوبة : ٤٩-٥٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
الإيضاح :
إن تصبك حسنة تسوءهم الحسنة ما يسّر النفس حصولُه من غنيمة ونصر ونحوهما : أي إن كل ما يسرك من النصر والغنيمة كما حدث يوم بدر- يورثهم كآبة وحزنا لفرط حسدهم وعداوتهم.
وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون أي وإن تصبك شدة كانكسار جيش كما حدث يوم أحد- يقولوا مُعْجَبين بآرائهم حامدين ما صنعوا، قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحذر والحزم كما هو دأبنا، إذ تخلفنا عن القتال ولم نُلق بأيدينا إلى الهلاك، وينصرفوا عن الموضع الذي يقولون فيه هذا القول وهم فرحون فرح البطر والشماتة.
روى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يُشيعون أخبار السوء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويقولون إنهم جَهِدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم بعد ذلك كذب خبرهم وعافية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فساءهم ذلك فأنزل الله إن تصبك حسنة تسوءهم الآية.
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
الإيضاح :
إن تصبك حسنة تسوءهم الحسنة ما يسّر النفس حصولُه من غنيمة ونصر ونحوهما : أي إن كل ما يسرك من النصر والغنيمة كما حدث يوم بدر- يورثهم كآبة وحزنا لفرط حسدهم وعداوتهم.
وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون أي وإن تصبك شدة كانكسار جيش كما حدث يوم أحد- يقولوا مُعْجَبين بآرائهم حامدين ما صنعوا، قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحذر والحزم كما هو دأبنا، إذ تخلفنا عن القتال ولم نُلق بأيدينا إلى الهلاك، وينصرفوا عن الموضع الذي يقولون فيه هذا القول وهم فرحون فرح البطر والشماتة.
روى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يُشيعون أخبار السوء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويقولون إنهم جَهِدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم بعد ذلك كذب خبرهم وعافية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فساءهم ذلك فأنزل الله إن تصبك حسنة تسوءهم الآية.
آية رقم ٥١
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ( ٤٩ ) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ( ٥٠ ) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( ٥١ ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ( التوبة : ٤٩-٥٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
الإيضاح :
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا أي قل أيها الرسول لأولئك المنافقين الذين يفرحون بمصابك وتسوءهم نعمتك : لن يصيبنا إلا ما خُطّ لنا وكتب في اللوح المحفوظ بحسب سننه تعالى في خلقه من نصر وغنيمة أو تمحيص وشهادة، ولا يتغير ذلك بموافقتكم أو مخالفتكم، فالأمور كلها بقضائه تعالى.
هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي هو ناصرنا ومتولي أمورنا بتوفيقنا ونصرنا، ونحن نلجأ إليه ونتوكل عليه، فلا نيأس عند شدة، ولا نبطر عند نعمة، كما قال سبحانه في بيان سننه تعالى في خلقه أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها( ١٠ ) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ( محمد : ١٠-١١ ).
ومن حق المتوكل على الله وحده أن يقوم بما أوجبه عليه في شرعه، ويهتدي بسننه في خلقه، من الأخذ بأسباب النصر المادية والمعنوية كإعداد العُدّة واتقاء التنازع الذي يولد الفشل ويفرّق الكلمة، ثم بعد ذلك يكل الأمر إليه فيما لا تصل إليه الأيدي من الأسباب ويتوقف عليه حصول النجاح.
ويقابل التوكل بهذا المعنى اتكال الماديين على حولهم وقوتهم وحدها، حتى إذا أدركهم العجز خانهم الصبر وأدركهم اليأس حين حلول البأس، واتكال ذوي الأوهام الذين يتعلقون بالأماني والأحلام، حتى إذا ما استبان لهم فساد أوهامهم نكصوا على أعقابهم وكفروا بوعد ربهم بنصر المؤمنين، وهو إنما وعد أولياءه لا أولياء الشيطان، وذوي الخرافات والأوهام.
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
الإيضاح :
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا أي قل أيها الرسول لأولئك المنافقين الذين يفرحون بمصابك وتسوءهم نعمتك : لن يصيبنا إلا ما خُطّ لنا وكتب في اللوح المحفوظ بحسب سننه تعالى في خلقه من نصر وغنيمة أو تمحيص وشهادة، ولا يتغير ذلك بموافقتكم أو مخالفتكم، فالأمور كلها بقضائه تعالى.
هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي هو ناصرنا ومتولي أمورنا بتوفيقنا ونصرنا، ونحن نلجأ إليه ونتوكل عليه، فلا نيأس عند شدة، ولا نبطر عند نعمة، كما قال سبحانه في بيان سننه تعالى في خلقه أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها( ١٠ ) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ( محمد : ١٠-١١ ).
ومن حق المتوكل على الله وحده أن يقوم بما أوجبه عليه في شرعه، ويهتدي بسننه في خلقه، من الأخذ بأسباب النصر المادية والمعنوية كإعداد العُدّة واتقاء التنازع الذي يولد الفشل ويفرّق الكلمة، ثم بعد ذلك يكل الأمر إليه فيما لا تصل إليه الأيدي من الأسباب ويتوقف عليه حصول النجاح.
ويقابل التوكل بهذا المعنى اتكال الماديين على حولهم وقوتهم وحدها، حتى إذا أدركهم العجز خانهم الصبر وأدركهم اليأس حين حلول البأس، واتكال ذوي الأوهام الذين يتعلقون بالأماني والأحلام، حتى إذا ما استبان لهم فساد أوهامهم نكصوا على أعقابهم وكفروا بوعد ربهم بنصر المؤمنين، وهو إنما وعد أولياءه لا أولياء الشيطان، وذوي الخرافات والأوهام.
آية رقم ٥٢
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ( ٤٩ ) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ( ٥٠ ) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( ٥١ ) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ( التوبة : ٤٩-٥٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
الإيضاح :
قل هل تربصون بنا إلى إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون أي قل لهم : أيها الجاهلون، هل تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين النصر أو الشهادة، ونحن نتربص لكم إحدى السّوءيين أن يصيبكم ربكم بقارعة سماوية لا كسب لنا فيها، كما فعل بالأمم المكذّبة لرسلها، أو أن يأذن لنا بقتالكم إن أغراكم الشيطان بإظهار كفركم، فتربصوا بنا إنا معكم متربصون من عاقبتنا وعاقبتكم إن أصررتم على كفركم وظهر أمركم، فنحن على بيّنة من ربنا ولا بينة لكم، فإذا لقي كل منا ومنكم ما يتربصه، لا نشاهد إلا ما يسوءكم ولا تشاهدون إلا ما يسرنا.
والدين لا يأمر بقتل المنافق ما دام يظهر الإسلام ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.
المعنى الجملي : هذه الآيات سيقت لبيان أقوال قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرا، وبعضها أكنّوه في أنفسهم، وأعذار سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤون أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
الإيضاح :
قل هل تربصون بنا إلى إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون أي قل لهم : أيها الجاهلون، هل تنتظرون بنا إلا إحدى العاقبتين النصر أو الشهادة، ونحن نتربص لكم إحدى السّوءيين أن يصيبكم ربكم بقارعة سماوية لا كسب لنا فيها، كما فعل بالأمم المكذّبة لرسلها، أو أن يأذن لنا بقتالكم إن أغراكم الشيطان بإظهار كفركم، فتربصوا بنا إنا معكم متربصون من عاقبتنا وعاقبتكم إن أصررتم على كفركم وظهر أمركم، فنحن على بيّنة من ربنا ولا بينة لكم، فإذا لقي كل منا ومنكم ما يتربصه، لا نشاهد إلا ما يسوءكم ولا تشاهدون إلا ما يسرنا.
والدين لا يأمر بقتل المنافق ما دام يظهر الإسلام ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.
آية رقم ٥٣
قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ( ٥٣ ) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ( ٥٤ ) فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( التوبة : ٥٣-٥٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه اعتذار المنافقين بالمعاذير الكاذبة، وتعللاتهم الباطلة في التخلف عن القتال، وذكر ما يجول في نفوسهم من كراهتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر- قفّى على ذلك ببيان أن نفقاتهم على الجهاد في هذه الحال طوعا أو كرها لن يتقبلها الله ولا ثواب لهم عليها، لما يبطنونه في صدورهم من الكفر والفسوق عن أمر الله، فهم إن فعلوا شيئا من أركان الدين فإنما يفعلونه رئاء للناس وخوفا على أنفسهم من الفضيحة إذا هم تركوها، وأن أموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدنيا والآخرة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه اعتذار المنافقين بالمعاذير الكاذبة، وتعللاتهم الباطلة في التخلف عن القتال، وذكر ما يجول في نفوسهم من كراهتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر- قفّى على ذلك ببيان أن نفقاتهم على الجهاد في هذه الحال طوعا أو كرها لن يتقبلها الله ولا ثواب لهم عليها، لما يبطنونه في صدورهم من الكفر والفسوق عن أمر الله، فهم إن فعلوا شيئا من أركان الدين فإنما يفعلونه رئاء للناس وخوفا على أنفسهم من الفضيحة إذا هم تركوها، وأن أموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدنيا والآخرة.
آية رقم ٥٤
قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ( ٥٣ ) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ( ٥٤ ) فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( التوبة : ٥٣-٥٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه اعتذار المنافقين بالمعاذير الكاذبة، وتعللاتهم الباطلة في التخلف عن القتال، وذكر ما يجول في نفوسهم من كراهتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر- قفّى على ذلك ببيان أن نفقاتهم على الجهاد في هذه الحال طوعا أو كرها لن يتقبلها الله ولا ثواب لهم عليها، لما يبطنونه في صدورهم من الكفر والفسوق عن أمر الله، فهم إن فعلوا شيئا من أركان الدين فإنما يفعلونه رئاء للناس وخوفا على أنفسهم من الفضيحة إذا هم تركوها، وأن أموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدنيا والآخرة.
الإيضاح :
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله أي وما منع قبول نفقاتهم إلا كفرهم بالله وصفاته على الوجه الحق، وكفرهم برسالة رسوله وما جاء به من هدى والبينات.
ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى أي ولا يصلون إلا رياء وتَقِيّة، لا إيمانا بوجوبها، ولا قصدا إلى ثوابها واحتسابا لأجرها، ولا تكميلا لأنفسهم بما شرعه الله لأجلها، لأنهم لا يأتونها إلا وهم متثاقلون كسالى لا تنشرح لها نفوسهم ولا تنشط لها أبدانهم.
ولا ينفقون إلا وهم كارهون أي ولا ينفقون أموالهم في مصالح الجهاد وغيره إلا وهم كارهون لذلك غير طيبة به أنفسهم، لأنهم يعدون هذه النفقات مغارم تضرب عليهم ينتفع بها المؤمنون وهم ليسوا منهم، فلا نفع لهم بما أنفقوا لا في الدنيا وهو واضح ولا في الآخرة، إذ لا يؤمنون بها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه اعتذار المنافقين بالمعاذير الكاذبة، وتعللاتهم الباطلة في التخلف عن القتال، وذكر ما يجول في نفوسهم من كراهتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر- قفّى على ذلك ببيان أن نفقاتهم على الجهاد في هذه الحال طوعا أو كرها لن يتقبلها الله ولا ثواب لهم عليها، لما يبطنونه في صدورهم من الكفر والفسوق عن أمر الله، فهم إن فعلوا شيئا من أركان الدين فإنما يفعلونه رئاء للناس وخوفا على أنفسهم من الفضيحة إذا هم تركوها، وأن أموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدنيا والآخرة.
الإيضاح :
وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله أي وما منع قبول نفقاتهم إلا كفرهم بالله وصفاته على الوجه الحق، وكفرهم برسالة رسوله وما جاء به من هدى والبينات.
ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى أي ولا يصلون إلا رياء وتَقِيّة، لا إيمانا بوجوبها، ولا قصدا إلى ثوابها واحتسابا لأجرها، ولا تكميلا لأنفسهم بما شرعه الله لأجلها، لأنهم لا يأتونها إلا وهم متثاقلون كسالى لا تنشرح لها نفوسهم ولا تنشط لها أبدانهم.
ولا ينفقون إلا وهم كارهون أي ولا ينفقون أموالهم في مصالح الجهاد وغيره إلا وهم كارهون لذلك غير طيبة به أنفسهم، لأنهم يعدون هذه النفقات مغارم تضرب عليهم ينتفع بها المؤمنون وهم ليسوا منهم، فلا نفع لهم بما أنفقوا لا في الدنيا وهو واضح ولا في الآخرة، إذ لا يؤمنون بها.
آية رقم ٥٥
قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ( ٥٣ ) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ( ٥٤ ) فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( التوبة : ٥٣-٥٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه اعتذار المنافقين بالمعاذير الكاذبة، وتعللاتهم الباطلة في التخلف عن القتال، وذكر ما يجول في نفوسهم من كراهتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر- قفّى على ذلك ببيان أن نفقاتهم على الجهاد في هذه الحال طوعا أو كرها لن يتقبلها الله ولا ثواب لهم عليها، لما يبطنونه في صدورهم من الكفر والفسوق عن أمر الله، فهم إن فعلوا شيئا من أركان الدين فإنما يفعلونه رئاء للناس وخوفا على أنفسهم من الفضيحة إذا هم تركوها، وأن أموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدنيا والآخرة.
الإيضاح :
ولما كان من أقوى أسباب إعراضهم عن آيات الله كثرة المال وطغيان الغنى بيّن سبحانه سوء عاقبة المال لهم فقال :
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم الإعجاب بالشيء السرور به مع الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، والخطاب لكل من سمع القول أو بلغه.
أي فلا تعجبك أيها السامع أموالهم ولا أولادهم التي هي من أكبر النعم وأجلها، ولا يجولنّ بخاطرك أنهم- وقد حرموا ثوابها في الآخرة- صفا لهم نعيمها في الدنيا، وإلى هذا أشار بقوله سبحانه :
إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بما ينالهم بسببها من التنغيص والحسرة.
أما الأموال فلأنهم يلاقون النّصَب والتعب في جمعها واكتسابها، ويلاقون ما هو أشد من ذلك في حفظها وصَوْنها من الهلاك، فالمشغوف بالمال يكون أبدا في تعب الحفظ والصون وهو مع ذلك لا ينتفع إلا بالقليل منها كما قال عليه الصلاة والسلام :( مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ).
وأما الأولاد فإنهم يرون أنهم قد نشأوا في الإسلام واطمأنت به قلوبهم، فهم يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وربما ماتوا في الغزو- فيجزعون أشد الجزع، إذ لا يعتقدون شهاداتهم، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأن الاجتماع بهم قريب كما يعتقد المؤمنون.
وتزهق أنفسهم وهم كافرون أي ويموتون ويهْلِكون وهم كافرون، فيعذبون بها في الآخرة إثر ما عُذّبوا بها في الدنيا، لموتهم على الكفر الذي يحبط أعمالهم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه اعتذار المنافقين بالمعاذير الكاذبة، وتعللاتهم الباطلة في التخلف عن القتال، وذكر ما يجول في نفوسهم من كراهتهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر- قفّى على ذلك ببيان أن نفقاتهم على الجهاد في هذه الحال طوعا أو كرها لن يتقبلها الله ولا ثواب لهم عليها، لما يبطنونه في صدورهم من الكفر والفسوق عن أمر الله، فهم إن فعلوا شيئا من أركان الدين فإنما يفعلونه رئاء للناس وخوفا على أنفسهم من الفضيحة إذا هم تركوها، وأن أموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدنيا والآخرة.
الإيضاح :
ولما كان من أقوى أسباب إعراضهم عن آيات الله كثرة المال وطغيان الغنى بيّن سبحانه سوء عاقبة المال لهم فقال :
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم الإعجاب بالشيء السرور به مع الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، والخطاب لكل من سمع القول أو بلغه.
أي فلا تعجبك أيها السامع أموالهم ولا أولادهم التي هي من أكبر النعم وأجلها، ولا يجولنّ بخاطرك أنهم- وقد حرموا ثوابها في الآخرة- صفا لهم نعيمها في الدنيا، وإلى هذا أشار بقوله سبحانه :
إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا بما ينالهم بسببها من التنغيص والحسرة.
أما الأموال فلأنهم يلاقون النّصَب والتعب في جمعها واكتسابها، ويلاقون ما هو أشد من ذلك في حفظها وصَوْنها من الهلاك، فالمشغوف بالمال يكون أبدا في تعب الحفظ والصون وهو مع ذلك لا ينتفع إلا بالقليل منها كما قال عليه الصلاة والسلام :( مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ).
وأما الأولاد فإنهم يرون أنهم قد نشأوا في الإسلام واطمأنت به قلوبهم، فهم يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وربما ماتوا في الغزو- فيجزعون أشد الجزع، إذ لا يعتقدون شهاداتهم، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأن الاجتماع بهم قريب كما يعتقد المؤمنون.
وتزهق أنفسهم وهم كافرون أي ويموتون ويهْلِكون وهم كافرون، فيعذبون بها في الآخرة إثر ما عُذّبوا بها في الدنيا، لموتهم على الكفر الذي يحبط أعمالهم.
آية رقم ٥٦
وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ( ٥٦ ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( التوبة : ٥٦-٥٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن بيّن سبحانه أن المنافقين يُظهرون غير ما يضمرون، فإذا هم طلبوا الإذن خوف الفتنة كانوا كاذبين، وذكر أنهم يتمنّوْن أن تدور الدوائر على المؤمنين، قفّى على ذلك بذكر غلوّهم في النفاق وأنهم لا يتحرّجون أن يحلفوا الأيمان الفاجرة لستر نفاقهم خوف الفضيحة، وأنهم يتمنون أن يجدوا أي السبل للعبد عن المؤمنين، فيلجأوا إليها مسرعين.
المعنى الجملي : بعد أن بيّن سبحانه أن المنافقين يُظهرون غير ما يضمرون، فإذا هم طلبوا الإذن خوف الفتنة كانوا كاذبين، وذكر أنهم يتمنّوْن أن تدور الدوائر على المؤمنين، قفّى على ذلك بذكر غلوّهم في النفاق وأنهم لا يتحرّجون أن يحلفوا الأيمان الفاجرة لستر نفاقهم خوف الفضيحة، وأنهم يتمنون أن يجدوا أي السبل للعبد عن المؤمنين، فيلجأوا إليها مسرعين.
آية رقم ٥٧
وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ( ٥٦ ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( التوبة : ٥٦-٥٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن بيّن سبحانه أن المنافقين يُظهرون غير ما يضمرون، فإذا هم طلبوا الإذن خوف الفتنة كانوا كاذبين، وذكر أنهم يتمنّوْن أن تدور الدوائر على المؤمنين، قفّى على ذلك بذكر غلوّهم في النفاق وأنهم لا يتحرّجون أن يحلفوا الأيمان الفاجرة لستر نفاقهم خوف الفضيحة، وأنهم يتمنون أن يجدوا أي السبل للعبد عن المؤمنين، فيلجأوا إليها مسرعين.
تفسير المفردات :
والملجأ : المكان الذي يلجأ إليه الخائف ليعتصم به كحصن أو قلعة أو جزيرة في بحر أو قُنّة في جبل. والمغارات : واحدها مغارة وهي الكهف في الجبل يغور فيه الإنسان ويستتر. والمُدّخَل : بالتشديد السرب في الأرض يدخله الإنسان بمشقة. والجماح : السرعة التي تتعذر مقاومتها.
الإيضاح :
لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون أي إنهم لشدة كرههم للقتال معكم، ولبغض معاشرتهم إياكم، ولعظيم الخوف من ظهور نفاقهم لكم يتمنون الفرار منكم والعيش في مكان يعتصمون به من انتقامكم منهم، فلو استطاعوا السكنى في الحصون والقلاع، أو في كهوف الجبال ومغاراتها، أو في أنفاق الأرض وأسرابها- لولّوْا إليه مسرعين كالفرس الجموح لا يردّهم شيء.
وإنما وصفهم الله سبحانه بتلك الأوصاف، لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم، لأنهم كانوا بين عشيرتهم وفي دورهم وأموالهم، ولم يقدروا على ترك ذلك وفراقه، فصانعوا القوم بالنفاق ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بإخفاء الكفر ودعوى الإيمان، وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأهل الإيمان به وبالغ الحقد عليهم.
المعنى الجملي : بعد أن بيّن سبحانه أن المنافقين يُظهرون غير ما يضمرون، فإذا هم طلبوا الإذن خوف الفتنة كانوا كاذبين، وذكر أنهم يتمنّوْن أن تدور الدوائر على المؤمنين، قفّى على ذلك بذكر غلوّهم في النفاق وأنهم لا يتحرّجون أن يحلفوا الأيمان الفاجرة لستر نفاقهم خوف الفضيحة، وأنهم يتمنون أن يجدوا أي السبل للعبد عن المؤمنين، فيلجأوا إليها مسرعين.
تفسير المفردات :
والملجأ : المكان الذي يلجأ إليه الخائف ليعتصم به كحصن أو قلعة أو جزيرة في بحر أو قُنّة في جبل. والمغارات : واحدها مغارة وهي الكهف في الجبل يغور فيه الإنسان ويستتر. والمُدّخَل : بالتشديد السرب في الأرض يدخله الإنسان بمشقة. والجماح : السرعة التي تتعذر مقاومتها.
الإيضاح :
لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون أي إنهم لشدة كرههم للقتال معكم، ولبغض معاشرتهم إياكم، ولعظيم الخوف من ظهور نفاقهم لكم يتمنون الفرار منكم والعيش في مكان يعتصمون به من انتقامكم منهم، فلو استطاعوا السكنى في الحصون والقلاع، أو في كهوف الجبال ومغاراتها، أو في أنفاق الأرض وأسرابها- لولّوْا إليه مسرعين كالفرس الجموح لا يردّهم شيء.
وإنما وصفهم الله سبحانه بتلك الأوصاف، لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم، لأنهم كانوا بين عشيرتهم وفي دورهم وأموالهم، ولم يقدروا على ترك ذلك وفراقه، فصانعوا القوم بالنفاق ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بإخفاء الكفر ودعوى الإيمان، وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأهل الإيمان به وبالغ الحقد عليهم.
آية رقم ٥٨
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( ٥٨ ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ ( التوبة : ٥٨-٥٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أن المنافقين لا يتحرجون عن كاذب الأيمان إذا وجدوا في ذلك طريقا لخِدْعة المؤمنين في تصديقهم بأنهم مؤمنون كما هم مؤمنون كي يأمنوا جانبهم، وأنهم يجدّون في البعد عنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا- أردف ذلك بذكر سوأة أخرى من سوءاتهم وهي أنهم يتمنَّوْن الفرص للطعن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يوقعوا الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من المسلك الذي يوافق أهواءهم، وقد وجدوا من ذلك قسمة الصدقات والمغانم، فولَجوا هذا الباب وقالوا ما شاؤوا أن يقولوا.
روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قَسْما إذ جاءه ذو الخُوَيْصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال :( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ). فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يَمْرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِيّة ) فنزلت فيهم : ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية.
وروى ابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت ورأى ذلك رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية.
ومجموع الروايات يدل على أن أشخاصا من منافقي المدينة قالوا ذلك لحرمانهم من العطية، ولم يقله أحد من المهاجرين ولا من الأنصار الأولين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في منى.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أن المنافقين لا يتحرجون عن كاذب الأيمان إذا وجدوا في ذلك طريقا لخِدْعة المؤمنين في تصديقهم بأنهم مؤمنون كما هم مؤمنون كي يأمنوا جانبهم، وأنهم يجدّون في البعد عنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا- أردف ذلك بذكر سوأة أخرى من سوءاتهم وهي أنهم يتمنَّوْن الفرص للطعن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يوقعوا الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من المسلك الذي يوافق أهواءهم، وقد وجدوا من ذلك قسمة الصدقات والمغانم، فولَجوا هذا الباب وقالوا ما شاؤوا أن يقولوا.
روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قَسْما إذ جاءه ذو الخُوَيْصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال :( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ). فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يَمْرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِيّة ) فنزلت فيهم : ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية.
وروى ابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت ورأى ذلك رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية.
ومجموع الروايات يدل على أن أشخاصا من منافقي المدينة قالوا ذلك لحرمانهم من العطية، ولم يقله أحد من المهاجرين ولا من الأنصار الأولين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في منى.
آية رقم ٥٩
وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( ٥٨ ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ ( التوبة : ٥٨-٥٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أن المنافقين لا يتحرجون عن كاذب الأيمان إذا وجدوا في ذلك طريقا لخِدْعة المؤمنين في تصديقهم بأنهم مؤمنون كما هم مؤمنون كي يأمنوا جانبهم، وأنهم يجدّون في البعد عنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا- أردف ذلك بذكر سوأة أخرى من سوءاتهم وهي أنهم يتمنَّوْن الفرص للطعن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يوقعوا الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من المسلك الذي يوافق أهواءهم، وقد وجدوا من ذلك قسمة الصدقات والمغانم، فولَجوا هذا الباب وقالوا ما شاؤوا أن يقولوا.
روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قَسْما إذ جاءه ذو الخُوَيْصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال :( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ). فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يَمْرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِيّة ) فنزلت فيهم : ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية.
وروى ابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت ورأى ذلك رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية.
ومجموع الروايات يدل على أن أشخاصا من منافقي المدينة قالوا ذلك لحرمانهم من العطية، ولم يقله أحد من المهاجرين ولا من الأنصار الأولين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في منى.
تفسير المفردات :
ورغبه ورغب فيه : أحبه، ورغب عنه : كرهه، ورغب إليه : طلبه وتوجه إليه.
الإيضاح :
ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون أي ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الله من الغنائم وغيرها وأعطاهم رسوله بقسمة الغنائم والصدقات كما أمره الله، وقالوا الله يكفينا في كل حال، وسيعطينا من فضله بما يرد علينا من الغنائم والصدقات، لأن فضله لا ينقطع، ورسوله لا يبخس أحدا منا شيئا يستحقه في شرع الله، وقالوا إنا إلى الله نرغب في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وغيرها من صلات الناس والحاجة إليهم لو فعلوا ذلك لكان خيرا لهم من الطمع في غير مَطْمَع ومن هَمْز الرسول ولَمْزِه.
والخلاصة : إنهم لو رضوا من الله بنعمته، ومن الرسول بقسمته، وعلّقوا أملهم بفضل الله وكفايته، بما سينعم به عليهم في مستأنف الأيام، وبأن الرسول يعدل في القسمة لكان في ذلك الخير كل الخير لهم.
وفي ذلك إيماء إلى أن المؤمن يجب أن يكون قانعا بكسبه وما يناله بحق من صدقة ونحوها مع توجيه قلبه إلى ربه، ولا يرغب إلا إليه في الحصول على رغائبه التي وراء كسبه وحقوقه الشرعية.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أن المنافقين لا يتحرجون عن كاذب الأيمان إذا وجدوا في ذلك طريقا لخِدْعة المؤمنين في تصديقهم بأنهم مؤمنون كما هم مؤمنون كي يأمنوا جانبهم، وأنهم يجدّون في البعد عنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا- أردف ذلك بذكر سوأة أخرى من سوءاتهم وهي أنهم يتمنَّوْن الفرص للطعن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يوقعوا الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من المسلك الذي يوافق أهواءهم، وقد وجدوا من ذلك قسمة الصدقات والمغانم، فولَجوا هذا الباب وقالوا ما شاؤوا أن يقولوا.
روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قَسْما إذ جاءه ذو الخُوَيْصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله، فقال :( ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ). فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يَمْرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِيّة ) فنزلت فيهم : ومنهم من يلمزك في الصدقات الآية.
وروى ابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت ورأى ذلك رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية.
ومجموع الروايات يدل على أن أشخاصا من منافقي المدينة قالوا ذلك لحرمانهم من العطية، ولم يقله أحد من المهاجرين ولا من الأنصار الأولين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في منى.
تفسير المفردات :
ورغبه ورغب فيه : أحبه، ورغب عنه : كرهه، ورغب إليه : طلبه وتوجه إليه.
الإيضاح :
ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون أي ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الله من الغنائم وغيرها وأعطاهم رسوله بقسمة الغنائم والصدقات كما أمره الله، وقالوا الله يكفينا في كل حال، وسيعطينا من فضله بما يرد علينا من الغنائم والصدقات، لأن فضله لا ينقطع، ورسوله لا يبخس أحدا منا شيئا يستحقه في شرع الله، وقالوا إنا إلى الله نرغب في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وغيرها من صلات الناس والحاجة إليهم لو فعلوا ذلك لكان خيرا لهم من الطمع في غير مَطْمَع ومن هَمْز الرسول ولَمْزِه.
والخلاصة : إنهم لو رضوا من الله بنعمته، ومن الرسول بقسمته، وعلّقوا أملهم بفضل الله وكفايته، بما سينعم به عليهم في مستأنف الأيام، وبأن الرسول يعدل في القسمة لكان في ذلك الخير كل الخير لهم.
وفي ذلك إيماء إلى أن المؤمن يجب أن يكون قانعا بكسبه وما يناله بحق من صدقة ونحوها مع توجيه قلبه إلى ربه، ولا يرغب إلا إليه في الحصول على رغائبه التي وراء كسبه وحقوقه الشرعية.
آية رقم ٦٠
*إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ٦٠ ).
تفسير المفردات :
الصدقة : هي الزكاة الواجبة على النقد والأنعام والزرع والتجارة. والفقير : من له مال قليل دون النصاب- أقل من اثني عشر جنيها. والمسكين : من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقُوتِه وكسوته. والعامل عليها : هو الذي يولّيه السلطان أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء. والمؤلفة قلوبهم : هم الذين يراد استمالة قلوبهم إلى الإسلام أو التثبيت فيه. وفي الرقاب : أي وللإنفاق في إعانة الأرقاء لفكاكهم من الرق. والغارمين : أي الذين عليهم غرامة من المال تعذر عليهم أداؤها. وفي سبيل الله : أي وفي الطريق الموصل إلى مرضاة الله ومثوبته، والمراد بهم : كل من سعى في طاعة الله وسبل الخيرات كالغُزاة والحجاج الذين انقطعت بهم السبل ولا مورد لهم من المال وطلبة العلم الفقراء. وابن السبيل : هو المسافر الذي بَعُد عن بلده ولا يتيسر له إحضار شيء من ماله فهو غني في بلده، فقير في سفره. فريضة من الله : أي فرض الله ذلك فريضة ليس لأحد فيها رأي.
الإيضاح :
مصارف الزكاة والأشخاص الذين تُعْطَى لهم أصناف ثمانية.
إنما الصدقات للفقراء أي إنما تعطى زكاة النقد أو النَّعَم أو التجارة أو الزرع للفقراء الذين يحتاجون إلى مواساة الأغنياء لعدم وجود ما يكفيهم من المال بحسب حالهم.
والمساكين وهو أسوأ حالا من الفقراء لقوله تعالى : أو مسكينا ذا متربة ( البلد : ١٦ ) أي ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار، وبطنه به ولشدة الجوع وذلك منتهى الضر والشدة.
والعاملين عليها وهم الذين يبعثهم السلطان لجبايتها أو حفظها، فيشمل الجُباة- المحصِّلين- وخزنة المال- مديري الخزائن- وهم يأخذون منها عُمالتهم على عملهم لا على فقرهم.
روى أحمد والشيخان أن ابن السعدي المالكي قال : استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعُمالة، فقلت إنما عملت لله، فقال : خذ ما أُعطيت فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمّلني- أعطاني العُمالة- فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أعطيت من غير أن تسأل فكُل وتصدّق ).
والمؤلفة قلوبهم وهم قوم يراد استمالتهم إلى الإسلام، أو تثبتهم فيه، أو كفّ شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عنهم أو نصرهم على عدوّ لهم، وهم أصناف ثلاثة :
صنف من الكفار يرجى إيمانهم بتأليف قلوبهم كصفوان بن أمية الذي وهب له النبي صلى الله عليه وسلم الأمان يوم فتح مكة وأمهله أربعة أشهر لينظر في أمره وأعطاه إبلا محمّلة فقال : هذا عطاء من لا يخشى الفقر، وروي أنه قال : والله لقد أعطاني وهو أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليّ، وقد حسن إسلامه.
صنف أسلم على ضعف، ويرجى بإعطائه تثبيته وقوة إيمانه ومناصحته في الجهاد كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم وهوازن، وهم بعض الطلقاء من أهل مكة الذين أسلموا وكان منهم المنافق ومنهم ضعيف الإيمان، وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك وحسن إسلامهم.
صنف من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء يُعْطَوْن لما يرجى من دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو.
ويرى أبو حنيفة أن سهم هؤلاء قد انقطع بإعزاز الله بالإسلام، واحتج بأن مشركا جاء يلتمس من عمر مالا فلم يعطه وقال : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( الكهف : ٢٩ ) وبأنه لم ينقل أن عثمان وعليا أعطيا أحدا من هذا النوع.
وفي الرقاب أي وللإنفاق في فك الرقاب بإعانة المكاتبين من الأرقاء في فك رقابهم من الرق، أو لشراء العبيد وإعتاقهم، وهذا من أكبر الإصلاح البشري الذي هو المقصود من رحمة الإسلام وعدله.
روى أحمد والبخاري عن البراء بن عازب قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ويبعدني من النار، فقال :( أعتق النّسمة وفكّ الرقبة )، فقال يا رسول الله أو ليس واحدا ؟ قال :( لا : عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها ).
والغارمين وهم الذين عليهم ديون ركبتهم وتعذر عليهم أداؤها. وقد كان العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، وكانوا إذا علموا أن واحدا منهم التزم غرامة أو تحمل حَمَالة بادروا إلى معونته على أدائها وإن لم يسأل، وكانوا يعدون سؤال المساعدة على ذلك فخرا لا ذلا.
فعن قَبِيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حَمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال :( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها )، ثم قال :( يا قبيصة : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمّل حمالة فحلت له المسالة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من أهل الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، فما سواها من المسألة يا قبيصة فسُحْت يأكلها صاحبها سحتا ) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
وفي سبيل الله وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته ومثوبته، والمراد به الغزاة والمرابطون للجهاد، وروي عن الإمام أحمد أنه جعل الحج من سبيل الله ويدخل في ذلك جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد ونحو ذلك.
والحق أن المراد بسبيل الله مصالح المسلمين العامة التي بها قِوام أمر الدين والدولة دون الأفراد كتأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج وإن لم يوجد مَصْرِف آخر، وليس منها حج الأفراد لأنه واجب على المستطيع فحسب.
وابن السبيل وهو المنقطع عن بلده في سفر لا يتيسر له فيه شيء من ماله إن كان له مال، فهو غني في بلده، فقير في سفره، فيعْطى لفقره العارض ما يستعين به على العودة إلى بلده.
وفي ذلك عناية بالسياحة وتشجيع عليها على شرط أن يكون سفره في غير معصية، ويكون هذا من أسباب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
وسهولة طرق الوصول في العصر الحاضر ونقل الأخبار في الزمن القليل جعلت نقل المال من بلد إلى آخر ميسورا بلا كلفة، فيسهل على الغني أن يجلب ماله في أي وقت أراد، وإلى أي مكان طلب.
فريضة من الله أي إنما الصدقات لمن ذكر من أصناف المحتاجين، وفيما ذكر من مصالح الأمة فريضة من الله لهم أوجبها عليكم.
والله عليم حكيم أي والله عليم بأحوال الناس ومقدار حاجتهم، حكيم فيما يشْرعه لهم تطهيرا لأنفسهم وتزكية لها، وشكرا لخالقهم على ما أنعم به عليهم كما قال : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( التوبة : ١٠٣ ).
تفسير المفردات :
الصدقة : هي الزكاة الواجبة على النقد والأنعام والزرع والتجارة. والفقير : من له مال قليل دون النصاب- أقل من اثني عشر جنيها. والمسكين : من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقُوتِه وكسوته. والعامل عليها : هو الذي يولّيه السلطان أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء. والمؤلفة قلوبهم : هم الذين يراد استمالة قلوبهم إلى الإسلام أو التثبيت فيه. وفي الرقاب : أي وللإنفاق في إعانة الأرقاء لفكاكهم من الرق. والغارمين : أي الذين عليهم غرامة من المال تعذر عليهم أداؤها. وفي سبيل الله : أي وفي الطريق الموصل إلى مرضاة الله ومثوبته، والمراد بهم : كل من سعى في طاعة الله وسبل الخيرات كالغُزاة والحجاج الذين انقطعت بهم السبل ولا مورد لهم من المال وطلبة العلم الفقراء. وابن السبيل : هو المسافر الذي بَعُد عن بلده ولا يتيسر له إحضار شيء من ماله فهو غني في بلده، فقير في سفره. فريضة من الله : أي فرض الله ذلك فريضة ليس لأحد فيها رأي.
الإيضاح :
مصارف الزكاة والأشخاص الذين تُعْطَى لهم أصناف ثمانية.
إنما الصدقات للفقراء أي إنما تعطى زكاة النقد أو النَّعَم أو التجارة أو الزرع للفقراء الذين يحتاجون إلى مواساة الأغنياء لعدم وجود ما يكفيهم من المال بحسب حالهم.
والمساكين وهو أسوأ حالا من الفقراء لقوله تعالى : أو مسكينا ذا متربة ( البلد : ١٦ ) أي ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار، وبطنه به ولشدة الجوع وذلك منتهى الضر والشدة.
والعاملين عليها وهم الذين يبعثهم السلطان لجبايتها أو حفظها، فيشمل الجُباة- المحصِّلين- وخزنة المال- مديري الخزائن- وهم يأخذون منها عُمالتهم على عملهم لا على فقرهم.
روى أحمد والشيخان أن ابن السعدي المالكي قال : استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعُمالة، فقلت إنما عملت لله، فقال : خذ ما أُعطيت فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمّلني- أعطاني العُمالة- فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أعطيت من غير أن تسأل فكُل وتصدّق ).
والمؤلفة قلوبهم وهم قوم يراد استمالتهم إلى الإسلام، أو تثبتهم فيه، أو كفّ شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عنهم أو نصرهم على عدوّ لهم، وهم أصناف ثلاثة :
صنف من الكفار يرجى إيمانهم بتأليف قلوبهم كصفوان بن أمية الذي وهب له النبي صلى الله عليه وسلم الأمان يوم فتح مكة وأمهله أربعة أشهر لينظر في أمره وأعطاه إبلا محمّلة فقال : هذا عطاء من لا يخشى الفقر، وروي أنه قال : والله لقد أعطاني وهو أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليّ، وقد حسن إسلامه.
صنف أسلم على ضعف، ويرجى بإعطائه تثبيته وقوة إيمانه ومناصحته في الجهاد كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العطايا الوافرة من غنائم وهوازن، وهم بعض الطلقاء من أهل مكة الذين أسلموا وكان منهم المنافق ومنهم ضعيف الإيمان، وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك وحسن إسلامهم.
صنف من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء يُعْطَوْن لما يرجى من دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو.
ويرى أبو حنيفة أن سهم هؤلاء قد انقطع بإعزاز الله بالإسلام، واحتج بأن مشركا جاء يلتمس من عمر مالا فلم يعطه وقال : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( الكهف : ٢٩ ) وبأنه لم ينقل أن عثمان وعليا أعطيا أحدا من هذا النوع.
وفي الرقاب أي وللإنفاق في فك الرقاب بإعانة المكاتبين من الأرقاء في فك رقابهم من الرق، أو لشراء العبيد وإعتاقهم، وهذا من أكبر الإصلاح البشري الذي هو المقصود من رحمة الإسلام وعدله.
روى أحمد والبخاري عن البراء بن عازب قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ويبعدني من النار، فقال :( أعتق النّسمة وفكّ الرقبة )، فقال يا رسول الله أو ليس واحدا ؟ قال :( لا : عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها ).
والغارمين وهم الذين عليهم ديون ركبتهم وتعذر عليهم أداؤها. وقد كان العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، وكانوا إذا علموا أن واحدا منهم التزم غرامة أو تحمل حَمَالة بادروا إلى معونته على أدائها وإن لم يسأل، وكانوا يعدون سؤال المساعدة على ذلك فخرا لا ذلا.
فعن قَبِيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حَمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال :( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها )، ثم قال :( يا قبيصة : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمّل حمالة فحلت له المسالة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من أهل الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، فما سواها من المسألة يا قبيصة فسُحْت يأكلها صاحبها سحتا ) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
وفي سبيل الله وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته ومثوبته، والمراد به الغزاة والمرابطون للجهاد، وروي عن الإمام أحمد أنه جعل الحج من سبيل الله ويدخل في ذلك جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد ونحو ذلك.
والحق أن المراد بسبيل الله مصالح المسلمين العامة التي بها قِوام أمر الدين والدولة دون الأفراد كتأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج وإن لم يوجد مَصْرِف آخر، وليس منها حج الأفراد لأنه واجب على المستطيع فحسب.
وابن السبيل وهو المنقطع عن بلده في سفر لا يتيسر له فيه شيء من ماله إن كان له مال، فهو غني في بلده، فقير في سفره، فيعْطى لفقره العارض ما يستعين به على العودة إلى بلده.
وفي ذلك عناية بالسياحة وتشجيع عليها على شرط أن يكون سفره في غير معصية، ويكون هذا من أسباب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
وسهولة طرق الوصول في العصر الحاضر ونقل الأخبار في الزمن القليل جعلت نقل المال من بلد إلى آخر ميسورا بلا كلفة، فيسهل على الغني أن يجلب ماله في أي وقت أراد، وإلى أي مكان طلب.
فريضة من الله أي إنما الصدقات لمن ذكر من أصناف المحتاجين، وفيما ذكر من مصالح الأمة فريضة من الله لهم أوجبها عليكم.
والله عليم حكيم أي والله عليم بأحوال الناس ومقدار حاجتهم، حكيم فيما يشْرعه لهم تطهيرا لأنفسهم وتزكية لها، وشكرا لخالقهم على ما أنعم به عليهم كما قال : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( التوبة : ١٠٣ ).
آية رقم ٦١
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( التوبة : ٦١ ).
تفسير المفردات : الأذى : ما يؤلم الحي المدرك في بدنه أو في نفسه ولو ألما خفيفا، يقال : أُذِي بكذا أذى وتأذى تأذيا إذا أصابه مكروه يسير. والأذن : هو الذي يسمع من كل أحد ما يقوله فيقبله ويُصَدّقه، ويقولون رجل أذن : أي يسرع الاستماع والقبول. ويؤمن للمؤمنين : أي يصدقهم لما علم فيهم من علامات الإيمان الذي يوجب عليهم الصدق.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن من دلائل نفاقهم الطعن في أفعاله صلى الله عليه وسلم كإيذاء الذين لمزوه في قسمة الصدقات- قفى على ذلك بذكر من طعن في أخلاقه وشمائله الكريمة بقولهم : إن محمدا أذن نحلف له فيصدقنا.
روى ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان نَبْتَلُ بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه الله فأنزل الله الآية.
وروي أنه اجتمعت ناس من المنافقين فيهم جُلاس بن سُوََيد بن صامت ومِخَشَّ بن حِمْير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم فنهى بعضهم بعضا وقالوا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم، وقال بعضهم : إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا فنزل : ومنهم الذين يؤذون النبي الآية.
الإيضاح :
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن أي ومن المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه ويقولون هو أذن سامعة : أي يسمع من كل أحد ما يقوله ويقبله ويصدقه، وهم يريدون بذلك أنه سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع دون أن يتدبر فيه ويميز بين ما هو جدير بالقبول لوجود أمارات الصدق فيه، وما لا ينبغي قبوله، وهذا عيب في الملوك والرؤساء لما يترتب عليه من تقريب المنافقين وإبعاد الناصحين، وإنما قالوا ذلك لأنه كان عليه الصلاة والسلام يعاملهم بأحكام الشريعة كما يعامل عامة المؤمنين بالبناء على الظاهر، فظنوا أنه يصدق كل ما يقال له.
قل أذن خير لكم أي إنه أذن ولكنه نعم الأذن، لأنه أذن خير لا كما تزعمون، فهو لا يقبل مما يسمعه إلا ما يعتقد أنه الحق وما فيه المصلحة للخلق، وليس بأذن في سماع الباطل كالكذب والنميمة والجدل والمراء، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لا يقبله ولا يصدق ما لا يجوز تصديقه كما هو شأن الملوك والزعماء الذين يتقرب إليهم أهل الأهواء بالسعاية لإبعاد الناصحين المخلصين عنهم، وحملهم على إيذاء من يبتغون إيذاءه.
ثم بيّن سبحانه المراد من أذن الخير بقوله :
يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أي يصدق بالله وبما يوحى إليه مما فيه خيركم وخير غيركم، ويصدق المؤمنين الصادقي الإيمان من المهاجرين والأنصار، لما علمه من آيات إيمانهم الذي يوجب عليهم الصدق فيما يحدثونه به.
وفي هذا إيماء إلى أنه لا يؤمن لهؤلاء المنافقين إيمان تسليم ولا يصدقهم في أخبارهم وإن وكدوها بالأيمان اغترارا بلطفه وأدبه صلى الله عليه وسلم، إذ كان لا يواجه أحدا بما يكره، وبمعاملته إياهم كما يعامل أمثالهم من عامة أصحابه.
ورحمة للذين آمنوا منكم أي وهو رحمة للذين آمنوا منكم إيمانا صحيحا صادقا، إذ كان سبب هدايتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، لا لمن أظهر الإسلام وأسرّ الكفر نفاقا، إذ هو نقمة عليه في الدارين.
والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم أي والذين يؤذون الرسول بالقول أو بالفعل فجزاؤهم العذاب الشديد الإيلام.
وفي هذه الآية وما في معناها دليل على أن إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم كفر إذا كان فيما يتعلق برسالته، لأن ذلك لا ينافي الإيمان، وأما إيذاؤه في شؤونه البشرية والعادات الدنيوية فحرام لا كفر كإيذاء الذين كانوا يطيلون المكث في بيوته لدى نسائه بعد الطعام وفيهم نزل : إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ( الأحزاب : ٥٣ ) وإيذاء الذين كانوا يرفعون أصواتهم في ندائه ويسمونه باسمه كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ( الحجرات : ٢ ).
وإيذاؤه صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى كإيذائه في حال حياته كالخوض في أبويه وآل بيته بما يعلم أنه يؤذيه لو كان حيا، فالإيمان به صلى الله عليه وسلم مانع من تصدي المؤمن لما يعلم أو يظن أنه يؤذيه صلوات الله عليه إيذاء ما، فهذا الذنب من أكبر الذنوب ومعصية من أعظم المعاصي.
تفسير المفردات : الأذى : ما يؤلم الحي المدرك في بدنه أو في نفسه ولو ألما خفيفا، يقال : أُذِي بكذا أذى وتأذى تأذيا إذا أصابه مكروه يسير. والأذن : هو الذي يسمع من كل أحد ما يقوله فيقبله ويُصَدّقه، ويقولون رجل أذن : أي يسرع الاستماع والقبول. ويؤمن للمؤمنين : أي يصدقهم لما علم فيهم من علامات الإيمان الذي يوجب عليهم الصدق.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن من دلائل نفاقهم الطعن في أفعاله صلى الله عليه وسلم كإيذاء الذين لمزوه في قسمة الصدقات- قفى على ذلك بذكر من طعن في أخلاقه وشمائله الكريمة بقولهم : إن محمدا أذن نحلف له فيصدقنا.
روى ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان نَبْتَلُ بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه الله فأنزل الله الآية.
وروي أنه اجتمعت ناس من المنافقين فيهم جُلاس بن سُوََيد بن صامت ومِخَشَّ بن حِمْير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم فنهى بعضهم بعضا وقالوا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بكم، وقال بعضهم : إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا فنزل : ومنهم الذين يؤذون النبي الآية.
الإيضاح :
ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن أي ومن المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه ويقولون هو أذن سامعة : أي يسمع من كل أحد ما يقوله ويقبله ويصدقه، وهم يريدون بذلك أنه سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع دون أن يتدبر فيه ويميز بين ما هو جدير بالقبول لوجود أمارات الصدق فيه، وما لا ينبغي قبوله، وهذا عيب في الملوك والرؤساء لما يترتب عليه من تقريب المنافقين وإبعاد الناصحين، وإنما قالوا ذلك لأنه كان عليه الصلاة والسلام يعاملهم بأحكام الشريعة كما يعامل عامة المؤمنين بالبناء على الظاهر، فظنوا أنه يصدق كل ما يقال له.
قل أذن خير لكم أي إنه أذن ولكنه نعم الأذن، لأنه أذن خير لا كما تزعمون، فهو لا يقبل مما يسمعه إلا ما يعتقد أنه الحق وما فيه المصلحة للخلق، وليس بأذن في سماع الباطل كالكذب والنميمة والجدل والمراء، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لا يقبله ولا يصدق ما لا يجوز تصديقه كما هو شأن الملوك والزعماء الذين يتقرب إليهم أهل الأهواء بالسعاية لإبعاد الناصحين المخلصين عنهم، وحملهم على إيذاء من يبتغون إيذاءه.
ثم بيّن سبحانه المراد من أذن الخير بقوله :
يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين أي يصدق بالله وبما يوحى إليه مما فيه خيركم وخير غيركم، ويصدق المؤمنين الصادقي الإيمان من المهاجرين والأنصار، لما علمه من آيات إيمانهم الذي يوجب عليهم الصدق فيما يحدثونه به.
وفي هذا إيماء إلى أنه لا يؤمن لهؤلاء المنافقين إيمان تسليم ولا يصدقهم في أخبارهم وإن وكدوها بالأيمان اغترارا بلطفه وأدبه صلى الله عليه وسلم، إذ كان لا يواجه أحدا بما يكره، وبمعاملته إياهم كما يعامل أمثالهم من عامة أصحابه.
ورحمة للذين آمنوا منكم أي وهو رحمة للذين آمنوا منكم إيمانا صحيحا صادقا، إذ كان سبب هدايتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، لا لمن أظهر الإسلام وأسرّ الكفر نفاقا، إذ هو نقمة عليه في الدارين.
والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم أي والذين يؤذون الرسول بالقول أو بالفعل فجزاؤهم العذاب الشديد الإيلام.
وفي هذه الآية وما في معناها دليل على أن إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم كفر إذا كان فيما يتعلق برسالته، لأن ذلك لا ينافي الإيمان، وأما إيذاؤه في شؤونه البشرية والعادات الدنيوية فحرام لا كفر كإيذاء الذين كانوا يطيلون المكث في بيوته لدى نسائه بعد الطعام وفيهم نزل : إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ( الأحزاب : ٥٣ ) وإيذاء الذين كانوا يرفعون أصواتهم في ندائه ويسمونه باسمه كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ( الحجرات : ٢ ).
وإيذاؤه صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى كإيذائه في حال حياته كالخوض في أبويه وآل بيته بما يعلم أنه يؤذيه لو كان حيا، فالإيمان به صلى الله عليه وسلم مانع من تصدي المؤمن لما يعلم أو يظن أنه يؤذيه صلوات الله عليه إيذاء ما، فهذا الذنب من أكبر الذنوب ومعصية من أعظم المعاصي.
آية رقم ٦٢
يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ( ٦٢ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( التوبة : ٦٢-٦٣ ).
المعنى الجملي : روى ابن المنذر عن قتادة قال :( ذُكِر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن المتخلفين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال :( ما حملك على الذي قلت ؟ ) فجعل يتلعن- يلعن نفسه- ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذّب الكاذب فأنزل الله يحلفون بالله لكم ليرضوكم الآية.
المعنى الجملي : روى ابن المنذر عن قتادة قال :( ذُكِر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن المتخلفين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال :( ما حملك على الذي قلت ؟ ) فجعل يتلعن- يلعن نفسه- ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذّب الكاذب فأنزل الله يحلفون بالله لكم ليرضوكم الآية.
آية رقم ٦٣
يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ( ٦٢ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( التوبة : ٦٢-٦٣ ).
المعنى الجملي : روى ابن المنذر عن قتادة قال :( ذُكِر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن المتخلفين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال :( ما حملك على الذي قلت ؟ ) فجعل يتلعن- يلعن نفسه- ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذّب الكاذب فأنزل الله يحلفون بالله لكم ليرضوكم الآية.
تفسير المفردات :
المحادّة : من الحد، وهو طرف الشيء كالمشاقة من الشق- بالكسر- وهو الجانب، ونصف الشيء المنشق منه، وهما بمعنى المعاداة من العدوة- بالضم- وهي جانب الوادي لأن العدو يكون في غاية البعد عمن يعاديه عداء البغض بحيث لا يتزاوران ولا يتعاونان فكأن كلا منهما في شق وعدوة غير التي فيها الآخر، إذ هما على طرفي نقيض، وهكذا المنافقون يكونون في لجانب المقابل للجانب الذي يحب الله لعباده والرسول لأمته من الحق والخير والعمل الصالح.
الإيضاح :
ثم وبخهم على ما أقدموا عليه مع علمهم بوخامة عاقبته بقوله :
ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الأمر الحق الذي لا شك فيه أن من يحادد الله ورسوله بتعدي حدوده أو يلمز الرسول في أعماله كقسمة الصدقات أو في أخلاقه وشمائله كقولهم هو أذن فجزاؤه جهنم يصلاها يوم القيامة خالدا فيها أبدا لا مخْلََص له منها.
ذلك الخزي العظيم أي ذلك العذاب هو الذل والهوان العظيم الذي يصْغُر دونه كل خزي وفي ذل في الحياة الدنيا.
المعنى الجملي : روى ابن المنذر عن قتادة قال :( ذُكِر لنا أن رجلا من المنافقين قال في شأن المتخلفين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم ما نزل : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال :( ما حملك على الذي قلت ؟ ) فجعل يتلعن- يلعن نفسه- ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذّب الكاذب فأنزل الله يحلفون بالله لكم ليرضوكم الآية.
تفسير المفردات :
المحادّة : من الحد، وهو طرف الشيء كالمشاقة من الشق- بالكسر- وهو الجانب، ونصف الشيء المنشق منه، وهما بمعنى المعاداة من العدوة- بالضم- وهي جانب الوادي لأن العدو يكون في غاية البعد عمن يعاديه عداء البغض بحيث لا يتزاوران ولا يتعاونان فكأن كلا منهما في شق وعدوة غير التي فيها الآخر، إذ هما على طرفي نقيض، وهكذا المنافقون يكونون في لجانب المقابل للجانب الذي يحب الله لعباده والرسول لأمته من الحق والخير والعمل الصالح.
الإيضاح :
ثم وبخهم على ما أقدموا عليه مع علمهم بوخامة عاقبته بقوله :
ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الأمر الحق الذي لا شك فيه أن من يحادد الله ورسوله بتعدي حدوده أو يلمز الرسول في أعماله كقسمة الصدقات أو في أخلاقه وشمائله كقولهم هو أذن فجزاؤه جهنم يصلاها يوم القيامة خالدا فيها أبدا لا مخْلََص له منها.
ذلك الخزي العظيم أي ذلك العذاب هو الذل والهوان العظيم الذي يصْغُر دونه كل خزي وفي ذل في الحياة الدنيا.
آية رقم ٦٤
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ( ٦٤ ) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون( ٦٥ ) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ( التوبة : ٦٤-٦٦ ).
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات لبيان حال من أحوال المنافقين كشفت عنها غزوة تبوك، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد أن المنافقين كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى ألا يُفْشَى علينا هذا. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنْبِئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم.
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات لبيان حال من أحوال المنافقين كشفت عنها غزوة تبوك، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد أن المنافقين كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى ألا يُفْشَى علينا هذا. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنْبِئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم.
آية رقم ٦٥
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ( ٦٤ ) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون( ٦٥ ) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ( التوبة : ٦٤-٦٦ ).
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات لبيان حال من أحوال المنافقين كشفت عنها غزوة تبوك، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد أن المنافقين كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى ألا يُفْشَى علينا هذا. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنْبِئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم.
تفسير المفردات :
الخوض : الدخول في البحر أو في الوحل، وكثر استعماله في الباطل لما فيه من التعرض للأخطار.
الإيضاح :
ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب أي إنك إن سألتهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها بأنهم لم يكونوا فيها جادّين ولا منكرين، بل هازلين لاعبين للتسلي والتلهي، وكانوا يظنون أن هذا عذر مقبول لجهلهم أن اتخاذ الدين هُزُوا ولعبا كفر محض كما قال تعالى : فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ( الزخرف : ٨٣ ) وقال : فويل يومئذ للمكذبين ( ١١ ) الذين هم في خوض يلعبون ( الطور : ١١-١٢ ).
ويدخل في عموم الآية المبتدعون في الدين، والذين يخوضون في الداعين إلى الكتاب والسنة ويستهزئون بهم لاعتصامهم بهما.
أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال :( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك، إذ نظر إلى أناس بين يديه يقولون : أيرجو هذا الرجل أن تُفتح له قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال :( احبسوا على هؤلاء الركب ) فأتاهم فقال قلتم كذا وقلتم كذا. قالوا يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون ).
قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون أي قل لهم : إن الخوض واللعب في صفات الله وشرعه وآياته المنزلة استهزاء بها. إذ كل ما يلعب به فهو مستخف به، وكل مستخف به فهو مستهزأ به.
وقصارى ذلك : ألم تجدوا ما تستهزئون به في خوضكم ولعبكم إلا الله وآياته ورسوله فقصَرْتم ذلك عليهما، فهل ضاقت عليكم سُبُل القول، فلم تجدوا ما تخوضون فيه وتلعبون غير هذا، ثم بعدئذ تظنون أن معاذيركم بمثل هذا تقبل وتُدْلون بها بلا خوف ولا خجل.
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات لبيان حال من أحوال المنافقين كشفت عنها غزوة تبوك، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد أن المنافقين كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى ألا يُفْشَى علينا هذا. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنْبِئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم.
تفسير المفردات :
الخوض : الدخول في البحر أو في الوحل، وكثر استعماله في الباطل لما فيه من التعرض للأخطار.
الإيضاح :
ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب أي إنك إن سألتهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها بأنهم لم يكونوا فيها جادّين ولا منكرين، بل هازلين لاعبين للتسلي والتلهي، وكانوا يظنون أن هذا عذر مقبول لجهلهم أن اتخاذ الدين هُزُوا ولعبا كفر محض كما قال تعالى : فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ( الزخرف : ٨٣ ) وقال : فويل يومئذ للمكذبين ( ١١ ) الذين هم في خوض يلعبون ( الطور : ١١-١٢ ).
ويدخل في عموم الآية المبتدعون في الدين، والذين يخوضون في الداعين إلى الكتاب والسنة ويستهزئون بهم لاعتصامهم بهما.
أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال :( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك، إذ نظر إلى أناس بين يديه يقولون : أيرجو هذا الرجل أن تُفتح له قصور الشام وحصونها ؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال :( احبسوا على هؤلاء الركب ) فأتاهم فقال قلتم كذا وقلتم كذا. قالوا يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون ).
قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون أي قل لهم : إن الخوض واللعب في صفات الله وشرعه وآياته المنزلة استهزاء بها. إذ كل ما يلعب به فهو مستخف به، وكل مستخف به فهو مستهزأ به.
وقصارى ذلك : ألم تجدوا ما تستهزئون به في خوضكم ولعبكم إلا الله وآياته ورسوله فقصَرْتم ذلك عليهما، فهل ضاقت عليكم سُبُل القول، فلم تجدوا ما تخوضون فيه وتلعبون غير هذا، ثم بعدئذ تظنون أن معاذيركم بمثل هذا تقبل وتُدْلون بها بلا خوف ولا خجل.
آية رقم ٦٦
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ( ٦٤ ) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون( ٦٥ ) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ( التوبة : ٦٤-٦٦ ).
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات لبيان حال من أحوال المنافقين كشفت عنها غزوة تبوك، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد أن المنافقين كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى ألا يُفْشَى علينا هذا. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنْبِئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم.
تفسير المفردات :
الاعتذار : الإدلاء بالعذر، وهو ما يراد به محو أثر الذنب وترك المؤاخذة عليه من عذر الصبي يعْذِره أي ختنه تطهيرا له بقطع عَذِرته أي قَلَفَته. والطائفة : الجماعة من الناس والقطعة من الشيء : يقال ذهبت طائفة من الليل ومن العمر، وأعطاه طائفة من ماله.
الإيضاح :
ولا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أي لا تذكروا هذا العذر لدفع هذا الجُرْم، لأن الإقدام على الكفر لأجل اللعب لا ينبغي أن يكون، فاعتذاركم إقرار بذنبكم فهو كما قال : عذر أقبح من الذنب.
إن تعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين أي إن نعف عن بعضكم لتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم كمِخَشّ بن حُمَيْر نعذب بعضا آخر لإجرامهم وإصرارهم عليه.
وخلاصة ذلك : إن من تاب من كفره ونفاقه عُفِي عنه، ومن أصر عليه وأظهره عوقب به.
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات لبيان حال من أحوال المنافقين كشفت عنها غزوة تبوك، أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد أن المنافقين كانوا يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى ألا يُفْشَى علينا هذا. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنْبِئة لأنها أنبأت بمثالبهم وعوراتهم.
تفسير المفردات :
الاعتذار : الإدلاء بالعذر، وهو ما يراد به محو أثر الذنب وترك المؤاخذة عليه من عذر الصبي يعْذِره أي ختنه تطهيرا له بقطع عَذِرته أي قَلَفَته. والطائفة : الجماعة من الناس والقطعة من الشيء : يقال ذهبت طائفة من الليل ومن العمر، وأعطاه طائفة من ماله.
الإيضاح :
ولا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم أي لا تذكروا هذا العذر لدفع هذا الجُرْم، لأن الإقدام على الكفر لأجل اللعب لا ينبغي أن يكون، فاعتذاركم إقرار بذنبكم فهو كما قال : عذر أقبح من الذنب.
إن تعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين أي إن نعف عن بعضكم لتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم كمِخَشّ بن حُمَيْر نعذب بعضا آخر لإجرامهم وإصرارهم عليه.
وخلاصة ذلك : إن من تاب من كفره ونفاقه عُفِي عنه، ومن أصر عليه وأظهره عوقب به.
آية رقم ٦٧
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ٦٧ ) وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( ٦٨ ) كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٦٩ ) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( التوبة : ٦٧-٧٠ ).
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
آية رقم ٦٨
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ٦٧ ) وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( ٦٨ ) كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٦٩ ) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( التوبة : ٦٧-٧٠ ).
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
تفسير المفردات :
والوعد : يستعمل في إعطاء الخير والشر والنافع والضار، والوعيد خاص بالبشر. واللعن : الإبعاد عن الرحمة والإهانة والمذل. والمقيم : الثابت الذي لا يتحول.
الإيضاح :
وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها أي وعد الله هؤلاء جميعا نار جهنم يصلونها ماكثين فيها أبدا.
وقدم المنافقين في الوعيد على الكفار للإيذان بأنهم وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام- شر من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرّفة أو منسوخة كأهل الكتاب.
هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم أي إن نار جهنم فيها من الجزاء ما يكفيهم عقابا لهم في الآخرة على أعمالهم، وعليهم لعنة الله في الدنيا والآخرة بحرمانهم من رحمته التي لا يستحقها إلا المؤمنون الصادقون، ولهم عذاب مقيم غير عذاب جهنم كالسُّموم الذي يلفح وجوههم، والحميم الذي يصهر ما في بطونهم، والضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وحرمانهم من لقاء الله وكرامته والحجاب دون رؤيته كما قال : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون( ١٥ ) ثم إنهم لصالوا الجحيم ( المطففين : ١٥-١٦ ).
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
تفسير المفردات :
والوعد : يستعمل في إعطاء الخير والشر والنافع والضار، والوعيد خاص بالبشر. واللعن : الإبعاد عن الرحمة والإهانة والمذل. والمقيم : الثابت الذي لا يتحول.
الإيضاح :
وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها أي وعد الله هؤلاء جميعا نار جهنم يصلونها ماكثين فيها أبدا.
وقدم المنافقين في الوعيد على الكفار للإيذان بأنهم وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام- شر من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرّفة أو منسوخة كأهل الكتاب.
هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم أي إن نار جهنم فيها من الجزاء ما يكفيهم عقابا لهم في الآخرة على أعمالهم، وعليهم لعنة الله في الدنيا والآخرة بحرمانهم من رحمته التي لا يستحقها إلا المؤمنون الصادقون، ولهم عذاب مقيم غير عذاب جهنم كالسُّموم الذي يلفح وجوههم، والحميم الذي يصهر ما في بطونهم، والضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وحرمانهم من لقاء الله وكرامته والحجاب دون رؤيته كما قال : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون( ١٥ ) ثم إنهم لصالوا الجحيم ( المطففين : ١٥-١٦ ).
آية رقم ٦٩
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ٦٧ ) وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( ٦٨ ) كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٦٩ ) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( التوبة : ٦٧-٧٠ ).
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
تفسير المفردات :
بخلاقهم : أي بنصيبهم من ملاذ الدنيا. وخضتم : أي دخلتم في الباطل. وحبط العمل : فسد وذهبت فائدته. والخسارة في التجارة تقابل الربح فيها.
الإيضاح :
كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم أي أنتم أيها المنافقون المؤذون لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كأولئك المنافقين الذين خَلوْا من قبلكم في أقوام الأنبياء فُتِنْتم بأموالكم وأولادكم وغُرِرْتم بدنياكم كما فُتِنوا وغُرّوا بها، ولكنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالا وأولادا، وقد كان جلّ مطلبهم وسعيهم هو التمتع بنصيبهم وحفظهم الدنيوي من الأموال والأولاد، فأطغتهم الدنيا وأغرتهم لذاتها، ولم يكن لهم مقاصد شريفة من الحياة كالتي يقصدها أهل الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة من إعلاء كلمة الحق وإقامة ميزان العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم أي وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، فأنتم فعلتم بدينكم ودنياكم كما فعل الذين كانوا من قبلكم، ولم تَفْضُلوا عليهم بشيء من الاسترشاد بكلام الله وهدى ورسوله، إذ لم تعملوا شيئا من الفضائل التي تزكي النفوس وتجعلها أهلا للسعادة، فكنتم أجدر بالعقاب منهم، لأنهم أوتوا من القوة والأموال فوق ما أوتيتم، ولم يروا من آيات الله ما رأيتم.
والخلاصة : إنكم حذوتم حذوهم وسلكتم سبيلهم في توافر الدواعي على فعل ضد ما تعملون.
وخضتم كالذي خاضوا أي ودخلتم في الباطل كما دخلوا على ما بين حالكم وحالهم من الفوارق التي كانت تقتضي أن تكونوا أهدى منهم سبيلا.
أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون أي إن أولئك المستمتعين بخلاقهم وحظهم والخائضين في الباطل حبطت أعمالهم الدنيوية فكان ضررها أكبر من نفعها لهم، لإسرافهم وإفسادهم في الأرض، وكذلك أعمالهم الدينية في الآخرة من عبادات وصلة رحم وصدقة وقرى ضيف، فلم يكن لهم أجر عليها ينقذهم من عذاب النار ويدخلهم الجنة، إذ شرط قبولها في الآخرة الإيمان والإخلاص، فهم خسروا في مظنة الربح والمنفعة.
ونحو الآية قوله : هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا( ١٠٣ ) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( الكهف : ١٠٣-١٠٤ ).
ثم نبههم وحذرهم سوء عاقبة أعمالهم فقال : ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
تفسير المفردات :
بخلاقهم : أي بنصيبهم من ملاذ الدنيا. وخضتم : أي دخلتم في الباطل. وحبط العمل : فسد وذهبت فائدته. والخسارة في التجارة تقابل الربح فيها.
الإيضاح :
كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم أي أنتم أيها المنافقون المؤذون لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كأولئك المنافقين الذين خَلوْا من قبلكم في أقوام الأنبياء فُتِنْتم بأموالكم وأولادكم وغُرِرْتم بدنياكم كما فُتِنوا وغُرّوا بها، ولكنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالا وأولادا، وقد كان جلّ مطلبهم وسعيهم هو التمتع بنصيبهم وحفظهم الدنيوي من الأموال والأولاد، فأطغتهم الدنيا وأغرتهم لذاتها، ولم يكن لهم مقاصد شريفة من الحياة كالتي يقصدها أهل الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة من إعلاء كلمة الحق وإقامة ميزان العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم أي وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، فأنتم فعلتم بدينكم ودنياكم كما فعل الذين كانوا من قبلكم، ولم تَفْضُلوا عليهم بشيء من الاسترشاد بكلام الله وهدى ورسوله، إذ لم تعملوا شيئا من الفضائل التي تزكي النفوس وتجعلها أهلا للسعادة، فكنتم أجدر بالعقاب منهم، لأنهم أوتوا من القوة والأموال فوق ما أوتيتم، ولم يروا من آيات الله ما رأيتم.
والخلاصة : إنكم حذوتم حذوهم وسلكتم سبيلهم في توافر الدواعي على فعل ضد ما تعملون.
وخضتم كالذي خاضوا أي ودخلتم في الباطل كما دخلوا على ما بين حالكم وحالهم من الفوارق التي كانت تقتضي أن تكونوا أهدى منهم سبيلا.
أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون أي إن أولئك المستمتعين بخلاقهم وحظهم والخائضين في الباطل حبطت أعمالهم الدنيوية فكان ضررها أكبر من نفعها لهم، لإسرافهم وإفسادهم في الأرض، وكذلك أعمالهم الدينية في الآخرة من عبادات وصلة رحم وصدقة وقرى ضيف، فلم يكن لهم أجر عليها ينقذهم من عذاب النار ويدخلهم الجنة، إذ شرط قبولها في الآخرة الإيمان والإخلاص، فهم خسروا في مظنة الربح والمنفعة.
ونحو الآية قوله : هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا( ١٠٣ ) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( الكهف : ١٠٣-١٠٤ ).
ثم نبههم وحذرهم سوء عاقبة أعمالهم فقال : ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
آية رقم ٧٠
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ٦٧ ) وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ( ٦٨ ) كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٦٩ ) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( التوبة : ٦٧-٧٠ ).
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
تفسير المفردات :
وأصحاب مدين : قوم شعيب، والمؤتفكات واحدها مؤتفكة من الائتفاك : وهو الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفله بالخسف، وهي قرى قوم لوط.
الإيضاح :
ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي ألم يأت أولئك المنافقين والكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خبر الأمم الذين كانوا من قبلهم حين عَصَوْا رسله وخالفوا أمر ربهم فأخذهم العذاب كالطوفان الذي أغرق قوم نوح، والريح العقيم التي أهلكت عادا قوم هود، والصيحة التي أخذت ثمود، والعذاب الذي هلك به النُّمْرود الذي حاول إحراق إبراهيم، والخسف الذي نزل بقرى قوم لوط وهم فيها.
وما كان من سنة الله ولا من مقتضى عدله وحكمته أن يظلمهم بما حل بهم من العذاب، وقد أعذرهم وأنذرهم ليجتنبوه، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بجحودهم وعنادهم وعدم مبالاتهم بإنذار رسلهم.
وقد ضرب هذا المثل للكافرين برسالته صلى الله عليه وسلم والمنافقين، ليبين لهم أن سنة الله في عباده واحدة لا ظلم فيها ولا محاباة، فلا بد أن يحُلّ بهم العذاب مثل ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل الذي إن لم يتوبوا.
وقد أهلك الله تعالى أكابر الجاحدين المعاندين منهم في أول غزوة وهي غزوة بدر، ثم خذل من بعدهم في سائر الغزوات، وما زال المنافقون يكيدون له في السر حتى فضحهم الله بهذه السورة، فتاب أكثره ومات زعيمهم عبد الله بن أبيّ بغيظه وكفره ولم تقم للنفاق قائمة من بعده.
وبهذا التمحيص كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس. نشر الله بها أعلام دينه حتى سادت العالم جميعه.
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في هذه الآيات أنواعا وضروبا من قبائح المنافقين كان ذكرانهم وإناثهم يفعلونها، وقرنها بالوعيد الشديد بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، وتلاه بضرب المثل الذي يشرح حالهم لبيان السنن العامة في روابط الاجتماع وآثار الأخلاق في تلك الروابط.
تفسير المفردات :
وأصحاب مدين : قوم شعيب، والمؤتفكات واحدها مؤتفكة من الائتفاك : وهو الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفله بالخسف، وهي قرى قوم لوط.
الإيضاح :
ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي ألم يأت أولئك المنافقين والكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خبر الأمم الذين كانوا من قبلهم حين عَصَوْا رسله وخالفوا أمر ربهم فأخذهم العذاب كالطوفان الذي أغرق قوم نوح، والريح العقيم التي أهلكت عادا قوم هود، والصيحة التي أخذت ثمود، والعذاب الذي هلك به النُّمْرود الذي حاول إحراق إبراهيم، والخسف الذي نزل بقرى قوم لوط وهم فيها.
وما كان من سنة الله ولا من مقتضى عدله وحكمته أن يظلمهم بما حل بهم من العذاب، وقد أعذرهم وأنذرهم ليجتنبوه، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بجحودهم وعنادهم وعدم مبالاتهم بإنذار رسلهم.
وقد ضرب هذا المثل للكافرين برسالته صلى الله عليه وسلم والمنافقين، ليبين لهم أن سنة الله في عباده واحدة لا ظلم فيها ولا محاباة، فلا بد أن يحُلّ بهم العذاب مثل ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل الذي إن لم يتوبوا.
وقد أهلك الله تعالى أكابر الجاحدين المعاندين منهم في أول غزوة وهي غزوة بدر، ثم خذل من بعدهم في سائر الغزوات، وما زال المنافقون يكيدون له في السر حتى فضحهم الله بهذه السورة، فتاب أكثره ومات زعيمهم عبد الله بن أبيّ بغيظه وكفره ولم تقم للنفاق قائمة من بعده.
وبهذا التمحيص كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس. نشر الله بها أعلام دينه حتى سادت العالم جميعه.
آية رقم ٧١
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم( ٧١ ) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ( التوبة : ٧١-٧٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أفعال المنافقين الخبيثة وذكر ما أعده لهم من العذاب في الدنيا والآخرة- قفّى على ذلك بذكر صفات المؤمنين الذين زكت نفوسهم وطهُرت سرائرهم وما أعده لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أفعال المنافقين الخبيثة وذكر ما أعده لهم من العذاب في الدنيا والآخرة- قفّى على ذلك بذكر صفات المؤمنين الذين زكت نفوسهم وطهُرت سرائرهم وما أعده لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
آية رقم ٧٢
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم( ٧١ ) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ( التوبة : ٧١-٧٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أفعال المنافقين الخبيثة وذكر ما أعده لهم من العذاب في الدنيا والآخرة- قفّى على ذلك بذكر صفات المؤمنين الذين زكت نفوسهم وطهُرت سرائرهم وما أعده لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
وبعد أن بيّن صفاته ورحمته لهم إجمالا- بين ما وعدهم به من الجزاء المفسّر لرحمته تفصيلا فقال :
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن الجنات : البساتين الملتفة الأشجار التي تجنّ ما تحتها : أي تغطيه وتستره، وجريان الأنهار من تحت أشجارها مما يزيد جمالها، والمساكن الطيبة في جنات عدن : هي الدور والخيام التي يطيب لساكنيها المقام فيها لاحتوائها على ما يطلبون من الأثاث والرياش والزينة التي بها تتم راحة المقيم فيها وسروره، والعدن : الإقامة والاستقرار، يقال عدَن في مكان كذا إذا أقام فيه وثبت، فجنات عدن هي جنات الإقامة والخلود كقوله :( جنّة الخلد- جنّة المأوى ) وقيل إنه منزل من منازل دار النعيم كالفردوس الذي هو أوسط الجنة أو أعلاها.
روى عن أبي هريرة :( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن ).
ورضوان من الله أكبر رضوان الله هو مقام رؤيته تعالى التي تكمل بها معرفته والإنسان جسد وروح، ففي الجنات ومساكنها أعلى النعيم الجسماني، ورضوان الله هو أعلى النعيم الروحاني.
ذلك هو الفوز العظيم أي ذلك الوعد بالنعيم الجسماني، والروحاني فهو الفوز العظيم الذي يُجزى به المؤمنين المخلصون، لا غيره من حظوظ الدنيا الفانية التي يتكالب عليها الكفار والمنافقون.
وقد ورد في صف الجنة ودرجاتها أحاديث بعضها موضوع، وبعضها منكر، ومن ذلك ما روي عن ابن أبي هريرة وعمران بن حصين أنهما قالا لمن سألهما : على الخبير سقطت، وأنهما سألا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرا وصفا طويلا، منه أنه يوجد هناك ألوف من البيوت في كل منها ألوف من الحور العين، وهو حديث منكر من دسائس الوضاعين ككعب الأحبار وغيره. قال ابن القيم : لم يثبت في نساء الجنة حديث صحيح بأكثر من زوجين لكل رجل.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه أفعال المنافقين الخبيثة وذكر ما أعده لهم من العذاب في الدنيا والآخرة- قفّى على ذلك بذكر صفات المؤمنين الذين زكت نفوسهم وطهُرت سرائرهم وما أعده لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
وبعد أن بيّن صفاته ورحمته لهم إجمالا- بين ما وعدهم به من الجزاء المفسّر لرحمته تفصيلا فقال :
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن الجنات : البساتين الملتفة الأشجار التي تجنّ ما تحتها : أي تغطيه وتستره، وجريان الأنهار من تحت أشجارها مما يزيد جمالها، والمساكن الطيبة في جنات عدن : هي الدور والخيام التي يطيب لساكنيها المقام فيها لاحتوائها على ما يطلبون من الأثاث والرياش والزينة التي بها تتم راحة المقيم فيها وسروره، والعدن : الإقامة والاستقرار، يقال عدَن في مكان كذا إذا أقام فيه وثبت، فجنات عدن هي جنات الإقامة والخلود كقوله :( جنّة الخلد- جنّة المأوى ) وقيل إنه منزل من منازل دار النعيم كالفردوس الذي هو أوسط الجنة أو أعلاها.
روى عن أبي هريرة :( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن ).
ورضوان من الله أكبر رضوان الله هو مقام رؤيته تعالى التي تكمل بها معرفته والإنسان جسد وروح، ففي الجنات ومساكنها أعلى النعيم الجسماني، ورضوان الله هو أعلى النعيم الروحاني.
ذلك هو الفوز العظيم أي ذلك الوعد بالنعيم الجسماني، والروحاني فهو الفوز العظيم الذي يُجزى به المؤمنين المخلصون، لا غيره من حظوظ الدنيا الفانية التي يتكالب عليها الكفار والمنافقون.
وقد ورد في صف الجنة ودرجاتها أحاديث بعضها موضوع، وبعضها منكر، ومن ذلك ما روي عن ابن أبي هريرة وعمران بن حصين أنهما قالا لمن سألهما : على الخبير سقطت، وأنهما سألا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرا وصفا طويلا، منه أنه يوجد هناك ألوف من البيوت في كل منها ألوف من الحور العين، وهو حديث منكر من دسائس الوضاعين ككعب الأحبار وغيره. قال ابن القيم : لم يثبت في نساء الجنة حديث صحيح بأكثر من زوجين لكل رجل.
آية رقم ٧٣
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( ٧٣ ) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ( التوبة : ٧٣-٧٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن وصف الله تعالى المؤمنين بشريف الصفات، ووعدهم بأجزل الثواب وأرفع الدرجات- أعاد الكرّة إلى تهديد المنافقين وإنذارهم بالجهاد كالكفار المجاهرين بكفرهم إذا هم استرسلوا في إظهار ما ينافي الإسلام من الأقوال والأفعال كالقول الذي قالوه وأنكروه بعد أن أظهره الله عليهم وكذبهم في إنكارهم.
وجهادهم ألا يعاملوا معاملة المؤمنين الصادقين، فيقابلون بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر إلى نحو ذلك مما سيذكر بعد.
المعنى الجملي : بعد أن وصف الله تعالى المؤمنين بشريف الصفات، ووعدهم بأجزل الثواب وأرفع الدرجات- أعاد الكرّة إلى تهديد المنافقين وإنذارهم بالجهاد كالكفار المجاهرين بكفرهم إذا هم استرسلوا في إظهار ما ينافي الإسلام من الأقوال والأفعال كالقول الذي قالوه وأنكروه بعد أن أظهره الله عليهم وكذبهم في إنكارهم.
وجهادهم ألا يعاملوا معاملة المؤمنين الصادقين، فيقابلون بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر إلى نحو ذلك مما سيذكر بعد.
آية رقم ٧٤
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( ٧٣ ) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ( التوبة : ٧٣-٧٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن وصف الله تعالى المؤمنين بشريف الصفات، ووعدهم بأجزل الثواب وأرفع الدرجات- أعاد الكرّة إلى تهديد المنافقين وإنذارهم بالجهاد كالكفار المجاهرين بكفرهم إذا هم استرسلوا في إظهار ما ينافي الإسلام من الأقوال والأفعال كالقول الذي قالوه وأنكروه بعد أن أظهره الله عليهم وكذبهم في إنكارهم.
وجهادهم ألا يعاملوا معاملة المؤمنين الصادقين، فيقابلون بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر إلى نحو ذلك مما سيذكر بعد.
تفسير المفردات :
ونقم منه الشيء : أنكره وعابه عليه.
الإيضاح :
ثم ذكر سبحانه الجرائم الموجبة لجهادهم كالكفار، وهي أنهم أظهروا الكفر بالقول وهموا بشرّ ما يُغْرَى به من الفعل، وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أظهره الله عليه وأنبأه بأنهم سينكرونه إذا سألهم ويحلفون على إنكارهم ليصدقهم كدأبهم من قبل، فقد كانوا يحلفون للمؤمنين ليرضوهم كما قال تعالى : اتخذوا أيمانهم جنة ( المجادلة : ١٦ ) ويخوضون في آيات الله وفي رسوله استهزاء خرجوا به من الإيمان الذي يدّعونه إلى الكفر الذي يكتمونه فقال :
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا أي يحلفون بالله إنهم ما قالوا تلك الكلمة التي نسبت إليهم، والله يكذبهم ويثبت أنهم قد قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر القرآن هذه الكلمة لأنه لا ينبغي ذكرها، ولئلا يتعبد المسلمون بتلاوتها، وأصح ما قيل فيها ما رواه ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة فقال :( إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعينيْ شيطان، فإذا جاء فلا تكلّموا )، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله فقال له :( علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ ) فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فتجاوز عنهم فأنزل الله : يحلفون بالله ما قالوا الآية.
أما همّهم بما لم ينالوا فهو اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة منصرَفه من تبوك- ذاك أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المنافقين فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة وأرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشِيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر خبرهم فقال :( من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم ) وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثّموا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسقوها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكرة القوم من ورائهم قد غَشُوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه مِحْجَن، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربا بالمحجن وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر، فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظُهِر عليه فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركه قال :( اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار وراءها ) فأسرعوا حتى استووا بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة ( هل عرفت من هؤلاء الركب أحدا ؟ ) قال حذيفة عرفت راحلة فلان وفلان، وقال : كانت ظلمة الليل وغشيتُهم وهم متلثمون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا ؟ ) قالوا : لا والله يا رسول الله، قال :( فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعتُ في العقبة طرحوني منها ) قالوا : أولا تأمر بهم يا رسول الله إذا فنضرب أعناقهم ؟ قال :( أكره أن يتحدث الناس ويقولوا : إن محمدا قد وضع يده في أصحابه ) فسماهم لهما وقال :" كتماهم ".
والصحيح في عددهم ما رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدّبيْلة- خرّاج ودُمّل كبير يظهر في الجوف يقتل صاحبه كثيرا- سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ) أي كأنه سراج من النار.
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله أي وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم شيئا يقتضي الكراهة والهم بالانتقام- إلا إغناء الله تعالى إياهم ورسوله من فضله بالغنائم التي هي عندهم أحب الأشياء لديهم في هذه الحياة، وكانوا كسائر الأنصار فقراء فأغناهم الله ببعثة الرسول ونصره وبما آتاه من الغنائم كما وعده، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم للأنصار :( كنتم عالة فأغناكم الله بي ).
فإن يتوبوا يك خيرا لهم أي فإن يتوبوا من النفاق وما يصدر عنه من مساوئ الأقوال والأفعال، يكن ذلك المتاب خيرا لهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والعمل لما فيه السعادة في الآخرة ومعاشرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومشاهدة فضائله وأخوّة المؤمنين بعضهم لبعض وما فيها من الودّ والوفاء الكامل والإيثار على النفس إلى نحو ذلك.
وأما في الآخرة فبما علمتَ مما وعد الله به المؤمنين من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والمساكن الطيبة.
وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة أي وإن أعرضوا عما دُعُوا إليه من التوبة وأصروا على النفاق وما ينشأ منه من المساوي الخلقية والنفسية- يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بما يلازم قلوبهم من الخوف والهلع كما قال سبحانه : لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ( التوبة : ٥٧ ) وقال : يحسبون كل صيحة عليهم ( المنافقون : ٤ ) فهم في جزع دائم وهمّ ملازم.
وأما في الآخرة فحسبك ما تقدم من وعيدهم بتلك النار التي تطلع على الأفئدة.
وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير أي وما لهم في الأرض كلها من يتولى أمورهم ولا من ينصرهم ويدافع عنهم، إذ من خذله الله فلا يقدر أحد أن يجيره.
أما في الدنيا فقد أغلقت في وجوههم الأبواب، فقد خص الله ولاية الأخوة والمودة والنصرة المؤمنين والمؤمنات دون المنافقين والمنافقات، وقد قضى الإسلام على جوار الجاهلية وعلى أحلافهم من أهل الكتاب في الحجاز بالقتل والجلاء.
وأما في الآخرة فقد تظاهرت النصوص على أنه لا وليّ ولا ظهير للكفار والمنافقين.
المعنى الجملي : بعد أن وصف الله تعالى المؤمنين بشريف الصفات، ووعدهم بأجزل الثواب وأرفع الدرجات- أعاد الكرّة إلى تهديد المنافقين وإنذارهم بالجهاد كالكفار المجاهرين بكفرهم إذا هم استرسلوا في إظهار ما ينافي الإسلام من الأقوال والأفعال كالقول الذي قالوه وأنكروه بعد أن أظهره الله عليهم وكذبهم في إنكارهم.
وجهادهم ألا يعاملوا معاملة المؤمنين الصادقين، فيقابلون بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر إلى نحو ذلك مما سيذكر بعد.
تفسير المفردات :
ونقم منه الشيء : أنكره وعابه عليه.
الإيضاح :
ثم ذكر سبحانه الجرائم الموجبة لجهادهم كالكفار، وهي أنهم أظهروا الكفر بالقول وهموا بشرّ ما يُغْرَى به من الفعل، وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أظهره الله عليه وأنبأه بأنهم سينكرونه إذا سألهم ويحلفون على إنكارهم ليصدقهم كدأبهم من قبل، فقد كانوا يحلفون للمؤمنين ليرضوهم كما قال تعالى : اتخذوا أيمانهم جنة ( المجادلة : ١٦ ) ويخوضون في آيات الله وفي رسوله استهزاء خرجوا به من الإيمان الذي يدّعونه إلى الكفر الذي يكتمونه فقال :
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا أي يحلفون بالله إنهم ما قالوا تلك الكلمة التي نسبت إليهم، والله يكذبهم ويثبت أنهم قد قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر القرآن هذه الكلمة لأنه لا ينبغي ذكرها، ولئلا يتعبد المسلمون بتلاوتها، وأصح ما قيل فيها ما رواه ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة فقال :( إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعينيْ شيطان، فإذا جاء فلا تكلّموا )، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله فقال له :( علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ ) فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فتجاوز عنهم فأنزل الله : يحلفون بالله ما قالوا الآية.
أما همّهم بما لم ينالوا فهو اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة منصرَفه من تبوك- ذاك أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المنافقين فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة وأرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشِيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر خبرهم فقال :( من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم ) وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثّموا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسقوها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكرة القوم من ورائهم قد غَشُوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه مِحْجَن، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربا بالمحجن وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر، فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظُهِر عليه فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركه قال :( اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار وراءها ) فأسرعوا حتى استووا بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة ( هل عرفت من هؤلاء الركب أحدا ؟ ) قال حذيفة عرفت راحلة فلان وفلان، وقال : كانت ظلمة الليل وغشيتُهم وهم متلثمون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا ؟ ) قالوا : لا والله يا رسول الله، قال :( فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعتُ في العقبة طرحوني منها ) قالوا : أولا تأمر بهم يا رسول الله إذا فنضرب أعناقهم ؟ قال :( أكره أن يتحدث الناس ويقولوا : إن محمدا قد وضع يده في أصحابه ) فسماهم لهما وقال :" كتماهم ".
والصحيح في عددهم ما رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدّبيْلة- خرّاج ودُمّل كبير يظهر في الجوف يقتل صاحبه كثيرا- سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ) أي كأنه سراج من النار.
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله أي وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم شيئا يقتضي الكراهة والهم بالانتقام- إلا إغناء الله تعالى إياهم ورسوله من فضله بالغنائم التي هي عندهم أحب الأشياء لديهم في هذه الحياة، وكانوا كسائر الأنصار فقراء فأغناهم الله ببعثة الرسول ونصره وبما آتاه من الغنائم كما وعده، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم للأنصار :( كنتم عالة فأغناكم الله بي ).
فإن يتوبوا يك خيرا لهم أي فإن يتوبوا من النفاق وما يصدر عنه من مساوئ الأقوال والأفعال، يكن ذلك المتاب خيرا لهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والعمل لما فيه السعادة في الآخرة ومعاشرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومشاهدة فضائله وأخوّة المؤمنين بعضهم لبعض وما فيها من الودّ والوفاء الكامل والإيثار على النفس إلى نحو ذلك.
وأما في الآخرة فبما علمتَ مما وعد الله به المؤمنين من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والمساكن الطيبة.
وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة أي وإن أعرضوا عما دُعُوا إليه من التوبة وأصروا على النفاق وما ينشأ منه من المساوي الخلقية والنفسية- يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بما يلازم قلوبهم من الخوف والهلع كما قال سبحانه : لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ( التوبة : ٥٧ ) وقال : يحسبون كل صيحة عليهم ( المنافقون : ٤ ) فهم في جزع دائم وهمّ ملازم.
وأما في الآخرة فحسبك ما تقدم من وعيدهم بتلك النار التي تطلع على الأفئدة.
وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير أي وما لهم في الأرض كلها من يتولى أمورهم ولا من ينصرهم ويدافع عنهم، إذ من خذله الله فلا يقدر أحد أن يجيره.
أما في الدنيا فقد أغلقت في وجوههم الأبواب، فقد خص الله ولاية الأخوة والمودة والنصرة المؤمنين والمؤمنات دون المنافقين والمنافقات، وقد قضى الإسلام على جوار الجاهلية وعلى أحلافهم من أهل الكتاب في الحجاز بالقتل والجلاء.
وأما في الآخرة فقد تظاهرت النصوص على أنه لا وليّ ولا ظهير للكفار والمنافقين.
آية رقم ٧٥
*وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( ٧٥ ) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ( ٧٦ ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ( ٧٧ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( التوبة : ٧٥-٧٨ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
آية رقم ٧٦
*وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( ٧٥ ) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ( ٧٦ ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ( ٧٧ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( التوبة : ٧٥-٧٨ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
الإيضاح :
فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون أي فلما رزقهم وأعطاهم ما طلبوا- بخلوا بما آتاهم وأمسكوه فلم يتصدقوا منه بشيء وتولوْا وانصرفوا عن الاستعانة به على الطاعة، وإصلاح الهم وحال أمتهم كما عاهدوا الله عليه، ولم يكن ذلك التولي عارضا طارئا، بل تولوا بكل ما أوتوا من قوة بحافز نفسيّ مَلك عليهم أمرهم ومنعهم عن التصدق، بحيث إذا ذُكِّروا بما يجب عليهم لا يذكرون، وإذا دُعُوا لا يستجيبون.
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
الإيضاح :
فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون أي فلما رزقهم وأعطاهم ما طلبوا- بخلوا بما آتاهم وأمسكوه فلم يتصدقوا منه بشيء وتولوْا وانصرفوا عن الاستعانة به على الطاعة، وإصلاح الهم وحال أمتهم كما عاهدوا الله عليه، ولم يكن ذلك التولي عارضا طارئا، بل تولوا بكل ما أوتوا من قوة بحافز نفسيّ مَلك عليهم أمرهم ومنعهم عن التصدق، بحيث إذا ذُكِّروا بما يجب عليهم لا يذكرون، وإذا دُعُوا لا يستجيبون.
آية رقم ٧٧
*وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( ٧٥ ) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ( ٧٦ ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ( ٧٧ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( التوبة : ٧٥-٧٨ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
الإيضاح :
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه قال الليث : يقال أعقبتُ فلانا ندامة إذا صبرت عاقبة أمره كذلك كما قال الهذلي :
أي أعقبهم ذلك البخل والتولي بعد العهد الموثَّق بأوكد الأيمان نفاقا في قلوبهم متمكنا منها وملازما لها إلى يوم الحساب في الآخرة لأنه لا رجاء معه في التوبة.
ثم ذكر سببين هما من أخص أوصاف المنافقين- إخلاف الوعد والكذب فقال :
بما أخلفوا الله وعدوه وبما كانوا يكذبون أي إن سنة الله في البشر قد جرت بأن العمل بما يقتضيه النفاق يمكّن النفاق في القلب ويقويه، كما أن العمل بمقتضى الإيمان يزيد الإيمان قوة ورسوخا في النفس، وهكذا جميع الأخلاق والعقائد تقوي وترسخ بالعمل الذي يصدر منها.
فهؤلاء لما كان قد رسخ في نفوسهم خلف الوعد واستمرار الكذب- مكّن ذلك النفاق في قلوبهم بمقتضى سننه وتقديره.
أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في قوله : ومنهم من عاهد الله الآية : أن رجلا من الأنصار يقال له ثعلبة أتى مجلسا فأشهدهم قال : لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله، فأخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده، قفص الله شأنه في القرآن ا ه.
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
الإيضاح :
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه قال الليث : يقال أعقبتُ فلانا ندامة إذا صبرت عاقبة أمره كذلك كما قال الهذلي :
| أودى بني وأعقبوني حسرة | بعد الرقاد وعبرة لا تقلع |
ثم ذكر سببين هما من أخص أوصاف المنافقين- إخلاف الوعد والكذب فقال :
بما أخلفوا الله وعدوه وبما كانوا يكذبون أي إن سنة الله في البشر قد جرت بأن العمل بما يقتضيه النفاق يمكّن النفاق في القلب ويقويه، كما أن العمل بمقتضى الإيمان يزيد الإيمان قوة ورسوخا في النفس، وهكذا جميع الأخلاق والعقائد تقوي وترسخ بالعمل الذي يصدر منها.
فهؤلاء لما كان قد رسخ في نفوسهم خلف الوعد واستمرار الكذب- مكّن ذلك النفاق في قلوبهم بمقتضى سننه وتقديره.
أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في قوله : ومنهم من عاهد الله الآية : أن رجلا من الأنصار يقال له ثعلبة أتى مجلسا فأشهدهم قال : لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله، فأخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده، قفص الله شأنه في القرآن ا ه.
آية رقم ٧٨
*وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( ٧٥ ) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ( ٧٦ ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ( ٧٧ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( التوبة : ٧٥-٧٨ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
الإيضاح :
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يعلنون غير ما يُسِرّون، ويتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان ولمز الرسول- أن الله يعلم السر الكامن في أعماق نفوسهم الذين يخصون به من يثقون به ممن هو مشارك لهم في النفاق، وأن الله يعلم الغيوب كلها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به وعلى الناس فيما يحلفون عليه باسمه.
المعنى الجملي : هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى من المنافقين أغناهم الله بعد فقر وإملاق، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له والطاعة لشرعه إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم نكصوا على أعقابهم وكفروا النعمة وهضموا حقوق الخلق- ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
الإيضاح :
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يعلنون غير ما يُسِرّون، ويتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان ولمز الرسول- أن الله يعلم السر الكامن في أعماق نفوسهم الذين يخصون به من يثقون به ممن هو مشارك لهم في النفاق، وأن الله يعلم الغيوب كلها لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به وعلى الناس فيما يحلفون عليه باسمه.
آية رقم ٧٩
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ٧٩ ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( التوبة : ٧٩-٨٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه بُخل المنافقين وشحهم بأموالهم حتى بعد أن عاهدوا الله على الصدقة إذا آتاهم من فضله- أردف ذلك ببيان أنهم لم يقتصروا في جُرمهم على هذا الحد، بل جاوزوا ذلك إلى لمز المؤمنين وذمهم في صدقاتهم غنيهم وفقيرهم، وأنهم لهذا قد وصلوا إلى حد لم يعد لهم فيه أدنى حظ من الإسلام، ولا أدنى نفع من استغفار الرسول ودعائه لهم لرسوخهم في الكفر بالله ورسوله وعدم الرجاء في إيمانهم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود البدري قال : لما أُمِرنا بالصدقة كنا نتحامل- يحمل بعضنا لبعض بالأجر- فجاء أبو عقيل- اسمه الحجاج- بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون : إن الله غني عن صدقة هذا، وما فعل الآخر هذا إلا رياء. فنزلت : الذين يلمزون الآية.
وروى ابن جرير عن عكرمة قال : حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة في غزوة تبوك فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال : يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها وأمسكت نصفها فقال :( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ) وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بمائة وَسْق- ثلثمائة وعشرين رطلا- من تمر وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، الحديث.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه بُخل المنافقين وشحهم بأموالهم حتى بعد أن عاهدوا الله على الصدقة إذا آتاهم من فضله- أردف ذلك ببيان أنهم لم يقتصروا في جُرمهم على هذا الحد، بل جاوزوا ذلك إلى لمز المؤمنين وذمهم في صدقاتهم غنيهم وفقيرهم، وأنهم لهذا قد وصلوا إلى حد لم يعد لهم فيه أدنى حظ من الإسلام، ولا أدنى نفع من استغفار الرسول ودعائه لهم لرسوخهم في الكفر بالله ورسوله وعدم الرجاء في إيمانهم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود البدري قال : لما أُمِرنا بالصدقة كنا نتحامل- يحمل بعضنا لبعض بالأجر- فجاء أبو عقيل- اسمه الحجاج- بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون : إن الله غني عن صدقة هذا، وما فعل الآخر هذا إلا رياء. فنزلت : الذين يلمزون الآية.
وروى ابن جرير عن عكرمة قال : حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة في غزوة تبوك فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال : يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها وأمسكت نصفها فقال :( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ) وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بمائة وَسْق- ثلثمائة وعشرين رطلا- من تمر وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، الحديث.
آية رقم ٨٠
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ٧٩ ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( التوبة : ٧٩-٨٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه بُخل المنافقين وشحهم بأموالهم حتى بعد أن عاهدوا الله على الصدقة إذا آتاهم من فضله- أردف ذلك ببيان أنهم لم يقتصروا في جُرمهم على هذا الحد، بل جاوزوا ذلك إلى لمز المؤمنين وذمهم في صدقاتهم غنيهم وفقيرهم، وأنهم لهذا قد وصلوا إلى حد لم يعد لهم فيه أدنى حظ من الإسلام، ولا أدنى نفع من استغفار الرسول ودعائه لهم لرسوخهم في الكفر بالله ورسوله وعدم الرجاء في إيمانهم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود البدري قال : لما أُمِرنا بالصدقة كنا نتحامل- يحمل بعضنا لبعض بالأجر- فجاء أبو عقيل- اسمه الحجاج- بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون : إن الله غني عن صدقة هذا، وما فعل الآخر هذا إلا رياء. فنزلت : الذين يلمزون الآية.
وروى ابن جرير عن عكرمة قال : حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة في غزوة تبوك فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال : يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها وأمسكت نصفها فقال :( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ) وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بمائة وَسْق- ثلثمائة وعشرين رطلا- من تمر وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، الحديث.
الإيضاح :
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم أي وإن تدعُ لهؤلاء المنافقين وتسأل الله أن يستر عليهم ذنوبهم بالعفو عنها وترك فضيحتهم بها أو لا تدع فلن يستر الله عليهم ولن يعفو عنهم، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
ويراد بالسبعين في مثل هذا الأسلوب الكثرة لا العدد المعين، فالمراد أنك مهما أكثرت من الاستغفار لهم فلن يستجاب لك فيهم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر لهم رجاء أن يهديهم الله فيتوب عليهم ويغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له ويقول :( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) رواه ابن ماجه.
ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله أي من أجل جحودهم وحدانية الله وعدم إيقافهم بما وصف به تعالى نفسه من العلم بالسر والنجوى وسائر الغيوب، وجحودهم وحيه لرسوله صلى الله عليه وسلم وبما أوجبه من أتباعه، وجحودهم بعثته للموتى وجزاءهم على أعمالهم لم يعف عن ذنوبهم ولا عما دسّوا به أنفسهم من الآثام والمعاصي.
والله لا يهدي القوم الفاسقين أي إن سنة الله قد جرت فيمن أصروا على فسوقهم وتمردوا في نفاقهم وأحاطت بهم خطاياهم- أن يفقدوا الاستعداد للتوبة والإيمان فلا يهتدون إليهما سبيلا.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه بُخل المنافقين وشحهم بأموالهم حتى بعد أن عاهدوا الله على الصدقة إذا آتاهم من فضله- أردف ذلك ببيان أنهم لم يقتصروا في جُرمهم على هذا الحد، بل جاوزوا ذلك إلى لمز المؤمنين وذمهم في صدقاتهم غنيهم وفقيرهم، وأنهم لهذا قد وصلوا إلى حد لم يعد لهم فيه أدنى حظ من الإسلام، ولا أدنى نفع من استغفار الرسول ودعائه لهم لرسوخهم في الكفر بالله ورسوله وعدم الرجاء في إيمانهم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود البدري قال : لما أُمِرنا بالصدقة كنا نتحامل- يحمل بعضنا لبعض بالأجر- فجاء أبو عقيل- اسمه الحجاج- بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون : إن الله غني عن صدقة هذا، وما فعل الآخر هذا إلا رياء. فنزلت : الذين يلمزون الآية.
وروى ابن جرير عن عكرمة قال : حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة في غزوة تبوك فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقال : يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها وأمسكت نصفها فقال :( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ) وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بمائة وَسْق- ثلثمائة وعشرين رطلا- من تمر وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، الحديث.
الإيضاح :
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم أي وإن تدعُ لهؤلاء المنافقين وتسأل الله أن يستر عليهم ذنوبهم بالعفو عنها وترك فضيحتهم بها أو لا تدع فلن يستر الله عليهم ولن يعفو عنهم، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
ويراد بالسبعين في مثل هذا الأسلوب الكثرة لا العدد المعين، فالمراد أنك مهما أكثرت من الاستغفار لهم فلن يستجاب لك فيهم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر لهم رجاء أن يهديهم الله فيتوب عليهم ويغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له ويقول :( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) رواه ابن ماجه.
ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله أي من أجل جحودهم وحدانية الله وعدم إيقافهم بما وصف به تعالى نفسه من العلم بالسر والنجوى وسائر الغيوب، وجحودهم وحيه لرسوله صلى الله عليه وسلم وبما أوجبه من أتباعه، وجحودهم بعثته للموتى وجزاءهم على أعمالهم لم يعف عن ذنوبهم ولا عما دسّوا به أنفسهم من الآثام والمعاصي.
والله لا يهدي القوم الفاسقين أي إن سنة الله قد جرت فيمن أصروا على فسوقهم وتمردوا في نفاقهم وأحاطت بهم خطاياهم- أن يفقدوا الاستعداد للتوبة والإيمان فلا يهتدون إليهما سبيلا.
آية رقم ٨١
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ( ٨١ ) فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ( ٨٢ ) فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ( التوبة : ٨١-٨٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر بعض سوءات المنافقين ممن اعتذارهم للمؤمنين عن الخروج معهم للقتال ولمزهم في قسمة الصدقات وفي إعطائها، عاد الكلام في ذكر حال الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك وظلّوا في المدينة، وبيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع إليها، وقد نزل ذلك أثناء السفر.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر بعض سوءات المنافقين ممن اعتذارهم للمؤمنين عن الخروج معهم للقتال ولمزهم في قسمة الصدقات وفي إعطائها، عاد الكلام في ذكر حال الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك وظلّوا في المدينة، وبيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع إليها، وقد نزل ذلك أثناء السفر.
آية رقم ٨٢
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ( ٨١ ) فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ( ٨٢ ) فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ( التوبة : ٨١-٨٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر بعض سوءات المنافقين ممن اعتذارهم للمؤمنين عن الخروج معهم للقتال ولمزهم في قسمة الصدقات وفي إعطائها، عاد الكلام في ذكر حال الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك وظلّوا في المدينة، وبيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع إليها، وقد نزل ذلك أثناء السفر.
الإيضاح :
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون أي إن الأجدر بهم بحسب ما تقتضيه حالهم وتستوجبه جريمتهم أن يضحكوا قليلا ويبكوا كثيرا لو كانوا يفقهون ما فاتهم بالتخلف من أجر، وما سيحملونه في الآخرة من وِزْر، وما يلاقونه في الدنيا من خزي وضرّ، جزاء لهم على ما اجترحوا من العصيان، وارتكبوا من الإثم والبهتان، وكما يدين الفتى يدان.
ونحو الآية قوله صلى الله عليه وسلم :( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا : يظهر النفاق، وترتفع الأمانة، وتُقبض الرحمة، ويُتّهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، وأناخ بكم الشرف الجون- الشرف بضمتين جمع أشارف وهي الناقة الكبيرة السن، والجون : السود- الفتن كأمثال الليل المظلم ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر بعض سوءات المنافقين ممن اعتذارهم للمؤمنين عن الخروج معهم للقتال ولمزهم في قسمة الصدقات وفي إعطائها، عاد الكلام في ذكر حال الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك وظلّوا في المدينة، وبيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع إليها، وقد نزل ذلك أثناء السفر.
الإيضاح :
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون أي إن الأجدر بهم بحسب ما تقتضيه حالهم وتستوجبه جريمتهم أن يضحكوا قليلا ويبكوا كثيرا لو كانوا يفقهون ما فاتهم بالتخلف من أجر، وما سيحملونه في الآخرة من وِزْر، وما يلاقونه في الدنيا من خزي وضرّ، جزاء لهم على ما اجترحوا من العصيان، وارتكبوا من الإثم والبهتان، وكما يدين الفتى يدان.
ونحو الآية قوله صلى الله عليه وسلم :( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا : يظهر النفاق، وترتفع الأمانة، وتُقبض الرحمة، ويُتّهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، وأناخ بكم الشرف الجون- الشرف بضمتين جمع أشارف وهي الناقة الكبيرة السن، والجون : السود- الفتن كأمثال الليل المظلم ).
آية رقم ٨٣
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ( ٨١ ) فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ( ٨٢ ) فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ( التوبة : ٨١-٨٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر بعض سوءات المنافقين ممن اعتذارهم للمؤمنين عن الخروج معهم للقتال ولمزهم في قسمة الصدقات وفي إعطائها، عاد الكلام في ذكر حال الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك وظلّوا في المدينة، وبيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع إليها، وقد نزل ذلك أثناء السفر.
تفسير المفردات :
والخالف : المتخلف.
الإيضاح :
ثم بين ما يجب أن يعاملوا به في الدنيا قبل الآخرة، مما يقتضي تركهم للفرح والغبطة في دنياهم بالتمتع بأحكام الإسلام فقال :
فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقتلوا معي عدوا أي فإن ردك الله من سفرك هذا إلى طائفة من المنافقين المتخلفين، فاستأذنوك ليخرجوا معك في غزاة أو غيرها مما تخرج لأجله، فقل لهم : لن تخرجوا معي أبدا ولن يكون لكم أبدا شرف الصحبة بالخروج معي للجهاد في سبيل الله ما دمت ودمتم، ولن تقاتلوا معي عدوا لا بالخروج والسفر إليهم ولا بغير ذلك كأن يهاجم المؤمنون في عُقْر دارهم كما حدث يوم وقعة الأحزاب.
ثم بين سبب النهي عن صحبتهم فقال :
إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين أي إنكم رضيتم لأنفسكم بخزي القعود أول مرة دعيتم فيها إلى الخروج، إذا طلب إليكم أن تنفروا فلن تنفروا وعصيتم الله ورسوله، فاقعدوا أبدا مع الذين تخلفوا عن النّفر من الأشرار المفسدين الذين خرجوا عن سبيل المهتدين، وربما كان المراد بالخالفين الصبيان والعجزة والنساء الذين لا يكلفون القيام بشرف الجهاد دفاعا عن الحق وإعلاء لكلمة الله.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر بعض سوءات المنافقين ممن اعتذارهم للمؤمنين عن الخروج معهم للقتال ولمزهم في قسمة الصدقات وفي إعطائها، عاد الكلام في ذكر حال الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك وظلّوا في المدينة، وبيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع إليها، وقد نزل ذلك أثناء السفر.
تفسير المفردات :
والخالف : المتخلف.
الإيضاح :
ثم بين ما يجب أن يعاملوا به في الدنيا قبل الآخرة، مما يقتضي تركهم للفرح والغبطة في دنياهم بالتمتع بأحكام الإسلام فقال :
فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقتلوا معي عدوا أي فإن ردك الله من سفرك هذا إلى طائفة من المنافقين المتخلفين، فاستأذنوك ليخرجوا معك في غزاة أو غيرها مما تخرج لأجله، فقل لهم : لن تخرجوا معي أبدا ولن يكون لكم أبدا شرف الصحبة بالخروج معي للجهاد في سبيل الله ما دمت ودمتم، ولن تقاتلوا معي عدوا لا بالخروج والسفر إليهم ولا بغير ذلك كأن يهاجم المؤمنون في عُقْر دارهم كما حدث يوم وقعة الأحزاب.
ثم بين سبب النهي عن صحبتهم فقال :
إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين أي إنكم رضيتم لأنفسكم بخزي القعود أول مرة دعيتم فيها إلى الخروج، إذا طلب إليكم أن تنفروا فلن تنفروا وعصيتم الله ورسوله، فاقعدوا أبدا مع الذين تخلفوا عن النّفر من الأشرار المفسدين الذين خرجوا عن سبيل المهتدين، وربما كان المراد بالخالفين الصبيان والعجزة والنساء الذين لا يكلفون القيام بشرف الجهاد دفاعا عن الحق وإعلاء لكلمة الله.
آية رقم ٨٤
وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ( ٨٤ ) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( التوبة : ٨٤-٨٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله رسوله بإهانة المنافقين وإذلالهم بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات- قفّى على ذلك بذكر إهانة أخرى لهم وهي منع الرسول أن يصلي على من مات منهم بعد إعلامه بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبيّ والاثنا عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله رسوله بإهانة المنافقين وإذلالهم بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات- قفّى على ذلك بذكر إهانة أخرى لهم وهي منع الرسول أن يصلي على من مات منهم بعد إعلامه بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبيّ والاثنا عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.
آية رقم ٨٥
وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ( ٨٤ ) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( التوبة : ٨٤-٨٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله رسوله بإهانة المنافقين وإذلالهم بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات- قفّى على ذلك بذكر إهانة أخرى لهم وهي منع الرسول أن يصلي على من مات منهم بعد إعلامه بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبيّ والاثنا عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.
الإيضاح :
ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون قد جاء مثل هذا النص فيما سبق إلا أن زيادة لا في الآية السابقة للنهي عن الإعجاب بكل من الأموال والأولاد على حدته، وهو شامل لمن كانت له إحدى المزيتين أو كلاهما، والنهي في هذه الآية عن الإعجاب بها مجتمعين وهذا أدعى إلى الإعجاب بهما.
المعنى الجملي : بعد أن أمر الله رسوله بإهانة المنافقين وإذلالهم بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات- قفّى على ذلك بذكر إهانة أخرى لهم وهي منع الرسول أن يصلي على من مات منهم بعد إعلامه بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبيّ والاثنا عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.
الإيضاح :
ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون قد جاء مثل هذا النص فيما سبق إلا أن زيادة لا في الآية السابقة للنهي عن الإعجاب بكل من الأموال والأولاد على حدته، وهو شامل لمن كانت له إحدى المزيتين أو كلاهما، والنهي في هذه الآية عن الإعجاب بها مجتمعين وهذا أدعى إلى الإعجاب بهما.
آية رقم ٨٦
وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ( ٨٦ ) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ( ٨٧ ) لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ٨٨ ) أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة : ٨٦-٨٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
آية رقم ٨٧
وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ( ٨٦ ) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ( ٨٧ ) لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ٨٨ ) أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة : ٨٦-٨٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
تفسير المفردات :
والخوالف : واحدها خالفة ومثله خالف، وهو من لا خير فيه ولا غناء عنده. والطبع على القلوب : الختم عليها وعدم قبولها لشيء جديد.
الإيضاح :
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف أي رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد، وهذا منتهى الجبن وتعافه النفس التي لا ترضى بالمذلة.
ثم بيّن العلة في قبولهم هذا الذل فقال :
وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون أي إن الله قد ختم على قلوبهم فلا تقبل جديدا من العلم والموعظة غير ما استقر فيها استحوذ عليها وصار وصفا لازما لها، لأن النفاق قد أثر فيها بحسب سنة الله في الارتباط بين العقائد والأعمال، فهم لا يفهمون ما أمروا به، فهم تدبر واعتبار فيعملوا به.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
تفسير المفردات :
والخوالف : واحدها خالفة ومثله خالف، وهو من لا خير فيه ولا غناء عنده. والطبع على القلوب : الختم عليها وعدم قبولها لشيء جديد.
الإيضاح :
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف أي رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد، وهذا منتهى الجبن وتعافه النفس التي لا ترضى بالمذلة.
ثم بيّن العلة في قبولهم هذا الذل فقال :
وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون أي إن الله قد ختم على قلوبهم فلا تقبل جديدا من العلم والموعظة غير ما استقر فيها استحوذ عليها وصار وصفا لازما لها، لأن النفاق قد أثر فيها بحسب سنة الله في الارتباط بين العقائد والأعمال، فهم لا يفهمون ما أمروا به، فهم تدبر واعتبار فيعملوا به.
آية رقم ٨٨
وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ( ٨٦ ) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ( ٨٧ ) لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ٨٨ ) أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة : ٨٦-٨٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
الإيضاح :
لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أي ولكن الرسول والذين آمنوا به وكانوا معه في كل المهام الدينية لا يفارقونه- جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وقاموا بالواجب خير قيام عملا بداعي الإيمان وأمر الله في القرآن.
وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أي وأولئك المجاهدون في سبيل الله لهم الخيرات التي هي ثمرات الإيمان والجهاد من شرف النصر ومحو كلمة الكفر وإعلاء كلمة الله وإقامة الحق والعدل والتمتع بالمغانم والسيادة في الأرض، دون المنافقين الجبناء الذين ألِفوا الذلة والهوان ولم يكونوا أهلا للقيام بهذه الأعباء، وأولئك هم الفائزون بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة دون المنافقين الذين حرموا منها بنفاقهم بما له من الأثر في أخلاقهم وأعمالهم.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
الإيضاح :
لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أي ولكن الرسول والذين آمنوا به وكانوا معه في كل المهام الدينية لا يفارقونه- جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وقاموا بالواجب خير قيام عملا بداعي الإيمان وأمر الله في القرآن.
وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أي وأولئك المجاهدون في سبيل الله لهم الخيرات التي هي ثمرات الإيمان والجهاد من شرف النصر ومحو كلمة الكفر وإعلاء كلمة الله وإقامة الحق والعدل والتمتع بالمغانم والسيادة في الأرض، دون المنافقين الجبناء الذين ألِفوا الذلة والهوان ولم يكونوا أهلا للقيام بهذه الأعباء، وأولئك هم الفائزون بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة دون المنافقين الذين حرموا منها بنفاقهم بما له من الأثر في أخلاقهم وأعمالهم.
آية رقم ٨٩
وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ( ٨٦ ) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ( ٨٧ ) لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ٨٨ ) أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة : ٨٦-٨٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
الإيضاح :
أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم تقدم شرح هذا في آيات سابقة.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن المنافقين عملوا الحيل والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو- قفّى على ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعنا نكن مع الضعفاء والزمْنَى العاجزين عن القتال.
الإيضاح :
أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم تقدم شرح هذا في آيات سابقة.
آية رقم ٩٠
وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( التوبة : ٩٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن بيّن حال منافقي الحضر في المدينة- أردف ذلك ذكر حال الأعراب من البدو الذين طلبوا الإذن بالتخلف والذين تخلفوا بغير إذن.
تفسير المفردات :
المعذّر : من عذّر في الأمر إذا قصّر فيه وتوانى ولم يجدّ وهو يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له، وقد يكون أصله المعتذرون من اعتذر، والمعذر إما صادق أو كاذب، والأعراب : هم سكان البدو، وكذبوا الله ورسوله : أي أظهروا الإيمان بهما كذبا، يقال : كذَبَتْه نفسه إذا حدثته بالأماني والأوهام التي لا يبلغها، وكذبته عينه إذا رأته ما لا حقيقة له.
الإيضاح : وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم أي وجاء الذين يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في التخلف عن الخروج إلى تبوك امتثالا للنفير العام من أولي التعذير.
قال الضحاك : هم رهط عامر بن الطُّفَيل جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه فقالوا يا نبي الله : إنا إن غزونا معك أغارت طيئ على نسائنا وأولادنا وأنعامنا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم ).
واختلفت الروايات بين قائل بصدقهم في الاعتذار، وقائل بكذبهم فيه، وظاهر كلام ابن عباس أنهم صادقون في اعتذارهم، وعليه يكون المراد بالذين كذبوا الله ورسوله جماعة غيرهم من المنافقين.
وقعد الذين كذبوا الله ورسوله أي وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين أظهروا الإيمان بهما كذبا وإيهاما على غير اعتقاد صادق، قال أبو عمرو بن العلاء : كان كلا الفريقين مسيئا، قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله بقوله : وجاء المعذرون وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى، فأوعد المكذبين وبعض المعتذرين بقوله :
سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم أي سيصيب الذين كذبوا الله ورسوله من المنافقين والكاذبين من المعتذرين الذين في قلوبهم مرض- عذاب أليم في الدنيا والآخرة.
المعنى الجملي : بعد أن بيّن حال منافقي الحضر في المدينة- أردف ذلك ذكر حال الأعراب من البدو الذين طلبوا الإذن بالتخلف والذين تخلفوا بغير إذن.
تفسير المفردات :
المعذّر : من عذّر في الأمر إذا قصّر فيه وتوانى ولم يجدّ وهو يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له، وقد يكون أصله المعتذرون من اعتذر، والمعذر إما صادق أو كاذب، والأعراب : هم سكان البدو، وكذبوا الله ورسوله : أي أظهروا الإيمان بهما كذبا، يقال : كذَبَتْه نفسه إذا حدثته بالأماني والأوهام التي لا يبلغها، وكذبته عينه إذا رأته ما لا حقيقة له.
الإيضاح : وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم أي وجاء الذين يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في التخلف عن الخروج إلى تبوك امتثالا للنفير العام من أولي التعذير.
قال الضحاك : هم رهط عامر بن الطُّفَيل جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه فقالوا يا نبي الله : إنا إن غزونا معك أغارت طيئ على نسائنا وأولادنا وأنعامنا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم ).
واختلفت الروايات بين قائل بصدقهم في الاعتذار، وقائل بكذبهم فيه، وظاهر كلام ابن عباس أنهم صادقون في اعتذارهم، وعليه يكون المراد بالذين كذبوا الله ورسوله جماعة غيرهم من المنافقين.
وقعد الذين كذبوا الله ورسوله أي وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين أظهروا الإيمان بهما كذبا وإيهاما على غير اعتقاد صادق، قال أبو عمرو بن العلاء : كان كلا الفريقين مسيئا، قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله بقوله : وجاء المعذرون وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى، فأوعد المكذبين وبعض المعتذرين بقوله :
سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم أي سيصيب الذين كذبوا الله ورسوله من المنافقين والكاذبين من المعتذرين الذين في قلوبهم مرض- عذاب أليم في الدنيا والآخرة.
آية رقم ٩١
لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٩١ ) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ( ٩٢ ) إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( التوبة : ٩١-٩٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكّر المعذرين والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوى صنيعهم قفّى على ذلك بذكر أصناف ثلاثة أعذارها مقبولة، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار وهو استئذان الأغنياء.
المعنى الجملي : بعد أن ذكّر المعذرين والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوى صنيعهم قفّى على ذلك بذكر أصناف ثلاثة أعذارها مقبولة، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار وهو استئذان الأغنياء.
آية رقم ٩٢
لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٩١ ) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ( ٩٢ ) إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( التوبة : ٩١-٩٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكّر المعذرين والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوى صنيعهم قفّى على ذلك بذكر أصناف ثلاثة أعذارها مقبولة، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار وهو استئذان الأغنياء.
الإيضاح :
ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه يقال حمله على البعير أو غيره : أركبه إياه أو أعطاه إياه ليركبه، وكأنّ الطالب لظهر يركبه يقول لمن يطلب منه : احملني.
أي لا حرج على من ذكروا أولا ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل فيخرجوا معك، فلم تجد ما تحملهم عليه، وهؤلاء وإن دخلوا في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل- قد خصوا بالذكر اعتناء بشأنهم وجعلهم كأنهم قسم مستقل.
تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون أي انصرفوا من مجلسك وهم يبكون بكاء شديدا يصحبه حزن عميق، فكانت أعينهم تمتلئ دمعا يتدفق من جوانبها حزنا وأسفا على أنهم لا يجدون ما ينفقون ولا ما يركبون في خروجهم معك للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
روى ابن جرير عن ابن عباس قال :( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مُغْفل المزني فقالوا يا رسول الله احملنا فقال :( والله لا أجد ما أحملكم عليه ) فأنزل الله : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وكانوا يسمون البكائين.
وفي رواية أنهم ما سألوه إلا الحملان على البغال، وفي رواية أنهم سألوه الزاد والماء، ولا مانع من وقوع كل هذا في هذه الغزوة الكبيرة، ولكن الذين في الآية هم طلاب الرواحل.
وعدم وجود ما يحملون عليه يدخل فيه مراكب النقل البرية والبحرية والهوائية في هذا العصر، ويتحقق العذر بفقد ما يحتاج إليه منها في كل سفر بحسبه، ويفقد العذر بوجوده.
المعنى الجملي : بعد أن ذكّر المعذرين والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوى صنيعهم قفّى على ذلك بذكر أصناف ثلاثة أعذارها مقبولة، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار وهو استئذان الأغنياء.
الإيضاح :
ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه يقال حمله على البعير أو غيره : أركبه إياه أو أعطاه إياه ليركبه، وكأنّ الطالب لظهر يركبه يقول لمن يطلب منه : احملني.
أي لا حرج على من ذكروا أولا ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل فيخرجوا معك، فلم تجد ما تحملهم عليه، وهؤلاء وإن دخلوا في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل- قد خصوا بالذكر اعتناء بشأنهم وجعلهم كأنهم قسم مستقل.
تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون أي انصرفوا من مجلسك وهم يبكون بكاء شديدا يصحبه حزن عميق، فكانت أعينهم تمتلئ دمعا يتدفق من جوانبها حزنا وأسفا على أنهم لا يجدون ما ينفقون ولا ما يركبون في خروجهم معك للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
روى ابن جرير عن ابن عباس قال :( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مُغْفل المزني فقالوا يا رسول الله احملنا فقال :( والله لا أجد ما أحملكم عليه ) فأنزل الله : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وكانوا يسمون البكائين.
وفي رواية أنهم ما سألوه إلا الحملان على البغال، وفي رواية أنهم سألوه الزاد والماء، ولا مانع من وقوع كل هذا في هذه الغزوة الكبيرة، ولكن الذين في الآية هم طلاب الرواحل.
وعدم وجود ما يحملون عليه يدخل فيه مراكب النقل البرية والبحرية والهوائية في هذا العصر، ويتحقق العذر بفقد ما يحتاج إليه منها في كل سفر بحسبه، ويفقد العذر بوجوده.
آية رقم ٩٣
لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٩١ ) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ( ٩٢ ) إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ( التوبة : ٩١-٩٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكّر المعذرين والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوى صنيعهم قفّى على ذلك بذكر أصناف ثلاثة أعذارها مقبولة، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار وهو استئذان الأغنياء.
الإيضاح :
ولما بين من لا سبيل عليهم في تلك الحال -ذكر من عليهم السبيل فقال :
إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء أي إنما الطريق الموصل للمؤاخذة والمعاقبة بالحق على من يطلبون الإذن في القعود عن الجهاد والتخلف عن الغزو وهم أغنياء يستطيعون إعداد العدة من زاد وراحلة ونحو ذلك.
ثم ذكر السبب في استحقاقهم المؤاخذة فقال :
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف أي رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف والخالفين من النساء والأطفال والمعذرين من المفسدين.
وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون أي وأحاطت بهم خطاياهم وذنوبهم بحسب سنن الله في أمثالهم، فهم لا يعلمون حقيقة أمرهم ولا سوء عاقبتهم، وما هو سبب ذلك من أعمالهم، فهم قد رضُوا بالمهانة في الدنيا بانتظامهم في سلك النساء والأطفال- إلا أن تخلف الأفراد عن القتال الذي تسعى إليه الشعوب والأمم يعد من مظاهر الخزي والعار، وقد جعله الدين من أقوى آيات الكفر والنفاق.
وأما سوء عاقبتهم فيكفي فيهم فضيحتهم في هذه السورة كفاء إحجامهم عن الجهاد في سبيله، وما أعده لهم من العذاب العظيم والخزي والنكال في نار الجحيم.
اللهم يا مُقَلِّب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا لدى هول الموقف والحساب، واجعلنا ممن أخلصوا العمل في السر والنجوى، واحشرنا في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وقد كان الفراغ من مسوّدة هذا الجزء في الحادي عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة بمدينة حلوان من أرباض القاهرة، وله الحمد أولا وآخرا.
المعنى الجملي : بعد أن ذكّر المعذرين والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوى صنيعهم قفّى على ذلك بذكر أصناف ثلاثة أعذارها مقبولة، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار وهو استئذان الأغنياء.
الإيضاح :
ولما بين من لا سبيل عليهم في تلك الحال -ذكر من عليهم السبيل فقال :
إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء أي إنما الطريق الموصل للمؤاخذة والمعاقبة بالحق على من يطلبون الإذن في القعود عن الجهاد والتخلف عن الغزو وهم أغنياء يستطيعون إعداد العدة من زاد وراحلة ونحو ذلك.
ثم ذكر السبب في استحقاقهم المؤاخذة فقال :
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف أي رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف والخالفين من النساء والأطفال والمعذرين من المفسدين.
وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون أي وأحاطت بهم خطاياهم وذنوبهم بحسب سنن الله في أمثالهم، فهم لا يعلمون حقيقة أمرهم ولا سوء عاقبتهم، وما هو سبب ذلك من أعمالهم، فهم قد رضُوا بالمهانة في الدنيا بانتظامهم في سلك النساء والأطفال- إلا أن تخلف الأفراد عن القتال الذي تسعى إليه الشعوب والأمم يعد من مظاهر الخزي والعار، وقد جعله الدين من أقوى آيات الكفر والنفاق.
وأما سوء عاقبتهم فيكفي فيهم فضيحتهم في هذه السورة كفاء إحجامهم عن الجهاد في سبيله، وما أعده لهم من العذاب العظيم والخزي والنكال في نار الجحيم.
اللهم يا مُقَلِّب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا لدى هول الموقف والحساب، واجعلنا ممن أخلصوا العمل في السر والنجوى، واحشرنا في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وقد كان الفراغ من مسوّدة هذا الجزء في الحادي عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة بمدينة حلوان من أرباض القاهرة، وله الحمد أولا وآخرا.
آية رقم ٩٤
الجزء الحادي عشر
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه من يستحقون اللوم والمؤاخذة من المعذّرين، ومن لا سبيل إلى مؤاخذتهم وعدم الحرج عليهم- ذكر في هذه الآيات ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه من يستحقون اللوم والمؤاخذة من المعذّرين، ومن لا سبيل إلى مؤاخذتهم وعدم الحرج عليهم- ذكر في هذه الآيات ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودتهم.
آية رقم ٩٥
الجزء الحادي عشر
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه من يستحقون اللوم والمؤاخذة من المعذّرين، ومن لا سبيل إلى مؤاخذتهم وعدم الحرج عليهم- ذكر في هذه الآيات ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودتهم.
تفسير المفردات :
الانقلاب : الرجوع. رجس : أي قذر يجب الإعراض عنه.
الإيضاح :
سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم أي سيؤكدون لكم اعتذارهم بما يحلفون به من كاذب الأيمان إذا انقلبتم من سفركم ورجعتم إليهم لتعرضوا عن العتب عليهم والتوبيخ لهم على قعودهم مع الخالفين من العجزة والنساء والأطفال وعلى البخل بالنفقة والمال.
فأعرضوا عنهم أي فأعرضوا عنهم إعراض الإهانة والتحقير، لا إعراض الصفح وقبول العذر. روى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين قدم المدينة :( لا تجالسوهم ولا تكلموهم ).
ثم علل هذا بقوله :
إنهم رجس أي إن في نفوسهم قدرا معنويا يجب الاحتراس منه خوف سريان عدواه، وميل النفوس إليه، كما يحترز صاحب الثوب النظيف من الأقذار الحسّية التي ربما تصيبه إذا لم يحتط لها.
ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون أي وملجؤهم الأخير نار جهنم جزاء لهم بما كسبوا في الدنيا من أعمال النفاق وغيرها مما دنس نفوسهم، وزادهم رجسا على رجسهم.
ثم زاد في تأكيد نفاقهم فقال : يحلفون لكم لترضوا عنهم .
بسم الله الرحمن الرحيم
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه من يستحقون اللوم والمؤاخذة من المعذّرين، ومن لا سبيل إلى مؤاخذتهم وعدم الحرج عليهم- ذكر في هذه الآيات ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودتهم.
تفسير المفردات :
الانقلاب : الرجوع. رجس : أي قذر يجب الإعراض عنه.
الإيضاح :
سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم أي سيؤكدون لكم اعتذارهم بما يحلفون به من كاذب الأيمان إذا انقلبتم من سفركم ورجعتم إليهم لتعرضوا عن العتب عليهم والتوبيخ لهم على قعودهم مع الخالفين من العجزة والنساء والأطفال وعلى البخل بالنفقة والمال.
فأعرضوا عنهم أي فأعرضوا عنهم إعراض الإهانة والتحقير، لا إعراض الصفح وقبول العذر. روى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين قدم المدينة :( لا تجالسوهم ولا تكلموهم ).
ثم علل هذا بقوله :
إنهم رجس أي إن في نفوسهم قدرا معنويا يجب الاحتراس منه خوف سريان عدواه، وميل النفوس إليه، كما يحترز صاحب الثوب النظيف من الأقذار الحسّية التي ربما تصيبه إذا لم يحتط لها.
ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون أي وملجؤهم الأخير نار جهنم جزاء لهم بما كسبوا في الدنيا من أعمال النفاق وغيرها مما دنس نفوسهم، وزادهم رجسا على رجسهم.
ثم زاد في تأكيد نفاقهم فقال : يحلفون لكم لترضوا عنهم .
آية رقم ٩٦
الجزء الحادي عشر
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه من يستحقون اللوم والمؤاخذة من المعذّرين، ومن لا سبيل إلى مؤاخذتهم وعدم الحرج عليهم- ذكر في هذه الآيات ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودتهم.
الإيضاح :
يحلفون لكم لترضوا عنهم أي يحلفون لكم لتستديموا معاملتهم بظاهر إسلامهم، وهذا أهمّ الأغراض لديهم، فلا حظّ لهم من إظهار الإسلام سواه، ولو كان إسلامهم عن يقين واعتقاد لكان غرضهم الأول إرضاء الله ورسوله.
فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين أي فإن ترضوا عنهم كما أرادوا، وساعدتموهم على ما طلبوا فإن رضاكم عنهم لا يجديهم نفعا، فإن الله ساخط عليهم بسبب فسوقهم وخروجهم عن أمره ونهيه.
وفي هذا إيماء إلى نهي المخاطبين عن الرضا عنهم الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة وأن من يرضى عنهم من المؤمنين يكون فاسقا مثلهم محروما من رضوان الله، وأن من يتوب منهم ويرضى الله ورسوله يخرج من حدود سخطه ويدخل في حظيرة مرضاته ولا يعدّ حينئذ فاسقا.
روي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في الجَدّ بن قيس ومُعَتّب بن قُشير وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا إلى المدينة بألا يجالسوهم ولا يكلموهم.
وقال قتادة : إنها نزلت في عبد الله بن أبيّ فإنه حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته ألا يتخلف عنه أبدا وطلب أن يرضى عنه فلم يفعل.
بسم الله الرحمن الرحيم
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه من يستحقون اللوم والمؤاخذة من المعذّرين، ومن لا سبيل إلى مؤاخذتهم وعدم الحرج عليهم- ذكر في هذه الآيات ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودتهم.
الإيضاح :
يحلفون لكم لترضوا عنهم أي يحلفون لكم لتستديموا معاملتهم بظاهر إسلامهم، وهذا أهمّ الأغراض لديهم، فلا حظّ لهم من إظهار الإسلام سواه، ولو كان إسلامهم عن يقين واعتقاد لكان غرضهم الأول إرضاء الله ورسوله.
فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين أي فإن ترضوا عنهم كما أرادوا، وساعدتموهم على ما طلبوا فإن رضاكم عنهم لا يجديهم نفعا، فإن الله ساخط عليهم بسبب فسوقهم وخروجهم عن أمره ونهيه.
وفي هذا إيماء إلى نهي المخاطبين عن الرضا عنهم الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة وأن من يرضى عنهم من المؤمنين يكون فاسقا مثلهم محروما من رضوان الله، وأن من يتوب منهم ويرضى الله ورسوله يخرج من حدود سخطه ويدخل في حظيرة مرضاته ولا يعدّ حينئذ فاسقا.
روي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في الجَدّ بن قيس ومُعَتّب بن قُشير وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا إلى المدينة بألا يجالسوهم ولا يكلموهم.
وقال قتادة : إنها نزلت في عبد الله بن أبيّ فإنه حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته ألا يتخلف عنه أبدا وطلب أن يرضى عنه فلم يفعل.
آية رقم ٩٧
الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٩٧ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٩٨ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٩٧-٩٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، بيّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، بيّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
آية رقم ٩٨
الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٩٧ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٩٨ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٩٧-٩٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، بيّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
تفسير المفردات :
والمغرم : الغرامة والخسران، من الغرام بمعنى الهلاك. والدائرة : ما يحيط بالشيء والمراد بها ما لا محيص منه من تصاريف الأيام ونوائبها التي تحيط شرورها بالناس. والدائرة أيضا : النائبة والمصيبة. والسوء : اسم لما يسوء ويضر.
الإيضاح :
ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما أي ومن الأعراب ناس كانوا ينفقون أموالهم في الجهاد رياء وتُقِيّة، ويعدّون ذاك من المغارم التي يجب على المرء أداؤها طوعا أو كرها لدفع المكروه عن أنفسهم أو عن قومهم ولا منفعة لهم فيها لا في الدنيا وهو واضح، ولا في الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قال الضحاك : وهو بنو أسد وغطفان.
ويتربص بكم الدوائر أي وينتظرون أن تحل بكم نوائب الزمان وأحداثه التي تدور بالناس وتحيط بهم، فتبدّل قوتكم ضعفا وانتصاركم هزيمة، فيستريحوا من أداء هذه المغارم لكم، إذ يستغنون عن إظهار الإسلام نفاقا، وقد كانوا يتوقعون ظهور المشركين واليهود على المؤمنين، فلما أعيتهم الحيل صاروا ينتظرون موت النبي صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أن الإسلام يموت بموته.
عليهم دائرة السوء هذا دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به المؤمنين، أي عليهم وحدهم الدائرة السوءى تحيط بهم دون المؤمنين الذين يتربصونها بهم وليس للمؤمنين عاقبة إلا ما يسرهم من نصر الله وتوفيقه لهم، وما يسوء أعداءهم من خذلان وخيبة وتعذيب لهم في الدنيا قبل الآخرة.
والله سميع عليم أي والله سميع لما يقولونه مما يعبر عن شعورهم واعتقادهم في نفقاتهم إذا تحدثوا بذلك فيما بينهم، عليم بما يضمرونه في سرائرهم، وسيحاسبهم على ما يسمع ويعلم من قول وفعل ويجزيهم به.
وبعد أن بيّن حال المنافقين من الأعراب- ذكر حال المؤمنين الصادقين منهم فقال : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، بيّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
تفسير المفردات :
والمغرم : الغرامة والخسران، من الغرام بمعنى الهلاك. والدائرة : ما يحيط بالشيء والمراد بها ما لا محيص منه من تصاريف الأيام ونوائبها التي تحيط شرورها بالناس. والدائرة أيضا : النائبة والمصيبة. والسوء : اسم لما يسوء ويضر.
الإيضاح :
ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما أي ومن الأعراب ناس كانوا ينفقون أموالهم في الجهاد رياء وتُقِيّة، ويعدّون ذاك من المغارم التي يجب على المرء أداؤها طوعا أو كرها لدفع المكروه عن أنفسهم أو عن قومهم ولا منفعة لهم فيها لا في الدنيا وهو واضح، ولا في الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قال الضحاك : وهو بنو أسد وغطفان.
ويتربص بكم الدوائر أي وينتظرون أن تحل بكم نوائب الزمان وأحداثه التي تدور بالناس وتحيط بهم، فتبدّل قوتكم ضعفا وانتصاركم هزيمة، فيستريحوا من أداء هذه المغارم لكم، إذ يستغنون عن إظهار الإسلام نفاقا، وقد كانوا يتوقعون ظهور المشركين واليهود على المؤمنين، فلما أعيتهم الحيل صاروا ينتظرون موت النبي صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أن الإسلام يموت بموته.
عليهم دائرة السوء هذا دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به المؤمنين، أي عليهم وحدهم الدائرة السوءى تحيط بهم دون المؤمنين الذين يتربصونها بهم وليس للمؤمنين عاقبة إلا ما يسرهم من نصر الله وتوفيقه لهم، وما يسوء أعداءهم من خذلان وخيبة وتعذيب لهم في الدنيا قبل الآخرة.
والله سميع عليم أي والله سميع لما يقولونه مما يعبر عن شعورهم واعتقادهم في نفقاتهم إذا تحدثوا بذلك فيما بينهم، عليم بما يضمرونه في سرائرهم، وسيحاسبهم على ما يسمع ويعلم من قول وفعل ويجزيهم به.
وبعد أن بيّن حال المنافقين من الأعراب- ذكر حال المؤمنين الصادقين منهم فقال : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر
آية رقم ٩٩
الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٩٧ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٩٨ ) وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ٩٧-٩٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، بيّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
تفسير المفردات :
والقربات : واحدها قربة، وهي في المنزلة والمكان كالقرب في المكان والقرابة في الرحم. والصلوات : واحدها صلاة، ويراد بها الدعاء.
الإيضاح :
ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر أي ومن الأعراب من يؤمن بالله ويثبت له القدرة وكمال التصرف في الكون، واليوم الآخر الذي تجازي فيه كل نفس بما كسبت، قال مجاهد : هم بنو مُقَرِّن من مُزَينة، وهم الذين قال الله فيهم : ولا على الذين إذا ما آتوك لتحملهم ( التوبة : ٩٢ ).
يتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول أي ويتخذ ما ينفقه وسيلة لأمرين :
القربات والزلفى عند الله تعالى جدّه.
صلوات الرسول أي أدعيته، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم، ولم يجيء في نصوص الدين انتفاع أحد بعمل غيره إلا الدعاء وما يكون المرء سببا فيه كالولد الصالح والسنة الحسنة يُتّبَع فيها.
وسميت الصلوات الشرعية بهذا الاسم من قِبَل أن الدعاء- وهو المعنى اللغوي لها- هو روحها ومخها وسرها الذي به تتحقق العبودية على أتمّ وجوهها.
وقد بين الله جزاءهم على ما انطوت عليه نفوسهم من صدق الإيمان وإخلاص النية في الإنفاق في سبيل الله فأخبر بقبول نفقتهم وإثابتهم عليها فقال :
لا إنها قربة لهم أي ألا إن تلك النفقة التي اتخذت قد تقبلها الله وأثاب عليها بما وعد به في قوله :
سيدخلهم الله في رحمة أي سيحرمهم الله برحمته الخاصة بمن رضي عنهم، وهي هدايتهم إلى الصراط المستقيم الذين يوصلهم إلى جنات النعيم، والمراد بإدخالهم في الرحمة أن تكون محيطة بهم شاملة لهم وهم مغمورون فيها، وهذا أبلغ في إثباتها لهم من مثل قوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ( التوبة : ٢١ ).
إن الله غفور رحيم أي إنه واسع المغفرة والرحمة لمن يخلصون في أعمالهم، فهو يغفر لهم ما فرط منهم من ذنب أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم إلى خير العمل وحسن المصير.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، بيّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
تفسير المفردات :
والقربات : واحدها قربة، وهي في المنزلة والمكان كالقرب في المكان والقرابة في الرحم. والصلوات : واحدها صلاة، ويراد بها الدعاء.
الإيضاح :
ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر أي ومن الأعراب من يؤمن بالله ويثبت له القدرة وكمال التصرف في الكون، واليوم الآخر الذي تجازي فيه كل نفس بما كسبت، قال مجاهد : هم بنو مُقَرِّن من مُزَينة، وهم الذين قال الله فيهم : ولا على الذين إذا ما آتوك لتحملهم ( التوبة : ٩٢ ).
يتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول أي ويتخذ ما ينفقه وسيلة لأمرين :
القربات والزلفى عند الله تعالى جدّه.
صلوات الرسول أي أدعيته، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم، ولم يجيء في نصوص الدين انتفاع أحد بعمل غيره إلا الدعاء وما يكون المرء سببا فيه كالولد الصالح والسنة الحسنة يُتّبَع فيها.
وسميت الصلوات الشرعية بهذا الاسم من قِبَل أن الدعاء- وهو المعنى اللغوي لها- هو روحها ومخها وسرها الذي به تتحقق العبودية على أتمّ وجوهها.
وقد بين الله جزاءهم على ما انطوت عليه نفوسهم من صدق الإيمان وإخلاص النية في الإنفاق في سبيل الله فأخبر بقبول نفقتهم وإثابتهم عليها فقال :
لا إنها قربة لهم أي ألا إن تلك النفقة التي اتخذت قد تقبلها الله وأثاب عليها بما وعد به في قوله :
سيدخلهم الله في رحمة أي سيحرمهم الله برحمته الخاصة بمن رضي عنهم، وهي هدايتهم إلى الصراط المستقيم الذين يوصلهم إلى جنات النعيم، والمراد بإدخالهم في الرحمة أن تكون محيطة بهم شاملة لهم وهم مغمورون فيها، وهذا أبلغ في إثباتها لهم من مثل قوله : يبشرهم ربهم برحمة منه ( التوبة : ٢١ ).
إن الله غفور رحيم أي إنه واسع المغفرة والرحمة لمن يخلصون في أعمالهم، فهو يغفر لهم ما فرط منهم من ذنب أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم إلى خير العمل وحسن المصير.
آية رقم ١٠٠
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٠٠ ) وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم( ١٠١ ) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ١٠٠-١٠٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات- قفّى على ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات- قفّى على ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
آية رقم ١٠١
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٠٠ ) وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم( ١٠١ ) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ١٠٠-١٠٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات- قفّى على ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
تفسير المفردات :
ومردوا : أي مرنوا وحذقوا.
الإيضاح :
وبعد أن بّين كمال إيمان تلك الطبقات الثلاث ورضاه عنهم- بين حال منافقي أهل المدينة ومن حولها فقال :
وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي إن بعض الأعراب الذين حولكم منافقون.
قال البغوي والواحدي : هم من قبائل جُهَيِْنة ومُزَيْنة وأشجع وأسلم وغفار، وكانت منازلهم حول المدينة، وذلك لا يمنع أن يكون فيهم مؤمنون صادقون دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم ومدحهم فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وغفار موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره )، وعنه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال :( أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها، لكن قالها الله تعالى ).
وكذلك من أهل المدينة نفسها ناس منافقون، من الأوس والخزرج سوى من أعلم الله رسوله بهم في هذه السورة بما صدر منهم من أقوال وأفعال تنافي الإيمان.
هؤلاء وهؤلاء مرنوا على النفاق وحذقوه حتى بلغوا الغاية في إتقانه، فلا يشعر أحد به، إذ هم يتقون جميع الأمارات والشبه التي تدل عليه.
لا تعلمهم نحن نعلمهم أي لا تعرفهم أيها الرسول الكريم بفطنتك ودقيق فراستك لحذقهم في التقيّة وتباعدهم عن مثار الشبهات، بل نحن نعلمهم بأعيانهم، وهؤلاء أخفى نفاقا ممن قال الله فيهم : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ( ٢٩ ) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ( محمد : ٢٩-٣٠ ).
وهؤلاء لم يعلمه الله أعيانهم ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بأفعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة لأنهم يتحامَوْن ما يكون شبهة في إيمانهم، وضررهم مقصور عليهم لا يعْدوهم إلى سواهم.
والحكمة في إخبارنا بحالهم أن يعلموا هم أنفسهم أن الله عليم بما يسرون من نفاقهم، ويحذروا أن يفضحهم الله كما فضح سواهم، وليتوب منهم من يتوب قبل أن يحل بهم ما أوعدهم به ربهم بقوله :
سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم أي سنعذبهم في الحياة الدنيا مرتين : أولاهما ما يصيبهم به من المصايب وانتظار الفضيحة بهتك أستارهم. وثانيتهما آلام الموت وزهوق أنفسهم وهم كافرون، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم في تلك الحين، ثم يردون يوم القيامة إلى عذاب جهنم وبئس المصير.
والخلاصة إنهم يعذبون في الدنيا بالعذاب الباطن بتوبيخ الضمائر وعذاب الخوف من الفضيحة على رءوس الأشهاد في الظاهر، ثم عذاب النار وبئس القرار.
وجملة القول : إن المنافقين فريقان : فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى لا يشعر أحد بشيء يستنكره منهم.
وهذان الفريقان يوجدان في كل عصر، فما من قطر من الأقطار إلا مُنِي أهله بأعوان وأنصار منهم يزعمون أنهم يخْدُمون أمتهم من طريق استمالة الغاصب واسترضائه، وأنه لولاهم لتمادى في ظلمه وهضم حقوق الأمة ولم يقف عند حد، ومنهم من يخدمون المستعمرين خدمة خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مرنوا على النفاق.
وأشد المنافقين مرودا على النفاق أعوان الملوك المستبدين الذين يُلبسون الباطل لباس الحق ويروجونه في أعين الجماهير خدمة لأولئك الملوك.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات- قفّى على ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
تفسير المفردات :
ومردوا : أي مرنوا وحذقوا.
الإيضاح :
وبعد أن بّين كمال إيمان تلك الطبقات الثلاث ورضاه عنهم- بين حال منافقي أهل المدينة ومن حولها فقال :
وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي إن بعض الأعراب الذين حولكم منافقون.
قال البغوي والواحدي : هم من قبائل جُهَيِْنة ومُزَيْنة وأشجع وأسلم وغفار، وكانت منازلهم حول المدينة، وذلك لا يمنع أن يكون فيهم مؤمنون صادقون دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم ومدحهم فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وغفار موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره )، وعنه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال :( أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها، لكن قالها الله تعالى ).
وكذلك من أهل المدينة نفسها ناس منافقون، من الأوس والخزرج سوى من أعلم الله رسوله بهم في هذه السورة بما صدر منهم من أقوال وأفعال تنافي الإيمان.
هؤلاء وهؤلاء مرنوا على النفاق وحذقوه حتى بلغوا الغاية في إتقانه، فلا يشعر أحد به، إذ هم يتقون جميع الأمارات والشبه التي تدل عليه.
لا تعلمهم نحن نعلمهم أي لا تعرفهم أيها الرسول الكريم بفطنتك ودقيق فراستك لحذقهم في التقيّة وتباعدهم عن مثار الشبهات، بل نحن نعلمهم بأعيانهم، وهؤلاء أخفى نفاقا ممن قال الله فيهم : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ( ٢٩ ) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ( محمد : ٢٩-٣٠ ).
وهؤلاء لم يعلمه الله أعيانهم ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بأفعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة لأنهم يتحامَوْن ما يكون شبهة في إيمانهم، وضررهم مقصور عليهم لا يعْدوهم إلى سواهم.
والحكمة في إخبارنا بحالهم أن يعلموا هم أنفسهم أن الله عليم بما يسرون من نفاقهم، ويحذروا أن يفضحهم الله كما فضح سواهم، وليتوب منهم من يتوب قبل أن يحل بهم ما أوعدهم به ربهم بقوله :
سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم أي سنعذبهم في الحياة الدنيا مرتين : أولاهما ما يصيبهم به من المصايب وانتظار الفضيحة بهتك أستارهم. وثانيتهما آلام الموت وزهوق أنفسهم وهم كافرون، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم في تلك الحين، ثم يردون يوم القيامة إلى عذاب جهنم وبئس المصير.
والخلاصة إنهم يعذبون في الدنيا بالعذاب الباطن بتوبيخ الضمائر وعذاب الخوف من الفضيحة على رءوس الأشهاد في الظاهر، ثم عذاب النار وبئس القرار.
وجملة القول : إن المنافقين فريقان : فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى لا يشعر أحد بشيء يستنكره منهم.
وهذان الفريقان يوجدان في كل عصر، فما من قطر من الأقطار إلا مُنِي أهله بأعوان وأنصار منهم يزعمون أنهم يخْدُمون أمتهم من طريق استمالة الغاصب واسترضائه، وأنه لولاهم لتمادى في ظلمه وهضم حقوق الأمة ولم يقف عند حد، ومنهم من يخدمون المستعمرين خدمة خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مرنوا على النفاق.
وأشد المنافقين مرودا على النفاق أعوان الملوك المستبدين الذين يُلبسون الباطل لباس الحق ويروجونه في أعين الجماهير خدمة لأولئك الملوك.
آية رقم ١٠٢
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٠٠ ) وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم( ١٠١ ) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( التوبة : ١٠٠-١٠٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات- قفّى على ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
الإيضاح :
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخرا سيئا أي وهناك فريق آخر ممن حولكم من الأعوان ومن أهل المدينة ليسوا منافقين ولا من السابقين الأولين، بل من المذنبين الذين خلطوا الصالح من العمل بالسيء منه، والسيء بالصالح، فلم يكونوا من الصالحين الخلص ولا من الفاسقين، فهم قد آمنوا وعملوا الصالحات واقترفوا بعض السيئات كالذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح ؛ ولم يستأذنوا كاستئذان المرتابين ولم يعتذروا بالكذب كالمنافقين، ثم كانوا حين قعودهم ناصحين لله ورسوله بذنوبهم خائفين من ربهم.
وقد بين سبحانه حالهم بقوله :
عسى الله أن يتوب عليهم أي إنهم محل الرجاء لقبول الله توبتهم بتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة- وإنما يكون ذلك بالعلم بقبح الذنب وسوء عاقبته، وتوبيخ الضمير حين تصور سخط الله والخوف من عقابه- ثم الإقلاع عنه بباعث هذا الألم، والعزم على عدم العود إلى اقترافه، والعزم على العمل بضده ليمحو أثره من نفسه.
ثم علل هذا بقوله :
إن الله غفور رحيم أي إنه تعالى يقبل توبتهم، لأنه كثير المغفرة للتائبين، واسع الرحمة للمحسنين.
وفي معنى الآية قوله : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ( طه : ٨٢ ) وقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين ( الأعراف : ٥٦ ).
قال جماعة من العلماء : إن هذه الآية أرجى آية في القرآن في توقع رحمة الله للمذنبين الذين يجترحون السيئات ثم يتوبون إلى ربهم ويُقْلِعون عن ذنوبهم.
روى البخاري عن سمرة بن جُندُب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أتاني الليلة- أي في المنام- ملكان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا لقد تجاوز الله عنهم ).
ولا شك أن هذا تمثيل في الرؤيا لتجميل العمل الصالح للنفس ؛ وتشويه العمل القبيح لها، ولتطهيرها بالتوبة وصالح العمل حتى تكون كلها جميلة وأهلا للكرامة بعد أن تبعث كلها في الصورة التي كانت عليها قبل التوبة، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بنهر جار يفيض على عتبة الإنسان كل يوم خمس مرات فهل يُبْقي عليها وسخا أو قذرا ؟
وفي الحديث :( أتبع السيئة الحسنة تمحها ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات- قفّى على ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع مرنت على النفاق وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
الإيضاح :
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخرا سيئا أي وهناك فريق آخر ممن حولكم من الأعوان ومن أهل المدينة ليسوا منافقين ولا من السابقين الأولين، بل من المذنبين الذين خلطوا الصالح من العمل بالسيء منه، والسيء بالصالح، فلم يكونوا من الصالحين الخلص ولا من الفاسقين، فهم قد آمنوا وعملوا الصالحات واقترفوا بعض السيئات كالذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح ؛ ولم يستأذنوا كاستئذان المرتابين ولم يعتذروا بالكذب كالمنافقين، ثم كانوا حين قعودهم ناصحين لله ورسوله بذنوبهم خائفين من ربهم.
وقد بين سبحانه حالهم بقوله :
عسى الله أن يتوب عليهم أي إنهم محل الرجاء لقبول الله توبتهم بتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة- وإنما يكون ذلك بالعلم بقبح الذنب وسوء عاقبته، وتوبيخ الضمير حين تصور سخط الله والخوف من عقابه- ثم الإقلاع عنه بباعث هذا الألم، والعزم على عدم العود إلى اقترافه، والعزم على العمل بضده ليمحو أثره من نفسه.
ثم علل هذا بقوله :
إن الله غفور رحيم أي إنه تعالى يقبل توبتهم، لأنه كثير المغفرة للتائبين، واسع الرحمة للمحسنين.
وفي معنى الآية قوله : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ( طه : ٨٢ ) وقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين ( الأعراف : ٥٦ ).
قال جماعة من العلماء : إن هذه الآية أرجى آية في القرآن في توقع رحمة الله للمذنبين الذين يجترحون السيئات ثم يتوبون إلى ربهم ويُقْلِعون عن ذنوبهم.
روى البخاري عن سمرة بن جُندُب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أتاني الليلة- أي في المنام- ملكان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا لقد تجاوز الله عنهم ).
ولا شك أن هذا تمثيل في الرؤيا لتجميل العمل الصالح للنفس ؛ وتشويه العمل القبيح لها، ولتطهيرها بالتوبة وصالح العمل حتى تكون كلها جميلة وأهلا للكرامة بعد أن تبعث كلها في الصورة التي كانت عليها قبل التوبة، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس بنهر جار يفيض على عتبة الإنسان كل يوم خمس مرات فهل يُبْقي عليها وسخا أو قذرا ؟
وفي الحديث :( أتبع السيئة الحسنة تمحها ).
آية رقم ١٠٣
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ١٠٣ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( ١٠٤ ) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( التوبة : ١٠٣-١٠٥ ).
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات في بيان فوائد صدقة الأموال والحث عليها وقبول التوبة لمن قصّر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه.
روى ابن جرير أن أبا لُبابة وأصحابه- ممن تخلفوا وتابوا وسيأتي ذكرهم- جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أطلقوا فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال :( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فلما نزلت أخذ الثلث من أموالهم فتصدق به عنهم.
وهذا النص- وإن كان سببه خاصا- عام في الأخذ، يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ؛ وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون، ومن ثم قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب حتى أدَّوْا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، وقال : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه ).
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات في بيان فوائد صدقة الأموال والحث عليها وقبول التوبة لمن قصّر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه.
روى ابن جرير أن أبا لُبابة وأصحابه- ممن تخلفوا وتابوا وسيأتي ذكرهم- جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أطلقوا فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال :( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فلما نزلت أخذ الثلث من أموالهم فتصدق به عنهم.
وهذا النص- وإن كان سببه خاصا- عام في الأخذ، يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ؛ وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون، ومن ثم قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب حتى أدَّوْا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، وقال : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه ).
آية رقم ١٠٤
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ١٠٣ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( ١٠٤ ) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( التوبة : ١٠٣-١٠٥ ).
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات في بيان فوائد صدقة الأموال والحث عليها وقبول التوبة لمن قصّر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه.
روى ابن جرير أن أبا لُبابة وأصحابه- ممن تخلفوا وتابوا وسيأتي ذكرهم- جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أطلقوا فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال :( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فلما نزلت أخذ الثلث من أموالهم فتصدق به عنهم.
وهذا النص- وإن كان سببه خاصا- عام في الأخذ، يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ؛ وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون، ومن ثم قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب حتى أدَّوْا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، وقال : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه ).
الإيضاح :
ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنوبهم أن الله هو الذي يقبل توبة التائبين من عباده، ولم يجعل ذلك لأحد من خلقه لا رسول ولا مَن دونه.
وفي الآية حضّ على التوبة والصدقة والترغيب فيهما :
ويأخذ الصدقات أي يتقبلها ويثيب عليها ويضاعف ثوابها كما وعد بذلك في قوله : إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم ( التغابن : ١٧ ).
وأن الله هو التواب الرحيم أي إنه تعالى هو الذي يقبل التوبة إثر التوبة من المذنبين الذين ينيبون إلى ربهم، وأنه هو الرحيم بالتائبين الذين يثيبهم على ما قدموا من عمل، ويمنعهم الخوف أن يصِرّوا على ذنب كما قال تعالى في وصف المتقين : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ( آل عمران : ١٣٥ ) وجاء في الحديث :( ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ) رواه الترمذي، وروى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب- ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمان بيمينه وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربّي أحدكم فُلُوّه أو فصيله ) والحديث تمثيل لحال الصدقة المقبولة عند الله.
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات في بيان فوائد صدقة الأموال والحث عليها وقبول التوبة لمن قصّر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه.
روى ابن جرير أن أبا لُبابة وأصحابه- ممن تخلفوا وتابوا وسيأتي ذكرهم- جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أطلقوا فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال :( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فلما نزلت أخذ الثلث من أموالهم فتصدق به عنهم.
وهذا النص- وإن كان سببه خاصا- عام في الأخذ، يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ؛ وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون، ومن ثم قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب حتى أدَّوْا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، وقال : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه ).
الإيضاح :
ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنوبهم أن الله هو الذي يقبل توبة التائبين من عباده، ولم يجعل ذلك لأحد من خلقه لا رسول ولا مَن دونه.
وفي الآية حضّ على التوبة والصدقة والترغيب فيهما :
ويأخذ الصدقات أي يتقبلها ويثيب عليها ويضاعف ثوابها كما وعد بذلك في قوله : إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم ( التغابن : ١٧ ).
وأن الله هو التواب الرحيم أي إنه تعالى هو الذي يقبل التوبة إثر التوبة من المذنبين الذين ينيبون إلى ربهم، وأنه هو الرحيم بالتائبين الذين يثيبهم على ما قدموا من عمل، ويمنعهم الخوف أن يصِرّوا على ذنب كما قال تعالى في وصف المتقين : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ( آل عمران : ١٣٥ ) وجاء في الحديث :( ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ) رواه الترمذي، وروى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب- ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمان بيمينه وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربّي أحدكم فُلُوّه أو فصيله ) والحديث تمثيل لحال الصدقة المقبولة عند الله.
آية رقم ١٠٥
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ١٠٣ ) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( ١٠٤ ) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( التوبة : ١٠٣-١٠٥ ).
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات في بيان فوائد صدقة الأموال والحث عليها وقبول التوبة لمن قصّر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه.
روى ابن جرير أن أبا لُبابة وأصحابه- ممن تخلفوا وتابوا وسيأتي ذكرهم- جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أطلقوا فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال :( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فلما نزلت أخذ الثلث من أموالهم فتصدق به عنهم.
وهذا النص- وإن كان سببه خاصا- عام في الأخذ، يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ؛ وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون، ومن ثم قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب حتى أدَّوْا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، وقال : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه ).
الإيضاح :
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي وقل لهم أيها الرسول اعملوا لدنياكم وآخرتكم، لأنفسكم وأمتكم، فالعمل هنا مناط السعادة، لا الاعتذار عن التقصير ولا دعوى الجدّ والتشمير، وسيرى الله عملكم خيرا كان أو شرا، فيجب عليكم أن تراقبوه في أعمالكم وتتذكروا أنه عليم بمقاصدكم ونياتكم، فجدير بمن يؤمن به أن يتقيه في السر والعلن ويقف عند حدود شرعه، وسيراه رسوله والمؤمنون ويزنونه بميزان الإيمان الذي يفرق بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء على الناس.
روى أحمد والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان ).
وفي الآية إيماء إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان تلي مرضاة الله ورسوله، وفي حديث أنس رضي الله عنه قال : مَرّوا بجنازة فأثنَوْا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" وجبت "، ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال :" وجبت " فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت ؟ قال :( هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض ).
وقال ابن عباس ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون أي وستدّون يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم، ومن لا يخفي عليه شيء من بواطن أموركم وظواهرها فيعرفكم أعمالكم ثم يجازيكم عليها بحسن الثواب أو سوء العذاب.
المعنى الجملي : جاءت هذه الآيات في بيان فوائد صدقة الأموال والحث عليها وقبول التوبة لمن قصّر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه.
روى ابن جرير أن أبا لُبابة وأصحابه- ممن تخلفوا وتابوا وسيأتي ذكرهم- جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أطلقوا فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال :( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فأنزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فلما نزلت أخذ الثلث من أموالهم فتصدق به عنهم.
وهذا النص- وإن كان سببه خاصا- عام في الأخذ، يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين ؛ وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون، ومن ثم قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب حتى أدَّوْا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، وقال : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه ).
الإيضاح :
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون أي وقل لهم أيها الرسول اعملوا لدنياكم وآخرتكم، لأنفسكم وأمتكم، فالعمل هنا مناط السعادة، لا الاعتذار عن التقصير ولا دعوى الجدّ والتشمير، وسيرى الله عملكم خيرا كان أو شرا، فيجب عليكم أن تراقبوه في أعمالكم وتتذكروا أنه عليم بمقاصدكم ونياتكم، فجدير بمن يؤمن به أن يتقيه في السر والعلن ويقف عند حدود شرعه، وسيراه رسوله والمؤمنون ويزنونه بميزان الإيمان الذي يفرق بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء على الناس.
روى أحمد والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان ).
وفي الآية إيماء إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان تلي مرضاة الله ورسوله، وفي حديث أنس رضي الله عنه قال : مَرّوا بجنازة فأثنَوْا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" وجبت "، ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال :" وجبت " فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت ؟ قال :( هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض ).
وقال ابن عباس ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون أي وستدّون يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم، ومن لا يخفي عليه شيء من بواطن أموركم وظواهرها فيعرفكم أعمالكم ثم يجازيكم عليها بحسن الثواب أو سوء العذاب.
آية رقم ١٠٦
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٠٦ ).
المعنى الجملي : كان المتخلفون عن الجهاد في غزوة تبوك أقساما ثلاثة :
المنافقون الذين مردوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين.
المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا وزكَّوا توبتهم بالصدقة وطلب دعاء الرسول واستغفاره فتاب الله عليهم.
المؤمنون الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا للرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم لا عذر لهم، وأرجأوا توبتهم فأرجأ الله الحكم القاطع في أمرهم لأسباب ستذكر بعد.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة : هم الثلاثة الذين خُلِّفوا عن التوبة، وهم مرارة ابن الربيع، وكعب ابن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والتمتع بطيب الثمار، والتفيؤ بالظلال لا شكا ونفاقا، وكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورين فنزلت توبة الأولين قبل توبة هؤلاء وأرجئت توبة هؤلاء حتى نزلت آية التوبة لقد تاب الله على النبي والمهاجرين الخ.
تفسير المفردات :
مرجون ومرجئون وبهما قرئ : أي مؤخرون، يقال أرجأت الأمر وأرجيته : أي أخرته.
الإيضاح : وآخرون مرجون لأمر الله أي ومن المتخلفين ناس آخرون مؤخرون لحكم الله في أمرهم، وهم أولئك النفر الذين سبق ذكرهم وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الهمّ باللحاق به ولم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لا عذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم كما فعل أبو لبابة وأصحابه من الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد فنزل فيهم قوله تعالى.
وآخرون مرجون الآية فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن مجالسهم وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن إلى أن نزل قوله : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ( التوبة : ١١٧ ) الآية.
إما يعذبهم وإما يتوب عليهم أي إن أمرهم دائر بين هذين : التعذيب والتوبة وقد أُبْهِم الأمر عليهم وعلى الناس فلا يدرون ماذا ينزل بهم ؟ هل تنفع توبتهم فيتوب الله عليهم كما تاب على الذين اعترفوا بذنوبهم، أو يحكم بعذابهم في الدنيا والآخرة كما حكم على الخالفين من المنافقين ؟.
وحكمة إبهام الأمر : إثارة الغم والحزن في قلوبهم لتصحّ توبتهم.
وحكمة إبهامه على الرسول والمؤمنين : تركهم مكالمتهم ومخالطتهم، تربية للفريقين على ما يجب أن يعامل به أمثالهم ممن يؤثرون الراحة ونعمة العيش على طاعة الله ورسوله والجهاد لإعلاء كلمة الحق ودفع عدوان أهل الباطل عن المؤمنين.
والله عليم حكيم أي والله عليم بما يصلح حال عباده ويربّيهم ويزكيهم أفرادا وجماعات، حكيم فيما يشرعه لهم من الأحكام المفيدة لهذا الصلاح إذا علموا بها :
ومن هذه الحكمة : إرجاء النص على توبتهم في كتابه، كما أن تكرار تلاوتها في مختلف الأوقات مما يوقع في قلوب المؤمنين الرهبة والخوف ويفيدهم عظة وتهذيبا.
المعنى الجملي : كان المتخلفون عن الجهاد في غزوة تبوك أقساما ثلاثة :
المنافقون الذين مردوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين.
المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا وزكَّوا توبتهم بالصدقة وطلب دعاء الرسول واستغفاره فتاب الله عليهم.
المؤمنون الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا للرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم لا عذر لهم، وأرجأوا توبتهم فأرجأ الله الحكم القاطع في أمرهم لأسباب ستذكر بعد.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة : هم الثلاثة الذين خُلِّفوا عن التوبة، وهم مرارة ابن الربيع، وكعب ابن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والتمتع بطيب الثمار، والتفيؤ بالظلال لا شكا ونفاقا، وكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورين فنزلت توبة الأولين قبل توبة هؤلاء وأرجئت توبة هؤلاء حتى نزلت آية التوبة لقد تاب الله على النبي والمهاجرين الخ.
تفسير المفردات :
مرجون ومرجئون وبهما قرئ : أي مؤخرون، يقال أرجأت الأمر وأرجيته : أي أخرته.
الإيضاح : وآخرون مرجون لأمر الله أي ومن المتخلفين ناس آخرون مؤخرون لحكم الله في أمرهم، وهم أولئك النفر الذين سبق ذكرهم وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الهمّ باللحاق به ولم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لا عذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم كما فعل أبو لبابة وأصحابه من الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد فنزل فيهم قوله تعالى.
وآخرون مرجون الآية فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن مجالسهم وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن إلى أن نزل قوله : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ( التوبة : ١١٧ ) الآية.
إما يعذبهم وإما يتوب عليهم أي إن أمرهم دائر بين هذين : التعذيب والتوبة وقد أُبْهِم الأمر عليهم وعلى الناس فلا يدرون ماذا ينزل بهم ؟ هل تنفع توبتهم فيتوب الله عليهم كما تاب على الذين اعترفوا بذنوبهم، أو يحكم بعذابهم في الدنيا والآخرة كما حكم على الخالفين من المنافقين ؟.
وحكمة إبهام الأمر : إثارة الغم والحزن في قلوبهم لتصحّ توبتهم.
وحكمة إبهامه على الرسول والمؤمنين : تركهم مكالمتهم ومخالطتهم، تربية للفريقين على ما يجب أن يعامل به أمثالهم ممن يؤثرون الراحة ونعمة العيش على طاعة الله ورسوله والجهاد لإعلاء كلمة الحق ودفع عدوان أهل الباطل عن المؤمنين.
والله عليم حكيم أي والله عليم بما يصلح حال عباده ويربّيهم ويزكيهم أفرادا وجماعات، حكيم فيما يشرعه لهم من الأحكام المفيدة لهذا الصلاح إذا علموا بها :
ومن هذه الحكمة : إرجاء النص على توبتهم في كتابه، كما أن تكرار تلاوتها في مختلف الأوقات مما يوقع في قلوب المؤمنين الرهبة والخوف ويفيدهم عظة وتهذيبا.
آية رقم ١٠٧
وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ١٠٧ ) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ( ١٠٨ ) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ١٠٩ ) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٠٧-١١٠ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
آية رقم ١٠٨
وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ١٠٧ ) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ( ١٠٨ ) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ١٠٩ ) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٠٧-١١٠ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
تفسير المفردات :
ولا تقم : أي لا تصلّ. والتأسيس : وضع الأساس للبناء ليقوم عليه ويرفع. والتقوى : اسم لما يرضى الله ويقي من سخطه.
الإيضاح :
لا تقم فيه أبدا أي لا تقم في هذا المسجد للصلاة أبدا.
لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه أي إن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى الله بإخلاص العبادة له وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى- هو أحق من غيره أن تقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين.
والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ولكن روى أحمد ومسلم والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة، والآية لا تمنع إرادة كل من المسجدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بني كلا من المسجدين ووضع أساسه على التقوى من أول يوم شرع فيه ببنائه.
فيه رجال يحبون أن يتطهروا أي فيه رجال يَعْمُرونه بإقامة الصلاة وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، ويحبون أن يتطهروا بذلك مما يعْلَق بأنفسهم من أوضار الذنوب والآثام، كما تطهر المتخلفون منهم من غزوة تبوك بالتوبة والصدقات، ويتبع العمارة المعنوية بالعكوف فيه للصلاة وغيرها- الطهارة الحسية للثوب والبدن، وطهارة الوضوء والاغتسال.
والخلاصة : إن التطهر يشمل الطهارتين النفسية والبدنية، والروايات وردت بكل منهما، والأولى إرادتهما معا.
والله يحب المطهرين أي الذين يبالغون في طهارة الروح والجسد لحبهم إياهما، لأنهم يرون فيهما الكمال الإنساني، فمن ثم يبغضون نجاسة البدن والثوب، وأشد منهما بغضا لهم نجاسة النفس وخبثها بالإصرار على فعل المعاصي والتخلق بذميم الأخلاق كالرياء في الأعمال إذ هو فعل المنافقين، والشح بالأموال أو بالأنفس في سبيل الله ابتغاء لمرضاته.
وحب الله إياهم من صفات كماله، إذ العالم بتفاوت الأشياء في الحسن والقبح والكمال والنقص يكون من صفاته حب الكمال والحق والخير وبغض أضدادها.
وحبه تعالى منزه عن مشابهته حبنا كتنزه ذاته وسائر صفاته عن متشابهة ذواتنا وصفاتنا، ويظهر أثر حبه لعباده في أخلاقهم وأعمالهم ومعارفهم وآدابهم كما أشار إليه الحديث القدسي الذي رواه البخاري ( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ) الحديث.
وفي معنى الآية ما جاء في عظة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهن بإتباع أوامره ونواهيه بما يليق بما لهن من مكانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم ذلك بقوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ( الأحزاب : ٣٣ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
تفسير المفردات :
ولا تقم : أي لا تصلّ. والتأسيس : وضع الأساس للبناء ليقوم عليه ويرفع. والتقوى : اسم لما يرضى الله ويقي من سخطه.
الإيضاح :
لا تقم فيه أبدا أي لا تقم في هذا المسجد للصلاة أبدا.
لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه أي إن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى الله بإخلاص العبادة له وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى- هو أحق من غيره أن تقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين.
والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ولكن روى أحمد ومسلم والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة، والآية لا تمنع إرادة كل من المسجدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بني كلا من المسجدين ووضع أساسه على التقوى من أول يوم شرع فيه ببنائه.
فيه رجال يحبون أن يتطهروا أي فيه رجال يَعْمُرونه بإقامة الصلاة وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، ويحبون أن يتطهروا بذلك مما يعْلَق بأنفسهم من أوضار الذنوب والآثام، كما تطهر المتخلفون منهم من غزوة تبوك بالتوبة والصدقات، ويتبع العمارة المعنوية بالعكوف فيه للصلاة وغيرها- الطهارة الحسية للثوب والبدن، وطهارة الوضوء والاغتسال.
والخلاصة : إن التطهر يشمل الطهارتين النفسية والبدنية، والروايات وردت بكل منهما، والأولى إرادتهما معا.
والله يحب المطهرين أي الذين يبالغون في طهارة الروح والجسد لحبهم إياهما، لأنهم يرون فيهما الكمال الإنساني، فمن ثم يبغضون نجاسة البدن والثوب، وأشد منهما بغضا لهم نجاسة النفس وخبثها بالإصرار على فعل المعاصي والتخلق بذميم الأخلاق كالرياء في الأعمال إذ هو فعل المنافقين، والشح بالأموال أو بالأنفس في سبيل الله ابتغاء لمرضاته.
وحب الله إياهم من صفات كماله، إذ العالم بتفاوت الأشياء في الحسن والقبح والكمال والنقص يكون من صفاته حب الكمال والحق والخير وبغض أضدادها.
وحبه تعالى منزه عن مشابهته حبنا كتنزه ذاته وسائر صفاته عن متشابهة ذواتنا وصفاتنا، ويظهر أثر حبه لعباده في أخلاقهم وأعمالهم ومعارفهم وآدابهم كما أشار إليه الحديث القدسي الذي رواه البخاري ( ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ) الحديث.
وفي معنى الآية ما جاء في عظة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهن بإتباع أوامره ونواهيه بما يليق بما لهن من مكانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم ذلك بقوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ( الأحزاب : ٣٣ ).
آية رقم ١٠٩
وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ١٠٧ ) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ( ١٠٨ ) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ١٠٩ ) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٠٧-١١٠ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
تفسير المفردات :
وشفا : أي حرف. والجرف بضمتين : جانب الوادي ونحوه. والهار والهائر : كالشاك والشائك : الضعيف المتداعي للسقوط، وانهار سقط.
الإيضاح :
أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم هذا بيان مستأنف للفرق بين مقاصد أهل مسجد التقوى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنصاره، ومقاصد أهل مسجد الضرار الذي زادوا به رجسا إلى رجسهم.
والأساس على شفا الجرف الهاري، مثل يضرب لما يكون في منتهى الوهي والانحلال والإشراف على الزوال، أي أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه موطنا لراحته وهناء معيشته ويتقي به العوامل الجوية، وعدوان الكائنات الحية على أمتن الأسس وأقواها على مصابرة العواصف والسيول وصد الهوامّ والوحوش- خير بنيانا، أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاء واستمساكا فكانت عرضة للانهيار في كل حين من ليل أو نهار ؟
وقد ضرب الله مثل البنيان على تينك الصفتين لبيان حال الفريقين المتقدمين من صدق الإيمان، والنفاق والارتياب، أي أفمن كان مؤمنا صادقا يتقي الله في جميع أحواله ويبتغي مرضاته في جميع أعماله، قاصدا تزكية نفسه وإصلاح سريرته- خير أم من هو منافق مرتاب، يبتغي بأعماله الضرر والضرار وتقوية أعمال الكفر وموالاة الكفار وتفريق جماعة المؤمنين والإرصاد لمساعدة من حارب الله ورسوله مع ما يكون لعمله في الدنيا من العار والفضيحة والخزي والبوار، وفي الآخرة من الانهيار في النار.
وخلاصة المثل : بيان ثبات الإسلام وقوته وسعادة أهله به وثمرته في أعمالهم وجزائهم عليه برضوان الله عنهم، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله ووهيه وقرب زواله وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله، وبيان أن شر أعمال أهله المنافقين، ما اتخذوه من مسجد الضرار لمفاسده الأربع المتقدمة.
فالإيمان وما يلزمه من صالح العمل هو الثابت، والنفاق وما يستلزمه من فاسد العمل هو الباطل الزاهق بحكم ناموس الاجتماع وبقاء الأصلح في الوجود، وقد صدق الله وعده وثبّت المؤمنين بالقول الثابت، وهداهم إلى العمل الصالح ففتحوا البلاد وأقاموا سبل الحق والعدل، وأهلك المنافقين، وقد جرت سنته في كل زمان ومكان أن يكون الفوز حليف أهل الحق، والخيبة لأهل الباطل ما استمسكوا به، ولم يقلعوا عنه.
