ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض الآية. والخطاب في ( تعلم ) للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من المؤمنين الذين ربما كانوا يمتعضون من كلام اليهود وغيرهم من المعترضين على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو الحيرة فيها ففي الكلام تثبيت لمن كان كذلك من الضعفاء ودعم لإيمانهم، وتوجيه الكلام إلى شخص يراد غيره شائع في كلام العرب والمولدين : ولذلك قال بعض العلماء، نزل القرآن على طريق قولهم " إياك أعني واسمعي يا جاره " وإذا كان هذا الملك العظيم لله وحده فلا شك أنه لا يعجزه أن ينسخ حكما من الأحكام. ومن آية إرادة الأمة بالخطاب الالتفات عن الإفراد إلى الجمع بقوله وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير أي إن وليكم وناصركم هو الله تعالى وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، ولا ينبغي أن يستهويكم إنكارهم فيميلكم عن دينكم فإنه لا قيمة له ولا للمنكرين إذ ليس في استطاعتهم أن يضروكم أو ينفعوكم إذا كان الله هو مولاكم وناصركم. وإذا أراد الله بكم سوءا فلا يملكون أن يدفعوه عنكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات ويلتئم بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة، وهو الذي يتقبله العقل، يستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شيء من التكلف في فهم نظمه ولا في توخيه مفرداته كالإنسان والقدرة والملك١ وقد اضطر القائلون بأن المراد بالنسخ نسخ الأحكام – مع ما عرفت من التكلف – إلى القول بجو نسيان الوحي، وطفقوا يلتمسون الدلائل على ذلك، حتى أوردوا قوله عز وجل ١٨ : ٢٤ واذكر ربك إذا نسيت وليس من هذا الموضوع ولا المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جاء على طريق الحكاية٢ وأما قوله تعالى ٧٨ : ٦، ٧ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله فهو يؤكد عدم النسيان لأن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى ١١ : ١٠٨ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع. وقوله ٧ : ١٨٨ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله والنكتة في الاستثناء بيان هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها ولو شاء الله تعالى أن يغيرها لفعل، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين، فلا غرو أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه. فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي، وإنما هو تأييد ومنحة من الله تعالى، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجب عقلي أو طبيعي، وإنما هو بإرادة الله تعالى ومشيئته.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( أو ننسأها ) أي نؤخرها، ولا يظهر هذا المعنى في مقام نسخ الأحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فإن الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قلبه قد تنسخ بآية جديدة خير منها أو مثلها، وقد تؤخر بالآية الجديدة، ثم تعطى في وقت آخر بعد الاقتراح، ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر.


تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير