تفسير سورة سورة التوبة
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب
أوضح التفاسير
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)
الناشر
المطبعة المصرية ومكتبتها
الطبعة
السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م
-[٢٢٢]- ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ومن عهودهم ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بريء منهم أيضاً. ومن بريء منه الله تعالى فإن رسوله بريء منه، ومن برىء منه الرسول فإن الله تعالى بريء منه ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ أيها المشركون من كفركم ونقضكم للعهود ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لأنكم ضمنتم الأمان في الدنيا، والأمن في الآخرة ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن ذلك ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ غير فائتي عذابه
لم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ من أعدائكم ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ التي ضربتموها في العهد. يؤخذ من ذلك أنه كانت تعقد بين المؤمنين والمشركين معاهدات ومحالفات، مؤقتة بمواقيت؛ كما يفعل كبار ساسة العالم اليوم؛ بغير فارق سوى أن هؤلاء ناقضون للعهد، صارمون للود؛ وأولئك لعهدهم راعون، ولأماناتهم حافظون
-[٢٢٣]- ﴿فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ على الوفاء بعهدهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٢٢٤]- وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ أَمْ بَدَءوكُمْ يَشَآء عَلَى حَكِيمٌ مُّؤُمِنِينَ.
﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ بالنصر على الكافرين
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ والإنفاق: خشيةلله تعالى، والإمساك: خشية من الإملاق والفقر ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ وسائر العبادات - ما لم يشبها رياء أو نفاق - فهي خشية من الله تعالى؛ فإذا شابها شيء منهما فهي خشية لسواه
-[٢٢٥]- الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: افتخر العباس بالسقاية، وشيبة بالعمارة، وعلي رضي الله تعالى عنه بالإسلام والجهاد؛ فصدق الله تعالى علياً؛ لأن
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[٢٢٧]- ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ يشابهون بقولهم هذا ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾
وهم الذين قالوا: الملائكة بناتالله. وقول المشركين: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق؛ مع قيام الدلائل الواضحة على صدقه
﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ وقد اختيرت الجباه والجنوب والظهور بالكي: لأن البخيل يرى الفقير قادماً عليه فيقطب جبهته، فإذا جاءه أعرض ونأى بجانبه، فإذا طالبه بإحسان ولاه ظهره؛ فوجب أن يكوى بما بخل به على جبهته وجنبه وظهره وقد يكون المراد بذلك كيّ سائر الجسم؛ فالجبهة تدل على الأمام، والجنوب والظهور على باقي الجسم. وقد يقال: كيف يحمى على أوراق العملة المتداولة الآن إن كانت مكتنزة؟ والجواب: إنه يحمى على ما يوازيها من الذهب والفضة؛ فتكوى بها الجباه والجنوب والظهور؛ وجميع ذلك على وجه التمثيل: فقد يحمى على أطنان كثيرة من الذهب والفضة؛ فتصب على البخلاء صباً؛ ويومئذٍ يتذكرون ما فعلوه في دنياهم ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ والمراد من الآية: أن الذهب والفضة اللذين هما موضع إعجابهم في الدنيا واهتمامهم وحرصهم؛ سيكونان في الآخرة موضع ألمهم وتعذيبهم نعوذ به تعالى من غضبه وعذابه ﴿هَذَا مَا كَنَ
-[٢٢٨]- زْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ أي يقال لهم: إنكم لم تكنزوا خيراً لأنفسكم؛ بل كنزتم لها الشر المقيم، والعذاب الأليم ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي جزاءه وعقوبته
من هذه الآية نعلم مكانة الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه عند ربه، وعلوّ قدره، وسمو منزلته؛ فقد بشره مولاه جل شأنه بالعفو قبل أن يخبره بالذنب؛ ولأنه لو قال له معاتباً: لم أذنت لهم؟ لخيف عليه أن ينشق قلبه حزناً وكمداً
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٢٣١]- ﴿هُوَ مَوْلاَنَا﴾ ناصرنا ومتولي أمورنا ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في سائر أمورهم (انظر آية ٨١ من سورة النساء)
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٢٣٣]- ﴿قُلِ اسْتَهْزِءُواْ﴾ ما شئتم أن تستهزئوا ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ أي مظهر ما تخفونه وتحذرون ظهوره من النفاق
﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تركهم من رحمته وفضله؛ وجعلهم كالمنسيين
-[٢٣٤]- ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطلت أعمالهم الحسنة التي عملوها ﴿فِي الدنْيَا﴾ لأن الكفر محبط لسائر الأعمال ﴿وَالآخِرَةِ﴾ لأنه لا جزاء لها
يا معشر المؤمنين: لقد جاءكم البشير النذير، بقول الرحمن الرحيم ﴿أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ فأي شيء تبتغون فوق رحمته؟ وأي شيء تطلبون بعد جنته؟ ولم يجعل جل شأنه سبب الوصول إلى رحمته عسيراً شاقاً؛ بل هو طلبة كل إنسان كامل، وبغية كل شخص عاقل وقد وصف الله تعالى أولئك الذين اصطفاهم لجنته، واختصهم برحمته بقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فهل ترى أيها المؤمن العاقل أن النهي عن المعروف، والأمر بالمنكر؛ أولى وأجدر من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟
ووصفهم تعالى أيضاً بإقامة الصلاة: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾ وإقامتها - كما تعلم - قيام بشكره تعالى على ما وهب من واسع العطاء، وأنعم من مزيد النعم؛ وابتهال إليه تعالى ليمنّ بالهداية إلى دينه القويم، وصراطه المستقيم
ووصفهم جل شأنه بإيتاء الزكاة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فهل ترى أيها المتقلب في نعمة الله، المتمتع بهباته وفيوضاته؛ أن تأكل كما تأكل الأنعام فلا تلتفت إلى من هم دونك من الأنام؛ وتذرهم يموتون عرياً،
-[٢٣٥]- ويتضورون جوعاً؟ وهل هذا شأن بني الإنسان؛ الذين فضلهم ربهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، وميزهم بالعقل الراجح، والقلب الرحيم.
ووصفهم تعالى أيضاً بأحسن ما يوصف به العباد المقربون؛ وهل يقرب الإنسان من ربه سوى طاعته؟ ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهل تجب على العاقل طاعة الشيطان، أم طاعة الرحمن؟ هل تجب طاعة من يدعوك إلى الجنة، أم من يدعوك إلى النار؟ إن الله تعالى قد ألبسك ثوب محبته ودعاك إلى جنته، ووعدك بمزيد رحمته فهلم - يا رعاك الله وهداك - إلى رحمة الله رحمنا الله تعالى وإياك، ووهبنا مزيد رضوانه ووفقنا لما يؤهلنا إلى فيض إحسانه
قيل: قتل مولى للجلاس؛ فقضى رسول الله له بديته؛ فكانت سبباً في غناه ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ عن النفاق، وعن كلمة الكفر ﴿يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾ يعرضوا ويصروا على النفاق ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل، والأسر، والذل ﴿وَالآخِرَةِ﴾ بالنار وبئس القرار
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٢٣٦]- ولا يبديها. ونفاق القلب: أسوأ مراتب النفاق
وصلاة الجنازة: أربع تكبيرات؛ يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب سراً، ثم يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الثانية،
-[٢٣٧]- ثم يخلص الدعاء للميت بعد الثالثة، ثم يكبر الرابعة ويقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده؛ ثم يسلم. وليس في صلاة الجنازة ركوع ولا سجود. ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ كافرون
والنصح: إخلاص العمل من الغش ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ لأعمالهم؛ الذين نصحوا لله ورسوله، ولم يمنعهم عن الجهاد إلا العذر الشديد ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ يدعو إلى مؤاخذتهم أو لومهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ومهما تكن عند امرىء من خليقةوإن خالها تخفي على الناس تعلم
﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ ترجعون يوم القيامة ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ما خفي وما ظهر ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يجازيكم عليه
ومر أعرابي بالرسول عليه الصلاة والسلام وهو يقرؤها فقال: بيع والله مربح؛ لا نقيله ولا نستقيله؛ وخرج إلى الغزو فاستشهد ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ﴾ أي يقتل بعضهم بعض الكفار ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ يقتل بعض الكفار بعضهم ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ أي إن جزاء المؤمن على جهاده بالجنة: وعد من الله حق ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ ومن هنا يعلم أن فريضة الجهاد، ومقاومة الأعداء، وبذل النفس والمال في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى: كان من أقدم العصور التي نزل فيها تشريع إلهي، ودين سماوي؛ وأنه قد نص على أجر المجاهدين وثوابهم ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ قبل أن ينزل به القرآن الكريم؛ الذي جاء مصدقاً لما تقدمه من الرسل والكتب ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي لا أحد أوفى منه تعالى ﴿فَاسْتَبْشِرُواْ﴾ أيها المجاهدون ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ الله ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وأي فوز أعظم من التمتع بالجنة، والفوز برضا الله تعالى؟ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾
-[٢٤٢]- ﴿السَّائِحُونَ﴾ المجاهدون، أو الصائمون. وذلك لأن الصائم تصفو روحه، وتضعف شهوته، وتنجلي قريحته، ويعتدل نظره، ويقل هواه؛ فيكون أقرب شبهاً بالملائكة؛ فيسيح في ملكوت الله تعالى، ويتفكر في خلق السموات والأرض؛ وقيل: هم طلبة العلم؛ لأنهم يسيحون في الأرض ابتغاء طلبه وتحصيله؛ أو هم الجائلون بأفكارهم في ملك ربهم وتوحيده ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أحكامه، والعمل بما فيها، والحض عليها ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين هذا حالهم بالجنة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أي لا يحتلون بلداً، ولا يدوسون موضعاً ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وطؤهم له ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾ منالاً. أي لا يقتلون منهم قتيلاً، أو يأسرون أسيراً، أو يجرحون جريحاً ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ينالون أجره، ويكسبون ثوابه
-[٢٤٤]- ﴿فَلَوْلاَ﴾ فهلا ﴿نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ جماعة ﴿مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ﴾ يتعلموا ويتبصروا ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ بما تعلموه وتفقهوا فيه ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ الجهل فيتجنبونه.
﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ بعد أن مهد لهم تعالى سبل الإيمان فأنكروها، وأبان لهم دواعي الحق فتنكروا لها، وأنزل عليهم آياته فانصرفوا عنها؛ بعد كل ذلك ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ جزاء لهم على انصرافهم؛ وهو كقوله تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقد يكون معنى قوله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ دعاء عليهم؛ كقوله ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ هذا شأن الزائغين المنصرفين؛ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فأولئك ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تم عرض جميع الآيات
128 مقطع من التفسير