والله لا يهدي القوم الظالمين أي مضت سنته تعالى ألا يكون الظالم مهتديا في أعماله إلى الحق والعدل ولا إلى الرحمة والفضل.
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
تفسير المفردات :
وشفا : أي حرف. والجرف بضمتين : جانب الوادي ونحوه. والهار والهائر : كالشاك والشائك : الضعيف المتداعي للسقوط، وانهار سقط.
الإيضاح :
أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم هذا بيان مستأنف للفرق بين مقاصد أهل مسجد التقوى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنصاره، ومقاصد أهل مسجد الضرار الذي زادوا به رجسا إلى رجسهم.
والأساس على شفا الجرف الهاري، مثل يضرب لما يكون في منتهى الوهي والانحلال والإشراف على الزوال، أي أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه موطنا لراحته وهناء معيشته ويتقي به العوامل الجوية، وعدوان الكائنات الحية على أمتن الأسس وأقواها على مصابرة العواصف والسيول وصد الهوامّ والوحوش- خير بنيانا، أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاء واستمساكا فكانت عرضة للانهيار في كل حين من ليل أو نهار ؟
وقد ضرب الله مثل البنيان على تينك الصفتين لبيان حال الفريقين المتقدمين من صدق الإيمان، والنفاق والارتياب، أي أفمن كان مؤمنا صادقا يتقي الله في جميع أحواله ويبتغي مرضاته في جميع أعماله، قاصدا تزكية نفسه وإصلاح سريرته- خير أم من هو منافق مرتاب، يبتغي بأعماله الضرر والضرار وتقوية أعمال الكفر وموالاة الكفار وتفريق جماعة المؤمنين والإرصاد لمساعدة من حارب الله ورسوله مع ما يكون لعمله في الدنيا من العار والفضيحة والخزي والبوار، وفي الآخرة من الانهيار في النار.
وخلاصة المثل : بيان ثبات الإسلام وقوته وسعادة أهله به وثمرته في أعمالهم وجزائهم عليه برضوان الله عنهم، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله ووهيه وقرب زواله وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله، وبيان أن شر أعمال أهله المنافقين، ما اتخذوه من مسجد الضرار لمفاسده الأربع المتقدمة.
فالإيمان وما يلزمه من صالح العمل هو الثابت، والنفاق وما يستلزمه من فاسد العمل هو الباطل الزاهق بحكم ناموس الاجتماع وبقاء الأصلح في الوجود، وقد صدق الله وعده وثبّت المؤمنين بالقول الثابت، وهداهم إلى العمل الصالح ففتحوا البلاد وأقاموا سبل الحق والعدل، وأهلك المنافقين، وقد جرت سنته في كل زمان ومكان أن يكون الفوز حليف أهل الحق، والخيبة لأهل الباطل ما استمسكوا به، ولم يقلعوا عنه.
والله لا يهدي القوم الظالمين أي مضت سنته تعالى ألا يكون الظالم مهتديا في أعماله إلى الحق والعدل ولا إلى الرحمة والفضل.
آية رقم ١١٠
وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ١٠٧ ) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ( ١٠٨ ) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ١٠٩ ) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٠٧-١١٠ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
تفسير المفردات :
والريبة : من الرَّيْب، وهو اضطراب النفس وتردد الوهم والحيرة. وتقطع : أي تفرق أجزاء.
الإيضاح :
ولا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم أي لا يزال بنيانهم سبب ريبة وشك في الدين، لأنهم يُظْهرون فيه حال قيامه ما في قلوبهم من آثار الكفر والنفاق ويدبرون أمورهم ويتشاورون في ذلك، ويلقى بعضهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكا في الدين، وحين أمر صلى الله عليه وسلم بتخريبه وهدمه ثقل ذلك عليهم وعظم خوفهم وارتابوا في أمرهم : أيُتْركون على حالهم أم يؤمر بهم فيُقْتلون وتنهب أموالهم، إلى أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء، فلما أمر بتخريبه أصبحوا شاكين في أمره، ولأي سبب كان ذلك.
ولا يزال هذا شأنهم في جميع الأحوال إلا حال تقطع القلوب أفلاذا وصيرورتها جذاذا، فتكون غير قابلة لإدراك.
وفي هذا إيماء إلى أن تمكن الريبة في قلوبهم وإضمار الشرك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياء.
والخلاصة : إنه لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سببا للقلق واضطراب النفس وإن ذلك لا يزول ما دامت القلوب سالمة- أما إذا تفرقت قطعا وتقطعت أجزاء بقتلهم فحينئذ يسْلون عنه.
وقد يكون المراد : إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم.
والله عليم حكيم أي والله عليم بكل شيء، حكيم في أفعاله، ومن حكمته أن بيّن حال المنافقين وأظهر ما خفى من أمرهم لتعرفوا كنه الحقيقة في ذلك.
المعنى الجملي : هذه الآيات نزلت في بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
روي في سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألّب المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معْقِلا يأوي إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قُباء فبنَوْه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلي في مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :( إنا على جناح سفر، ولكن رجعنا إن شاء الله ).
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم- مسجد قباء- الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يُتّخذ كُناسة تلقى فيها القُمامة إهانة لأهله.
تفسير المفردات :
والريبة : من الرَّيْب، وهو اضطراب النفس وتردد الوهم والحيرة. وتقطع : أي تفرق أجزاء.
الإيضاح :
ولا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم أي لا يزال بنيانهم سبب ريبة وشك في الدين، لأنهم يُظْهرون فيه حال قيامه ما في قلوبهم من آثار الكفر والنفاق ويدبرون أمورهم ويتشاورون في ذلك، ويلقى بعضهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكا في الدين، وحين أمر صلى الله عليه وسلم بتخريبه وهدمه ثقل ذلك عليهم وعظم خوفهم وارتابوا في أمرهم : أيُتْركون على حالهم أم يؤمر بهم فيُقْتلون وتنهب أموالهم، إلى أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء، فلما أمر بتخريبه أصبحوا شاكين في أمره، ولأي سبب كان ذلك.
ولا يزال هذا شأنهم في جميع الأحوال إلا حال تقطع القلوب أفلاذا وصيرورتها جذاذا، فتكون غير قابلة لإدراك.
وفي هذا إيماء إلى أن تمكن الريبة في قلوبهم وإضمار الشرك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياء.
والخلاصة : إنه لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سببا للقلق واضطراب النفس وإن ذلك لا يزول ما دامت القلوب سالمة- أما إذا تفرقت قطعا وتقطعت أجزاء بقتلهم فحينئذ يسْلون عنه.
وقد يكون المراد : إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم.
والله عليم حكيم أي والله عليم بكل شيء، حكيم في أفعاله، ومن حكمته أن بيّن حال المنافقين وأظهر ما خفى من أمرهم لتعرفوا كنه الحقيقة في ذلك.
آية رقم ١١١
إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١١١ ) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( التوبة : ١١١-١١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فضائح المنافقين بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وأصناف المقصّرين من المؤمنين، أردف ذلك بذكر حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم البالغين فيه حد الكمال، وبذا تمّ معرفة جميع أحوال المؤمنين.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فضائح المنافقين بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وأصناف المقصّرين من المؤمنين، أردف ذلك بذكر حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم البالغين فيه حد الكمال، وبذا تمّ معرفة جميع أحوال المؤمنين.
آية رقم ١١٢
إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١١١ ) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( التوبة : ١١١-١١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فضائح المنافقين بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وأصناف المقصّرين من المؤمنين، أردف ذلك بذكر حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم البالغين فيه حد الكمال، وبذا تمّ معرفة جميع أحوال المؤمنين.
الإيضاح :
ثم وصف الله هؤلاء الكملة من المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم بجنته بصفات هي :
( ١ ) التائبون : أي هم الراجعون إلى الله بتركهم كل ما يبعد عن مرضاته، وتوبة الكفار هي رجوعهم عن الكفر الذي كانوا عليه كما قال : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ( التوبة : ١١ ) وتوبة المنافق تكون بترك نفاقه، وتوبة العاصي من معصيته تكون بالندم على ما حصل منه والعزم على عدم العود لمثله كتوبة من تخلف عن غزوة تبوك من المؤمنين، وتوبة المقصّر في شيء من البر وعمل الخير تكون بالاستزادة منه، وتوبة من يغْفَل عن ربه تكون بالإكثار من ذكره وشكره.
( ٢ ) العابدون : لله المخلصون في جميع عباداتهم، فلا يتوجهون إلى سواه بدعاء ولا استغاثة ولا يتقربون إلى غيره بعمل قربان ولا طلب مثوبة في الآخرة.
( ٣ ) الحامدون : لله في السراء والضراء، روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يَسُرُّه قال :( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) وإذا أتاه الأمر يكرهه قال :( الحمد لله على كل حال ).
( ٤ ) السائحون في الأرض لغرض صحيح كعلم نافع للسائح في دينه أو دنياه، أو نافع لقومه وأمته، أو النظر في خلق الله وأحوال الأمم والشعوب للاعتبار والاستبصار وقد حث الله كثيرا على السير في الأرض والضرب فيها كما قال : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ( الأنعام : ٦ ).
وعلى السفر والسياحة لطلب الرزق الحلال من تجارة وغيرها.
والإسلام الذي يجيز سفر النساء في الغزوات- وهن غير مكلّفات- بالقتال للمساعدة عليه بتهيئة الطعام والشراب وتضميد الجراح فهو بالأولى يجيز صحبتهن في سائر الأسفار، وفي ذلك إحصان لكل من الزوجين ومنع لهما عن التطلع إلى الأجنبي.
وفسر بعضهم السياحة بالصيام لما روي عن عائشة :( سياحة هذه الأمة الصيام ) لأن الصوم يعوق عن اللذات كما أن السياحة كذلك غالبا.
( ٥، ٦ ) الراكعون الساجدون في صلواتهم المفروضة، وخصا بالذكر لما فيهما من الدلالة على التواضع والعبودية والتذلل لله سبحانه.
( ٧، ٨ ) الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أي الداعون إلى الإيمان وما يتبعه من أعمال البر والخير، والناهون عن الشرك وما بسبيله من المعاصي والسيئات.
( ٩ ) والحافظون لحدود الله أي الحافظون لشرائعه وأحكامه التي بيّن فيها ما يجب على المؤمنين إتباعه وما يحظر عليهم فعله منها، وكذا ما يجب على أئمة المسلمين وأولى الأمور منهم إقامته وتنفيذه بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم إذا أخلّوا بما يجب عليهم حفظه منها.
ثم ذكر جزاءهم على ذلك فقال :
وبشر المؤمنين أي وبشر أيها الرسول المؤمنين المتصفين بهذه الصفات بخيري الدنيا والآخرة.
وخصت تلك الخلال بالذكر لأن بها تكون المحافظة على حدود الله.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فضائح المنافقين بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وأصناف المقصّرين من المؤمنين، أردف ذلك بذكر حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم البالغين فيه حد الكمال، وبذا تمّ معرفة جميع أحوال المؤمنين.
الإيضاح :
ثم وصف الله هؤلاء الكملة من المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم بجنته بصفات هي :
( ١ ) التائبون : أي هم الراجعون إلى الله بتركهم كل ما يبعد عن مرضاته، وتوبة الكفار هي رجوعهم عن الكفر الذي كانوا عليه كما قال : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ( التوبة : ١١ ) وتوبة المنافق تكون بترك نفاقه، وتوبة العاصي من معصيته تكون بالندم على ما حصل منه والعزم على عدم العود لمثله كتوبة من تخلف عن غزوة تبوك من المؤمنين، وتوبة المقصّر في شيء من البر وعمل الخير تكون بالاستزادة منه، وتوبة من يغْفَل عن ربه تكون بالإكثار من ذكره وشكره.
( ٢ ) العابدون : لله المخلصون في جميع عباداتهم، فلا يتوجهون إلى سواه بدعاء ولا استغاثة ولا يتقربون إلى غيره بعمل قربان ولا طلب مثوبة في الآخرة.
( ٣ ) الحامدون : لله في السراء والضراء، روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يَسُرُّه قال :( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) وإذا أتاه الأمر يكرهه قال :( الحمد لله على كل حال ).
( ٤ ) السائحون في الأرض لغرض صحيح كعلم نافع للسائح في دينه أو دنياه، أو نافع لقومه وأمته، أو النظر في خلق الله وأحوال الأمم والشعوب للاعتبار والاستبصار وقد حث الله كثيرا على السير في الأرض والضرب فيها كما قال : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ( الأنعام : ٦ ).
وعلى السفر والسياحة لطلب الرزق الحلال من تجارة وغيرها.
والإسلام الذي يجيز سفر النساء في الغزوات- وهن غير مكلّفات- بالقتال للمساعدة عليه بتهيئة الطعام والشراب وتضميد الجراح فهو بالأولى يجيز صحبتهن في سائر الأسفار، وفي ذلك إحصان لكل من الزوجين ومنع لهما عن التطلع إلى الأجنبي.
وفسر بعضهم السياحة بالصيام لما روي عن عائشة :( سياحة هذه الأمة الصيام ) لأن الصوم يعوق عن اللذات كما أن السياحة كذلك غالبا.
( ٥، ٦ ) الراكعون الساجدون في صلواتهم المفروضة، وخصا بالذكر لما فيهما من الدلالة على التواضع والعبودية والتذلل لله سبحانه.
( ٧، ٨ ) الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أي الداعون إلى الإيمان وما يتبعه من أعمال البر والخير، والناهون عن الشرك وما بسبيله من المعاصي والسيئات.
( ٩ ) والحافظون لحدود الله أي الحافظون لشرائعه وأحكامه التي بيّن فيها ما يجب على المؤمنين إتباعه وما يحظر عليهم فعله منها، وكذا ما يجب على أئمة المسلمين وأولى الأمور منهم إقامته وتنفيذه بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم إذا أخلّوا بما يجب عليهم حفظه منها.
ثم ذكر جزاءهم على ذلك فقال :
وبشر المؤمنين أي وبشر أيها الرسول المؤمنين المتصفين بهذه الصفات بخيري الدنيا والآخرة.
وخصت تلك الخلال بالذكر لأن بها تكون المحافظة على حدود الله.
آية رقم ١١٣
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ١١٣ ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ( ١١٤ ) وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ١١٥ ) إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ( التوبة ١١٣-١١٦ ).
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
آية رقم ١١٤
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ١١٣ ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ( ١١٤ ) وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ١١٥ ) إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ( التوبة ١١٣-١١٦ ).
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
تفسير المفردات :
الأوّاه : الكثير التأوّه والتحسر، أو الخاشع الكثير الدعاء والتضرع إلى ربه، وقيل إنها كلمة حبشية الأصل، ومعناها المؤمن أو الموقن، وأصل التأوه : قول أوه أو آه أو نحوهما ما يقوله الحزين أو أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها، وآه بالكسر منونا وغير منون. والحليم : الذي لا يستفزه الغضب ولا يعبث به الطيش ولا يستخفه هوى النفس، ومن لوازم ذلك : الصبر والثبات والصفح والتأني في الأمور واتقاء العجلة في الرغبة والرهبة.
الإيضاح :
وما كان استغفار إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه أي وما استغفر إبراهيم لأبيه آزر بقوله : واغفر لأبي إنه كان من الضالين ( الشعراء : ٨٦ ) أي وفِّقْه للإيمان واهده إلى سبيله- إلا عن موعدة وعدها إياه بقوله : سأستغفر لك ربي ( مريم : ٤٧ ) أي لا أملك لك هداية ولا نجاة، وإنما أملك أن أدعو الله لك.
وقد وفّى إبراهيم بما وعد، ولم يكن إلا وافيا كما شهد الله له بقوله : وإبراهيم الذي وفى ( النجم : ٣٧ ).
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه أي لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله فتبرأ منه، قال ابن عباس : وقيل تبين له ذلك بوحي من الله فتبرأ منه ومن قرابته وترك الاستغفار له، إذ هذا مقتضى الإيمان كما قال تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ( المجادلة : ٢٢ ) الآية.
ثم بين السبب الذي حمل إبراهيم على الوعد بالاستغفار لأبيه شكاسته له وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله : لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ( مريم : ٤٦ ) فقال :
إن إبراهيم لأواه حليم أي إن إبراهيم لكثير المبالغة في خشية الله والخضوع له، صبور على الأذى والصفح عن زلات غيره عليه.
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
تفسير المفردات :
الأوّاه : الكثير التأوّه والتحسر، أو الخاشع الكثير الدعاء والتضرع إلى ربه، وقيل إنها كلمة حبشية الأصل، ومعناها المؤمن أو الموقن، وأصل التأوه : قول أوه أو آه أو نحوهما ما يقوله الحزين أو أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها، وآه بالكسر منونا وغير منون. والحليم : الذي لا يستفزه الغضب ولا يعبث به الطيش ولا يستخفه هوى النفس، ومن لوازم ذلك : الصبر والثبات والصفح والتأني في الأمور واتقاء العجلة في الرغبة والرهبة.
الإيضاح :
وما كان استغفار إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه أي وما استغفر إبراهيم لأبيه آزر بقوله : واغفر لأبي إنه كان من الضالين ( الشعراء : ٨٦ ) أي وفِّقْه للإيمان واهده إلى سبيله- إلا عن موعدة وعدها إياه بقوله : سأستغفر لك ربي ( مريم : ٤٧ ) أي لا أملك لك هداية ولا نجاة، وإنما أملك أن أدعو الله لك.
وقد وفّى إبراهيم بما وعد، ولم يكن إلا وافيا كما شهد الله له بقوله : وإبراهيم الذي وفى ( النجم : ٣٧ ).
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه أي لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله فتبرأ منه، قال ابن عباس : وقيل تبين له ذلك بوحي من الله فتبرأ منه ومن قرابته وترك الاستغفار له، إذ هذا مقتضى الإيمان كما قال تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ( المجادلة : ٢٢ ) الآية.
ثم بين السبب الذي حمل إبراهيم على الوعد بالاستغفار لأبيه شكاسته له وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله : لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ( مريم : ٤٦ ) فقال :
إن إبراهيم لأواه حليم أي إن إبراهيم لكثير المبالغة في خشية الله والخضوع له، صبور على الأذى والصفح عن زلات غيره عليه.
آية رقم ١١٥
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ١١٣ ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ( ١١٤ ) وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ١١٥ ) إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ( التوبة ١١٣-١١٦ ).
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
الإيضاح :
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم أي وما كان من سنن الله في خلقه ولا من رحمته أن يصف قوما بالضلال ويجري عليهم أحكامه بالذم والعقاب بعد إذ هداهم إلى الإيمان، وشرح صدورهم للإسلام- بقول يصدر منهم عن غير قصد أو عمل يحدث منهم باجتهاد خاطئ.
حتى يبين لهم ما يتقون من الأقوال والأفعال بيانا واضحا بوحي صراحة أو دلالة.
إن الله بكل شيء عليم أي إنه تعالى عليم بجميع الأشياء، ومن جملتها حاجة الناس إلى البيان، فهو يبين لهم مهمات الدين بالنص القاطع، حتى لا يظل فيه اجتهادهم بأهواء أنفسهم، ومن أجل هذا لم يؤاخذ إبراهيم في استغفاره لأبيه قبل أن تتبين له حاله، وكذلك لا يؤاخذ النبي والذين آمنوا بما سبق لهم من الاستغفار لوالديهم وأولي القربى منهم قبل هذا التبيين لحكم الله تعالى.
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
الإيضاح :
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم أي وما كان من سنن الله في خلقه ولا من رحمته أن يصف قوما بالضلال ويجري عليهم أحكامه بالذم والعقاب بعد إذ هداهم إلى الإيمان، وشرح صدورهم للإسلام- بقول يصدر منهم عن غير قصد أو عمل يحدث منهم باجتهاد خاطئ.
حتى يبين لهم ما يتقون من الأقوال والأفعال بيانا واضحا بوحي صراحة أو دلالة.
إن الله بكل شيء عليم أي إنه تعالى عليم بجميع الأشياء، ومن جملتها حاجة الناس إلى البيان، فهو يبين لهم مهمات الدين بالنص القاطع، حتى لا يظل فيه اجتهادهم بأهواء أنفسهم، ومن أجل هذا لم يؤاخذ إبراهيم في استغفاره لأبيه قبل أن تتبين له حاله، وكذلك لا يؤاخذ النبي والذين آمنوا بما سبق لهم من الاستغفار لوالديهم وأولي القربى منهم قبل هذا التبيين لحكم الله تعالى.
آية رقم ١١٦
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ١١٣ ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ( ١١٤ ) وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ١١٥ ) إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ( التوبة ١١٣-١١٦ ).
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
الإيضاح :
ولما منعهم من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولى قربى، وذلك يستدعي التبرؤ منهم وعدم انتظار النصرة من أحد- بين أن النصر لا يكون إلا من جهته تعالى فقال :
إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير أي إنه تعالى مالك كل موجود، ومتولي أمره في السماوات، والأرض، وهو الذي يهب الحياة بمحض قدرته ومشيئته ومقتضى سننه في التكوين، ويميت من يشاء حين انقضاء أجله، وليس لكم أيها المؤمنون من يتولى أموركم، ولا من ينصروكم على عدوكم غير الله تعالى، فلا تحيدوا عن هدايته فيما نهاكم عنه من الاستغفار لأولي القربى الذين هم أهل الولاية والنصرة من ذوي الأرحام، ولا في غير ذلك من أوامره ونواهيه.
المعنى الجملي : كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، وهنا بين أنه يجب البراءة من أمواتهم وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه وهو وعده بالاستغفار بقوله : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ( الممتحنة : ٤ ) فلما أصرّ على كفره تبرأ منه، وبعدئذ بين رحمته بعباده وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شاف لما يعاقبون عليه.
أخرج أحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن المسَيّب عن أبيه قال ( لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال :( أي عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم :( إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء ) وقد كان موت أبي طالب بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، ومن ثم استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب، وأجاب آخرون بأن الذي حصل قد يكون أحد أمرين :
إنها نزلت عقب موته ثم ألحقت بهذه السورة المدنية لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
إنها نزلت مع غيرها من براءة مبينة لحكم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار، والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك كقولهم المغفور له والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكي من حوله، ثم قال : استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، وأستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكّركم الموت ).
الإيضاح :
ولما منعهم من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولى قربى، وذلك يستدعي التبرؤ منهم وعدم انتظار النصرة من أحد- بين أن النصر لا يكون إلا من جهته تعالى فقال :
إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير أي إنه تعالى مالك كل موجود، ومتولي أمره في السماوات، والأرض، وهو الذي يهب الحياة بمحض قدرته ومشيئته ومقتضى سننه في التكوين، ويميت من يشاء حين انقضاء أجله، وليس لكم أيها المؤمنون من يتولى أموركم، ولا من ينصروكم على عدوكم غير الله تعالى، فلا تحيدوا عن هدايته فيما نهاكم عنه من الاستغفار لأولي القربى الذين هم أهل الولاية والنصرة من ذوي الأرحام، ولا في غير ذلك من أوامره ونواهيه.
آية رقم ١١٧
لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١١٨ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة : ١١٧-١١٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.
آية رقم ١١٨
لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١١٨ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة : ١١٧-١١٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.
تفسير المفردات :
الرُّحْب : السعة، ولجأ إلى الحصن وغيره : لاذ إليه واعتصم به. الرأفة : العناية بالضعيف والرفق به. والرحمة : السعي في إيصال المنفعة.
الإيضاح :
وعلى الثلاثة الذين خلفوا أي ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خُلّفُوا عن الخروج إلى تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم المرجَوْن لأمر الله، وتقدم أنهم ثلاثة : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.
حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي خلفوا عن التوبة حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم رُحْبِها وسعتها بالخلق جميعا خوفا من العاقبة وجزعا من إعراض النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عنهم، وهجرهم إياهم في المجالسة والمحادثة. وهذا مثل للحيرة في الأمر، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يَقّْرون فيه قلقا وجزعا مما هم فيه، قال قائلهم :
ثم ترقى وانتقل من ضيق الأرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم فقال :
وضاقت عليهم أنفسهم أي وضاقت أنفسهم على أنفسهم، لِما كانوا يشعرون به من ضيق صدورهم بامتلائها بالهمّ والغم حتى لا متسع فيها لشيء من البسط والسرور، فكأنهم لا يجدون لأنفسهم مكانا ترتاح إليه وتطمئن به.
وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه أي واعتقدوا أنه لا ملجأ من غضب الله ورسوله، إلا إليه تعالى بالتوبة والاستغفار ورجاء رحمته، وقد أعرض عنهم رسول البَرُّ الرحيم بأصحابه، فلم يكونوا يستطيعون أن يطلبوا دعاءه واستغفاره- إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يشفع في الدنيا، ولا في الآخرة إلا لمن ارتضى الله أن يُشْفع لهم.
ثم تاب عليهم أي ثم عطف عليهم وأنزل قبول توبتهم.
ليتوبوا ويرجعوا إليه بعد إعراضهم عن هدايته، وإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
إن الله هو التواب الرحيم أي إنه تعالى كثير القبول لتوبة التائبين، الواسع الرحمة للمحسنين، المتفضل عليهم بضروب النعم مع استحقاقهم لأعظم أنواع العقاب.
وكان من حديث هؤلاء الثلاثة ما حدثه كعب قال : لما قَفَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّمت عليه فرد عليّ كالمغضَب بعد ما ذكَرني وقال :( ليت شعري ما خلّف كعبا ) فقيل له : ما خلّفه إلا حسن بُرْديْه والنظر في عِطْفيْه فقال :( معاذ الله ما أعلم إلا فضلا وإسلاما ) ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب أو بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أُمِرْنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذِرْوة سلع- جبل بالمدينة- أبْشر يا كعبُ بن مالك فخررت ساجدا، وكنت كما وصفني ربي وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وتتابعت البشارة، فلبست ثوبي وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقام إليّ طلحة بن عبد الله يهرول حتى صافحني وقال : لتَهْنِك توبة الله، فلن أنساها لطلحة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يستنير استنارة القمر :( أبْشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك ) ثم تلا علينا الآية.
وفي هذه القصة عبرة للمؤمنين تخشع لها قلوبهم وتفيض لها عبراتهم، وقد كان الإمام أحمد لا يبكيه شيء من القرآن كما تبكيه هذه الآيات.
انظر إلى هذا وتأمل قسوة قلوب الجاهلين المغرورين، الذين يقترفون الفواحش والمنكرات، ويتركون الفرائض ويصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ولا يتوبون إلى الله ولا هم يذّكرون، وإذا وعظهم الواعظ وجدهم بين جازم بالمغفرة والعفو عنه، ومتكل على شفاعة الشافعين له، ومنهم من يحفظ من أخبار مكفرات الذنوب مما لا أصل له في الدين، أو له أصل يراد به تكفير الصغائر بشرط اجتناب الكبائر، كما قال تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ( النساء : ٣١ ).
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.
تفسير المفردات :
الرُّحْب : السعة، ولجأ إلى الحصن وغيره : لاذ إليه واعتصم به. الرأفة : العناية بالضعيف والرفق به. والرحمة : السعي في إيصال المنفعة.
الإيضاح :
وعلى الثلاثة الذين خلفوا أي ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خُلّفُوا عن الخروج إلى تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم المرجَوْن لأمر الله، وتقدم أنهم ثلاثة : كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع.
حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي خلفوا عن التوبة حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم رُحْبِها وسعتها بالخلق جميعا خوفا من العاقبة وجزعا من إعراض النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عنهم، وهجرهم إياهم في المجالسة والمحادثة. وهذا مثل للحيرة في الأمر، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يَقّْرون فيه قلقا وجزعا مما هم فيه، قال قائلهم :
| كأن فِجاج الأرض وهي فسيحة | على الخائف المطلوب كفّة حابل |
وضاقت عليهم أنفسهم أي وضاقت أنفسهم على أنفسهم، لِما كانوا يشعرون به من ضيق صدورهم بامتلائها بالهمّ والغم حتى لا متسع فيها لشيء من البسط والسرور، فكأنهم لا يجدون لأنفسهم مكانا ترتاح إليه وتطمئن به.
وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه أي واعتقدوا أنه لا ملجأ من غضب الله ورسوله، إلا إليه تعالى بالتوبة والاستغفار ورجاء رحمته، وقد أعرض عنهم رسول البَرُّ الرحيم بأصحابه، فلم يكونوا يستطيعون أن يطلبوا دعاءه واستغفاره- إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يشفع في الدنيا، ولا في الآخرة إلا لمن ارتضى الله أن يُشْفع لهم.
ثم تاب عليهم أي ثم عطف عليهم وأنزل قبول توبتهم.
ليتوبوا ويرجعوا إليه بعد إعراضهم عن هدايته، وإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
إن الله هو التواب الرحيم أي إنه تعالى كثير القبول لتوبة التائبين، الواسع الرحمة للمحسنين، المتفضل عليهم بضروب النعم مع استحقاقهم لأعظم أنواع العقاب.
وكان من حديث هؤلاء الثلاثة ما حدثه كعب قال : لما قَفَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّمت عليه فرد عليّ كالمغضَب بعد ما ذكَرني وقال :( ليت شعري ما خلّف كعبا ) فقيل له : ما خلّفه إلا حسن بُرْديْه والنظر في عِطْفيْه فقال :( معاذ الله ما أعلم إلا فضلا وإسلاما ) ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب أو بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أُمِرْنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذِرْوة سلع- جبل بالمدينة- أبْشر يا كعبُ بن مالك فخررت ساجدا، وكنت كما وصفني ربي وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وتتابعت البشارة، فلبست ثوبي وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقام إليّ طلحة بن عبد الله يهرول حتى صافحني وقال : لتَهْنِك توبة الله، فلن أنساها لطلحة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يستنير استنارة القمر :( أبْشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك ) ثم تلا علينا الآية.
وفي هذه القصة عبرة للمؤمنين تخشع لها قلوبهم وتفيض لها عبراتهم، وقد كان الإمام أحمد لا يبكيه شيء من القرآن كما تبكيه هذه الآيات.
انظر إلى هذا وتأمل قسوة قلوب الجاهلين المغرورين، الذين يقترفون الفواحش والمنكرات، ويتركون الفرائض ويصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ولا يتوبون إلى الله ولا هم يذّكرون، وإذا وعظهم الواعظ وجدهم بين جازم بالمغفرة والعفو عنه، ومتكل على شفاعة الشافعين له، ومنهم من يحفظ من أخبار مكفرات الذنوب مما لا أصل له في الدين، أو له أصل يراد به تكفير الصغائر بشرط اجتناب الكبائر، كما قال تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ( النساء : ٣١ ).
آية رقم ١١٩
لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١١٨ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة : ١١٧-١١٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين أي يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله اتقوا الله وراقبوه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، وكونوا في الدنيا من أهل ولايته وطاعته تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة، ولا تكونوا مع المنافقين الذين يتنصلون من ذنوبهم بالكذب ويؤيدونه بالحلف.
أخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعِدِ الرجل ابنه ثم لا يُنْجز له، اقرءوا إن شئتم : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ، وأخرج البيهقي مرفوعا :( إن الصدق يهدي إلى البِرّ، وإن البِرّ يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق : صدق وبَرّ، ويقال للكاذب : كذب وفَجَر، وإن الرجل ليصْدُق حتى يكتب عند الله صدّيقا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا ).
ولا رخصة في الكذب إلا لضرورة من خديعة حرب، أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدّث امرأته ليرضيها، أي في التحبب إليها بوصف محاسنها ورضاه عنها، لا في مصالح الدار والعيال وغيرها.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو صلاح بين اثنين أو رجل يحدث امرأته ليرضيها ).
ولا شك أن في المعاريض ما يغني العاقل عن الكذب كما جاء في الحديث :( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ).
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين أي يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله اتقوا الله وراقبوه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، وكونوا في الدنيا من أهل ولايته وطاعته تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة، ولا تكونوا مع المنافقين الذين يتنصلون من ذنوبهم بالكذب ويؤيدونه بالحلف.
أخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعِدِ الرجل ابنه ثم لا يُنْجز له، اقرءوا إن شئتم : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ، وأخرج البيهقي مرفوعا :( إن الصدق يهدي إلى البِرّ، وإن البِرّ يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق : صدق وبَرّ، ويقال للكاذب : كذب وفَجَر، وإن الرجل ليصْدُق حتى يكتب عند الله صدّيقا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا ).
ولا رخصة في الكذب إلا لضرورة من خديعة حرب، أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدّث امرأته ليرضيها، أي في التحبب إليها بوصف محاسنها ورضاه عنها، لا في مصالح الدار والعيال وغيرها.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو صلاح بين اثنين أو رجل يحدث امرأته ليرضيها ).
ولا شك أن في المعاريض ما يغني العاقل عن الكذب كما جاء في الحديث :( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ).
آية رقم ١٢٠
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( ١٢٠ ) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( التوبة : ١٢٠-١٢١ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه توبته على المتخلفين الذين حسنت نياتهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون- أكد هنا وجوب متابعة الرسول والغزو معه لما فيه من الأجر العظيم، وحظر تخلف أحد عنه إلا بإذنه.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه توبته على المتخلفين الذين حسنت نياتهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون- أكد هنا وجوب متابعة الرسول والغزو معه لما فيه من الأجر العظيم، وحظر تخلف أحد عنه إلا بإذنه.
آية رقم ١٢١
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( ١٢٠ ) وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( التوبة : ١٢٠-١٢١ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه توبته على المتخلفين الذين حسنت نياتهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون- أكد هنا وجوب متابعة الرسول والغزو معه لما فيه من الأجر العظيم، وحظر تخلف أحد عنه إلا بإذنه.
تفسير المفردات :
والوادي : كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل.
الإيضاح :
ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم أي كذلك شأنهم فيما ينفقون في سبيل الله صغر أو كبر، قلّ أو كَثُر، وفي كل واد يقطعونه في سيرهم غادين أو رائحين- إلا كتب لهم أجرهم على ذلك جزاء لهم على عملهم ولا يترك شيء منه أو ينسى.
ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون أي ليجزيهم بكتابته في صحف أعمالهم كأحسن ما يجزيهم على خير أعمالهم التي كانوا يعملونها، وهم مقيمون في منازلهم.
وخلاصة ذلك : إنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر جزاء أحسن من جزائهم على أعمالهم الجليلة في غير الجهاد بالمال والنفس، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة في غيره من أنواع المبرات، والمشقة القليلة فيه كالمشقة الكبيرة فيما عداه من الأعمال الصالحات.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عزّ اسمه توبته على المتخلفين الذين حسنت نياتهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون- أكد هنا وجوب متابعة الرسول والغزو معه لما فيه من الأجر العظيم، وحظر تخلف أحد عنه إلا بإذنه.
تفسير المفردات :
والوادي : كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل.
الإيضاح :
ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم أي كذلك شأنهم فيما ينفقون في سبيل الله صغر أو كبر، قلّ أو كَثُر، وفي كل واد يقطعونه في سيرهم غادين أو رائحين- إلا كتب لهم أجرهم على ذلك جزاء لهم على عملهم ولا يترك شيء منه أو ينسى.
ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون أي ليجزيهم بكتابته في صحف أعمالهم كأحسن ما يجزيهم على خير أعمالهم التي كانوا يعملونها، وهم مقيمون في منازلهم.
وخلاصة ذلك : إنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر جزاء أحسن من جزائهم على أعمالهم الجليلة في غير الجهاد بالمال والنفس، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة في غيره من أنواع المبرات، والمشقة القليلة فيه كالمشقة الكبيرة فيما عداه من الأعمال الصالحات.
آية رقم ١٢٢
*وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( التوبة : ١٢٢ ).
المعنى الجملي : هذه الآية جاءت متممة لأحكام الجهاد مع بيان حكم العلم والتفقه في الدين من قِبَل أنه وسيلة للجهاد بالحجة والبرهان، وهو الركن الركين في الدعوة إلى الإيمان وإقامة دعائم الإسلام، ولم يشرع جهاد السيف إلا ليكون حماية وسياجا لتلك الدعوة من أن تلعب بها أيدي المعتدين من الكافرين والمنافقين.
روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما شدّد الله على المتخلفين قالوا لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا ففعلوا ذلك وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزل وما كان المؤمنون الآية.
تفسير المفردات : نفر : خرج للقتال : ولولا : كلمة تفيد الحضّ والحث على ما يدخل عليها إذا كان مستقبلا، واللوم على تركه إذا كان ماضيا، فإن كان مما يمكن تلافيه فربما فاد الأمر به، والفرقة : الجماعة الكثيرة. والطائفة : الجماعة القليلة. وتفقه : تكلف الفقاهة والفهم وتجشم مشاق تحصيلها. وأنذره : خوّفه. وحذر : تحرز منه.
الإيضاح :
وما كان المؤمنون لينفروا كافة أي و ما كان شأن المؤمنين ولا مما يطلب منهم أن ينفروا جميعا في كل سرية تخرج للجهاد، فإنه فرض كفاية متى قام به بعض من سقط عن الباقين، لا فرض عين كل شخص، وإنما يجب ذلك إذا خرج الرسول واستنفرهم للجهاد.
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون أي فهلا نفر للقتال من كل فرقة كبيرة منهم، كأهل بلد أو قبيلة طائفة وجماعة ليتسنى لهم : أي للمؤمنين في جملتهم التفقه في الدين، بأن يتكلف الباقون في المدينة الفقاهة في الدين بما يتجدد نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات وما يكون منه صلى الله عليه وسلم من بيانها بالقول والعلم، فيعرف الحكم مع حكمته، ويوضح المجمل بالعمل به، ولينذروا قومهم الذين نفروا للقاء العدو إذا رجعوا إليهم : أي ليجعلوا أهمّ قصد لهم من الفقاهة إرشاد هؤلاء وتعليمهم، وإنذارهم عاقبة الجهل وترك العمل بما علموا، رجاء أن يخافوا الله ويحذروا عاقبة عصيانه، وأن يكون جميع المؤمنين علماء بدينهم قادرين على نشر دعوته والحِجاج عنه وبيان أسراره للناس، لا أن يوجهوا أنظارهم إلى الرياسات والمناصب العالية والترفع عن سواد الناس وكسب المال والتشبه بالظلمة والجبارين في ملابسهم ومراكبهم ومنافسة بعضهم بعضا.
وفي الآية إشارة إلى وجوب التفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة وتفقيه الناس فيه بالمقدار الذي تصلح به حالهم فلا يجهلون الأحكام الدينية العامة التي يجب على كل مؤمن أن يتعرفها، والناصبون أنفسهم لهذا التفقه على هذا القصد لهم عند الله من سامي المراتب ما لا يقل في الدرجة عن المجاهد بالمال والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله والذود عن الدين والملة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع واجبا عينيا على كل شخص.
المعنى الجملي : هذه الآية جاءت متممة لأحكام الجهاد مع بيان حكم العلم والتفقه في الدين من قِبَل أنه وسيلة للجهاد بالحجة والبرهان، وهو الركن الركين في الدعوة إلى الإيمان وإقامة دعائم الإسلام، ولم يشرع جهاد السيف إلا ليكون حماية وسياجا لتلك الدعوة من أن تلعب بها أيدي المعتدين من الكافرين والمنافقين.
روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما شدّد الله على المتخلفين قالوا لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا ففعلوا ذلك وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزل وما كان المؤمنون الآية.
تفسير المفردات : نفر : خرج للقتال : ولولا : كلمة تفيد الحضّ والحث على ما يدخل عليها إذا كان مستقبلا، واللوم على تركه إذا كان ماضيا، فإن كان مما يمكن تلافيه فربما فاد الأمر به، والفرقة : الجماعة الكثيرة. والطائفة : الجماعة القليلة. وتفقه : تكلف الفقاهة والفهم وتجشم مشاق تحصيلها. وأنذره : خوّفه. وحذر : تحرز منه.
الإيضاح :
وما كان المؤمنون لينفروا كافة أي و ما كان شأن المؤمنين ولا مما يطلب منهم أن ينفروا جميعا في كل سرية تخرج للجهاد، فإنه فرض كفاية متى قام به بعض من سقط عن الباقين، لا فرض عين كل شخص، وإنما يجب ذلك إذا خرج الرسول واستنفرهم للجهاد.
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون أي فهلا نفر للقتال من كل فرقة كبيرة منهم، كأهل بلد أو قبيلة طائفة وجماعة ليتسنى لهم : أي للمؤمنين في جملتهم التفقه في الدين، بأن يتكلف الباقون في المدينة الفقاهة في الدين بما يتجدد نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات وما يكون منه صلى الله عليه وسلم من بيانها بالقول والعلم، فيعرف الحكم مع حكمته، ويوضح المجمل بالعمل به، ولينذروا قومهم الذين نفروا للقاء العدو إذا رجعوا إليهم : أي ليجعلوا أهمّ قصد لهم من الفقاهة إرشاد هؤلاء وتعليمهم، وإنذارهم عاقبة الجهل وترك العمل بما علموا، رجاء أن يخافوا الله ويحذروا عاقبة عصيانه، وأن يكون جميع المؤمنين علماء بدينهم قادرين على نشر دعوته والحِجاج عنه وبيان أسراره للناس، لا أن يوجهوا أنظارهم إلى الرياسات والمناصب العالية والترفع عن سواد الناس وكسب المال والتشبه بالظلمة والجبارين في ملابسهم ومراكبهم ومنافسة بعضهم بعضا.
وفي الآية إشارة إلى وجوب التفقه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة وتفقيه الناس فيه بالمقدار الذي تصلح به حالهم فلا يجهلون الأحكام الدينية العامة التي يجب على كل مؤمن أن يتعرفها، والناصبون أنفسهم لهذا التفقه على هذا القصد لهم عند الله من سامي المراتب ما لا يقل في الدرجة عن المجاهد بالمال والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله والذود عن الدين والملة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدفاع واجبا عينيا على كل شخص.
آية رقم ١٢٣
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( التوبة : ١٢٣ ).
المعنى الجملي : لما أمر سبحانه فيما سبق بقتال المشركين كافة- أرشدهم في هذه الآية إلى طريق السداد في هذا الباب، وهو أن يبدءوا بقتال من يليهم ثم ينتقلوا إلى الأبعد فالأبعد وهكذا، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كذلك، فقد حارب قومه ثم انتقل إلى غزو سائر العرب ثم إلى غزو الشام، ولما فرغ صحابته من الشام دخلوا العراق ؛ وكذلك في أمر الدعوة فقد قال تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين ( الشعراء : ٢١٤ ) ثم أُمِر بالدعوة العامة وقتال من يقف في طريقها من المشركين فقال : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ( التوبة : ٢٩ )
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أي قاتلوا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ذاك أن القتال إنما شرع لتأمين الدعوة إلى الدين والدفاع عن أهله، وقد كانت الدعوة موجهة إلى الأقرب فالأقرب من الكفار كما قال تعالى لرسوله : لتنذر أم القرى ومن حولها ( الشورى : ٧ ).
وهذا الترتيب أولى لوجوه كثيرة : منها قلة النفقات، والحاجة فيه إلى الدواب والآلات، وسهولة معرفة حال الأقرب من الأسلحة والعسكر، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بالأبعد لا يؤمن معه من هجوم العدو على الذراري والضعفاء، ومن ثم كان هذا هو الطريق المتبع في الدعوة والنفقات والصدقات وما يدار في المجالس من شراب ونحوه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي من على يمينه وإن لم يكن أفضل الجالسين ثم الذي يليه ثم الذي يليه، وقال للأعرابي الذي كان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من المائدة " كل مما يليك ".
وليجدوا فيكم غلظة الغلظة- مثلثة- : الشدة والخشونة، أي وليجدوا فيكم جرأة وصبرا على القتال وعنفا في القتل والأسر ونحو ذلك كما قال : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ( التوبة : ٧٣ ).
والغلظة في زمن الحرب مما تقتضيه الطبيعة والمصلحة، لما فيها من شدة الزجر والمنع عن القبيح.
وفي الآية إيماء إلى أنه قد يحتاج حينا إلى الرفق واللين، وأخرى إلى العنف والشدة، لا أن يقتصر على الغلظة فحسْبُ فإن ذلك مما ينفّر ويوجب تفرق الناس عنهم، وإنما أمروا بذلك في القتال وما يتصل بالدعوة إلى الإسلام، للإرشاد إلى أنه يجب أن تكون حالهم في الأمور العامة مبنية على الرفق والعدل والتؤدة في المعاملة ومن ثم صار ذلك من أخصّ صفات المسلين.
واعلموا أن الله مع المتقين أي واعلموا أن الله معكم بالمعونة والنصر إذا اتقيتموه وراعيتم أحكامه وسننه، وابتعدتم عن التقصير في أسباب النصر والغلب من إعداد العُدة المناسبة للزمان والمكان التي عناها الله بقوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ( الأنفال : ٦٠ ) ومن الثبات والصبر، والطاعة وحسن النظام، وترك التنازع والاختلاف، وكثرة ذكر الله والتوكل عليه فيما وراء الأسباب والسنن المعروفة.
المعنى الجملي : لما أمر سبحانه فيما سبق بقتال المشركين كافة- أرشدهم في هذه الآية إلى طريق السداد في هذا الباب، وهو أن يبدءوا بقتال من يليهم ثم ينتقلوا إلى الأبعد فالأبعد وهكذا، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كذلك، فقد حارب قومه ثم انتقل إلى غزو سائر العرب ثم إلى غزو الشام، ولما فرغ صحابته من الشام دخلوا العراق ؛ وكذلك في أمر الدعوة فقد قال تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين ( الشعراء : ٢١٤ ) ثم أُمِر بالدعوة العامة وقتال من يقف في طريقها من المشركين فقال : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ( التوبة : ٢٩ )
الإيضاح :
يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أي قاتلوا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ذاك أن القتال إنما شرع لتأمين الدعوة إلى الدين والدفاع عن أهله، وقد كانت الدعوة موجهة إلى الأقرب فالأقرب من الكفار كما قال تعالى لرسوله : لتنذر أم القرى ومن حولها ( الشورى : ٧ ).
وهذا الترتيب أولى لوجوه كثيرة : منها قلة النفقات، والحاجة فيه إلى الدواب والآلات، وسهولة معرفة حال الأقرب من الأسلحة والعسكر، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بالأبعد لا يؤمن معه من هجوم العدو على الذراري والضعفاء، ومن ثم كان هذا هو الطريق المتبع في الدعوة والنفقات والصدقات وما يدار في المجالس من شراب ونحوه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي من على يمينه وإن لم يكن أفضل الجالسين ثم الذي يليه ثم الذي يليه، وقال للأعرابي الذي كان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من المائدة " كل مما يليك ".
وليجدوا فيكم غلظة الغلظة- مثلثة- : الشدة والخشونة، أي وليجدوا فيكم جرأة وصبرا على القتال وعنفا في القتل والأسر ونحو ذلك كما قال : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ( التوبة : ٧٣ ).
والغلظة في زمن الحرب مما تقتضيه الطبيعة والمصلحة، لما فيها من شدة الزجر والمنع عن القبيح.
وفي الآية إيماء إلى أنه قد يحتاج حينا إلى الرفق واللين، وأخرى إلى العنف والشدة، لا أن يقتصر على الغلظة فحسْبُ فإن ذلك مما ينفّر ويوجب تفرق الناس عنهم، وإنما أمروا بذلك في القتال وما يتصل بالدعوة إلى الإسلام، للإرشاد إلى أنه يجب أن تكون حالهم في الأمور العامة مبنية على الرفق والعدل والتؤدة في المعاملة ومن ثم صار ذلك من أخصّ صفات المسلين.
واعلموا أن الله مع المتقين أي واعلموا أن الله معكم بالمعونة والنصر إذا اتقيتموه وراعيتم أحكامه وسننه، وابتعدتم عن التقصير في أسباب النصر والغلب من إعداد العُدة المناسبة للزمان والمكان التي عناها الله بقوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ( الأنفال : ٦٠ ) ومن الثبات والصبر، والطاعة وحسن النظام، وترك التنازع والاختلاف، وكثرة ذكر الله والتوكل عليه فيما وراء الأسباب والسنن المعروفة.
آية رقم ١٢٤
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( ١٢٤ ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ( ١٢٥ ) أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( ١٢٦ ) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ( التوبة : ١٢٤-١٢٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
آية رقم ١٢٥
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( ١٢٤ ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ( ١٢٥ ) أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( ١٢٦ ) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ( التوبة : ١٢٤-١٢٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
الإيضاح :
وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون أي وأما الذين في قلوبهم شك وارتياب دعاهم إلى النفاق بإسرار الكفر وإظهار الإسلام، فزادتهم كفرا ونفاقا مضموما إلى كفرهم ونفاقهم السابق، واستحوذ ذلك عليهم واستحكم فيهم إلى أن ماتوا على الكفر والنفاق على مقتضى سننه تعالى في تأثير الأعمال في صفات النفس وتغيير هواجس الفكر.
ثم عجّب من حالهم وقد كان لهم زاجرا فيما يرون فقال : أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين .
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
الإيضاح :
وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون أي وأما الذين في قلوبهم شك وارتياب دعاهم إلى النفاق بإسرار الكفر وإظهار الإسلام، فزادتهم كفرا ونفاقا مضموما إلى كفرهم ونفاقهم السابق، واستحوذ ذلك عليهم واستحكم فيهم إلى أن ماتوا على الكفر والنفاق على مقتضى سننه تعالى في تأثير الأعمال في صفات النفس وتغيير هواجس الفكر.
ثم عجّب من حالهم وقد كان لهم زاجرا فيما يرون فقال : أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين .
آية رقم ١٢٦
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( ١٢٤ ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ( ١٢٥ ) أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( ١٢٦ ) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ( التوبة : ١٢٤-١٢٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
الإيضاح :
أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين أي أيجهلون هذا ويَغْفُلون عن حالهم فيما يعرض لهم عاما بعد عام من ضروب الابتلاء والاختبار التي تُظْهِر استعداد النفوس للإيمان والكفر والتفرقة بين الحق والباطل، وينظرون إلى الآيات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به من نصر الله لمن اتبعه وخذلان أعدائه ووقوع ما أنذرهم به، ومن إنباء الله بما في قلوبهم وفضيحتهم بما يكتمون من أعمالهم.
ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون أي ثم هم مع كل هذا تمر عليهم الأعوام تلو الأعوام ولا يتوبون من نفاقهم ولا يتعظون بما يحلّ بهم من العذاب، أفبعد هذا برهان على قلة الاستعداد للإيمان وانطفاء نور الفطرة، ولله در القائل :
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
الإيضاح :
أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين أي أيجهلون هذا ويَغْفُلون عن حالهم فيما يعرض لهم عاما بعد عام من ضروب الابتلاء والاختبار التي تُظْهِر استعداد النفوس للإيمان والكفر والتفرقة بين الحق والباطل، وينظرون إلى الآيات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به من نصر الله لمن اتبعه وخذلان أعدائه ووقوع ما أنذرهم به، ومن إنباء الله بما في قلوبهم وفضيحتهم بما يكتمون من أعمالهم.
ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون أي ثم هم مع كل هذا تمر عليهم الأعوام تلو الأعوام ولا يتوبون من نفاقهم ولا يتعظون بما يحلّ بهم من العذاب، أفبعد هذا برهان على قلة الاستعداد للإيمان وانطفاء نور الفطرة، ولله در القائل :
| قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد | وينكر الفمّ طعم الماء من سقم |
آية رقم ١٢٧
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( ١٢٤ ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ( ١٢٥ ) أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( ١٢٦ ) وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ( التوبة : ١٢٤-١٢٧ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
الإيضاح :
وبعد أن بين حال تأثير إنزال السورة في المنافقين وهم غائبون عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم- بيّن حالهم وهم في مجلسه صلى الله عليه وسلم حين نزولها واستماع تلاوته لها فقال :
وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض أي وإذا أنزلت سورة وهم في المجلس تسارقوا النظر وتغامزوا بالعيون، على حين تخشع أبصار المؤمنين وتنحني رؤوسهم، وتشاوروا في الانسلال من المجلس خِفْية، لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من سخرية وإنكار قائلا بعضهم لبعض :
هل يراكم من أحد أي هل يراكم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو المؤمنون إذا قمتم من المجلس.
ثم انصرفوا أي ثم انصرفوا جميعا عن مجلس الوحي متسللين لواذا كراهة منهم لسماعه وانتظار لسنوح فرصة الغفلة عنهم، فكلما لمح أحد منهم غفلة عنه انصرف.
صرف الله قلوبهم أي صرف الله قلوبهم عن الإيمان الصادق والاسترشاد بآيات كتابه إلى ما في ملكوت السماوات والأرض من دلائل قدرته.
وهذه الجملة : إما إخبار بذلك، أو دعاء عليهم به، والمآل في هذه واحد في كلامه تعالى.
بأنهم قوم لا يفقهون أي وذلك الصرف بسبب أنهم قوم فقدوا فهم الحقائق وما يترتب عليها من الأعمال، فلا يفقهون ما يسمعون من الآيات لعدم تدبرها والتأمل في معانيها مع موافقتها للعقل وهدايتها إلى الحق والعدل. لأنهم وطّنوا أنفسهم على الإعراض عن كل ما جاء به من غير بحث ولا تأمل، أحق هو أم باطل، أخير هو أم شر ؟ وأنى لمثل هؤلاء- وتلك حالهم- أن يهتدوا بنزول الآيات والسور ؟
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ضروبا من مخازي المنافقين كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة- ذكر هنا ضروبا أخرى من تلك المثالب كتهكمهم بالقرآن وتسللهم لواذا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم وفي المؤمنين.
الإيضاح :
وبعد أن بين حال تأثير إنزال السورة في المنافقين وهم غائبون عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم- بيّن حالهم وهم في مجلسه صلى الله عليه وسلم حين نزولها واستماع تلاوته لها فقال :
وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض أي وإذا أنزلت سورة وهم في المجلس تسارقوا النظر وتغامزوا بالعيون، على حين تخشع أبصار المؤمنين وتنحني رؤوسهم، وتشاوروا في الانسلال من المجلس خِفْية، لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من سخرية وإنكار قائلا بعضهم لبعض :
هل يراكم من أحد أي هل يراكم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو المؤمنون إذا قمتم من المجلس.
ثم انصرفوا أي ثم انصرفوا جميعا عن مجلس الوحي متسللين لواذا كراهة منهم لسماعه وانتظار لسنوح فرصة الغفلة عنهم، فكلما لمح أحد منهم غفلة عنه انصرف.
صرف الله قلوبهم أي صرف الله قلوبهم عن الإيمان الصادق والاسترشاد بآيات كتابه إلى ما في ملكوت السماوات والأرض من دلائل قدرته.
وهذه الجملة : إما إخبار بذلك، أو دعاء عليهم به، والمآل في هذه واحد في كلامه تعالى.
بأنهم قوم لا يفقهون أي وذلك الصرف بسبب أنهم قوم فقدوا فهم الحقائق وما يترتب عليها من الأعمال، فلا يفقهون ما يسمعون من الآيات لعدم تدبرها والتأمل في معانيها مع موافقتها للعقل وهدايتها إلى الحق والعدل. لأنهم وطّنوا أنفسهم على الإعراض عن كل ما جاء به من غير بحث ولا تأمل، أحق هو أم باطل، أخير هو أم شر ؟ وأنى لمثل هؤلاء- وتلك حالهم- أن يهتدوا بنزول الآيات والسور ؟
آية رقم ١٢٨
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١٢٨ ) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( التوبة : ١٢٨-١٢٩ ).
المعنى الجملي : لما أمر الله رسوله في هذه السورة أن يبلغ الخلق تكاليف شاقة يعسر تحملها إلا على من خُصّ بوجوه التوفيق والكرامة- ختمها بما يوجب تحملهم تلك التكاليف فبيّن أن هذا الرسول منهم، فما يحصل له من عز وشرف فهو عائد إليهم، إلى أنه يشقُّ عليه ضررهم، وتعظم رغبته في إيصال خيري الدنيا والآخرة إليهم فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم عليهم، والطبيب الحاذق بما أقدم على علاج يصعب تحمله، والأب الرحيم بما ركن إلى ضروب من التأديب يشق على النفس احتمالها كما قال :
قال أبيّ بن كعب رضي الله عنه : إن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، لكن روى الشيخان عن البراء بن عازب أنه قال : آخر آية نزلت : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ( النساء : ١٧٦ ) وآخر سورة نزلت : براءة، وعن ابن عباس : آخر آية نزلت : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ( البقرة : ٢٨١ ) وكان بين نزولها وموته صلى الله عليه وسلم ثمانون يوما.
المعنى الجملي : لما أمر الله رسوله في هذه السورة أن يبلغ الخلق تكاليف شاقة يعسر تحملها إلا على من خُصّ بوجوه التوفيق والكرامة- ختمها بما يوجب تحملهم تلك التكاليف فبيّن أن هذا الرسول منهم، فما يحصل له من عز وشرف فهو عائد إليهم، إلى أنه يشقُّ عليه ضررهم، وتعظم رغبته في إيصال خيري الدنيا والآخرة إليهم فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم عليهم، والطبيب الحاذق بما أقدم على علاج يصعب تحمله، والأب الرحيم بما ركن إلى ضروب من التأديب يشق على النفس احتمالها كما قال :
| فقسا ليزدجروا ومن يك حازما | فليقس أحيانا على من يرحم |
آية رقم ١٢٩
روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن زيد بن ثابت في جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند خُزَيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرها- يريد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعُسُب إلا عنده، وقد كانتا محفوظتين معروفتين للكثير كما صرح بذلك في الروايات الأخرى ؛ فقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين في آخر براءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى قوله وهو رب العرش العظيم إلى عمر فقال : من معك على هذا ؟ فقال : لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتهما سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها بها، فألحقت في آخر براءة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها.
ومن هذه الروايات يُعْلم أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، ولكن المعتمد هو الأول، لأن من حفظ التوفيق حجة على من لم يحفظ.
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : إن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه، واكتفاؤه بخزيمة وحده إنما كان لأنه لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، وحسبك دليلا على ذلك قوله : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث عمن كتبها فقط ا هـ.
فجملة القول : إن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة وإنما اختلفوا حين الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة، وفاقا لقول أبيّ بن كعب وهو أحد الذين تلقَّوْا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت وكان عدد المختلفين في موضعهما قليلا، فلما كُتِبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما هذا، ولم يروا أيّ اعتراض على ذلك ممن كتبوا لأنفسهم مصاحف واعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال عمر : لا أسألك عليها بينة أبدا، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها.
ومن هذه الروايات يُعْلم أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، ولكن المعتمد هو الأول، لأن من حفظ التوفيق حجة على من لم يحفظ.
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : إن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه، واكتفاؤه بخزيمة وحده إنما كان لأنه لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، وحسبك دليلا على ذلك قوله : إنهم كانوا يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فهو صريح في أن البحث عمن كتبها فقط ا هـ.
فجملة القول : إن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة وإنما اختلفوا حين الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة، وفاقا لقول أبيّ بن كعب وهو أحد الذين تلقَّوْا القرآن كله مرتبا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا زيد بن ثابت وكان عدد المختلفين في موضعهما قليلا، فلما كُتِبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما هذا، ولم يروا أيّ اعتراض على ذلك ممن كتبوا لأنفسهم مصاحف واعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود رضي الله عنه.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
129 مقطع من التفسير